logo

logo

logo

logo

logo

الجرائم المخلة بواجبات الوظيفة

جرايم مخله بواجبات وظيفه

crimes against work duties - crimes contre tâches

 الجرائم المخلة بواجبات الوظيفة

الجرائم المخلة بواجبات الوظيفة

مصطفى التونسي

الرشوة  
صرف النفوذ التعدي على الحرية
الاختلاس إساءة استعمال السلطة
استثمار الوظيفة الإخلال بواجبات الوظيفة
 

تناول قانون العقوبات السوري الجرائم المخلة بواجبات الوظيفة في الباب الثالث، وتحت عنوان الجرائم الواقعة على الإدارة العامة التي تقوم بتنظيم الطاقات البشرية وتنسيقها لأجل وضع السياسة العامة للدولة موضع التنفيذ. وتحقيق هذا الهدف بصورة مُرضية مرهون بقيمة العاملين فيها؛ وتناول ما يرتكبه الموظف؛ وما يُرتَكب بحقه من أفعال غير مشروعة، حيث أورد القانون مفهوم الموظف العام في المادة (340)، وأتبعها بالجرائم المخلة بواجبات الوظيفة في كامل الفصل الأول من الباب الثالث؛ بهدف الحفاظ على الوظيفة العامة وحماية سمعتها وكرامتها، وضمان هيبتها ورفع مستواها؛ لإحقاق الحق ومساعدة أصحاب الحاجات المشروعة في الوصول إلى غاياتهم الشريفة عبر قناة الوظيفة التي لا تفرق بين شخص وآخر، فضلاً عما تلحقه بالدولة في حال فساد الوظيفة وإفسادها، كما تهدف إلى حث الموظف العام على الاتصاف بالنزاهة والاستقامة والإخلاص والولاء في أثناء ممارسته لأعماله الرسمية الوظيفية وبسببها، والابتعاد عن المواقف والممارسات التي تنال من كرامته وشخصه وتُعرِّضه للمساءلة المسلكية والمساءلة الجزائية. وتسعى أيضاً تلك النصوص إلى إشاعة الثقة لدى المواطنين في صدق الوظيفة وتجردها بوصفها هيئة معنوية عبر القائمين بها.

كذلك تهدف إلى صون الأموال العامة والخاصة الموضوعة في عهدة الموظف وحراسته؛ ومنعه من استثمار ما أوكل إليه واختلاسه؛ وإبعاده عن تقصي المنفعة المادية الشخصية؛ والحؤول دون الإضرار بخزينة الدولة أو بمال الغير من دون سبب مشروع. وإذا كان القانون يحمي الوظيفة من الموظف؛ فإن ذلك مقابل لما يمنحه الدستور ويكرسه القانون من حماية الموظف نفسه ضد أي اعتداء قد يقع عليه بسبب وظيفته، مما يعلو به عن الأفراد العاديين.

وتتعدد الجرائم الواقعة على الوظيفة العامة بسبب تنوعها ونوعيتها، لكنها مترابطة ومتوافقة مع بعضها؛ إذ إن الصفة الاعتدائية على الوظيفة العامة تخلق الصلة المشتركة بينها، ولعل المشرع جعل من جريمة الرشوة مقياساً ومدلولاً لسائر الجرائم، فأنزلها منزلة الدائرة التي تتمحور حولها الأفعال الباقية التي قد تنطبق في طبيعتها مع جريمة الرشوة.

أولاً- الرشوة La corruption:

الرشوة أمر واقع حاضراً ومستقبلاً، وهي مرض مزمن من أمراض الإدارات والسلطات العامة في معظم البلدان، وتعدّ نوعاً من أنواع المتاجرة بالوظيفة لتوفير كسب غير مشروع؛ وشكلاً من أشكال الإخلال بواجبات الوظيفة الذي يؤدي إلى القضاء على ثقة الأفراد بأجهزة الدولة، ويزعزع قناعتهم بها ويحدو بهم إلى الاستجابة لرغبات المرتشين؛ ومساومة مستقيمي السلوك؛ للتأثير في نفوس ضعفاء الضمير والإرادة منهم.

1- مفهوم الرشوة وطبيعتها القانونية:

والرشوة لغة: الجُعْلُ، والجمع رُشاً ورِشاً.

والرشوة بالمعنى العام: هي اتفاق بين شخصين يعرض أحدهما على الآخر جُعلاً أو فائدة فيقبلها لأداء عمل أو الامتناع عن عمل يدخل في وظيفته أو مأموريته. ولم يعرِّف قانون العقوبات العام أو قانون العقوبات الاقتصادي في سورية جريمة الرشوة، ويخلو الاجتهاد القضائي السوري من أي تعريف.

أما الرشوة في مفهومها الأصلي فقد عرفها فقهاء القانون بأنها: اتجار موظف في أعمال وظيفته عن طريق الاتفاق مع صاحب المصلحة أو التفاهم معه على قبول ما عرض على الأخير من فائدة أو عطية نظير أداء عمل أو الامتناع عن أداء عمل يدخل في نطاق وظيفته أو دائرة اختصاصه.

والرشوة قانوناً: عقد غير مشروع مخالف للنظام العام، ينشأ ويتم عن طريق الرضا والقبول - على سبيل القياس - باتفاق إرادة شخصين، هما: الراشي le corrupteur أي صاحب المصلحة الذي يعرض على الموظف المعني هدية أو عطية؛ مالاً أو مقابلاً؛ مقدماً أو واعداً، أو يوافق على تقديم المنفعة التي يلتمسها الموظف منه، فيتجاوب معه.

والمرتشي corrompu أي الموظف العام، أو من هو بحكمه. وله الخيار بقبول المنفعة التي عُرضت عليه فيوافق ويقوم بما طُلِبَ منه، أو أن يلتمس شخص منفعة معينة من صاحب الحاجة الذي يقبل أو يرفض.

كل ذلك - وفي الحالتين - لقاء القيام بعمل أو الامتناع عن عمل كُلِّف به.

يستنتج مما تقدم أن لجرم الرشوة وصفاً مزدوجاً وهو:

t الرشوة الإيجابية، أي الرشوة، وتنطبق على موقف صاحب المصلحة الراشي.

t الرشوة السلبية، أو الارتشاء، وتنطبق على الموظف العام، المرتشي.

ولكن غالبية العلماء الجزائيين لم تعتمد هذا التفريق، وعدّت أن واقع حال كل قضية يفرض نفسه على قاضي الموضوع، وأن الرشوة لا تقوم إلا على التراضي، لذلك فمن الضرورة التقاء العنصرين لتكوين الفعل الجرمي. وذهب بعض العلماء الجزائيين إلى أبعد من هذا التحليل خاصة لجهة التفريق الذي قد يؤثر في حال اعتماده في تعريف الجريمة نفسها، وهذا اقتضى وجود نظامين لجريمة الرشوة هما:

أ- نظام الجريمة الواحدة Système de l‘infraction unique:

يعدّ أنصار هذا النظام أن وحدة الجريمة هي أهم ضمان لمعالجة الرشوة وملاحقتها ومعاقبتها، وتقتضي بالضرورة وجود الراشي والمرتشي معاً في المساهمة الجنائية؛ بحيث يكون الموظف العام المرتشي فاعلاً أصلياً، وصاحب المصلحة شريكاً معه في إتمام الفعل الجرمي على غرار جرائم التزوير؛ إذ يُعد الموظف فاعلاً والمساهم شريكاً، بعد أن سقطت في مثل هذا الموضوع نظرية التدخل، ومن أهم الآثار القانونية التي تترتب على هذا الاتجاه أنه في حالة طلب الموظف الرشوة، أو عرضها من صاحب المصلحة؛ فإن الجريمة تتحقق بفعل مساهمين اثنين هما الراشي والمرتشي معاً، وإن الطلب وحده، والعرض وحده كذلك يُعدّان فعل شخص واحد لا عقاب عليه كجريمة تامة، وهذا لا يتنافى مع ملاحقة الحالة الجرمية. ولكن قد يتساءل بعضهم عن درجة كل من الفريقين، والجواب على ذلك أن الموظف العام المرتشي يعدّ محور التصرف الجرمي وجوهره، وتبدأ الملاحقة الجزائية منه شخصياً لأنه أوجد الجريمة وكرَّسها وأخلَّ بواجب الوظيفة، ثم لتنال الراشي الذي يعد صاحب المصلحة الذي يرقى إلى درجة الموظف المرتشي؛ مع كونه غريباً عن الوظيفة؛ وذلك نظراً لأهمية دوره، وقد يكون أكثر إجراماً من الموظف نفسه، أو يكون قد أوقع الموظف مستثمراً وضعه عن طريق الإغواء والإغراء والتدليس والتمويه.

لكن الغاية الأساسية من الإصرار على كينونة الجريمة الواحدة هي أنه تصح ملاحقة الراشي والمرتشي معاً، وليس من خيار في الدعوى العامة بين أحدهما من دون الثاني؛ إذ لا تستقيم الجريمة إلا بوجود طرفيها، لأن من يعرض الرشوة، أو يقبل التماسها من الغير هو بحكم من يطلبها ويتوخاها ويسعى إليها، فإذا مُنِعَت المحاكمة عن أحدهما؛ استتبع ذلك الكفُّ عن التعقبات بحق الآخر؛ نظراً للتضامن الجزائي المستمد من الاتفاق الجرمي الأصلي فاستوجب المساهمة.

وتتحقق جريمة الرشوة بصورة مبدئية في اجتماع العناصر التالية:

t تقديم الهدية أو العطية.

t تسلم العرض، أو الالتماس من الموظف العمومي لنفسه أو للغير الذي يسميه.

t أداء الموظف عملاً معيناً متفقاً عليه من أعمال وظيفته أو الامتناع عن عمله.

فإذا اقتصر الأمر على أحد هذه العناصر أو على حالتين منها لا تكون الجريمة قد تمت.

وهذا النظام يتعرض لعدة انتقادات علمية منها:

(1) يساوي في المسؤولية الجزائية بين الراشي والمرتشي من دون تمييز في نسبة تحمل التبعة لدى كل من طرفي العقد الجرمي، ويشكل مخالفة صريحة لمبدأ فردية العقاب.

(2) تطبيق مبدأ الإعارة في التجريم غير صحيح من الناحية القانونية؛ وإن كان معمولاً به في الاجتهاد القضائي، ويتناقض مع وضع التزوير مجال تطبيق المبدأ المذكور لتوافر وحدة الجرم فعلاً ونية وهدفاً؛ إذ ليست الرشوة كجريمة التزوير.

(3) مخالفته بعض الأحكام الأساسية في قانون العقوبات خاصة لجهة التدخل الجزائي؛ مادام الراشي والمرتشي شريكين مساهمين في الجريمة، وبالتالي فإن هذا النظام متناقض ومتعارض مع القانون الذي ينص على الوسيط ودوره.

(4) في بعض التشريعات الجزائية التي تعدّ جريمة الرشوة من نوع الجنحة العادية ولو كانت مشدَّدة العقاب لا يمكن معاقبة الشروع؛ حال كون الفعل واحداً؛ إن لجهة الراشي أو لجهة المرتشي لعدم النص، في حين يكون هذا الأمر ممكناً في حال استقامة الجريمتين؛ إذ يشكل الفعل المسند إلى الراشي أو المرتشي جرماً ناجزاً من دون الحاجة إلى بحث المحاولة لعدم توافرها؛ بسبب إحلال الفعل التام محلها، فتصبح بدورها جريمة قائمة بذاتها.

(5) يتجاهل القائلون بهذه النظرية الحالة الخاصة بالموظف المرتشي في حال إقدامه على التماس المنفعة المادية من دون أن يلاقي هذا الالتماس قبولاً؛ إذ في هذه الحال لا يلاحق صاحب المصلحة لعدم ارتكابه أمراً مخالفاً، وبالتالي تقتصر الملاحقة على الموظف وحده بما يتنافى مع وحدة الفعل الجرمية.

(6) وهي نقيض النقطة السابقة وتتعلق بالراشي الذي يعرض الرشوة ولا يلاقي قبولاً من الموظف، فتقوم الحالة الجرمية بحق الراشي بسبب اختلاف الإرادتين.

(7) في هذا النظام لا يمكن تفسير جواز ملاحقة الفاعل الأصلي - الموظف العام - وحده بمناسبة الاستدراج بأمر من السلطة العامة، فيكتفى بملاحقة الموظف وحده من دون الذي قام بعملية الاستدراج.

ولتلافي عيوب نظام وحدة الرشوة قام أكثر المشرعين في الدول التي تبنت هذا النظام بإصدار نصوص خاصة تخرج على القواعد العامة، فقد نص المشرع السوري على تجريم الراشي عندما يعرض رشوة على موظف عام لم تلقَ قبولاً بنص المادة (345) من قانون العقوبات، وقد نهج النهج  ذاته نظام مكافحة الرشوة في المملكة العربية السعودية، وتسمى هذه الجريمة في الفقه «جريمة العرض الخائب للرشوة». ولعدم تفلت الموظف الذي يطلب رشوة لم تلقَ استجابة من صاحب المصلحة؛ فقد نص المشرع السوري في المادتين (341 و342) على المساواة بين فعل الالتماس وفعل قبول الهدية أو قبول الوعد بها أو أي منفعة أخرى، فيعدّ مرتشياً الموظف الذي يرتكب أحد هذه الأفعال، وهذا النص الشامل لكل أفعال الموظف التي يقوم بها في سبيل الاسترشاء؛ استلزمته طبيعة جريمة الرشوة؛ وما تشكله من خطورة. لذلك فإن الاتفاق بين الموظف وصاحب المصلحة ليس ضرورياً، فإن طلب الموظف الرشوة وأعطاه صاحب الحاجة مراده لوحق الموظف بجرم الرشوة وعوقب شريكه الراشي بالعقوبة ذاتها، وإن لم يستجب له صاحب المصلحة لوحق الموظف وحده، وإن عَرَضَ صاحب المصلحة رشوة على موظف فقبلها لوحق الأخير بجرم الرشوة، وكذلك يعاقب شريكه الراشي بالعقوبة نفسها، ولكن إن لم يستجب الموظف له؛ عند ذلك يلاحق الراشي بجرم «عرض رشوة»، وهي غير جريمة الرشوة، وعقوبتها غير عقوبة الرشوة في قانون العقوبات السوري.

لذلك يتبين أن المشرع  السوري ومثله المصري قد استطاعا تلافي القصور الذي يتعرض له نظام وحدة الرشوة بإدخال بعض النصوص الخاصة في نطاق تجريم الرشوة، وتوخيا بذلك تجنب أي نقد يوجّه إليهما.

ب- نظام الجريمة المزدوجة: إن القوانين الجزائية لم تلحظ هذه الجريمة بصورة واضحة ومحددة، ولكن بعض التشريعات ذكرتها ضمناً بما يشبه الصراحة، إضافة إلى أن الرأي العلمي الجزائي قد خطا خطوات جبارة في هذا الاتجاه، والاجتهاد القضائي اعتمد هذه النظرية الواسعة الرؤيا، فجاءت القرارات والأحكام تعزز المواقف الفقهية.

وهذا النظام يفرق بين الفعلين المكونين لجريمة الرشوة: فعل الراشي، وفعل الموظف العام المرتشي. وعمل كل منهما يشكل مقارفة جريمة مستقلة عن جريمة الآخر، فلا اشتراك أو ترابط أو علاقة أو اتصال بينهما؛ إذ إن كلاً من المجرمين أعلاه يعدّ فاعلاً أصلياً، ومسؤولاً جزائياً - وحده - عن عمله الشخصي، وهذا النظام يتصف بخاصية قانونية تتضح فيما يأتي:

q إن جريمة الارتشاء السلبية تصب في خانة الجرائم المخلة بواجب الوظيفة العامة وقناتها مباشرة، لارتباط جريمة الراشي بها؛ إذ إن هذا الأخير هو غريب عن الوظيفة وبعيد منها، ولو كانت النصوص لا تفيد ذلك صراحة، مع أن الفقه الجزائي أنزل جريمة الرشوة  في منزلة الاعتداء على الشيء العام، فعدّ فعل الراشي واقعاً على السلطة العامة بالتوازي مع فعل المرتشي. وهذا التمييز يساعد على الفصل بين الجريمة السلبية العائدة إلى الموظف المرتشي، وبين الجريمة الإيجابية المرتدة إلى صاحب المصلحة الراشي؛ إذ إن الأولى أشد وصفاً وعقاباً من الثانية ولو كانتا مترابطتين، لأن غاية المشرع هي تكريس الواقع الشخصي الفردي الذي قد يختلف بين مجرم وآخر، ثم الانطلاق من الدور الخاص لكل منهما.

q ويترتب على هذا النظام؛ أي استقلالية جريمة الراشي عن جريمة المرتشي نتائج قانونية متعددة، أهمها:

(1) لا يتعارض هذا النظام مع الأحكام العامة الأساسية، خاصة لجهة المساهمة الجزائية، ولاسيما التدخل، بعد أن تحققت لكل فريق الجريمة الخاصة به، فأضحى فيها فاعلاً أصلياً مع إمكانية قيام المساهمة الجرمية.

(2) إن افتراض استقلالية جريمة المرتشي عن جريمة الراشي ينفي قيام المساهمة الجزائية في العلاقات المتبادلة بين هذين الشخصين، ويجعل من الثابت أن المشاركة في الجرم تنطبق على الأشخاص المتدخلين، مما دفعهم إلى المناورات الاحتيالية لتسهيل المتاجرة بالوظيفة، مما يجعل قبول هذا التدخل أمراً ضرورياً.

(3) يوفر هذا النظام أمر ملاحقة كل من الراشي أو المرتشي وحده دون الآخر، مهما كانت الأسباب الداعية إلى ذلك.

وقد استقر الاجتهاد القضائي الفرنسي على هذا الاتجاه، ومنه تمكن من معاقبة الموظف العام المرتشي بقطع النظر عن وضع الراشي الذي قد لا يلاحق. وعلى العكس تمكن من ملاحقة الراشي ومعاقبته من دون الحاجة إلى تجريم الموظف.

(4) في حال منع المحاكمة أو إبطال التعقبات عن الراشي أو المرتشي لأي سبب كان؛ لعدم توافر النية الجرمية؛ تبقى ملاحقة الآخر ممكنة في جميع الأحوال؛ إذ لا يستفيد مجرم من غياب عنصر قانوني غير خاص به، وإنما بآخر.

(5) يعاقب الراشي ولو لم تلقَ الرشوة قبولاً.

(6) إن أسباب الإعفاء من العقاب تنصرف إلى الراشي من دون المرتشي.

- ومن الثابت - نتيجة ما تم ذكره آنفاً- أن كلاً من النظامين يسير في الاتجاه الخاص به ويسعى نحو الاستقلالية التامة، وقد لاقى كل من هذين النظامين معارضة غالبية العلماء الجزائيين، إذ إنه مع الإشارة إلى الانتقادات الموجهة إلى نظام الجريمة الواحدة المدرجة أعلاه؛ فقد شكا الفقهاء من أن نظام الجريمة المزدوجة يحمل على تأويل نية المشرع في غير ما أراد، وقد يلحق إجحافاً بحق أحد فرقاء النزاع في أثناء نظر الدعوى؛ من غير طرفي العقد الجرمي، كذلك يتعارض مع حسن سير العدالة.

