logo

logo

logo

logo

logo

القناطر

قناطر

Vaults - Voûtes

القناطر

 

القناطر لغة: ما يُبنى على الماء للعبور؛ إلا أن هذا التعريف من الناحية الهندسية غير شامل لنماذج هذه المنشأة، ومفردها قنطرة.

ويمكن القول: إن القنطرة هي مجاز بين نقطتين يأخذ من القوس شكلاً لمرتسمه الشاقولي، يُبنى فوق الأنهر للعبور، وفي المدن والطرقات لاستجرار المياه وتوزيعها، فالقسم الأول من هذا التعريف ينقلنا للحديث عن القناطر التي تحمل الجسور، أما الجزء الثاني منه فيضعنا أمام المنشأة التي تحمل قنوات الماء.

لمحة تاريخية

أقدم القناطر المعروفة في التاريخ هي تلك التي بناها الآشوريون في عاصمتهم نينِوى Nineveh نحو العام 690ق.م، وكانت هذه القناطر جزءاً من مشروع الملك سِنحَريب Sennharib للري والزراعة، حيث جلبت هذه القناطر المياه من الجبال الواقعة شمال العاصمة لري السهول حولها.

ولا شكّ في أن الحضارة المصرية القديمة شيدت القناطر أيضاً، إلاّ أنَّ الفيضانات floods المتكررة والغزيرة التي عرفتها هاتان الحضارتان سواءً من نهري دجلة والفرات في بلاد الرافدين، أو الفيضانات الموسمية لنهر النيل في مصر قد أسهمت في تدمير تلك القناطر، حيث اعتمدوا في بنائها على مادة الطين المشوي، وهي مادة قليلة الديمومة.

عُرف الرومان تاريخياً بأنهم مبتكرو القناطر المائية aqueducts، فالقناطر المائية القديمة التي حفظها التاريخ ترجع إلى العصر الروماني، وتُعد من أهم الإنجازات الإنسانية لحضارة الرومان الهندسية، ويكفي أن يُذكر أنه كانت تغذي روما إحدى عشرة قنطرة مائية، بنيت ما بين 312ق.م و226م، وأطولها قنطرة آنيو نوڤوس Anio Novus التي ماتزال ثلاث منها تعمل إلى هذا اليوم، وقد ظل النظام المائي الروماني هو الأفضل حتى القرن 19م، ولا شكّ في أن مادة الحجر التي اعتمدها الرومان في بناء القناطر أسهمت في الحفاظ على العديد منها.

الأهداف الوظيفية للقناطر

الشكل (1) الجسر العربي في سيميتو

 

الشكل (2) الجسر السلجوقي

 

الشكل (3) جسر مدينة وستار في البوسنة

 

الشكل (4) جسر القنطرة الروماني

 

الشكل (5) سلسلة قناطر ذات منسوب واحد تحمل الأقنية المائية في حماة

 

الشكل (6) قناطر غار (فرنسا)

 

الشكل (7) القنطرة المائية في سيغوفيا

استخدم الرومان القناطر في إنشاء الجسور، ومجار مائية لتصريف المياه المالحة، وأقنية مائية تُزود المدن بالمياه اللازمة للشرب، حيث كانت المياه تجري في أنابيب تحت الأرض، فإذا كان عليها أن تجري في وادٍ، أو منطقة طبوغرافية منخفضة، كانت تشيد لمرورها قناطر حجرية تعلوها أنابيب المياه.

وقد كان سكان روما يتزودون بالمياه من الأقنية المائية المحمولة على قناطر إلى خزانات تقوم بتوزيعها إلى الحمامات والسُّبل المائية fountains العامة وإلى منازل علية القوم وقصورهم.

الأساليب المتبعة في إنشاء القناطر

بنى الرومان القناطر بمهارة إنشائية أبقت معظمها آلاف السنين بعد سقوط روما، كما اعتمدوا في بنائها على الحجر المتوافر في المنطقة، وهنالك بعض الحالات التي استخدموا فيها القرميد في البناء كما في قنطرة مدينة بامفيليا Pamphylia في جنوبي تركيا، وأحياناً كان يدخل الخشب في إنشاء الأجزاء العلوية منها.

وكانت حجارة القنطرة تُبنى على قالب خشبي يتم فكه وإزالته بعد الانتهاء من البناء، وتستند إلى أعمدة pillars أو ركائز buttressesتنقل الحمولات، وتعمل على استقرار القوس، حيث تُبنى الدعامات على أساسات صخرية متينة.