وقد وضع المشرع الفرنسي لكل من جريمتي الراشي والمرتشي أحكاماً خاصة به، مع أنه جعل العقوبة للاثنين واحدة.

وقد انتقد الشراح الفرنسيون هذه الخطة قائلين: إنها لا تتفق مع المنطق ولا المبادئ القانونية.

وقد اتخذ الاجتهاد القضائي البلجيكي كما التشريع الجزائي الفرنسي موقفاً موضوعياً تدريجياً. وأوضح قانون العقوبات المغربي خياره في صورة صريحة؛ إذ نص على عنوان الفصل المعني «جريمة ارتشاء الموظف السلبية» وفي المادة (248) منه على جرم الموظف، وفي المادة (51) على جرم الراشي معتبراً أن فعل كل من الراشي أو المرتشي يؤلف جريمة خاصة مستقلة، ولكنه بالوقت نفسه يتقبل ارتباط الجريمتين معاً وفي آن واحد.

لكن المشرع اللبناني لم يلتزم صراحة وكلياً بأحد هذين النظامين، ولم يقتبس نصوصه من القانون الفرنسي كما هو الحال في بعض التشريعات العربية، وإنما كان أكثر جنوحاً وميلاً نحو الاتجاه الذي سلكه المشرع الإيطالي في حالات خاصة، ولاسيما لجهة اعتباره جريمة الرشوة واحدة وموحدة، وعدّ الرشوة جريمة موظف عام أصلاً وأساساً، ولكنه جعل للراشي دوراً على سبيل الاستطراد، وبذلك اتخذ موقفاً معتدلاً، آخذاً في عين الاعتبار شخص كل من الموظف المرتشي والراشي ودوريهما.

ويبدو أن المشرع المصري قد لحظ انتقاد الفقهاء فلم يحذُ حذو القانون الفرنسي في طريقة تحريره، ولم يضع لكل من الراشي والمرتشي أحكاماً خاصة، بل عرَّف الرشوة وبين عقوبة الراشي والمرتشي ومن يتوسط بينهما، وبالتالي لم يفصل بين فعل الراشي وفعل المرتشي، بل عدّ الفعلين مكونين لجريمة واحدة هي جريمة الرشوة.

أما الشخص الذي يتوسط بين الراشي والمرتشي فلم يضع له الشارع الفرنسي حكماً خاصاً، وهو عند الفقهاء الفرنسيين والمحاكم الفرنسية شريك لمن كلفه الوساطة. لكن الشارع المصري نص عليه في المادة (108) من قانون العقوبات في معرض تقرير العقاب، وعدّه شريكاً للراشي والمرتشي أو فاعلاً أصلياً معهما في جريمة واحدة.

وقد أخذ قانون العقوبات العام السوري بقاعدة استقلال جريمة الراشي عن جريمة المرتشي، فنص على عقاب المرتشي في المواد (341 و342 و345) منه، وخص الراشي بالمواد (343 و344 و345) منه. وبذلك يكون لفعل الراشي أركان خاصة به، ولفعل المرتشي أركان خاصة به أيضاً؛ وإن كانت العقوبة بالنسبة إليهما واحدة، شأنها في ذلك شأن العقوبة في جريمة التزوير واستعمال المزور. وقد جاءت أحكام الرشوة فيه صريحة، واضحة، شاملة، كاملة، منسجمة، ومتناسقة، تحوي جميع الأفعال المعتبرة من قبيل الرشوة، أو المشبهة بها، أو المشابهة لها، من دون حاجة إلى إضافة، فقد تناولت جميع الصور والحالات والوقائع والأشخاص والعقوبات، لذلك بقيت ولا زالت صالحة للتطبيق من دون إصلاح أو تعديل جوهري؛ سوى ما ورد من أحكام في قانون العقوبات الاقتصادي رقم (37) لعام 1966 المعدّل بالمرسوم التشريعي رقـــــــــــــــــم (40) لعام 1977، والتي لا تختلف عما ورد في قانون العقوبات العام بالنسبة إلى شرح الأفعال التي تعدّ من قبيل الرشوة؛ سوى تشديد العقوبة، مع ملاحظة خلوه من أي نص يتصل بالراشي، كما لم يتعرض لتقديم رشوة لم تلقَ القبول.

2- عناصر جريمة الرشوة:

ولابد لقيام جريمة الرشوة من توافر عناصرها وهي:

صفة الفاعل، العطية أو الوعد، العنصر المادي، العنصر الفعلي، العنصر القانوني، العنصر المعنوي.

أ- صفة الفاعل: الرشوة في جوهرها جريمة خاصة «بالموظف العام»  تمثل الانحراف بالخدمات والمرافق العامة، وتمتعه بسلطات الوظيفة يعطيه وحده قدرة الاتجار فيها؛ إذ إن الجريمة لا تتحقق إلا إذا كان الموظف أحد عضويها بالصفة الرئيسية في الملاحقة الجزائية، فإذا فقد هذا العنصر لأي سبب انعدمت جريمة الرشوة، وحلَّ مكانها الوصف القانوني لجرم آخر.

وقد افترض المشرع السوري لوقوع جريمة الرشوة أن يكون المرتشي موظفاً عاماً أو من في حكمه، وبذلك لم تعد جريمة الرشوة خاصة «بالموظف العام» بالمعنى الاصطلاحي له، وإنما توسع ليمتد نطاقها بحيث شملت طوائف متعددة ممن لا يتقلدون وظيفة عامة، فقد ورد تعريف الموظف بالمعنى المقصود في الباب الثالث المتعلق بالجرائم الواقعة على الإدارة العامة، فنصت المادة (340) على أنه كل موظف عام في السلك الإداري أو القضائي وكل ضابط من ضباط السلطة المدنية أو العسكرية أو فرد من أفرادها وكل عامل أو مستخدم في الدولة أو في إدارة عامة، وهذه المادة لها ارتباط وثيق بالمادة الأولى من قانون العقوبات الاقتصادي فقرة (ج) التي عدت جميع العاملين في الدولة مشمولين بتطبيق أحكام المرسوم (37) لعام 1966.

وقد سار الاجتهاد القضائي في سورية على النهج نفسه، فقد أدخل المستخدم في مفهوم الموظف المقصود في قانون العقوبات (نقض سوري، جنحة 2566 قرار 2679 تاريخ 24/10/1964).

كما جعل في اجتهاد آخر الموظفين في مصلحة حصر الدخان التي هي من الإدارات ذات المنفعة المشتركة بينها وبين الدولة؛ من موظفي الدولة (نقض سوري، جنحة 436 قرار 732 تاريخ 9/5/1951).

وفي اجتهاد آخر حمّلت المختار مسؤولية الموظف وجعلته متمتعاً بضماناتها (نقض سوري، جنحة 5264 قرار 4250 تاريخ 9/11/1963).

ولم يسبغ على المحامي صفة الموظف بالمعنى المقصود في المادة (340) من قانون العقوبات وإن كان قانون مزاولة مهنة المحاماة قد نص على معاقبة المعتدي على المحامي - في أثناء ممارسته المهنة وبسببها - بالعقوبة التي يعاقب بها فيما لو كان الاعتداء على قاضٍ (نقض سوري، هيئة عامة 14 تاريخ 27/4/1981).

وعدّ المشرع في المادة (341) وما بعدها من قانون العقوبات في حكم الموظفين العموميين لتطبيق جريمة الرشوة طائفة من الأشخاص وهم:

(1)  الموظفون والمستخدمون والعمال في المصالح التابعة للحكومة أو الموضوعة تحت إشرافها أو رقابتها.

(2)  أعضاء المجالس النيابية أو المحلية سواء أكانوا منتخبين أم معينين.

(3)  المحكمون والخبراء ووكلاء التفليسة والمصفون والحراس القضائيون.

(4)  كل شخص ندب إلى خدمة عامة، وقد عرَّف القانون الأساسي للعاملين في الدولة الجهة العامة بأنها إحدى الوزارات أو الإدارات أو الهيئات العامة أو المؤسسات أو الشركات أو المنشآت العامة أو إحدى البلديات أو المؤسسات البلدية أو وحدات الإدارة المحلية، أو إحدى جهات القطاع العام الأخرى. أما الوظيفة فهي كل عمل دائم وردت تسميته في ملاك الجهة العامة الصادر وفق أحكام هذه القانون. وأما العامل فهو كل من يعين في إحدى الوظائف الملحوظة في الملاك العددي للجهة العامة.

(5) أعضاء مجالس إدارة، ومديرو المؤسسات والشركات والجمعيات والمنظمات والمنشآت وموظفوها؛ إذا كانت الدولة أو إحدى الهيئات العامة تسهم في مالها بنصيب ما بأي صفة كانت.

ولا يحول دون توافر صفة الموظف العام أن يكون الموظف في إجازة أو موقوفاً عن العمل بما أنه لا يزال يشغل بصفة فعلية وظيفته العامة. ولا يشترط خضوع الموظف العام للقانون الخاص بنظام العاملين المدنيين بالدولة، فهناك طائفة من الموظفين يخضعون لأنظمة خاصة كأعضاء الهيئة القضائية وأعضاء هيئة التدريس بالجامعات وأفراد القوات المسلحة والشرطة وأعضاء السلك الدبلوماسي.

وبالنظر إلى غالبية التشريعات الجزائية يتبين أنها قد نصت على صفة الموظف وقت ارتكاب الجريمة؛ واستمراريتها؛ وبقائها بعد انتهاء خدمته، إذا كانت هي التي سهلت له ارتكاب الجريمة أو مكنته من تنفيذها.

كما أن الاجتهاد القضائي الجزائي قد استقر واستمر بإعطاء الأولوية للموظف بوصفه عنصراً أساسياً يجب التثبت من توافره، وفي حال تخلُّفِه يضطر القاضي إلى تعليق الملاحقة حتى استثبات ذلك، وتعد هذه المسألة واقعة قانونية تخضع لرقابة محكمة النقض.

وبناءً على ما سبق يتضح أنه من الصعب وضع قائمة مفصلة ودقيقة بمن يعدّ موظفاً ومن لا يُعد كذلك؛ بسبب تشعب الأوضاع القانونية التي يوجد فيها أي مستخدم أو موظف على حالة الوظيفة الحاضرة؛ وتنوع الخدمات التي قد يقوم بها؛ وعدم وضوح الضوابط والثوابت المتحكّمة في تدخل الدولة الذي يتطور ويتشكل وفقاً لظروف الواقع غير مكترث بالشكليات والأنماط القانونية الجامدة، فيبدو من الضروري إتباع بعض المقاييس والمعايير التي تساعد - إلى حد ما- على تحديد مفهوم الوظيفة والموظف، الأمر الذي يجيز لقاضي الموضوع أن يأخذ في عين الاعتبار أكثر من عنصر واحد في تقرير وجود صفة الموظف العام أو انتفائها. لذلك فإن الوصف القانوني للموظف العام يثير الكثير من المناقشات الاجتهادية والعلمية، والقوانين نفسها مستقلة عن بعضها في دلالة مصطلحاتها؛ إذ إن مفهوم الموظف العام يختلف - على سبيل المثال- بين القانون الإداري وبين القانون الجزائي؛ إذ لكل منهما زاوية ينظر فيها بكثير من الاختلاف إلى تعيين مدلول الموظف العام.

وقد تفرد قانونا العقوبات اللبناني والسوري بإنزال المحامي منزلة الموظف في بعض وجوه من جريمة الارتشاء، وورد النصّ على ذلك بصراحة في المادة (352/2) من قانون العقوبات اللبناني والمادة (342/2) من قانون العقوبات السوري، أما في غير قوانين - وبسبب عدم لحظ هذه الحالة - فقد اضطرت المحاكم الجزائية إلى الاستعانة بالاجتهاد القضائي والرأي العلمي.

أما المتطوع لخدمة عامة فلا يعدّ موظفاً في المفهوم القانوني ولا يُسأل عن جرائم الوظيفة التي يقترفها من الناحية الجزائية؛ إلا إذا كان فعله بأمر من السلطة العامة.

وفي ختام هذا العنصر لابد من التنويه بأن مؤسسات القطاع الخاص التي يُعهد إليها القيام ببعض خدمات الدولة - مثل إنجاز عمل من الأعمال، أو صيانة مرفق ما أو نظافته مثل قصر العدل أو المطار الدولي - لا يعدّ الموظفون الخصوصيون التابعون فيها لشركات الالتزام موظفين عموميين أثناء قيامهم بالعمل.

ب- العنصر المادي: الفقه القانوني متفق على جوهر الركن المادي لجريمة الرشوة، وهو فعل معين يقوم على وعد أو إعطاء يعرضه الراشي على المرتشي فيقبله، إذن: فهو قبول الموظف لفائدة أو وعد بها، أو طلب شيء من ذلك لنفسه أو لغيره من صاحب مصلحة ليؤدي له أمراً يدخل في أعمال وظيفته، أو يزعم الموظف أن أداءه من اختصاصه، أو يعتقد خطأً أنه مختص به، فصور الفعل المادي على درجة كبيرة من التعدد والسعة بحيث تشمل كل أوجه الاتجار في الوظيفة أو استغلالها، إذ إن الفعل يتم بمجرد أن يأخذ الموظف عطية، أو يقبل وعداً بها، أو يطلب شيئاً من ذلك، والفائدة التي يتعلق بها قد تكون من الماديات، وقد تكون فائدة غير مادية. والمستفيد منها قد يكون شخص المرتشي، وقد يكون شخصاً آخر عينه لذلك، أو علم به ووافق عليه. ومقابل الفائدة يؤدي الموظف لصاحب المصلحة عملاً يدخل في اختصاصه فعلاً أو زعماً؛ وسواء كان المطلوب القيام بعمل بحق أم الامتناع عنه؛ يعد إخلالاً بواجبات الوظيفة أو الخدمة؛ فإذا وقع الفعل في إحدى صوره فلا عبرة لتحقيق الأمر الذي قدمت العطية من أجله أو عدم تحقيقه؛ لأن الجريمة عند ذلك الحد قد تمت، وبالتالي فإن عدول الموظف بعد أخذه أو قبوله أو طلبه فائدة أو وعداً بها يكون لاحقاً لوقوع الجريمة ولا ينجيه من استحقاق العقاب، ويتجلى العنصر المادي بعدة صور تتمثل بنشاط معين يبذله المرتشي، ولهذا النشاط في القانون السوري عدة صور هي: الأخذ أو القبول أو الطلب، يقابله مساهمة من الراشي بالإعطاء أو الوعد.

(1) الأخـذ: وهو التناول الفوري المعجل للعطية، فالعادة هي قيام المرتشي بتقاضي ثمن اتجاره في وظيفته عطية حاضرة، وهو ما يسمى بالأخذ، وهي الصورة الغالبة في أفعال الارتشاء؛ بصرف النظر عن نوع العطية أو الكيفية التي قدمت بها، و قد وُفـــــــــــــــق المشرع السوري عندما نـــــــــــــــــــص في المادة (341) والتي عُطفت عليها المادتان (342 و345) من قانون العقوبات «كل من التمس أو قبل لنفسه أو لغيره هدية أو وعداً أو أية منفعة أخرى…» إذ استعمل لفظ النكرة، وتجنب اللجوء إلى صلب التعريف بما خص الأشياء المذكورة بنص المادة، وبذلك أفسح المجال أمام النظرة الواسعة بالنسبة إلى طبيعة الهدية أو العطية وسواهما. وقد تُقدَّم العطية إلى المرتشي في شكل هدية لإخفاء قصد الرشوة أو تأدباً معه، ويكون المقابل من أعمال الوظيفة أمراً مفهوماً ضمنياً، وقد تُقدَّم إليه على أنها ثمن للعمل المطلوب صراحة.

(2) القبـول: يقصد بالقبول الرضا بالدفع المؤجل، ويكتفي المرتشي بقبول وعد بتقديم العطية في المستقبل، وليس للقبول شكل خاص، فقد يقع بالقول أو بالكتابة أو الإشارة، وقد يكون صريحاً أو ضمنياً، وتتم جريمة المرتشي بهذا القبول؛ بصرف النظر عما إذا حصل بعد ذلك على الفائدة أم لم يحصل عليها ومهما كانت الأسباب؛ لأن إتمام جريمة الرشوة لا يتطلب أن يكون المرتشي قد قبض بالفعل ثمن العمل المطلوب منه، بل تقوم على مجرد قبول الموظف الاتجار في وظيفته أو استغلالها، ولو لم يحصل على فائدته من ذلك، ولا يشترط قيام الموظف بتنفيذ الفعل أو الامتناع الذي بذل صاحب الحاجة الوعد من أجله.

وقد جاء في قرار لمحكمة النقض السورية: «تنفيذ العمل الذي حصلت الرشوة من أجله ليس من أركان جريمة الرشوة، إنما ثبوت قبول الموظف بإجراء الأعمال المنافية لوظيفته مع تناوله وقبوله الوعد بالمنفعة الشخصية لقاء قيامه بذلك، أو لقاء تأخير أو إهمال ما كان عمله واجباً عليه بحكم وظيفته؛ يكفي لتكوين عناصر الجريمة» (جناية 998، قرار 986 تاريخ 27/12/1955).

ويشترط أن يكون القبول جدياً وحقيقياً، فقد جاء قرار محكمة النقض السورية مؤكداً هذا الشرط حيث نص على: «أن الرشوة لا تتم إلا بإيجاب من الراشي وقبول من المرتشي بنية العبث بواجب الوظيفة التي اؤتمن عليها ليؤدي عملها بوحي ذمته وصفاء ضميره، وكان لكل جريمة عنصر زوجي لا تتوفر أركانه إلا إذا قصد الفاعل ارتكاب ذلك الجرم، وهذه النية الجرمية لا تتم في الرشوة إلا إذا كان القبول جدياً يرمي إلى الغرض المقصود منها، فإذا تبين أنه غير حقيقي فلا وجود للرشوة، وتأسيساً على ذلك فإن المرتشي إذا تظاهر بالقبول ليسهل على أولي الأمر القبض على الراشي في حالة الجرم المشهود دون أن يكون جاداً في هذا القبول لمصلحة نفسه؛ فإن العناصر المكونة للقبول الذي تتم به الجريمة تكون معدومة، وفي هذه الحالة كما في حالة الرفض الصريح لا يكون هناك اتجار بالوظيفة، ولا مساومة على العبث بها من جانب الموظف لمصلحة الراشي، ولا يبقى في القضية إلا عرض للرشوة من قِبَل الراشي دون أن يصادف قبولاً من الموظف المختص». (نقض سوري، جناية 369، قرار 348 تاريخ 19/5/1964).

(3) الطـلب: هو تعبير عن مبادرة الموظف إلى الحصول على منفعة أو وعد بها من صاحب المصلحة، من دون تدخل إيجابي من هذا الأخير، وهو ما يسمى بالاستعطاء، وطلب الوعد بها بالاستيعاد. ويقع الفعل بمجرد الطلب، ولو تم الرفض من جانب صاحب المصلحة؛ لأن الموظف بهذا الطلب يكون قد قارف ما يحرمه القانون، وهو إنزال الوظيفة منزلة السلعة يتجر فيها. والطلب بهذه الصورة يجعل الموظف العام مرتكباً جريمة تامة، سواء باشر العمل الذي طلب الرشوة مقابلاً له فأنجزه؛ أم لا، ولا يعدّ فعل المرتشي - في هذا الحال - محاولة أو شروعاً.