إنَّ معظم القناطر القديمة كانت تبنى من دون استخدام الملاط أو المونة الرابطة بين الأحجار، حيث تعتمد على الاحتكاك في نقل القوى والانتقال الميكانيكي للحمولات.

وكان لمواد البناء المحلي وتقاليده تأثيرها في إنشاء القناطر وتصميمها، وكانت أقنية المياه المحمولة في أعلاها تُغطى بصفائح حجرية للحفاظ على نظافة الماء من الاتساخ، وتحسباً من إمكانية تسميم العدو لها، أما مادة بناء القناة فكانت من الطين المشوي أو الحجر الكلسي limeston.  

أنواع القناطر وبعض نماذجها:

للقناطر أنواع عديدة، منها:

1ـ قنطرة إفرادية، أو سلسلة من القناطر ذات منسوب واحد: القنطرة الإفرادية تتألف من قوس واحدة إما مدببة، أو على شكل نصف دائرة وذلك تبعاً لأسلوب عمارة العصر الذي تعود إليه القنطرة، وتُقام على مجاري الأنهار للعبور غالباً، ومن الأمثلة على ذلك الجسر العربي في سيميتو Simeto (الشكل 1)، وجسر كالاتاسي Calatasi، في صقلية Sicilia.

وفي هضبة الأناضول العليا بتركيا كثير من هذه الجسور القديمة التي ما تزال مستخدمة، وقد بنى السلاجقة العديد من الجسور على الأنهار التركية، منها الجسر السلجوقي Seldjoukides’ Pont، العائد للقرن 12م، على نهر دجلة، ويبلغ طوله 275م، وارتفاعه 50م (الشكل 2).

ومن الجسور المهمة جسر مدينة موستار Mostar في البوسنة Bosnia الذي يعود إلى العهد العثماني، الذي يربط بين طرفي المدينة، وقد شُيّد على النهر الذي يقسم المدينة إلى جزأين (الشكل 3).

أما سلسلة القناطر ذات المنسوب الواحد، فنجدها في العديد من الجسور والأقنية المائية الرومانية، وقد اهتم الرومان بتشييدها في روما وفي المقاطعات التابعة لها آنذاك، ومن أقدم الجسور التي ما تزال قائمة حتى اليوم جسر فابريسيوس Pont Fabricius فوق نهر التيبر Tiber؛ الذي يعود إلى عام 62ق.م. وكذلك جسر مدينة آڤينيون Avignon الفرنسية، العائد إلى القرن 12م، وجسر القنطرة Alcantara في طليطلة Toledo جنوبي مدريد بإسبانيا؛ الذي شُيِّد ما بين عامي 105ـ116م، وقد سمى العرب هذه البلدة بالقنطرة نسبةً إليه، ويبلغ طوله 206م، وارتفاعه فوق نهر التاغوس 33م Tagus، ويبلغ عرض أكبر أقواسه نحو 27م، وقد بُني من الحجر الغرانيتي من دون المونة الرابطة، ويُعد من أعظم الإنجازات الهندسية الرومانية. (الشكل 4).

وهنالك جسر روماني في الجزائر على حافة الصحراء الكبرى ما يزال محفوظاً إلى اليوم. ومن الجسور المهمة في سورية جسر عين ديوار/ديريك الحالية، وتبعد 12كم عن مدينة المالكية، وهو مُشيَّد على نهر دجلة، يتألف من ثلاث قناطر لم يتبقَ منها سوى واحدة، يبلغ ارتفاعه 15م، وهو مبني من الحجر المنحوت من دون استخدام الملاط أو المونة الرابطة.

وفي المرحلة الأيوبية التي اهتمت بتشييد القلاع، بُني العديد من القناطر في مداخل القلاع، حيث كانت تُقام فوق الخندق المائي الدفاعي المحيط بالقلعة للتمكن من الوصول إليها، ومن الأمثلة على ذلك مدخل قلعة شيزر، و قلعة حلب Citadel of Aleppo في شمالي سورية.

وفي مدينة حماة السورية، نجد هذا النوع من القناطر في الجسور وفي الأقنية المائية، وهنالك العديد من الجسور المُقامة على نهر العاصي الذي يقسم المدينة إلى قسمين.