ولا يلزم لتحقيق جرم المرتشي أن يكون الطلب أو الهدية أو المنافع الأخرى أو الوعد بها لتحقيق نفعاً شخصياً للموظف، فقد يهدف إلى تحقيق نفع للغير، وهذا يكون في حالتين:

أ- أن يطلب الموظف لمصلحة الغير فائدة أو وعداً بها مقابلاً للعمل المطلوب، كأن يطلب سداد قسط جامعي لابنه، أو خاتماً لزوجته، أو تذكرة طائرة لأخيه أو ترقية قريب له أو صديق.

ب- أن تكون الهدية أو المنفعة لقاء العمل غير المشروع لأحد ذوي قربى الموظف كعقد لزوجته، أو ساعة معينة لابنه، فيعلم الموظف بذلك ويوافق عليه.

ويشترط لتجريم الموظف في هذه الحالة أن يعلم بمن تلقى الهدية أو المنفعة أو الوعد بهما، وسببها، وأن يوافق على ذلك، أما إذا ظل جاهلاً فلا سبيل إلى مؤاخذته؛ لأن قبول من تلقى العطية أو الوعد لا يغني عن علم الموظف وقبوله هو نفسه (المادة 341 من قانون العقوبات السوري).

وقد سارت التشريعات في التجريم والعقاب بين طلب الشخص الرشوة لنفسه أو لغيره.

(4) العطـاء أو الوعـد: نصت المادة (343) من قانون العقوبات السوري على معاقبة الراشي بالعقوبات المنصوص عليها بالمادتين (341 و342)؛ لكونه أحد طرفي الجريمة، وهو الذي يقوم بإغراء الموظف العام عن طريق تقديم العطاء سواء أكان نقداً أم عيناً، وقد توافقت التشريعات الجزائية الأوربية على الصيغة ذاتها بما خصَّ العطية، كأن يوفر الراشي للمرتشي امتيازاً أدبياً أو مركزاً اجتماعياً أو إنالة انتخابية أو فائدة اقتصادية أو خدمة سياسية أو وظيفية؛ كالعمل أو المساعدة على نقله من دائرة حكومية إلى غيرها أو ترقيته، وليس بالضرورة ذكرها صراحة بنص القانون، مادام المشرِّع قد عناها ضمناً.

ولكن الصورة الغالبة للشيء موضوع الرشوة تقع على الأموال المنقولة القابلة للتداول، ومنها النقود عيناً ومنها أيضاً السندات لأمر أو الشيكات أو فتح اعتماد أو عمليات مصرفية أو أي ورقة مالية.

وقد تكون العطية حليّاً ومصاغاً ومجوهرات وذهباً وفضة أو أي شيء مصنوع من هذين المعدنين، أو طوابع هواة أو أشياء أثرية أو سجاداً ذا قيمة وخلافه.

كما يمكن أن تكون بضائع أو تجهيزات منزلية، أو خدمات، أو إيفاء دين مترتب على الموظف المرتشي تجاه الغير، أو إشراك المرتشي في عملية تجارية أو إشراكه بالنصيب (نقض سوري تاريخ 16/6/1953).

ولا يشترط في مقابل الرشوة أن يكون مشروعاً، بل قد يكون هذا المقابل غير مشروع في ذاته: مواد مخدرة أو مسكرة، أو أشياء مسروقة، أو شيك من دون رصيد (نقض مصري تاريخ 25/4/1967، مجموعة أحكام محكمة النقض س 18، رقم 114، ص 581).

والمشرع لم يحدد مقداراً محدداً للهدية أو المنفعة حتى ينطبق عليها وصف الرشوة؛ إذ ترك تقدير ذلك لقاضي الموضوع بحسب ما يستخلصه من وقائع كل دعوى على حدة مراعياً مدى دلالة المقابل على الاتجار في الوظيفة، فإذا كان ما أُعطي يُمكن تقويمه، إلا أنه ينتفي التناسب بينه وبين العمل الذي يباشره الشخص؛ فلا يمكن عده مقابلاً، مثال ذلك تقديم لفافة تبغ أو قطعة حلوى أو كوب شراب إلى موظف على سبيل المجاملة.

وتنتفي فكرة المقابل في الرشوة إذا توافر مبرر لحصول الموظف على هذا المقابل، ولم تكن له علاقة بأداء العمل الوظيفي؛ كأن يكون ما حصل عليه المتهم بالرشوة سداداً لدين حالّ ومحقق، أو هدية تبررها صلة القرابة بين صاحب المصلحة والموظف.

ج- العمل المطلوب: إن التماس الموظف العام أو من في حكمه منفعة أو فائدة لنفسه أو لغيره لا يكفي لقيام الركن المادي لجريمة الرشوة، بل لا بد من غرض مقصود من الرشوة، فإذا كان الغرض من الرشوة هو القيام بعمل شرعي من أعمال الوظيفة كانت الرشوة جنحة، أما إذا كان الغرض منها هو القيام بعمل ينافي واجبات الوظيفة كانت الرشوة جناية.

وهذا يقتضي وجود رابطة أو صلة بين الموظف الذي هَدَفَ إلى تحقيق الفائدة وبين صاحب المصلحة الذي قدم العرض للوصول إلى غايته، ويكون محل هذه المقايضة هو العمل الوظيفي الذي اؤتمن عليه الموظف، والثمن الذي يملكه صاحب المصلحة، ولكن لا يشترط كما ذكر آنفاً أن ينفذ الموظف ما يطلب منه من أعمال الوظيفة مقابلاً للفائدة؛ إذ يكفي أن يتم الاتفاق عليه، أو أن يكون مفهوماً ضمناً، عند تلقي العطية أو الوعد.

ولا يكفي أن يكون مقابل الفائدة عملاً أو امتناعاً عن عمل، بل يجب أن يكون العمل الوظيفي داخلاً في اختصاص الموظف حقيقة أو زعماً أو توهماً، ووجود علاقة بين العمل أو الامتناع عنه ووظيفة المرتشي، وأن تكون الوظيفة قد سهَّلت اقتراف الفعل أو الامتناع عنه. وقد بينت ذلك الهيئة العامة لمحكمة النقض السورية بالدعوى أساس (480) قرار (514) لعام 1955 أنه: «لا يكفي لتوافر أركان جريمة الرشوة أن يأخذ الموظف المال، بل يشترط فوق ذلك أن يكون الغرض من الرشوة أداء عمل أو الامتناع عن عمل من أعمال الوظيفة أو التي يدعي الموظف أنها داخلة في وظيفته». وقد صدر قرار مماثل (نقض سوري، عسكرية أساس 306 قرار 42 تاريـــــــــــــــــــــــخ 10/1/1984).

(1) شروط العمل الوظيفي:

¦ يجب أن يكون العمل المطلوب داخلاً في وظيفة المرتشي، فقد جاء في اجتهاد لمحكمة النقض السورية «حدَّدت المادة (341) من قانون العقوبات عقاب كل موظف وكل شخص نُدب إلى خدمة عامة، وكل امرئ كلف بمهمة رسمية؛ التمس لنفسه أو لغيره هدية أو أية منفعة أخرى، ليقوم بعمل من أعمال وظيفته، والظاهر من ذلك أن العمل الذي تمَّت الرشوة من أجله يجب أن يكون داخلاً في وظيفته، لأن الغاية من الرشوة هي حمل الموظف على الإخلال بواجباته إرضاء للراشي، فإذا كان العمل المذكور بعيداً عن الوظيفة فقدت الرشوة عناصرها المكونة» (نقض سوري تاريخ 27/11/1961).

والمهام التي تكون من اختصاص الموظف يسندها إليه القانون مباشرة كالأحكام التي يصدرها القضاة، أو محاضر ضبوط الشرطة القضائية، وهناك مهام تكون بمقتضى النظام الداخلي للمؤسسة الإدارية، أو بموجب أوامر وتعليمات رئاسية، وقد قضت محكمة النقض السورية بأنه: «لا تتم الرشوة إلا إذا توافرت عناصرها المكونة لها، وأهم هذه العناصر أن يكون العمل المطلوب إنجازه داخلاً في وظيفة المرتشي أو يدعي أنه داخل فيها. والقانون وحده هو الذي يبين عمل الموظف وما يجب أن يقوم به، ولا يمكن أن يكلف أحد بأمر لم يجعله القانون من واجباته بحكم الوظيفة» (نقض سوري، جنحة 1100 قرار 1265 تاريخ 27/11/1961).

وجاء في قرار آخر لها بأنه: «لمَّا كان المتهم موظفاً في المستودع البلدي وأقدم على مساعدة موظف آخر في دائرة ضبط الأحوال الشخصية برضاء الموظف المسؤول لأجل تسهيل معاملات أصحاب المصالح، وقد تقاضى رشوة لقاء العمل في الدائرة المذكورة، فلا يُعتبر فعله من قبيل الرشوة؛ لأن صفة الوظيفة التي تحتم عليه العمل في نطاق الدائرة الرسمية المعين لها تمنعه من العمل في أية دائرة أخرى، ويكون الأجر الذي تقاضاه عن عمل لا يدخل في وظيفته، ويُعدُّ من قبيل الاحتيال كانتحال اسم وعمل الوظيفة التي لا علاقة له بها» (نقض سوري تاريخ2/3/1955).

¦ أن تكون وظيفة المرتشي على علاقة ما بالعمل أو بالامتناع المطلوبين منه: فقد تكون وظيفة الفاعل لا تستوعب وحدها كامل الشيء المطلوب من صاحب المصلحة؛ إذ قد يكون عمله فقط المساهمة في أعمال تحضيرية أو استشارية من دون تحقيق النتيجة المطلوبة مباشرة، أو أن يكون الموظف المرتشي مختصاً بالمشاركة الجماعية في إنجاز العمل؛ مثل العضو في لجنة تصحيح امتحانات رسمية، وقد يكون الموظف مختصاً بجزء من العمل أو الخدمة التي يرغب الراشي الحصول عليها؛ كأن تكون الوثيقة أو القرار المرغوب فيه يتوقف على تأشيرة المرتشي وتأشيرة موظفين آخرين، وقد سار الاجتهاد القضائي المصري بهذا الاتجاه ومنه: «يكفي في القانون، لإدانة الموظف في جريمة الرشوة، أن يكون له نصيب في العمل المطلوب، فإذا كان الطاعن يقرّ بارتباط اختصاصات وظيفته باختصاصات رئيس الحسابات فيما يتعلق بشؤون العمال، مما يفيد اتصال وظيفته في هذه الشؤون؛ فلا يصح منه أن ينعي على الحكم الذي أدانه في جريمة الرشوة مقابل تعيينه عمالاً بالمصلحة التي يشتغل فيها؛ بأنه لم يكن له شأن بهذا العمل ولا اختصاص له فيه». (نقض مصري 10/11/1952).

كذلك جاء في اجتهاد آخر لها أنه: «لا يتطلب القانون لاعتبار العمل المتعلق بالرشوة داخلاً في اختصاص وظيفة المرتشي أن يكون هذا الأخير هو وحده المختص بالقيام به؛ بل يكفي أن يكون له نصيب من الاختصاص فيه» (نقض مصري 3/2/1953).

¦ أن تكون وظيفة المرتشي قد سهّلت له اقتراف الفعل أو الامتناع عنه المطلوبين منه: استقر الاجتهاد القضائي على توسيع مفهوم  اختصاص الموظف المعني وصلاحياته ومداهما في الأفعال غير الملحوظة أصلاً، وقد نصت بعض التشريعات على هذه الحالة ومنها القانون الفرنسي والقانون المغربي. وقد جاء الاجتهاد القضائي الفرنسي يعزّز هذا النهج وفقاً للفقه وللنص حيث جاء: «الموظف - في أدنى درجات الوظيفة - الذي يقرأ معاملة سرية على طاولة المدير التابع له، أو يستمع إلى نقاش داخل غرفة الرئيس، ويُطلع عن سوء نية الأفراد الغرباء عن الوظيفة ما يهمهم من الأمور التي جرت« (نقض فرنسي 22/7/1954).

وقد أوضح الاجتهاد القضائي المصري هذا الأمر بقوله: «ليس من الضروري لتوافر أركان جريمة الرشوة المعاقب عليها بمقتضى المادة (49) عقوبات أن تكون الأعمال التي يُطلب من الموظف العمومي أداؤها داخلة ضمن اختصاصه مباشرة، بل يكفي أن يكون غير مباشر، بأن يكون له من وظيفته التي يقوم بها ما يمكن أن يسهل له ارتكاب العمل أو الامتناع». وهناك صور أخرى لهذه الحالة تتجلى باستطاعة الموظف لو شاء إنجاز العمل المطلوب ولو كان غير مختص به حسب نظام توزيع العمل داخل المؤسسة، ولكن عدم إنجاز المرتشي الغرض المطلوب منه لا يعني انعدام الإمكانية من وظيفته. ومنها صورة ما إذا كان الموظف غير مختص أصلاً وقت طلب الرشوة أو عرضها، ثم يصبح مختصاً إذا عُهد إليه القيام بالمهمة فيما بعد. ولكن في كل هذه الحالات والصور يتعين أن يكون للمرتشي دور شخصي في إنجاز العمل أو في الامتناع عنه، أما إذا اقتصر دوره على التدخل لدى الموظف المختص فلا يشكل الفعل جرم الرشوة؛ وإنما اشتراكاً فيه، وإذا أخذ الموظف رشوة للقيام بعمل خارج عن وظيفته فلا يعاقب بعقوبة الرشوة، ولكن تجوز معاقبته بجريمة الاحتيال أو بجريمة أخرى ينطبق عليها الفعل المسند إلى المجرم.

(4) صور المقابل الذي يقدمه المرتشي: نصت المادة (341) من قانون العقوبات السوري على ما يلي: «كل موظف وكل شخص ندب إلى خدمة عامة سواء بالانتخاب أو بالتعيين، وكل امرئ كلف بمهمة رسمية كالحكم والخبير والسنديك التمس أو قبل لنفسه أو لغيره هدية أو وعداً أو أية منفعة أخرى ليقوم بعمل شرعي من أعمال وظيفته عوقب…».

كما نصت المادة (342) منه على ما يلي: «كل شخص من الأشخاص السابق ذكرهم التمس أو قبل لنفسه أو لغيره هدية أو وعداً أو أية منفعة أخرى ليعمل عملاً منافياً لوظيفته أو يدعي أنه داخل في وظيفته أو ليهمل أو يؤخر ما كان عمله واجباً عليه عوقب…» لذلك يتضح من نصوص قانون العقوبات السوري أن صور المقابل الذي يقدمه المرتشي اتجاراً في الوظيفة متعددة، وهي:

¯ أداء عمل مشروع من أعمال الوظيفة: إن الاتجار في أعمال الوظيفة أو استغلالها يقع ولو كان ما يطلب من عمل هو حق، إذن: فمقابل الفائدة قد يكون القيام بعمل واجب ولا يتنافى مع الذمة أو الحق، فالموظف في هذه الحالة يرتشي من أجل القيام بعمل تحتم عليه القوانين والأنظمة أن يؤديه من دون أن يتقاضى شيئاً من صاحب المصلحة، ومثال ذلك الموظف المكلف بتركيب خط الهاتف في أحد المنازل ويتقاضى بدلاً من هذا العمل. وكذلك لو قبل خبير محلل بوزارة الصحة عطية من أحد باعة اللبن ليخرج نتيجة التحليل في مصلحته؛ مع أنه لا غش في عينات اللبن المقدمة للتحليل. ويقصد بأعمال الوظيفة كل عمل يباشره الموظف أو يستطيع مباشرته بحكم وظيفته بصورة قانونية، وأن تكون هذه الأعمال محددة حتى يصح أن تكون مقابلاً للرشوة، وأن يكون نوع العمل قابلاً للتحديد، وقد يكون دور الموظف لقاء الفائدة مجرد إسراع إنجاز مصلحة صاحب الحاجة.

ولكن أداء العمل الوظيفي بالفعل لا يدخل ضمن العناصر المكونة لجريمة الرشوة، ولكن تحديده يفيد في تحديد اختصاص الموظف؛ وفي وضوح الصلة بين مقابل الرشوة والعمل الوظيفي.

وتعد جرائم الرشوة هذه الأكثر انتشاراً بين جرائم الإخلال بواجبات الوظيفة، وإن كانت في الدرجة الدنيا من سلالم الرشوة؛ إذ تبقى الأصعب دليلاً وإثباتاً، لأن ظاهرها القانوني لا يمس سلوكية الموظف الذي يستفيد من شرعية القرار أو المعاملة، ليجني لنفسه أو للغير الذي يسميه عطية أو هدية؛ بحكم العمل الصحيح ونطاقه الذي يشكل في هذه الحالة غطاء للموظف المرتشي ولصاحب المصلحة الراشي.

¯ الامتناع عن عمل مشروع من أعمال الوظيفة: نصت على هذه الحالة المادة (341) من قانون العقوبات السوري، فجاءت واسعة التفسير والتقدير والتحديد؛ إذ تناولت جميع الظروف التي يحصل فيها الرفض عن طريق الامتناع.

وهو أحياناً إيجابي، وفي غالبيته سلبي، والامتناع المشروع: هو أن يمتنع الموظف عن القيام بعمل لا يجوز له أن يقوم به وفق القوانين والأنظمة التي تحكم طبيعة عمله، ومثال ذلك أن شرطي المرور لا يجوز له أن يخالف سائق السيارة المتقيد بالقانون والنظام على نحو دقيق، فإذا طلب هذا الشرطي مالاً أو أي منفعة من السائق في سبيل ألا يحرر بحقه محضر مخالفة سير؛ فإنه يكون قد ارتكب جريمة رشوة وفق حكم المادة (341) من قانون العقوبات، وكذلك كأن يأخذ قاضي عطية ليحكم بالبراءة حيث تكون البراءة واجبة.

ففي هذين المثالين يتضح أن الامتناع عن القيام بالعمل هو امتناع مشروع يوجبه القانون؛ إذ لا يحقق الامتناع إخلالاً بواجبات الوظيفة.

¯ أداء عمل ينافي واجبات الوظيفة: العمل المخالف للوظيفة هو نقيض العمل المشروع من أعمال الوظيفة، وهو الذي يخالف نظامها وواجباتها المحددة والمعددة في التشريعات والأنظمة وأوامر التعيين والتكليف والانتداب الشرعية المتعلقة بها، ويعني أن ما قام به الموظف يشكل خرقاً فاضحاً لاختصاصات هذه الوظيفة ومستلزماتها، وعليه أن يمتنع عنها لتنافي ذلك مع قواعدها السليمة، وهو ما نصت عليه المادة (342) من قانون العقوبات السوري بقولها: «…ليعمل عملاً منافياً لوظيفته أو يدعي أنه داخل في وظيفته…» ومن أمثلة ذلك تقديم عطية إلى شرطي لحمله على إبداء أقوال جديدة غير ما سبق أن أبداه في شأن كيفية ضبط متهمة؛ والميل إلى أن يستهدف في ذلك مصلحتها لتنجو من المسؤولية، ويتضح من العبارة الواردة في النص أنه لا يمكن حصر حالات الأعمال المنافية للوظيفة، وإنما تبقى لتقدير القضاء بعد دراسة تفصيلات كل حالة على حدة وظروفها. حتى إن الموظف الذي طلب رشوة أو قبل بها لأداء عمل ليس من أعمال وظيفته، وإنما ادعى ذلك؛ لا ينجو من العقاب بذريعة أنه غير مختص بذلك العمل، بل على العكس تكون عقوبته مشددة وفق نص المادة (342) من قانون العقوبات، حتى لو كان العمل الذي ادعى اختصاصه به لا يعد منافياً لواجبات الوظيفة؛ ما دام أنه ادعى أن ذلك العمل يدخل في أعمال وظيفته وتقاضى رشوة في سبيل أدائه.

وهناك حالتان نص عليهما المشرع في المادة (342) من قانون العقوبات تدخل في عداد الأعمال المنافية لواجبات الوظيفة وهما:

&https://arab-ency.com.sy/law/details/25799/2#159; حالة إهمال العمل الوظيفي: إن إهمال الموظف لأعمال وظيفته مقابل رشوة، يقصد بها انصراف نية الموظف وعلى نحو مقصود إلى هذا الإهمال؛ لأن صاحب المصلحة الذي دفع الرشوة طلب من الموظف ذلك تحقيقاً لمصلحته، في حين واجبات الوظيفة تحتم عليه عدم الإهمال، ومثال ذلك أن يفوّت محامي الدولة ــــ مقابل رشوة ــــ ميعاد الطعن بحكم صادر ضد الدولة، وذلك بغرض تحقيق مصلحة للراشي، فهذا الإهمال بواجبات الوظيفة التي عليه أداؤها على نحو سليم متعمد، ودافعه إلى ذلك رشوة قُدمت إليه، والعقوبة المفروضة عليه بهذه الحالة جنائية الوصف.

&https://arab-ency.com.sy/law/details/25799/2#159; حالة تأخير العمل الوظيفي: في هذه الحالة يقتصر دور الموظف المرتشي على التأخير في أداء العمل الوظيفي المكلف به عمداً، ولكنه في النهاية يقوم به، بخلاف حالة إهمال العمل الوظيفي المذكورة آنفاً، ومثال ذلك أن يدفع شخص صدر بحقه حكم قضائي غيابي قضى بحبسه؛ رشوة إلى المحضر ليؤخر تبليغه؛ حتى يطيل أمد الاعتراض. وهذه الحالة قد يترتب عليها نتائج خطيرة على مصالح بعض الأفراد، كأن يدفع صاحب المصلحة الذي يملك عقاراً تنوي الجهة الإدارية استملاكه؛ رشوة إلى الموظفين المسؤولين عن ذلك؛ في سبيل تأخير إصدار قرار الاستملاك حتى يتسنى له بيعه لأحد الأشخاص.

د- العرض والطلب:

(1) صور الفعل الذي يقوم به فرقاء جرم الرشوة: جرم الرشوة وفق ما ذكرته المادتان (341 و342) من قانون العقوبات السوري يقتضي بيان صور الفعل الذي يقوم به كل من الراشي والمرتشي والوسيط والغير المستفيد.

t صور الفعل الذي يقوم به الراشي: إذا قام الراشي بعرض الرشوة على الموظف، لكنها لم تلقَ قبولاً من هذا الموظف؛ فإن التكييف القانوني لتصرف العارض أو الواعد طبقاً للقواعد العامة يكون شروعاً في تنفيذ جريمة الرشوة؛ إذ حيل بينها وبين إتمامها رفض العرض أو الوعد من طرف من وجهت إليه؛ لسبب خارج عن إرادة الراشي، ولكن علماء آخرين لم يعدّوها محاولة لجريمة الرشوة، وإنما عدّوها عنصراً أساسياً مكوناً لجريمة تامة، تنطبق عليها أحكام المادة (345) من قانون العقوبات.

أما إذا قدَّم الراشي العطية المطلوبة من الموظف قبل أداء العمل؛ فيكون الأجر في الرشوة معجلاً، أما إذا كان الدفع معلقاً على تنفيذ العمل؛ فإن الاتفاق يكون قد تم بين الراشي الذي طلب والموظف الذي قبل، والعكس صحيح، ويكون الوضع الناشئ من ذلك مؤلفاً لجريمة خاصـــــــــــــــة بطرفيها وبعناصــــــرها، وتنطبق عليــــــــه المادتان (341 و342) من قانون العقوبات؛ نظراً لما ارتضاه الفريقان.

ولكن إذا كان الموظف قد عرض على صاحب المصلحة طلب الرشوة والتمسها وقوبل ذلك الالتماس بالرفض؛ اقتصرت الملاحقة والمعاقبة على الموظف من دون صاحب المصلحة، وإذا تراجع العارض أو الواعد عن عرضه أو وعده باختياره فلا ينجو من العقاب؛ لأن الجريمة أصبحت تامة قبل الرجوع، مع الأخذ بعين الاعتبار القصد المتوافر لدى صاحب المصلحة.

t صور الفعل الذي يقوم به المرتشي: الموظف العام. يعد مرتكباً لجريمة الرشوة التامة مجرّد طلبه أو قبوله هدية أو وعداً أو أي منفعة أخرى، سواءٌ كان لطلبه أثر أم لا، وسواء باشر بالعمل الذي أخذ الرشوة مقابلاً له فأنجزه، أم لا، وسواء قبل صاحب المصلحة عرض الهدية أم رفضه. ولا يعد فعل المرتشي في هذه الحالة شروعاً لأن النص القانوني يجعل من فعله جريمة رشوة تامة، وأحياناً لا يعين المرتشي نوع الرشوة ومقدارها وكيفية تقديمها، ويترك ذلك لصاحب المصلحة يعرض ما يمكن تقديمه، فيتولى الراشي تحديد الطبيعة والمقدار ويبقى للموظف الخيار والاختيار بين قبول العرض أو رفضه؛ تبعاً لنوعه أو مقداره؛ وما اقترن به من تعديل أو تعجيل أو تأجيل، وفي الشكل يعد الطلب جريمة تامة ويختلف عن طلب العرض حيث يكون صاحب المصلحة هو من يقوم بتعيين المقابل الذي سيقدمه عن طريق الوعد؛ إذ يحدّد الموظف المقابل، كأن يطلب من الراشي أن يعده بأداء مبلغ معين من النقود، أو بتقديم خدمة أو مساعدة في قضية أو عملية معينة أو منفعة أخرى. والإجابة عن طلب الوعد أو رفضه يكفي فيه نعم أو لا لاقتضاب الحال، أما في طلب العرض فلابد من تحقق النوع والمقدار المقابل والاستجابة للعرض. ولكن الصورة الغالبة للرشوة هي طلب الأداء المعجل قبل بدء المرتشي بتنفيذ ما طلب منه من عمل أو امتناع وقبل إتمامه حيث يكون في مركز القوة، ويستطيع فرض إرادته على صاحب العلاقة الذي يرضخ لمشيئته للحاجة الماسة. وقد يلجأ صاحب المصلحة إلى البدء في تنفيذ جريمة الرشوة، ويكون دور المرتشي إتمام التنفيذ، وبالتالي يكون كل من الراشي والمرتشي مساهمين في إكمال جريمة الرشوة في ظل نظام الجريمة الواحدة الموحّدة بخلاف نظــــــــــــام الجريمة المزدوجة. وقد قررت محكمة العـــــــــــــــــــدل العسكري في المغرب بتاريـــــــــــــــــــخ 22/3/1979: «إن الرشوة بمفهومها التقليدي القائم على وحدة الجريمة؛ يصح معها اعتبار كل من المرتشي والراشي مساهمين فيها، ولكن يصعب إضفاء هذا الوصف عليهما في ظل الصياغة الواردة في نصوص القانون المغربي الذي اعتبر فعل كل من الراشي والمرتشي جريمة متميزة عن جريمة الآخر، وعاقب على كل منها بنص مستقل».

t صور الفعل الذي يقوم به الوسيط: جريمة الرشوة قد تتم بصورة شخصية مباشرة عندما يلتمس الموظف ويقبل الراشي؛ أو في الصور الأخرى السابق ذكرها، وقد تتم بالواسطة عن طريق أحد الأشخاص ممن يتصلون بالموظف أو بصاحب المصلحة أو بالاثنين معاً، ولا فرق إن كان وسيطاً واحداً أو عدة وسطاء، أو قاموا بمبادرتهم طوعاً أو بتكليف، ولكن يشترط أن يكون دورهم بارزاً وفعالاً، وأن تتم الصفقة على يدهم. ولم يرد في قانون العقوبات السوري ما يشير إلى اهتمام المشرع بجرم الوسيط، فقد أنزله منزلة المتدخل الذي يقوم بالوساطة بين الموظف وبين صاحب المصلحة، وتُحدَّدُ مسؤوليته وفقاً للأحكام العامة وفق الدور الذي قام به، ولا يؤثر تدخله في طبيعة الفعل الذي قام به فريقا جريمة الرشوة ومسؤولية كل منهما، والإعفاء من العقوبة ينال الوسيط كما الراشي فعلاً؛ تشجيعاً لكشف جريمة الرشوة قبل استشرائها، ويفترض أن الوسيط تكون إرادته منصرفة إلى عقد الاتفاق بين الفريقين، ولا يعاقب إلا إذا تحققت جريمة الرشوة أصلاً؛ لأنه يستمد صفته الإجرامية من الفاعل الأصلي، ولكن معاقبة الفاعل الأصلي أو إعلان عدم مسؤوليته لا يعني إبطال الملاحقة الجزائية بحق الوسيط؛ إذ يكفي القيام بالرشوة لمعاقبة الوسيط بقطع النظر عن النتيجة، ويبقى الوسيط مسؤولاً جزائياً؛ سواء أخذ المقابل عن وساطته مبلغاً من المال من الفريقين أم من أحدهما.

t صور الفعل الذي يقوم به الغير المستفيد: وردت هذه الصورة صريحة في جميع التشريعات الحديثة، ومنها قانون العقوبات السوري، وكذلك الاجتهاد القضائي؛ إذ ليس من الضروري أن تتم الرشوة لمصلحة الموظف المرتشي مباشرة، إذ قد يكون ذلك في منفعة شخص ثالث يعينه هذا الأخير صراحة؛ بغض النظر عن طبيعة العلاقة أو الرابطة بينهما، ولا يفرق التشريع بين أن يكون الغير المستفيد شخصاً طبيعياً أو معنوياً، وهذا الغير إذا شارك في إعداد الاتفاق بين الراشي والمرتشي، - والذي عينه هذا الأخير طرفاً في العقد لتسلّم الهدية المتفق عليها- يلاحق بصفته شريكاً في الجريمة الناجزة وفقاً للأحكام العامة، وإذا لم يشارك في الاتفاق وإنما اقتصر دوره على قبول الهدية أو العرض بعد إخباره بالاتفاق، ويكون قبوله قد ساعد على إعطاء الاتفاق صفته النهائية واكتمال الرشوة التي انتهت فائدتها إليه مع علمه بمصدرها الجرمي قبل أداء العمل وتأدية المنفعة؛ يلاحق بصفته متدخلاً في جريمة الرشوة. وإذا تم الاتفاق بمعزل عنه، وكان يجهله عند إتمامه معتقداً أن مصدر المنفعة مشروع؛ فلا يلاحق لعدم المسؤولية.

(2) الإيجاب والقبول: من شروط تطبيق المادتين (341 و342) من قانون العقوبات السوري هو الحصول على الاتفاق بين الراشي والمرتشي على الرشوة قبل قيام الموظف بعمل من أعمال وظيفته أو القيام بعمل ينافي واجبات وظيفته، وقد أكدت ذلك محكمة النقض السورية بقولها: «إن الرشوة عمل يتم باتفاق شخصين ووجود إرادتين وبإيجاب وقبول بين الراشي والمرتشي، فالأول يعرض الرشوة، والآخر يقبلها، ولا تتم بدون ذلك» (نقض سوري، جنحة 1395، قرار 369 تاريخ 6/7/1959).

فإذا انتفى العلم بالرشوة ولم يثبت الاتفاق؛ فقدت الرشوة العناصر المكونة لها، وفي ذلك قالت محكمة النقض السورية في قرارها المؤرخ في 6/7/1959 «لما كان ظاهراً من التحقيق الجاري أن المحكوم عليه موظف في دائرة السجل المدني في… وقد راجعه أحد المواطنين وطلب إليه تسجيل زواجه، فطلب المأمور منه صورتين وطابعاً، وحينئذ أخرج ذلك المراجع صُرَّة من جيبه وناوله إياها، مدعياً أن فيها الصور والطوابع المطلوبة، فوضعها الظنين في جيبه، فشاهده أمين السجل فاشتبه بأمره، وتحرَّاه وعثر على الصور والطوابع وعلى مبلغ زهيد من المال، وقد أفاد المحكوم عليه أنه لم يكن يعلم ما في الصرّة إلا بعد أن أُخرجت من جيبه.

ولما كانت أحكام المادتين (341 و345) من قانون العقوبات عرَّفت الراشي بأنه هو الذي يعرض الرشوة، والمرتشي بأنه يلتمس العطاء أو يقبل العرض لنفسه أو لغيره.

ولما كان ظاهراً من ذلك أن الرشوة عقد يتم باتفاق شخصين ووجود إرادتين بإيجاب وقبول بين الراشي والمرتشي؛ إذ الأول يعرضها والآخر يقبلها، ولا تتم دون ذلك، ولما كانت الوقائع والأدلة تشير إلى أن المبلغ من المال وُجد خطأً بين الصور والطوابع دون أن يكون لصاحب المصلحة علاقة بالرشوة أو عرض لها، أو التفكير بها، ودون أن يكون للمحكوم عليه علم بوضعها أو قبول منه لها، وكانت الرشوة بهذه الصورة قد فقدت العناصر المكونة لها وأصبحت حادثة طبيعية بخطأ كل واحد في مثل ظروفها».

وعليه فإن جريمة الرشوة تتميز بشروط وقيود تتوافق مع الواقعة القانونية؛ إذ يجب أن يكون كل من العرض والقبول، الالتماس والموافقة، الطلب والاستجابة قد تمَّا بصورة صريحة وحقيقية وبإرادة واعية حرة.

وقد أقرَّ الاجتهاد القضائي السوري بأنه يشترط أن يكون العرض والقبول متوافقين مترافقين زمنياً بين الطرفين قبل بدء الموظف بالعمل المطلوب منه (نقض سوري، تاريخ 1/6/1953).

كما يشترط أن يكون العرض والقبول صريحاً واضحاً سواء تم ذلك بالكلام أم بالكتابة أم بالحركات أم بالإشارات، وقد يكون ضمناً بشرط أن تدل ظروف الحال وتجزم بوقوعه من دون تأويل أو التباس.

كما يشترط أن تكون إرادة كل من الطرفين حرة لا يشوبها غلط أو إكراه، وأن يكون العرض والقبول جدياً، بعيداً عن الهزل والخيال، فإذا كانت النية غير حقيقية انتفى الجرم (نقض سوري في 19/5/1964).

هـ - العنصر المعنوي: الرشوة من الجرائم المقصودة التي يتطلب فيها القانون توافر القصد الجزائي لدى المرتشي؛ أي الموظف العام، أما القصد الجرمي الذي يجب توافره بالنسبة إلى الراشي والمتدخل (الرائش)، فهو قصد الاشتراك في جريمة الرشوة وفق نظام وحدة الرشوة، ولما كان القصد الجرمي من العناصر التي يجب توافرها لقيام جريمة الرشوة، لذلك لا بد من تحديد نوع القصد الجرمي الواجب توافره في جريمة الرشوة، وهل هو قصد عام أم قصد خاص؟

(1) القصد الجرمي العام في جريمة الرشوة: القصد الجرمي العام يتطلب توافر عنصرين هما: الإرادة والعلم بجميع عناصر الفعل المادي المكون للجريمة كما وصفها القانون، ويتجه الرأي الغالب في الفقه إلى اعتبار القصد المتطلب لدى الموظف المرتشي حتى تقوم جريمة الرشوة قصداً عاماً لا خاصاً؛ إذ يكفي أن يطلب الموظف الفائدة أو يقبلها أو يقبل الوعد بها وهو عالم أنها مقابل لأداء عمل أو امتناع عن عمل بصورة مشروعة أو بصورة منافية لأداء العمل الوظيفي؛ حتى يعد مرتكباً لجريمة الرشوة، لذلك فإن المشرع لا يعتد بالغاية من سلوك الجاني؛ وإنما بنية الاتجار في الوظيفة وهي تمثل علة التجريم، من دون تدخل في تكوينها القانوني، فقد تبين أن المشرع اكتفى بفعل الطلب الذي يصدر عن الموظف لتتحقق جريمة الرشوة المنصوص عليها في المادتين (341 و342) من قانون العقوبات السوري، فلم يشترط المشرع أن يقوم الموظف بالعمل أو الامتناع الذي تعهد به؛ لكن اتجاه إرادة الموظف إلى القيام بهذا العمل هي التي يمكن أن تشكل القصد الخاص في الرشوة، وهو ما لم يشترطه المشرع، حتى إن المشرع المصري قد نص على استحقاق الموظف للعقاب حتى لو قصد عدم القيام بالعمل أو الامتناع عن عمل أو الإخلال بالواجب الوظيفي، مما يؤكد اشتراط توافر القصد العام. أما المشرع السوري فلم يورد نصاً بهذا المعنى، ولكن الملاحظ أن إرادة المشرع السوري مماثلة لإرادة المشرع المصري بهذا الصدد؛ لأن المشرع السوري لم يشترط أداء العمل الذي تعهد به الموظف حتى تتم الجريمة؛ إذ إن الجريمة تتحقق بمجرد الطلب أو القبول، وقد قضي في مصر بأن القصد الجنائي في الرشوة يتوافر بمجرد علم المرتشي عند طلب الوعد أو العطية أو الفائدة أو قبولها أنه يفعل هذا لقاء القيام بعمل أو الامتناع عن عمل من أعمال الوظيفة؛ أو للإخلال بواجباتها؛ وأنه ثمن لاتجاره في وظيفته واستغلالها، ويستنتج هذا الركن من الظروف والملابسات التي صاحبت العمل أو الامتناع أو الإخلال بواجبات الوظيفة (نقض مصري - 20/6/1971 أحكام النقض س 22 ق 119)، كما جاء في اجتهاد آخر أن «الموظف الذي يخل بواجبات وظيفته مسؤول جنائياً حتى ولو لم توجد لديه نية الاتجار بها، لأنه يكفي مجرد استغلال الوظيفة للحصول على فائدة غير مشروعة من ورائها» (نقض مصري ، 19/3/1960 مجموعة أحكام النقض س11 قرار45).