كما تُعد مدينة حماة نموذجاً فريداً في تخطيط المدن، لاعتمادها الكبير على النواعير Norias والأقنية المائية المحمولة على سلاسل طويلة من القناطر ذات المنسوب الواحد أو المنسوبين، والتي تنقل مياه نهر العاصي إلى حماماتها ومساكنها والسُبل المائية فيها، وسُمّيت النواعير وسلاسل القناطر الحجرية بأسماء أحيائها، علماً أن بعض هذه القناطر يصل إلى ارتفاع يزيد على الـ 20م (الشكل 5)

كما نجد سلاسل القناطر المبنية على منسوبين أو ثلاثة، والتي تحمل في المنسوب العلوي الأقنية المائية في حين أن المنسوب السفلي يُستخدم جسراً للعبور، كما في قنطرة غار Gard المائية فى مدينة نيم Nîmes الواقعة جنوبي فرنسا France، والتي تتألف من سلسلة من القناطر ثلاثية المناسيب، وتعود لعام 14م، حيث تحمل القناة المائية التي تغذي المدينة في المنسوب العلوي، أما قناطر المنسوب السفلي فتُستخدم جسراً للعبور فوق النهر، وتُسمى جسر غار Pont du Gard، ويبلغ طوله 275م، وارتفاعه 50م. وتُعد هذه الآبدة إحدى أهم الشواهد على العمارة الرومانية (الشكل 6).

والقناطر المائية الرومانية عديدة، فأولى قناطر روما قنطرة آبيوس Aqua Appia العائدة لعام 312ق.م. كما كانت البوابة العظمى Porta Maggiore في روما المزدوجة القوس تحمل في أعلاها قناتي مياه، فالبوابة نفسها كانت عبارة عن قوس نصر Triumphal Arch وقنطرة مائية بآنٍ معاً.

وقد بنى الرومان القناطر المائية في المقاطعات الرومانية آنذاك كقنطرة مدينة سيغوڤيا Segovia في إسبانيا Spain، التي بُنيت في عهد الامبراطور الروماني تراجان (ترايان) (53ـ117م) Trajan، لا تزال تعمل حتى اليوم، يبلغ طولها 16كم وهي تنقل المياه إلى المدينة، مجتازة وادٍ طوله 800م، وارتفاعه 28م، وتضم 128 قنطرة على طول 813م. (الشكل 7)

وفي الختام، لابدّ من الإشارة إلى أن القنطرة تاريخياً ارتبطت بمادة الحجر، وقد سُمِّيت في معظم الأحيان بالحجرية عوضاً من القنطرة، كما اهتمت الحضارات التي تعاقبت بعد الحضارة الرومانية بالقناطر وبتشييدها وصيانتها، إلاّ أنَّه بدءاً من القرن التاسع عشر وبعد حلول مادتي الحديد والإسمنت محل الحجر في بناء الجسور والقناطر المائية، أصبحت القناطر القديمة منشآت أثرية وأماكن سياحية تستقطب الزوار والمهتمين بالعمارة والتراث.

رضوان طحلاوي

مراجع للاستزادة:

 

ـ لورنزو لوميتو، الإسلام في صقلية؛ بستان بين حضارتين، ترجمة ساندي هلال (روما، د.ت).

- JAMES HENRY BREASTED, Ancient Times, A History of the Early World (The Athenaeum Press, USA, Second Editon, 1944).

- H. W. JANSON, History of Art (Harry N. Abrams, INC, New York 1977).

- SIR BANISTER FLETCHER‘S, A History of Architecture (Charles Scribner‘s Sons 1975).

- FISA & THE AGA KHAN TRUST FOR CULTURE, Architecture for A Changing World (Grafica Urania, Malaga, Spain 1999).


التصنيف : الهندسة
المجلد: المجلد الخامس عشر
رقم الصفحة ضمن المجلد : 592
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 1078
الكل : 40489521
اليوم : 19336

بيرهوس

بيرهوس (319 ـ 272ق.م)   بيرهوس Pyrrhos أو (بيروس وهو الأصح) ابن الملك أياسيدس Aeacides، وهو أشهر شخصية من أسرة الملوك المولوسيين Molossian الذين حكموا مقاطعة إبيروس Epiros (شمالي غربي اليونان الحالية) في مرحلة النزاع بين قادة الاسكندر الكبير لاقتسام امبراطوريته، حكم بصفته نائباً للملك في إبيروس من 307-303ق.م، واختلف مع القائد المقدوني كاساندر (358-297 ق.م) Cassander الذي طرده من مملكته فالتحق بخدمة القائد دمتريوس بوليوركيتس (366 - 283 ق.م) Demetrios Poliorkites وشاركه في موقعة إبسوس (301 ق.م) التي انتهت بخسارة دمتريوس ولجوء بيرهوس إلى بلاط ملك مصر بطلميوس الأول (367-283 ق.م) الذي رغب في الإفادة منه في مقدونية فزوجه ابنته وأمده بجيش مكنه سنة 297 ق.م من استعادة عرشه في إبيروس.
المزيد »