(2) القصد الجرمي الخاص في جريمة الرشوة: رأى بعض الفقهاء اشتراط قصد خاص في جريمة الرشوة، يتمثل  بتوافر نية الاتجار في الوظيفة أو نية استغلال الوظيفة، وهو انصراف العلم والإرادة إلى واقعة لا تدخل في عداد ماديات الجريمة، وطبقاً لهذا الرأي لا تقوم جريمة الرشوة إذا انتفت هذه النية لدى الموظف العام. ويستند أصحاب هذا الرأي في تأييد رأيهم إلى أن القانون لا يعاقب على مجرد تلقي الفائدة؛ وإنما باعتباره مقابلاً للعمل الوظيفي، فضلاً عن أن المشرع تدخل لتقرير العقاب مقابل ما سيقوم به الموظف، وفضلاً عن أن المشرع تدخل لتقرير العقاب حتى لو قصد الموظف عدم القيام بالعمل الوظيفي أو الامتناع عنه، وهذا التدخل يقتضي التسليم بأن الرشوة في تقدير القانون من جرائم القصد الخاص، وذلك يعني أن الموظف الذي لا ينوي تنفيذ العمل الوظيفي الذي تلقى الرشوة بسببه لا تتوافر لديه نية الاتجار، مما يؤدي إلى إفلاته من العقاب.

ولكن من الملاحظ أنه لئن كان يكفي توافر القصد الجرمي العام في جريمة الرشوة وفق قانون العقوبات السوري العام؛ فإنه يجب توافر القصد الجرمي الخاص لدى المرتشي وفق أحكام المادة (25 ف2) من قانون العقوبات الاقتصادية، حيث نصت على ما يلي: «وتكون العقوبة الأشغال الشاقة لمدة لا تقل عن خمس سنوات، إذا كان الفاعل يقصد الإضرار بالدولة أو مراعاة فريق إضراراً بالفريق الآخر، أو كان الفاعل يقصد من الإهمال أو التأخير حمل الغير على عرض أو تقديم الهدية أو المنفعة أو الوعد بأحدهما. لذلك فإنه بموجب حكم هذه المادة يجب أن يكون قصد المرتشي قصداً خاصاً ينصب على الإضرار بالدولة، أو أن يراعي فريقاً إضراراً بالفريق الآخر، أو أن يهمل أو يؤخر ما يتوجب عمله ليحمل الغير على عرض الهدية أو المنفعة أو أن يعده بأحدهما، إضافة إلى توافر القصد العام الواجب توافره في جرائم الرشوة على وجه العموم». وقد أكدت محكمة النقض السورية وجوب توافر القصد الجرمي الخاص، وهو قصد التأثير في الاقتصاد القومي بشأن جرائم الرشوة المنطبق عليها أحكام المادة (25) من قانون العقوبات الاقتصادية رقم (37) لعام 1966؛ إذ ورد في الاجتهاد ما نصه «يجب النظر في جرم الرشوة الذي يرتكبه موظف الجمارك إلى القصد والنية لمعرفة مدى تشكيله للجريمة الاقتصادية، وانطباق قانون العقوبات الاقتصادية عليه» (نقض سوري، الدائرة الجزائية رقم 90 تاريخ 4/6/1967 مجلة القانون، 1967، العدد السابع، ص677).

يقوم هذا القصد ويرتكز على نية الفاعل، وفيه تستوي لدى المرتشي والراشي النظرة إلى المنفعة لهما، وهي المتاجرة في الوظيفة واستثمارها، ولا يعتد بالدافع الجرمي في الرشوة حتى لو كان الغرض منه شريفاً، ويشترط أن يترافق القصد الجرمي الخاص بالمواصفات التاليـة:

× أن يكون واقعاً وقت التماس المنفعة أو قبوله.

× أن يكون مبنياً على صدق إرادة الفريقين.

× ألا يشوبه خطأ أو إكراه.

× أن يكون متبادلاً بحيث يحقق هدفاً واحداً.

وقد عد الاجتهاد القضائي أن العنصر المعنوي يكون معدوماً في الحالات التالية:

v أن يكون الموظف قد نال المنفعة من دون علمه بأن القصد في تقديمها له هو رشوة ليقوم بالعمل المقصود من صاحب المصلحة، ولكن في الواقع هذه حالة نادرة.

v أن يكون الموظف قد نال المنفعة وقبلها، وهو قاصد في قرارة نفسه عدم تنفيذ الغرض الذي رمى إليه صاحب المصلحة، وهذه الحالة محل تنازع في آراء الفقهاء.

v أن يكون الراشي قد تعمد من خلال عرضه المنفعة استدراج الموظف نحو الجريمة، تمكيناً لرجال الضابطة العدلية من القبض عليه، وهذه حالة منصوص عليها.

لذلك يتوجب توافق إرادتي الفريقين في نظام وحدة الفعل الجرمي بآن واحد، وبصورة عفوية، فلو توافر القصد الجرمي لدى أحد الطرفين وحده، فإنه يعد مرتكب الجريمة وحده دون الآخر، ولا أثر للندم اللاحق؛ إذ تعد الجريمة واقعة وتامة ولو أراد أحد الفريقين أو كلاهما- قبل تحقق الجرم عملياً- بمحاولة إيقاف الرشوة، أو إعادة المبلغ، أو قيام الموظف بإبلاغ السلطة؛ إذ إن الجرم يصبح نافذاً عند التقاء الإرادتين، ولا أثر للتصرف اللاحق.

ن- الصور الخاصة بجريمة الرشوة: استكمالاً لبحث صور جريمة الرشوة لابد من عرض بعض الصور الخاصة لجريمة الرشوة على النحو التالي:

(1) جريمة عرض الرشوة: نصت المادة (345) من قانون العقوبات السوري على ما يلي: «من عرض على شخص من الأشخاص الوارد ذكرهم في المادة (341) هدية أو أية منفعة أخرى أو وعده بها على سبيل أجر غير واجب ليعمل أولا يعمل عملاً من أعمال وظيفته أو ليؤخر تنفيذه؛ عوقب إذا لم يلاقِ العرض أو الوعد قبولاً بالحبس ثلاثة أشهر على الأقل وبغرامة لا تنقص عن ضعفي الشيء المعروض».

يستنتج من هذه المادة أن هذه الجريمة خاصة بصاحب المصلحة - الراشي فقط - وفيها يعدُّ الفاعل الأصلي والوحيد من دون مشاركة الموظف الذي يكون موقفه سلبياً، ولا يلاحق جزائياً، وغاية المشرع هو تعقب جميع الأشخاص الذين يسعون إلى إرشاء الموظفين العموميين بوسيلة ما ومعاقبتهم حفاظاً على كرامة الموظفين؛ ولمنع زعزعة الثقة العامة بهم، لذلك يمكن تصنيف جرائم الراشي الخاصة في ثلاثة: اثنتان تم ذكرهما سابقاً، وهما:

أ- جريمة التماس الموظف منفعة مادية ما، وقبول الراشي هذا الالتماس.

ب- جريمة عرض الراشي على الموظف منفعة معينة لقاء عمل مطلوب، وقبول المرتشي ذلك.

والجريمة الثالثة موضوع هذه الصورة، وهي: جريمة عرض الراشي هدية أو عطية على الموظف المعني، من دون أن يلقى العرض قبولاً.

ولتحقق هذه الجريمة يشترط توافر العناصر ذاتها التي تؤلف جريمة الرشوة الأصلية، ولكن بالنسبة إلى الراشي فقط، وتعد هذه العناصر بمنزلة الإطار الخاص للصورة العادية التي تنطبق عليها الحالة الحاضرة المعنية، وإن كانت نادرة الوقوع.

وينتج من ذلك وجود اختلاف بين الجريمة المنصوص عليها بالمادة (345) من قانون العقوبات وبين الجريمة المعرَّفة في المادتين (341 و342) والتي سبق وذكرت آنفاً، وقد بين الاجتهاد القضائي السوري ذلك فقد جاء في قرار محكمة النقض «إن عرض الرشوة ينطبق على أحكام المادة 345 من قانون العقوبات، ويعتبر من نوع الجنحة على كل حال، سواء كانت الرشوة ذات وصف جنحوي وفي سبيل عمل شريف من أفعال الوظيفة وفقاً للمادة 341 أو كانت ذات وصف جنائي، وفي سبيل عمل منافٍ للوظيفة وفقاً للمادة 342 من هذا القانون» (نقض سوري في 19/5/1964).

(2) جريمة القبول بأجر غير واجب: وردت المادة (346) من قانون العقوبات السوري مبينة جريمة ارتشاء الموظف بصورة مختلفة عما سبقها؛ إذ نصت على أن: «كل شخص من الأشخاص المشار إليهم في المادة (341) يقبل بأجر غير واجب عن عمل سبق إجراؤه من أعمال وظيفته أو مهمته؛ يعاقب بالحبس من شهر إلى سنة وغرامة أقلها ضعفا قيمة ما قبل به».

وتتحقق هذه الجريمة بتوافر الأركان الأساسية التالية:

أ- إتمام القبول اللاحق من ناحية الموظف بأجر عن عمل سبق له أن قام به مع إخفاء الاتفاق المسبق على ذلك، وهذه الحالة مغايرة لحالة الاتفاق على أجر مسبق؛ لأنه في هذه الحالة تُطبق نصوص المواد (341 و342) من قانون العقوبات، والسبب في تجريم هذا الفعل هو أن كثيراً من الناس يعد أن دفع المكافأة اللاحقة للموظف لا يشكل جريمة، وإنما يعدونها من قبيل العرفان بالجميل الذي أسداه الموظف إليهم، وخاصة أنه عندما أدى تلك الخدمة لهم لم يشترط عليهم أداءه مقابل هدية أو عطية معينة، وبالتالي يقدمونها لهم عن رضا وطيب خاطر، ولكن هؤلاء الناس لا يدركون أنهم بمثل تلك الأفعال يتسببون بتدني كرامة الوظيفة العامة والموظف، ويضعه في منزلة من يأخذ الإكراميات مقابل أداء العمل الذي تم الاستفادة منه، وتجعل الموظف غير بعيد أبداً عن الرشوة عندما يجد أن ذلك العمل الوظيفي هو طريقة للإثراء.

ب- وجوب توافر صفة الموظف العام أو من في حكمه في مرتكب هذه الجريمة ممن عددتهم المادة (341) من قانون العقوبات وفق الضوابط ذاتها التي سبق ورودها في معرض بحث جريمة الرشوة، مما يتعين أن يكون الموظف مختصاً بالعمل أو الامتناع الذي صدر عنه.

ج- وجوب توافر القصد الجرمي الذي يفترض علم فاعلها بأنه موظف عام؛ وأنه مختص بالعمل الذي قام به؛ والذي بسببه قُدمت له مكافأة من صاحب المصلحة، وبالتالي ينتفي القصد الجرمي إذا انتفى العلم، ونتيجة لذلك لا تتحقق الجريمة، كما لو قدمت الهدية أو العطية لغاية أخرى في نفس مقدمها وقابلها على حد سواء؛ كأن تكون اعترافاً بالجميل وإظهاراً للتقدير والإعجاب على نحو يحفز الهمم، ومثاله على ذلك لا توجد جريمة في حق سائق قطار، منحه الركاب قلادة أو هدية؛ لأنه كان على مهارة فائقة في القيادة أنقذت حياتهم من كارثة شبه محققة.

بقي أخيراً ذكر أن عقوبة مرتكب هذه الجريمة وفق قانون العقوبات السوري هي الحبس من شهر إلى سنة وغرامة أقلها ضعفا قيمة ما قبل به، وبالتالي فالعقوبة تعد جنحوية الوصف، كما يجوز الحكم بمصادرة قيمة المكافأة التي قدمها صاحب المصلحة إلى الموظف العام حسب أحكام المادة (69) من قانون العقوبات باعتبارها عقوبة إضافية.

أما بالنسبة إلى صاحب المصلحة المؤداة والذي قام بتقديم تلك المكافأة للموظف فلم يقرر المشرع له أي عقوبة خاصة، وبالتالي يعاقب بالعقوبة ذاتها المقررة للموظف، باعتباره شريكاً له في هذه الجريمة وفق القواعد العامة للاشتراك، ولكن هنا يتبادر إلى الذهن سؤال ملح ألا وهو حكم صاحب المصلحة الذي قدم المكافأة للموظف ولكن هذا الأخير قام برفضها؟ بعضهم يرى أن هذا الفعل هو كجريمة عرض الرشوة، وذلك وفق أحكام المادة (345) من قانون العقوبات السوري، في حين ذهب فريق آخر - وهو في حقيقة الأمر الأقرب إلى الصواب - إلى أنه لا عقوبة على صاحب المصلحة ذي العرض الخائب، ولا يمكن القياس على جريمة عرض الرشوة لأنها استثناء؛ والاستثناء لا يقاس عليه.

(3) الرشوة في القطاع الخاص: من المعروف أن العلاقات التي تنشأ بحكم العمل أو المصلحة الخاصة بين العامل وبين رب العمل في القطاع الخاص تنشئ نوعاً من العلاقة أو الرابطة المشتركة المبنية على أساس الثقة المتبادلة، وتفرض وجود نظام مهني لا يجوز للعمال الشذوذ عنه أو مخالفته منعاً من اختلال التوازن.

ويعدّ التشريع المصري أول قانون في الدول العربية تبنى نظام معاقبة الرشوة في القطاع الخاص، ولكن من حيث الجودة نال التشريع المغربي لقب أفضل القوانين الجزائية في العالم، وجاء القانون اللبناني وأورد هذا الموضوع في المادة (354) من قانون العقوبات والتي نصت على: «كل عامل في القطاع الخاص، مستخدماً أكان أم خبيراً أم مستشاراً، وكل من ارتبط مع صاحب عمل بعقد استخدام لقاء أجر، التمس أو قبل لنفسه أو لغيره، هدية أو وعداً أو أي منفعة أخرى، لكشف أسرار أو معلومات تسيء إلى العمل أو للقيام بعمل أو للامتناع عنه، بقصد إلحاق الضرر المادي أو المعنوي بصاحب أو بصالح العمل، يُعاقب… وتنزل العقوبة نفسها بالراشي».

أما القانون السوري فقد أغفل هذا الموضوع، وحبذا لو أنه أورده لما له من أهمية نظراً لعوامل الرواج والازدهار في أشياء  بعض المهن وأسرارها؛ والمصالح الآخذة في الازدياد، والتي تمكن المستخدمين من الاستفادة غير المشروعة باعتماد الطرق الملتوية؛ لنيل أطماعهم المالية على حساب رب العمل عن طريق إيصال المشاريع والالتزامات والمقاولات التي تقوم بها بعض مكاتب الأعمال الإنشائية إلى مكاتب أخرى، مما يسبب المزاحمة والمنافسة بين المكاتب ضد بعضها؛ ولأن ذلك الموظف الخاص قد يكون هو الوحيد الذي اطلع على بعض الأعمال بحكم عمله؛ مع ملاحظة أن لبعض المؤسسات الفردية أهمية تساوي من حيث طبيعتها مؤسسات الدولة؛ وأحياناً قد تكون أهم منها في بعض بلدان العالم المتحضر والمتقدم.

أما عناصر هذه الجريمة فهي على سبيل الإيجاز:

(أ) صفة الشخص المرتشي: هذا العنصر يتوزع في ثلاثة اتجاهات:

× اتجاه موسع: يرى أن تعداد الأشخاص العاملين ورد في النصوص القانونية على سبيل المثال لا الحصر، وبالتالي فإن كل شخص يعمل لدى الغير بغض النظر عن صفته وعن طبيعة علاقته برب العمل.

× اتجاه مضيق: وفيه يطالب أصحاب هذا الاتجاه التقيد الحرفي بنصوص القوانين في معرض تعدادها للأشخاص الذين تربطهم علاقة واضحة برب العمل والاستناد إلى ما يقرره الاجتهاد القضائي كضابط شرعي لصفة العامل، وتحديداً العاملين المختصين.

× اتجاه وسطي: سلك طريقاً وسطاً بين الاتجاهين السابقين آخذاً بعين الاعتبار الأشخاص الذين يعملون في مؤسسات خاصة أضفي على عملها الطابع الرسمي؛ لأنها تقوم بخدمة عامة مثل شركات استثمار الكهرباء والمياه… إلخ، وأشخاصاً يعملون في مؤسسات شبه رسمية، وأشخاصاً تسهل لهم مهمتهم لدى الغير تزويد الآخرين بمعلومات عن المؤسسات التي يعملون فيها.

(ب) وسائل الرشوة: إضافة إلى الوسائل المعتبرة في القطاع العام والموجودة ذاتها في القطاع الخاص؛ هناك وسائل خاصة تتفرد بها حالة الارتشاء في القطاع الخاص، كأن يحتفظ العطاء من الراشي إلى المرتشي بالسرية التامة، وأن يكون سابقاً لتسليم السر وعلى الأقل الأكثر قرباً من العمل أو الامتناع المطلوبين.

(ج) العطاء أو الوعد: يتشابه هذا العنصر بصورة كلية مع العنصر الموجود في رشوة الموظفين العموميين.

(د) العنصر المعنوي: يُكتفى بإدراك الفاعل وعلمه بأنه يقوم بنشاط مخالف للقانون؛ مع إدراكه الكامل بالمنفعة التي يحققها للغير وبالضرر الذي يُلحِقه برب عمله، وبالتالي يجب توافر القصد الجرمي العام من دون الاعتداد بالقصد الخاص أو الدافع وراء هذا الفعل.

(و) عقوبة جريمة الرشوة:

1- عقوبة المرتشي: نص المشرع في المادة (341) من قانون العقوبات السوري على عقاب الموظف المرتشي بالحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات، وبغرامة أقلها ضعفا قيمة ما أخذ أو قبل به، وهذه العقوبة الجنحية تفرض على الموظف المرتشي عندما يطلب أو يقبل الرشوة ليقوم بعمل شرعي من أعمال وظيفته. لكن المشرع عندما يجد الفعل على درجة عالية من الخطورة؛ فإنه يفرض على الجرم عقوبة أشد وهو ما نصت عليها المادة (342) من قانون العقوبات، حيث جعلت العقوبة جنائية، جزاؤها الأشغال الشاقة المؤقتة وغرامة لا تنقص عن ثلاثة أضعاف قيمة ما أخذ أو قبل به، إذا كان العمل الذي تعهد الموظف القيام به مقابل الرشوة منافياً للوظيفة، أو إذا ادعى أن العمل داخل في وظيفته، أو إذا طلب الرشوة أو قبلها أو قبل الوعد بها؛ ليهمل أو يؤخر ما كان عمله واجباً عليه. فإذا تحققت إحدى هذه الحالات كانت العقوبة مشددة؛ لأن ارتكاب الموظف لجريمته وفق إحدى هذه الحالات يدل على استهتاره بوظيفته وتأصل النزعة الجرمية في كيانه.

كما أن المشرع قد نص على تشديد عقوبة جريمة الرشوة في المادة (25) من قانون العقوبات الاقتصادية، حيث نصت الفقرة الأولى من هذه المادة على أنه: «يعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة من يعمل في الدولة ويلتمس أو يقبل هدية أو منفعة أو وعداً بأحدهما لنفسه أو لغيره ليقوم بعمل من أعمال وظيفته أو ليعمل عملاً منافياً لوظيفته أو يدعي أنه داخل في وظيفته أو يهمل أو يؤخر ما كان عمله واجباً عليه». ويتبين أن هذه المادة قد جمعت حكم المادتين (341 و342) من قانون العقوبات العام وعاقبت عليها بالأشغال الشاقة المؤقتة، في حين أن العقوبة المفروضة في المادة (341) جنحوية الوصف، أما العقوبة المفروضة في المادة (342) من قانون العقوبات العام فهي جنائية الوصف، وهذا يعد تناقضاً بين القانونين من دون مبرر.

كما أن الفقرة الثانية من المادة (25) من قانون العقوبات الاقتصادية قد شدّدت العقوبة، وجعلتها لا تقل عن خمس سنوات إذا كان الفاعل يقصد الإضرار بالدولة أو مراعاة فريق إضراراً بالفريق الآخر، أو كان الفاعل يقصد من الإهمال أو التأخير حمل الغير على عرض أو تقديم الهدية أو المنفعة أو الوعد بأحدهما. ومن هذا النص يتضح أنه يحدد ثلاث حالات، فإذا ما توافرت إحداها فإن الموظف يستحق العقاب الذي نصت عليه الفقرة الثانية من المادة (25) من قانون العقوبات الاقتصادية، وهي الأشغال الشاقة مدة لا تقل عن خمس سنوات، إضافة إلى الغرامة المنصوص عليها بالمادة (33) من القانون نفسه، وهي غرامة قدرها ضعفا الضرر الحاصل، وتجدر الإشارة إلى أنه إذا ما ارتكب موظف جرماً ينطبق عليه  الوصف ذاته ويعاقب بنص مادتين؛ فيعاقب بالعقوبة الأشد وفق أحكام المادة (204/1) من قانون العقوبات العام، أو بالجمع بين العقوبات المحكوم بها وفق نص المادة (204/2) من قانون العقوبات العام.

وبالنظر إلى عقوبة الغرامة المنصوص عليها في المواد (341) وما يليها من قانون العقوبات؛ يتضح أنها بينت الحد الأدنى الواجب الحكم به، أما الحد الأعلى فلم يعينه القانون، وقد تركه لرأي المحكمة من دون التقيد بقيمة ما أخذ أو قبل، وقد جاء الاجتهاد القضائي السوري مبيناً ما ورد بالنصوص المذكورة: «إن المادة (342) من قانون العقوبات نصت على أن: «كل شخص من الأشخاص السابق ذكرهم التمس أو قبل… عوقب بالأشغال الشاقة المؤقتة وبغرامة لا تنقص عن ثلاثة أضعاف قيمة ما أخذ أو قبل به»، وكان يفهم من نص المادة بأن الحد الأدنى الواجب الحكم به بالغرامة يقتضي أن لا تنقص عن ثلاثة أضعاف قيمة ما أخذ أو قبل به، أما الحد الأعلى فلم يعينه القانون، وقد تركه لرأي المحكمة التي لها أن تحكم بالغرامة وفقاً لما يتراءى لها من ظروف الدعوى وملابساتها دون أن تتقيد بقيمة ما أخذ أو قبل إلا فيما يتعلق بالحد الأدنى للغرامة التي ستحكم بها، أما إذا أرادت الخـــــــــــــــــروج عن هذا الحـــــــــــــــــد فهي ليست مقيدة بقيمة المأخوذ أو المقبول» (جناية 386 قـــــــــــــــــرار 271 تاريــــــــــــــــــــخ 22/4/1961).

وقد جاء في اجتهاد آخر: «إن المادة 345 من قانون العقوبات تنص على أن لا تنقص الغرامة عن ضعفي قيمة الشيء المعروض دون أن تحدد منتهاها وإنما تركت ذلك لتقدير قضاة الموضوع» (جناية 322 قرار192 تاريخ 15/2/1967).

2- عقوبة الراشي: إن العقوبات المفروضة على الراشي نص عليها قانـــــــــــــــون العقوبات في المادة (343) التي جعلت العقوبات المنصوص عليها في المادتين (341 و342) تنزل أيضاً بالراشي. وهي على نوعين أيضاً تبعاً لطبيعة العمل أو الغرض الذي دفعت الرشوة من أجله، وبذلك ساوى المشرع بين عقوبة الراشي والمرتشي سواء من حيث الحبس أم الغرامة.

3- عقوبة المتدخل في جريمة الرشوة: نص المشرع السوري صراحة على عقاب المتدخل في جريمة الرشوة كما فعل بالنسبة إلى المرتشي والراشي، بخلاف المشرع المصري الذي نص على عقابه بنصوص خاصة، الأمر الذي يقتضي إعمال القواعد العامة للمتدخل، فإذا كان العمل الوظيفي الذي تدخل به الوسيط (الرائش) مشروعاً؛ فإنه يستحق نصف العقوبة المفروضة في المادة (341) من قانون العقوبات وفق قواعد التدخل العامة المنصوص عليها في المادة (219/2) من قانون العقوبات إذا كان تدخله ثانوياً.

أما إذا كان تدخل الرائش بين المرتشي والراشي من أجـــــــــــــــل أن يقوم المرتشي بأداء عمل منافٍ لواجبات الوظيفة؛ فإن عقوبته تكــــــــــــــون نصف العقوبة المقررة في المادة (342) من قانون العقوبات، وفق قواعد التدخل الواردة في المادة (219/2) أيضاً، ولكن إذا كان دور المتدخل رئيسياً، إذ لولا مساعدته ما ارتكبت الجريمة؛ فإنه يعاقب بعقوبة الفاعل الأصلي أو الشريك نفسها، أي كما لو كان هو نفسه الفاعل. أما في حالة جريمة عرض رشوة لم تلقَ قبولاً - المنصوص عليها بالمادة (345) من قانون العقوبات - فإن المتدخل يعاقب بمثل عقاب صاحب المصلحة؛ عارض الرشوة، أو بنصف عقوبته المقررة بالمادة (345) المذكورة حسب درجة تدخله.

(ي)- الإعفاء من عقوبة جريمة الرشوة: قام المشرع السوري بإعفاء الراشي والمتدخل من العقاب إذا باحوا للسلطة ذات الصلاحية بالأمر، أو قاموا بالاعتراف قبل إحالة القضية إلى القضاء بحسب ما ورد في المادة (344) من قانون العقوبات، والغاية التي أرادها المشرع من ذلك هي حمل الراشي على كشف الرشوة وتوفير الدليل عليها، وذلك لأنه من الصعوبة بمكان إثبات وجود اتفاق بين طرفين إذا بقي هذا الاتفاق سراً؛ لأن المشرع قصد من خلال هذه المادة منح الراشي الإعفاء من العقوبة المقررة على سبيل المكافأة لتحفيزه وتشجيعه على الإقرار بذلك، وهنا لابد من تقسيم الإعفاء إلى قسمين يتناولان الراشي والمتدخل كلاً على حدة.

(1) إعفاء الراشي من العقوبة: نص المشرع السوري في قانون العقوبات وتحديداً في المادة (344) على إعفاء الراشي من العقاب إذا باح بالأمر للسلطات ذات الصلاحية، أو اعترف به قبل إحالة القضية إلى المحكمة؛ مكافأة له على الخدمة التي قدمها للمجتمع من خلال اعترافه بما ارتكبه من جرم، وأيضاً كان للمشرع من وراء ذلك غاية أخرى تتمثل بنشر حالة من الريبة وانعدام الثقة بين الراشي والمرتشي، مما يؤدي إلى رفض تلك الرشوة من قبل الموظف المتردد؛ لأن المشرع أيضاً لم يفتح باب الإعفاء أمام المرتشي لأنه ليس أهلاً للمسامحة بعد أن أساء أمانة الوظيفة الملقاة على عاتقه، واستهتر بواجباتها. والملاحظ أن القانون قد علّق الإعفاء على البوح بالجريمة أو الاعتراف بها، وبالتالي يكون البوح عن طريق إخبار النيابة  وتحريكها بجرم الرشوة، أما الاعتراف فيكون في الأصل بعد كشف جريمة الرشوة، وفي أثناء التحقيق بها بحيث يؤدي إلى كشف الجريمة واكتشاف أطرافها على نحو مطابق تماماً للوقائع كما حصلت حقيقة من دون إيهام أو تضليل.

ويمكن إيجاز ذلك باختصار وذلك بالقول: إنه يجب أن يتوافر في الاعتراف شرطان: الإخلاص والتفصيل. وفي هذا الصدد ورد اجتهاد لمحكمة النقض السورية يوجب على القاضي إعفاء الراشي من العقاب في حال اعترافه من دون أن يناقش بالأمر حيث قالت: «إن المادة (20) من قانون العقوبات قد نصت على تطبيق القانون السوري على الجرائم التي يرتكبها السوريون خارج الأراضي السورية، كما أن المادة (344) من القانون نفسه قد نصت على إعفاء الراشي من العقوبة إذا باح بالأمر أو اعترف به قبل إحالة القضية إلى المحكمة، وقد اعترف المدعى عليه بتقديم الرشوة إلى الجنود الأتراك في الأراضي التركية أمام قاضي التحقيق، وقبل إحالة القضية على المحكمة وبما أن الجرم عبارة عن ارتكاب عمل ممنوع بالقانون تحت طائلة العقاب، ومؤدى ذلك أنه لا جرم بدون عقوبة محددة في نفس القانون، فإذا أعفى المشرع مرتكب إحدى الجرائم من العقاب فمعنى ذلك أن هذا الفعل غير مؤثَّم في نظره، وقد زالت عنه الصفة الجرمية ولا حاجة إلى إحالته إلى المحكمة ذات الاختصاص. وإن إعفاء الراشي في حالة اعترافه من عمل القانون نفسه ولا يستطيع القاضي أن يقدر هذا الظرف أو يناقش فيه؛ بل عليه أن يقرر منع المحاكمة إذا كانت القضية لا تزال في دور التحقيق؛ أو يقرر عدم مسؤوليته إذا كانت الدعوى أمام المحكمة في حالة اعتراف سابق لإحالتها» (جناية 480 قرار470 تاريخ 27/6/1964).

وجاء أيضاً في اجتهاد آخر يوضح أن الإعفاء من العقاب في حال الاعتراف لا يطبق إذا بقيت الجريمة في حالة الشروع فقد ورد: «إن الشارع قصد من وضعه المادة (344) من قانون العقوبات التي نصت على إعفاء الراشي والوسطاء من العقوبة هو تشجيعهم على مساعدة الدولة في إثبات الرشوة فيما لو أخبروا عن الجريمة أو اعترفوا بها… أما إذا ارتكب الراشي والوسيط جريمة الشروع في الرشوة فلا يكون الإخبار أو الاعتراف الصادر منهما أو من أحدهما سبباً في الإعفاء من العقوبة؛ لأن حكمة الإعفاء هي تسهيل كشف المرتشي والقبض عليه وتصبح متقدمة في هذه الحالة» (جنحة 3371 قرار 3122 تاريخ 10/12/1966).

(2) إعفاء المتدخل من العقوبة: إن المشرع عندما أعفى الراشي من العقوبة أعفى معه أيضاً المتدخل إذا باح بالأمر للسلطات المختصة أو اعترف به، وهنا لابد من توضيح أمر مهم، فالإعفاء الوارد في المادة (344) من قانون العقوبات لا يثير أي إشكال فيما لو كان المتدخل مندوباً من قبل الراشي، ولكن ما حكم المتدخل فيما لو كان مندوباً من قبل المرتشي؟

صراحة لم يشترط القانون في معرض نصه على الإعفاء بالنسبة إلى الراشي والمتدخل، وبالتالي يجب إعمال النص على إطلاقه، فالمتدخل يستفيد من الإعفاء بغض النظر عما إذا كان مندوباً من الراشي أو المرتشي، ولكن يجب التنويه بأن المشرع يعفي من العقاب في حال الاعتراف على جرم عرض الرشوة المنصوص عليه في المادة (345) من قانون العقوبات، فقد ورد في اجتهاد صريح لمحكمة النقض ما نصه: «إن نص المادتين (341-342) عقوبات يتعلق بالعقوبة المفروضة على المرتشي ونص المادة (343) التي بعدها تتعلق بتشميل العقوبة للراشي، ثم جاءت بعد ذلك المادة (344) فأعفته مع المتدخل من العقوبة إذا باحا بالأمر الذي هو دفع الرشوة مما يعلم منه أن المقصود من الإباحة المذكورة هي التي تقع بين الراشي والمتدخل في حالة قبول الرشوة من الجانب المدفوعة إليه، أما في حالة الامتناع والرفض المنصوص عنها في المادة (345) عقوبات فإن اعتراف الراشي غير مشمول به باعتبار أن الغاية من الإعفاء هي الوصول إلى معرفة المرتشين ومعاقبتهم واستئصال هذا المرض وجرثومه بالكلية، وهذا الأمر لا يتصور بالراشين الذين لم يقبل طلبهم والذين يهمهم قبوله ليسهل حالهم من مصلحة قد لا تخلو من ضرر، وقد يكون من مصلحتهم الخاصة الكتمان والحرص على إخفاء الوضع ليستطيعوا إعادة الكرة المرة بعد المرة» (جنحة 2219 قرار2255 تاريخ 30/10/1952).

كما ورد في اجتهاد آخر أن إعفاء الراشي المنصوص عليه في المادة (344) من قانون العقوبات مقصور على حالة قبول المرتشي الرشوة المعروضة عليه ولا يتعداه إلى حالة رفض الموظف قبول الرشوة فقد قالت محكمة النقض: «لما كانت المحكمة مصدرة الحكم المطعون فيه قد أوردت واقعة الدعوى وأوضحت أدلتها فاستثبتت ارتكاب الطاعن الجرم المسند إليه من اعترافه الصريح أمام النيابة العامة ومن أقوال الشاهد الذي قدمت إليه الرشوة فرفضها. ولما كان ما يثيره الطاعن من عدم توفر الأركان القانونية للرشوة بسبب اعترافه بها غير وارد؛ لأن إعفاء الراشي المنصوص عليه في المادة (344) عقوبات مقصور على حالة قبول المرتشي الرشوة المعروضة عليه ولا يتعداه إلى حالة رفض الموظف قبول الرشوة لأن الحكمة من الإعفاء في هذه الحالة تكون منعدمة، وقد استقر الاجتهاد على ذلك. هذا بالإضافة إلى أن المحكمة منحت الطاعن أسباب التخفيف التقديرية مما يجعل الحكم المطعون فيه مستكملاً أسبابه وموجباته القانونية فلا ترد عليه أقوال الطاعن» (أساس 1528 قرار 1454 تاريخ 19/6/1984).

بقي أن ذكر تساؤل أخير يرد في موضوع الإعفاء حول نطاق الإعفاء من العقوبات المنصوص عليها في المادة (344) من قانون العقوبات حيث إنه يقتصر على العقوبة السالبة للحرية والغرامة، ولا أثر له على المصادرة ذلك أن حيازة مقابل الرشوة هو مخالفة للنظام العام، وهذا الأمر هو ما استقر عليه الاجتهاد والفقه والقضاء، إلا أن جانباً من الفقه الجزائي يرى وجوب رد مقابل الرشوة إلى الراشي إن كان ذلك ممكناً من الناحية العملية وذلك لعدة أسباب:

1- الإعفاء يشمل كل عقاب والمصادرة عقوبة شأنها شأن غيرها من العقوبات.

2- إن رد مقابل الرشوة يشجع الراشي أكثر على الإبلاغ عن الجريمة؛ لأن ذلك يجعل له مصلحة مؤكدة بالكشف عن الجريمة لوجود احتمال استرداد الراشي لما دفعه.

3- إن رد مقابل الرشوة إلى الراشي له أثر كبير في الحد من انتشار هذه الجريمة الخطرة؛ لأن الموظف سوف يتردد قبل موافقته على قبول الرشوة؛ لأنه يوقن أنه من مصلحة الراشي الإبلاغ عنه حتى يعفى من العقاب ويسترد ما دفعه ويكون قد أنجز عمله من دون أن يكلفه ذلك أي شيء.

4- لا يوجد أي شيء يحول دون خروج المشرع على القواعد العامة التي تحكم المصادرة كعقوبة تكميلية بالنسبة إلى جريمة خطرة كجريمة الرشوة؛ إذا كان هذا الخروج يساعد على تسهيل كشف هذه الجريمة.

ثانياً- صرف النفوذ

إن جريمة صرف النفوذ لم تكن معروفة في الأعراف الجزائية القديمة، وأول من أبرز الخطوط الأساسية بصورة صريحة هو القانون الخاص والمتعلق بهذه الجريمة الصادر في فرنسا بتاريخ 4/7/1889 حيث جرت ملاحقة المتورطين في صفقات مشبوهة في ظل فوضى سياسية واجتماعية وانتفاضة جماهيرية. أما بالنسبة إلى التشريعات العربية فقد خلا غالبها من هذه الجريمة عدا القانون المصري والمغربي واللبناني والسوري حيث وردت في قانون العقوبات السوري في المادة (347 و348)، ويمكن تقسيم دراسة هذه الجريمة إلى أربع نقاط أساسية تتناول فاعل الجريمة، والنفوذ المدعى بارتكابه، والعنصر المادي، والعنصر المعنوي لجريمة صرف النفوذ.

1- الفاعـل:

لم يشترط المشرع وجود صفة خاصة في مرتكب هذه الجريمة، وإنما وضعت مواده لتنال الأشخاص كافة من دون الإشارة إلى مركزهم أو وظيفتهم، وبالتالي استبعد القانون كون الفاعل موظفاً عاماً، وإنما اكتفى بقيام أي شخص باستعمال نفوذه الشخصي على الأفراد الخاضعين لتأثيره لتحقيق مبتغاه ومراده، إلا أن بعض الفقهاء اشترط في فاعل هذه الجريمة أن يكون موظفاً عاماً أو على الأقل عضو مجلس انتخابي أو عضو مجلس نيابي، وخالف فقهاء آخرون هذا الرأي فحدث اضطراب في الاجتهاد والفقه، مما حــــــــــــــــدا بعض المفكرين القانونيين على تقريب وجهات النظر باتخاذ موقـــــــــــــف معتدل معتبراً الصفة الرسمية في الفاعل ظرفاً مشدداً للعقاب كما جـــــــــــــــــاء في المادة (348) من قانون العقوبات السوري لجهة معاقبة المحامي بحجة الحصول على عطف القاضي أو الخبير أو الحكم.

2- ادعاء النفوذ:

يعد هذا الركن من الأركان الأساسية في جريمة صرف النفوذ ولا يتحقق بمجرد تسلم الجاني هدية بغية مساعدة صاحب المصلحة تقديم النصح والإرشاد؛ مع ملاحظة أنه لا أهمية لمصدر النفوذ المتمتع به فاعل الجريمة، فقد يكون سياسياً أو اجتماعياً أو وظيفياً أو حتى عن طريق المعرفة أو القرابة بينه وبين الموظف المطلوب منه الخدمة، وذلك بغية حمله على قضاء المصلحة الموجودة. ولم يأخذ القانون بعين الاعتبار طريقة صرف الجاني لنفوذه، فقد تكون  مباشرة، أو عن طريق الوساطة، كالضغط الممارس على رئيس الموظف أو زوجته ليستخدما نفوذهما على الشخص المطلوب منه الخدمة المبتغاة، ولكن بشرط أن يكون ذلك النفوذ موجه نحو جهاز من أجهزة السلطة العامة، أو إحدى إدارات الدولة، أو مؤسساتها من اجتماعية أو اقتصادية أو ذات نفع عام؛ لأن استخدام النفوذ لدى جهة خاصة غير حكومية، كإحدى المؤسسات الخاصة أو الشركات بغية الحصول على خدمة أو امتياز أو أي مزية أخرى لصاحب المكافأة لا يشكل جرم صرف النفوذ. مع العلم أن النص القانوني لم يميّز بين تمكين صاحب الهدية من مصلحته أو محاولة ذلك، ولو لم تنجح هذه المحاولة، وتكون هذه الجريمة متحققة سواء ضمن الجاني النتيجة عند طلبه أو تسلمه للمكافأة، أو تعهد ببذل المساعي من أجل الحصول عليها، ولم يوجب القانون أن يقوم الفاعل باستعمال نفوذه فعلياً؛ وإنما اكتفى بتعهد الفاعل أمام صاحب الحاجة بالقيام باستعماله بغية الحصول على النتيجة، أو حتى محاولة الحصول عليها ولو لم يكن صادقاً في كلامه.

وقد استقر القانون والفقه والاجتهاد على أن ممارسة النفوذ هي شرط متلازم مع الادعاء بغض النظر عن مدى فاعليته، وفي بعض الأحيان قد يختلق الجاني القرائن المتوافقة مع وسائل التدليس، كقيامه بأعمال إيجابية أمام صاحب المصلحة تجعله يقع ضحية هذه الأعمال، ولم تكن تلك الوسائل أو القرائن ما يغرر الشخص العادي الذي يفترض فيه الحذر وعدم التسليم بهذه التصرفات أو حتى الاقتناع بها.

3- العنصر المادي:

إن الأفعال المادية في جريمة صرف النفوذ تأخذ الصور والعناصر والوسائل نفسها التي يتشكل منها العنصر المادي لجريمة الرشوة، أو بمعنى آخر أن الهدية أو العطية هي نفسها المعتمدة في الجريمتين دونما حاجة إلى تعدادها أو تكرارها من جديد. وعدّ بعض الفقهاء أن النصوص القانونية المتعلقة بصرف النفوذ واجبة التطبيق على المؤسسات الرسمية الأجنبية بالنسبة إلى الأحوال المرتكبة في الإقليم الوطني المحلي لورود النص على إطلاقه من دون إلحاق عبارة الدولة أو السلطات العامة بكلمة الوطنية.

4- العنصر المعنوي:

تعد جريمة صرف النفوذ من الجرائم المقصودة، يتخذ فيها الركن المعنوي صورة القصد الجرمي الذي يتحقق بانصراف إرادة فاعل الجريمة إلى طلب المكافأة أو العطية مقابل استعمال نفوذه لدى الجهات المختصة تلبية لحاجة صاحب المصلحة، وبالتالي يقتصر العنصر المعنوي لمستعمل النفوذ على القصد العام؛ كقيامه بالتعهد لصاحب المصلحة باستعمال نفوذه ولو لم يكن في قرارة نفسه يقصد القيام بذلك، أما لو تسلّم الجاني هدية أو عطية لقاء خدمة غير مضمونة، ولم يقم الفاعل بالتعهد لصاحب الهدية أو وعده في ممارسة سلطاته على سواه؛ فلا تقوم الجريمة في هذه الحالة.

أما العنصر المعنوي لصاحب المصلحة فيكون بمجرد تقديم المكافأة لقاء الاستفادة من نفوذ الجاني سواء تم القبول من قبل هذا الأخير أم لم يتم.

والجدير بالذكر أن المشرع لم يُعر أي أهمية للقصد الخاص من وراء هذا الفعل بل اكتفى بالقصد العام المبني على الإرادة والعلم؛ من دون حاجة إلى التحري عن رغبة صاحب المصلحة من وراء هذا العمل أو حتى الدافع الذي حمله على ذلك الفعل ولو كان ذلك الدافع شريفاً.

بقي أخيراً ذكر أن العقوبة المفروضة على هذه الجريمة وفق أحكام المادة (347) من قانون العقوبات هي الحبس من شهرين إلى سنتين وغرامة أقلها ضعفا قيمة ما أخذ أو قبل به، إلا أن المشرع عاد وتشدد في هذه الجريمة إذا قام بارتكابها محامي بحسب ما ورد في أحكام المادة (348) من قانون العقوبات، فأصبحت الحبس من سنة إلى ثلاث سنوات، ومنعه من ممارسة مهنته مدى الحياة لما لهذا الفعل من خطورة.

ولابد في ختام البحث في جريمة صرف النفوذ من توضيح أوجه الاتفاق والاختلاف بينها وبين جريمة الرشوة، إذ تُعدّ هاتان الجريمتان من أكثر الجرائم تشابهاً؛ لأن العناصر الأساسية هي ذاتها في كلتيهما، وهذا ما يفسر خلو الكثير من التشريعات من ذكر جريمة صرف النفوذ؛ إذ تناولتها في مجمل ذكرها لجريمة الرشوة.

أوجه الالتقاء:

 أ)- يلتقيان بأن كلاً منهما هو بحكم العقد الجرمي الناشئ من اندماج الإرادتين في الاتفاق المتبادل الحاصل على أساس التكافؤ في المنفعة بين العطية من جهة وبين الخدمة المطلوبة من جهة ثانية.

ب)- إن المساهمة الجنائية واردة تماماً وطبق الأصل في الجريمتين معاً سواء من حيث الفاعل الأصلي والشريك والمتدخل.

ج)- إن المحاولة تأخذ الطريق ذاته في الوجهتين بالنسبة إلى قواعد التجريم وشروطه واستحالة الفعل واعتبار هذه المحاولة كجريمة قائمة أحياناً.

أوجه الافتراق:

 أ)- إن أكثر فرق واضح بين الجريمتين في صفة كل من الفاعلين؛ لأن الرشوة هي جريمة موظف بخلاف الحال في جريمة صرف النفوذ التي لا تعير صفة الوظيفة أي أهمية.

ب)- إن مستغل النفوذ لا يقوم بقضاء حاجة صاحب المصلحة مباشرة لأنها خارجة عن اختصاصه، في حين تفترض الرشوة أن تكون الخدمة المطلوبة من الموظف مباشرة بمناسبة ممارسته العمل.

ج)- هناك فارق جوهري يتجلى في العقوبة الموقعة على الشريكين في كل من الجريمتين؛ إذ إن الفعل بالنسبة إلى صاحب النفوذ يعدّ جنحوي الوصف والعقوبة بخلاف حال الرشوة إذ إنها من نوع الجناية، ويشذ عن ذلك فقط كون العمل المطلوب من قبيل الجنحة.

ثالثاً- الاختلاس

إن جريمة الاختلاس معروفة قديماً وحديثاً ويكاد لا يخلو أي قانون عقوبات من ملاحقتها، وتعدّ جرائم اختلاس الأموال والأشياء العامة شائعة ومشهورة ومتعددة منذ العهود القديمة.

والاختلاس لغة من خلس أي الأخذ في نهزة ومخاتلة، وبعبارة أخرى سلب الشيء بسرية وبسرعة. وقد اقتبس قانون العقوبات السوري النص المتعلق بجريمة الاختلاس من التشريع اللبناني الذي بدوره اقتبسه من المشرع الفرنسي بعد أن أهمل تصنيف هذا القانون الأخير سواء لجهة صفة الفاعل، أم لجهة أهمية قيمة الأموال لاحتساب الاختصاص، وشدد العقوبة في حال وقوع الاختلاس مرفقاً بالتزوير، وذلك وفق المادتين (349 و350) من قانون العقوبات السوري مع ملاحظة أن قانون العقوبات الاقتصادي لم يعرف جريمة الاختلاس، ويمكن أن الاستدلال على صراحة المادة في القانون السوري واللبناني من خلال المثال التالي: «تتلخص الواقعة بأن أموالاً سرية سلمت إلى مدير الشرطة من قبل شركة التابلين لقاء خدمات خاصة أداها أفراد الفرقة التي تولت حراسة منشآت تكرير النفط، فاختلسها المدير الذي سلمت إليه، وقد قضت محكمة استئناف الجزاء التي قررت أن المادة (349) اشترطت لتأليف جرم الاختلاس أن يقع الجرم على نفوذ وأشياء أخرى للدولة مسلمة للموظف قانوناً بإدارتها أو حمايتها أو صيانتها بحكم وظيفته وإلا كان الفعل من قبيل إساءة الأمانة؛ لأن المدير لم يستلم المبلغ بحسب اختصاص وظيفته بغية إدارته أو صيانته».

وقد استقر الاجتهاد القضائي على ضرورة ملاحقة جريمة اختلاس الأموال العامة ومتابعتها ومعاقبتها، استناداً إلى ما يجب أن يتحلى به الموظف العام من أهمية دوره وطبيعة عمله واستقامته في القيام بواجبه الوطني والوظيفي؛ مع ملاحظة أن الاختلاس يلحق الضرر بمصالح الدولة المالية التي ينبغي على كل الموظفين والمواطنين حمايتها وتسهيلها، وعدم التعرض والتصدي لها بأي سوء، وأيضاً إن هذا التصرف الجرمي يعدّ مخالفة صريحة وسيئة وضارّة لواجب الأمانة الذي يلتزم به كل موظف عام تجاه الجماعة، وخرقاً فاضحاً للثقة التي يضعها المواطنون في الأشخاص المكلفين بواجب رسمي.

1- صفة الفاعل:

بما أن جريمة الاختلاس أو ما يمكن تسميتها تبديد الأموال العامة مرتبطة بخزانة الدولة، وبالتالي يجب أن يكون مرتكب الجريمة موظفاً عاماً مختصاً أو من كان في حكمه؛ على اعتبار أن الفعل هو فعل الموظف دون سواه، ويعدّ هذا من قبيل الإخلال بواجبات الوظيفة. أما لو قام بهذا الفعل شخص عادي لصحت جريمة السرقة وفق تعريفها الوارد في القانون، وهي أخذ مال الغير من دون رضاه.

وقد سبق أن أتى ذكر الموظف تفصيلاً في باب الرشوة، ولكن الاجتهاد المصري عدّ أن النص ينطبق على مأموري التحصيل والمندوبين له والأمناء وعلى المودع إليهم والصيارفة المنوطين بحساب نقود أو أمتعة، ولم يأتِ بها ذكر الموظف العام، مما يستفاد منه أنه لا يشترط في من ينطبق عليه حكم هذه المادة أن يكون موظفاً بكل معنى الكلمة، وإنما يجب أن يكون قائماً بعمل ذي صفة عامة؛ وأن يكون الشيء المختلس قد سلم إليه بسبب وظيفته وتأكيداً لذلك جاء في اجتهاد لمحكمة النقض السورية اعتبار المستخدم داخلاً في مفهوم الموظف المقصود في قانون العقوبات، ويلاحق بجرم الاختلاس إذا توافرت باقي أركانه، حيث ورد «إن النص الواجب التطبيق هو حكم المادة (349) من قانون العقوبات لا المادة (656) ولا المادة (657) منه، وذلك لأن الطاعن كان مستخدماً وغير موظف بالمعنى المالي أو التقاعدي، فإن نص المادة (346) عقوبات يبقى منطبقاً عليه أحكام المادة (340) عقوبات التي ساوت بين الموظف والعامل والمستخدم في الدولة أو في إدارة عامة بالمعنى المقصود بكلمة موظف في الباب الثالث من الكتاب الثاني من العقوبات في البحث الجرائم المخلة بواجبات الوظيفة» (جنحة 2596، قرار 2679 تاريخ 24/10/1964).

2- العنصر المادي للجريمة:

يرتبط الفعل المادي في جريمة الاختلاس بنظرية الحيازة، وبالتالي يعدّ المال المنقول الداخل في حيازة الموظف حكماً في حيازة الدولة، وعلى ارتباط بالمال العام، وإن لم يكن جزءاً منه في بعض الأحيان، ولا يشترط في حيازة الموظف أن تكون حيازة مادية بل يكفي أن يكون الموظف قادراً على التصرف به أو تحريكه مادام قرار صرف المبالغ بيده.

ويمكن اعتبار أن الاختلاس ليس فعلاً مادياً محضاً وليس نية داخلية بحتة؛ بل هو عمل مركب من فعل مادي هو الظهور على الشيء بمظهر المالك تسانده نية داخلية وهي نية التملك، ولا يشترط لاعتبار الفعل الصادر من ذلك الموظف محققاً للاختلاس خروج المال الذي تصرف فيه بالفعل من حيازته؛ بل تقوم الجريمة بهذا ولو كان المال لا يزال موجوداً في المكان المعد أصلاً لحفظه. وأيضاً تقوم جريمة الاختلاس؛ ولو لم يترتب عليه ضرر فعلي للدولة أو غيرها، لأن القانون لم يتطلب أن تتحقق النتيجة الإجرامية من جراء فعل الاختلاس وإنما تتحقق بمجرد التصرف في المال تصرف الملاك. فإذا تتابعت أفعال الاختلاس فإن هذه الأفعال بمجملها تعدّ جرم اختلاس واحد، مادامت نية الاختلاس قد توافرت لدى فاعل الجريمة فليس من الضروري أن ينفذ جريمته دفعة واحدة؛ وإنما قد يتصرف بالمال المختلس على دفعات متعددة. أما إذا كانت الأفعال التي ارتكبها الفاعل ليست وليدة خطة واحدة وغرض جرمي واحد، وكان كل واحد على حدة وليد خطة مستقلة عن الأخرى ولفترات متباعدة فلا تعدّ جرماً واحداً. وهذا ما أكدته اجتهادات محكمة النقض السورية حيث ورد: «لما كان القرار المطعون فيه قد بيّن واقعة الدعوى وأدلتها على قدر ما يملكه قاضي الإحالة في حق تقدير كفاية الأدلة عملاً بأحكام المادة (148) من الأصول الجزائية إلى اتهام الطاعن وهو رئيس ديوان المحكمة بجناية اختلاس أموال المحكمة المعاقب عليها بالفقرة /ب/ في المادة (10) من قانون العقوبات الاقتصادية رقم (37) لعام 1966؛ لأن مجموع ما اختلسه من هذه الأموال قد تجاوز الألفي ليرة سورية لا ينال منه؛ لأن الأفعال المتتابعة التي نتج عنها الاختلاس إنما تشكل بمجموعها جريمة اختلاس واحدة لا جرائم متعددة كتعدد الأفعال، وذلك لأنها نتيجة تصميم واحد، مما يجعل الطعن المذكور غير وارد وجديراً بالرد» (مجلة المحامون، اجتهاد رقم 55 لعام 1969، العدد الثامن والثالث - القسم الثالث).

3- محل الاختلاس:

يكون محل الاختلاس كل مال وجد في حيازة الموظف بسبب وظيفته، المعهود إلى الموظف إما إدارته أو صيانته وإما جبايته، وهذان العنصران هما محل الاختلاس.

أ- العنصر الأول: يجب أن يكون المال منقولاً: الأصل أن المال لا يمكن أن يكون محلاً للاختلاس إلا إذا كان منقولاً، والمقصود بذلك كل شيء يمكن أن يكون محلاً لحق من الحقوق المالية قابلاً للتملك؛ لأنه هناك بعض الأمور - كالإنسان مثلاً - لا يمكن أن تكون محلاً لجريمة الاختلاس، ويجب أيضاً أن يكون هذا المال ذا قيمة؛ لأنه لا وجود لجرم الاختلاس إن تجرد من القيمة بصرف النظر عن ضآلة تلك القيمة حتى لو كانت أدبية أو اعتبارية، ويمكن أن تكون قيمة الشيء صغيرة ولكنها كبيرة بما تحويه؛ كالسند المتضمن تعهداً معيناً أو إبراءً من شيء ما، كما أن هناك بعض الأشياء التي تفقد قيمتها بتنازل أصحابها عنها؛ كالموظف الذي يُطلب منه إتلاف بعض الأشياء فيأخذها ويحتفظ بها، وفعله هذا لا يمكن عدّه جرم اختلاس. ولابد هنا من الإشارة إلى أن ضآلة قيمة المال المختلس لا تعفي من العقاب، ولكنها في الوقت ذاته تعد سبباً من أسباب التخفيف القانوني المنصوص عليها في المادة (356) من قانون العقوبات وهذا حقيقة ما أيده الاجتهاد القضائي السوري حيث جاء في قرار محكمة النقض ما يلي: «إن المادة (356) عقوبات نصت على تخفيض نصف العقوبة فيما إذا كان الضرر الحاصل من الجريمة والنفع الذي توخاه المجرم زهيدين، أو إذا عوض عن الضرر تعويضاً تاماً قبل إحالة القضية إلى المحكمة ويتبين من وقائع هذه الدعوى أن المجرم سدد المبلغ المختلس أثناء التحقيق وقبل تحويل القضية إلى المحكمة. فأصبح مشمولاً بأحكام هذه المادة.

إن ظاهر النص يشير إلى أن تفاهة المال المختلس وحدها كافية للتخفيض، وكذلك التعويض وحده كافٍ لذلك، فإذا اجتمع السببان معاً فإن المحكوم عليه يستفيد من كل واحد منهما على انفراد، فتنزل العقوبة إلى نصفها لتفاهة المال ثم ينزل الباقي إلى نصفه للإعادة، وقد أخطأت المحكمة في ذهابها إلى تفاهة المال وإعادته توجب تنزيل العقوبة إلى نصفها فقط؛ مع أن كل واحد من السببين موجب بمفرده إلى هذا التنزيل» (جنحة 4681، قرار 1386 تاريخ 10/9/1962).

ومما يتوجب في هذا المال المنقول أن يكون مادياً له كيان ملموس يمكن نقله من مكان إلى آخر ولو كان لذلك النقل أثر في سلامته، أما بالنسبة إلى الحقوق الشخصية كحقوق المؤلف الأدبية فلا يتصور أن تكون محلاً لجرم الاختلاس؛ لأن هذا الجرم لا يمكن أن يقع إلا على شيء مادي، وبالتالي يمكن تصور وجود جرم الاختلاس على الوثائق التي تثبت هذه الحقوق الأدبية.

ومما يدخل تحت بند المال المنقول أيضاً العقارات بالتخصيص وأجزاء العقارات في حال أمكن فصلها ولو كان ذلك على حساب قيمتها إنقاصاً أو إتلافاً.

ب- العنصر الثاني: أن يكون المال المختلس تحت يد الموظف: يجب أن يكون المال المختلس تحت يد الموظف بسبب وظيفته، أو أوكل إليه أمر إدارته أو صيانته أو جبايته، ويخرج عن ذلك ما يدخل في حيازته بمعرض وظيفته وهذا أمر أساسي في تكوين جرم الاختلاس، فإذا لم يكن ذلك الموظف موكلاً إليه هذا المال فلا يعد أخذه للمال من قبيل الاختلاس. لم يشترط المشرع الحيازة المادية وإنما اكتفى بالتسلّم الحكمي للمال، وهذا تماماً ما استقر عليه الاجتهاد القضائي السوري، فقد قالت محكمة النقض: «أنه لما كان يستفاد من تدقيق القضية أن وقائع الدعوى المتعمدة من الأدلة التي أخذ بها قاضي الإحالة تتناقض مع النتيجة التي انتهى إليها القرار المميز من حيث التطبيق القانوني؛ لأن أحكام المادتين (349 و350) من قانون العقوبات المستند إليهما في اتهام المميز تشترط لتكوين جرم الاختلاس الجنائي أن يكون الموظف اختلس ما وكل إليه أمر إدارته أو حمايته بحكم الوظيفة من نقود أو خلافها بطريق التحريف أو إتلاف الحسابات والأوراق أو غيرها من الصكوك، أو يدس كتابات غير صحيحة في الفواتير أو الدفاتر، وعلى صورة عامة بأية حيلة ترمي إلى منع اكتشاف هذا الاختلاس، ولما كان يتبين من مضمون الوقائع المشار إليها أن الاختلاس المعزو إلى المتهم المميز لم يقع على ما وكل إليه أمر صيانته أو إدارته أو حمايته كما تقدم بيانه؛ بل جرى بواسطة تنظيم إذن سفر من قبله يغادر إلى مقر وظيفته، ثم نظم أمر قبض بموجب هذا الإذن واستوفى بموجبه ثلاث مياومات احتيالاً، الأمر الذي يخرج الجرم على الوجه المبين عن وصفه الجنائي الملمح إليه في الاتهام ويدخل عند الثبوت ضمن نطاق أحكام المادة (641) من قانون العقوبات التي تبحث عن الاحتيال بصورة مفصلة، ولما كان الخطأ في تطبيق القانون وتأويله يوجب نقض القرار المميز عملاً بالفقرة الثانية من المادة (342) في قانون أصول المحاكمات الجزائية؛ لذلك تقرر بالإجماع وفقاً للبلاغ نقض القرار المميز موضوعاً للسبب الملمح إليه فقط» (نقض سوري، جناية قرار 779  تاريخ 16/10/1958).

ويمكن أيضاً أن يكون المال عاماً حسب تعريف المادة (90) من القانون المدني، وبالتالي يدخل في نطاق المال العام أموال الجهات المؤممة كالمصارف والشركات بعد تأميمها، والتصرف بهذه الأموال من قبل المعهود إليه صيانتها أو إدارتها هو من قبيل الاختلاس.

وقد سار النهج القضائي في هذا الاتجاه حيث أورد ما يلي: «لما كانت وقائع هذه الدعوى تشير إلى أن المدعى عليه عامل في الشركة المؤممة وقائم بوظيفة أمين المستودع فيها ومكلف ببيع الأقمشة، وقد ارتكب جريمة اختلاس الأموال مع التزوير وبلغت الأضرار أكثر من ألفي ليرة.

وانتهى قاضي التحقيق إلى اعتبار جرمه من قبيل الجنحة المنطبقة على المادة (349) من قانون العقوبات. وانتهى القاضي الابتدائي إلى اعتبار الجرم من نوع الجناية، وقد اكتسب هذان القراران الدرجة القطعية وتوقف سير العدالة ووجب تعيين المرجع وفقاً للمادة (408) وما بعدها من الأصول الجزائية.

ولما كانت الشركات المؤممة تعتبر كالدولة في معرض تطبيق قانون العقوبات الاقتصادية وفقاً للمادة الأولى منه، وكان اختلاس أموالها يعتبر من نوع الجناية وفقاً للمادة العاشرة منه.

كما أن العامل في الشركة المؤممة يعدّ موظفاً وفقاً للمادة (340) من قانون العقوبات، واختلاس الأموال التي وكل إليه أمر إدارتها مقترناً بالتزوير من نوع الجناية وفقاً للمادة (350) منه.

وكان ما جاء في قرار قاضي التحقيق من اعتبار الجرم من نوع الجنحة مخالفاً لقانون العقوبات وهي تبحث في جرم جنائي مما يجعل قراره جديراً بالنقض» (جنحة 3379 قرار 3902 تاريخ 31/12/1969).

ويعد من قبيل المال الممكن وقوع جرم الاختلاس عليه المال الخاص الموضوع تحت يد الإدارة أو جهة عامة وكانت مهمة الموظف حراستها، كالمصادرات الجمركية قبل البت بموضوعها (نقض سوري، جناية أساس 741 قرار 666 تاريخ 23/7/1967).

4- القصد الجرمي:

تعدّ جريمة الاختلاس من الجرائم القصدية لا بل المتعمدة أحياناً، ولا بد من توافر القصد الجرمي بنوعيه: العام والخاص.

أ- القصد العام: يتكون القصد العام من العلم والإرادة، وبالتالي يتوجب على مرتكب هذه الجريمة علمه بالظروف والأركان من كونه موظفاً، وأن يضع يده على المال المسلم إليه بسبب وظيفته بغية إدارته أو حمايته أو صيانته أو جبايته؛ مع اتجاه إرادته إلى التصرف بهذا المال. ولا يتصور وفق ما ورد وقوع الاختلاس بالخطأ مهما كان جسيماً، وإن انتفاء أي عنصر من العنصرين السابق ذكرهما؛ أي العلم أو الإرادة، ولو انتفى العلم بسبب غلط في القانون أو الواقع من دون نسيان، فلا يعفى الفاعل من العقاب إن ثبت جهله بنصوص مواد القانون؛ لأنه لا يعتد بالجهل بالقانون، ولكن إن انتفاء الإرادة لا تنفي الجرم وإنما تعفي من المسؤولية الجزائية كما هو حال المعتوه والمجنون.

ب- القصد الخاص: ويتوافر هذا القصد من انتقال الحيازة الناقصة إلى حيازة كاملة على اعتبار أن النية الجرمية المكونة لهذا الفعل تتم في لحظة واحدة، وبالتالي لا يمكن تصور قيام الشروع في مثل هذا الجرم، أي إن جرم الاختلاس إما أن يقع بشكل تام وإما ألا يقع مطلقاً. أما النية الجرمية في جريمة الاختلاس فتعد عنصراً رئيسياً من عناصر تكوينها فتتم بوجودها وتنتفي بانتفائها، ولا أثر في توافر نية الجاني رد مقابل ما أضاعه من المال بعد التصرف فيه، وإن كان الرد في حد ذاته سبباً مخففاً قانونياً، وقد ورد العديد من الاجتهادات القضائية المؤيدة لما سبق ذكره، فقد جاء في أحد القرارات القضائية الصادرة عن محكمة النقض السورية ما يلي: «لما كان فعل الطاعن لا يعدو تأخير (تأخيراً) في تسديد كامل المبالغ التي جباها عن أجور الجرار الزراعي العائد للجمعية، وقد برر هذا التأخير بأن مبالغ سرقت منه فلم يتمكن من التسديد وعندما طلبت منه قام بتداركها وتسديدها.

ولما كان مجرد تأخير الموظف أو الجابي في تسديد بعض المبالغ التي جباها لا يعني حتماً أنه كان ينوي اختلاسها خاصة إذا كان قد سددها بمجرد الطلب إليه التسديد إذ لا بد من قيام أدلة كافية على قصد الاختلاس، ويفسر الشك لمصلحة المدعى عليه.

ولما كان القرار المطعون فيه لم يقم قضاؤه على أي دليل توفر في التحقيق؛ إذ إن قاضي التحقيق ومن بعده قاضي الإحالة لم يجريا أي تحقيق ولم يجمعا أي دليل، وإنما أقاما نية الطاعن وتسديده المبلغ المتبقي في ذمته بمجرد الطلب إليه وعدم وجود نظام يلزمه بالتسديد في أوقات معينة محددة، ولم يلحظ أن الطاعن لم يقبض أجوره منذ تاريخ تعيينه كما جاء في تقرير التفتيش، كما ولم يلحظ أن الشك يفسر لمصلحة المدعى عليه فينال منه الطعن مما يستوجب النقض» (نقض سوري، جناية 167 قرار 71 تاريخ 28/1/1976).

5- العقوبـة:

يمكننا تقسيم العقوبة حسب وصفها إلى قسمين:

أ- الاختلاس الجنحي الوصف: القاعدة العامة أن جريمة اختلاس الأموال هي من نوع الجنحة خلافاً لما هي عليه غالبية أفعال الإخلال بواجبات الوظيفة؛ إذ قضى المشرع على الموظف المختلس بالحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات، إضافة إلى الغرامة التي أقلها قيمة الردود (المادة 349 من قانون العقوبات).

ب- الاختلاس الجنائي الوصف: عمد المشرع السوري إلى تشديد العقوبة حيث جعلها الأشغال الشاقة المؤقتة مع غرامة أقلها قيمة الردود في حالة ارتباط فعل الاختلاس بأي حيلة ترمي إلى منع اكتشافه، كالتزوير الحاصل في الدفاتر، أو الإتلاف الواقع على الحسابات والأوراق وغيرها من الصكوك… إلخ.

والجدير بالذكر أن المشرع السوري أورد في المادة ( 35) سببين من الأسباب المخففة للعقوبة حتى النصف سواء أكانت جنحة أم جناية وهما:

(1)- إذا كان الضرر الحاصل أو النفع الموجود من الفعل زهيدين يصلان إلى حد تفاهة المال المختلس، وهو أمر يعود تقديره إلى قاضي الموضوع.

(2)- إذا قام المختلس بتعويض الضرر الحاصل نتيجة اختلاسه، إما برد المال المختلس، وإما برد قيمته إذا كان من غير النقود، وذلك بشرط أن يتما قبل إحالة القضية إلى المحكمة أو قبل صدور أي حكم في الدعوى وبرضاء الفاعل وفق ما ورد في أحد الاجتهادات القضائية لمحكمة النقض السورية: «لما كانت المادة (356) من قانون العقوبات قد نصت على أن العقوبة تخفض إلى نصفها إذا عوض عن الضرر تعويضاً تاماً، ومؤدى ذلك أن الإعادة التي تجعل الفاعل مستفيداً من هذا التخفيف هي التي تمت برضائه لا بالمصادرة الجارية رغماً عنه، لاسيما وأن الفاعلين في هذه الجريمة قد أخفوا المال المختلس وحرصوا على استهلاكه لولا ملاحقة رجال الشرطة ومصادرته من البيت نتيجة التحري والبحث عنه وقد تم ذلك بدون رضاء المجرم ورغماً عن إرادته.

وإن ما جاء في هذه المادة نوع من التدبير الحكيم أخد به الشارع ليفسح للمختلس مجالاً للتخفيف عنه، ويحمله على إعادة ما اختلسه، وليبرهن عن ندمه وحسن نيته، ولتستفيد الخزينة من استرداد أموالها المختلسة» (نقض سوري جناية 95، قرار 49 تاريخ 31/1/1965).

وقد ورد اجتهاد آخر يؤكد ما ذكر حول موضوع التخفيف الوارد في السببين معاً المتعلق بتفاهة المال المختلس مع رده حيث جاء ما نصه: «إن المادة (356) عقوبات نصت على تخفيض نصف العقوبة فيما إذا كان الضرر الحاصل من الجريمة والنفع الذي توخاه المجرم زهيدين، أو إذا عوض عن الضرر تعويضاً تاماً قبل إحالة القضية على المحكمة، ويتبين من وقائع هذه الدعوى أن المجرم سدد المبلغ المختلس أثناء التحقيق وقبل تحويل القضية إلى المحكمة فأصبح مشمولاً بأحكام هذه المادة. إن ظاهر النص يشير إلى تفاهة المال المختلس وحدها كافية للتخفيض وكذلك التعويض وحده كاف لذلك، فإذا اجتمع السببان معاً فإن المحكوم عليه يستفيد من كل واحد منهما على انفراد فتنزل العقوبة إلى نصفها لتفاهة المال ثم ينزل الباقي إلى نصفه للإعادة، وقد أخطأت المحكمة في ذهابها إلى تفاهة المال وإعادته توجب تنزيل العقوبة إلى نصفها فقط؛ مع أن كل واحد من السببين موجب بمفرده إلى هذا التنزيل» (نقض سوري، جناية 4681، قرار 1386 تاريخ 10/9/1962).

رابعاً- استثمار الوظيفة:

تعد هذه الجريمة من أقدم جرائم الإخلال بواجبات الوظيفة حيث ظهرت إلى الوجود مع بداية تكون الدولة، وقد اختلف الفقهاء حول طبيعة هذه الجريمة إن كانت من الجرائم التي تقع على الوظيفة أو تتجاوزها حتى الإضرار بالأفراد.

وقد تأثر قانون العقوبات السوري بالتشريع اللبناني والفرنسي تأثراً بالغاً، لكنه صنف جريمة استثمار الوظيفة في عدة مواد وليس في مادة واحدة، وذلك لبيان الأوجه الإيجابية والسلبية لهذه الأفعال وفق المواد (351) وحتى (356) من قانون العقوبات.

1- استثمار الوظيفة والرشوة:

تتشابه أحياناً الواقعتان اللتان تكونان الجريمتين ولكن يتم التمييز بينهما على أساس مزدوج:

من وجهة نظر أولى يتم دفع مبلغ الرشوة باختيار من صاحبه فيما إذا كان يريد تقديم الهدية أو رفض تقديمها، أما في جريمة استثمار الوظيفة فيكون الشخص مرغماً على الأداء أو ملزماً به على أقل تقدير؛ لأن الجاني يدّعي أن القانون هو الذي يفرض أداءه.

أما من وجهة نظر ثانية فالمقابل يقدم في جريمة الرشوة باعتباره هدية ثمن الخدمة التي يقدمها الموظف من دون أي تدخل من القانون، أما في جريمة استثمار الوظيفة فالموظف يتذرع بالقانون وينسب ما يفرضه إليه ويوهم الشخص بأنه واجب قانوني وليس هدية أو عطية للموظف، لذلك فإن مقدِّم المبلغ في جريمة استثمار الوظيفة يعدّ ضحية ويكون في منأى عن الملاحقة، أما من قدَّم الفائدة في جريمة الرشوة فيعدّ مجرماً ويلاحق جزائياً، إذن: فإن مفهوم الرشوة يقوم على أساس العقد الجرمي بين صاحب المصلحة الراشي وبين الموظف المرتشي، أما في استثمار الوظيفة فيقوم على تصرفات الشخص الأخير.

2- عناصر جريمة استثمار الوظيفة:

تتكون هذه الجريمة من عدة عناصر:

أ- صفة الفاعل: إن هذه الجريمة لا يمكن تصور ارتكابها إلا من قبل موظف عام، كما هو الحال عليه في جريمتي الرشوة والاختلاس، وذلك لأن معناها الخيانة في أداء المهمة المكلف بها الموظف عن طريق إلزام الأشخاص بأداء جبايات أو رسوم وما سوى ذلك، أو منحهم إعفاءات منها مدعياً أن القانون هو الذي فرض أداءها أو الإعفاء منها، أما بالنسبة إلى الموظف العام فقد سبق توضيح صفته بالتفصيل.

ووقد توسع الاجتهاد القضائي والرأي الفقهي كثيراً في مفهوم الموظف؛ حتى إنهم قد قسموهم إلى عدة فئات، كفئة الموظفين العموميين، وفئة الجباة والمحصلين، وفئة المستخدمين والمأمورين. أما قانون العقوبات السوري فلم يعتمد هذا التصنيف وترك أمر التدقيق بالاختصاص للقضاء؛ شرط أن يعلل قراره تعليلاً منطقياً. وقد اشترط المشرع في فاعل هذه الجريمة أن يكون مكلفاً باستخلاص الجباية أو الرسم وفق أحكام القانون بإبراز ما يشعر المكلفين بالموجب، أما لو انتحل الوظيفة فلا يمكن ملاحقته بجرم استثمار الوظيفة ولو كان بالإمكان ملاحقته بجرائم أخرى كالاحتيال أو إساءة الأمانة، وتنتفي صفة الموظف إذا أحيل إلى التقاعد أو استقال أو فصل من عمله مع بقاء الملاحقة الجزائية ممكنة في حال تم الجرم بوقت سابق بتسهيل من وظيفته.

ب- العنصر المادي: يجب التفريق في العنصر المادي وفق ترتيب نصوص المواد في قانون العقوبات السوري:

أ- يتجلى العنصر المادي في المادة (351) من قانون العقوبات بالطلب أو التلقي أو الفرض أو الأمر بتحصيل ما هو معلوم بالنسبة إلى الفاعل بأنه غير واجب أداؤه أو زيادة عن الواجب، وبالتالي تصبح الجريمة مكتملة وتامة بمجرد حدوث ذلك سواء رضخ الشخص المطلوب منه لرغبة الجاني أم لم يرضخ. ولم يفرق القانون بين حالة الطلب الموجه أو التلقي إن كان صادراً إلى الأفراد أو إلى الدولة ذاتها عبر المؤسسات والإدارات والهيئات التابعة لها، كالمطالبة بمصاريف الانتقال، أو تعويض الساعات الإضافية.

ب- إن الفعل الجرمي في المادة (352) من قانون العقوبات يتشابه إلى حد كبير مع المادة السابقة؛ مع اختلاف بسيط يتوضح من خلال أن المادة (351) اشترطت أن يقوم الموظف بالطلب أو التلقي أو الفرض من المطلوب منه، أما هذه المادة - أي 352- فقد عكست الفعل؛ إذ اشترطت من ذلك الموظف أن يقوم بإعفاء المكلف من الضرائب أو الرسوم أو الغرامات وغيرها من العوائد من غير ورود ذلك في القانون أو إجازته لمثل هذا الإعفاء.

ج- إن ما ورد في المادة (353) من قانون العقوبات يختلف اختلافاً جذرياً من حيث الفعل المادي الصادر من أي شخص عن سابقتيها من المواد؛ إذ إن المشرع استوجب في هذه المادة أن يقوم من وكل إليه بيع أو شراء أو إدارة أموال منقولة كانت أو غير منقولة لحساب الدولة أو أي إدارة عامة؛ باقتراف غش ما في أي من الأعمال السابقة، أو مخالفة الأحكام التي تسري عليها، وذلك عن طريق الحصول على منفعة أو مغنم شخصي، أو بهدف محاباة أحد الطرفين على حساب الطرف الآخر بقصد الإساءة له والإضرار به؛ حتى لو كان قاصداً الإضرار بالطرف الذي تمثله الإدارة العامة.

د- عاد المشرع السوري من جديد في المادة (354) من قانون العقوبات إلى إيراد موضوع المنافع الشخصية وطريقة الحصول عليها بالنسبة إلى الموظف؛ إذ عد الفعل المادي الصادر من ذلك الموظف في هذه المادة هو حصوله على منفعة شخصية من إحدى معاملات الإدارة التي ينتمي إليها بغض النظر عن الطريقة، سواء كانت مباشرة أم على يد شخص مستعار، أم حتى في حال لجوئه إلى صكوك صورية.

هـ- أورد الشارع السوري في المادة (355) من قانون العقوبات جرم الاتجار في الحبوب والمواد الغذائية وسائر الحاجات الأولية من قبل بعض أصحاب السلطة والنفوذ، لما لهذه المواد من أهمية استراتيجية في غذاء الشعب؛ لأنها مواد رئيسية في حياته لا يستطيع الاستغناء عنها، ولذلك حظر من بيدهم السلطة من استغلال حاجة الشعب لبعض المواد والاتجار فيها؛ إذ منع القضاة وجباة المال وممثلي الإدارة وضباط الدرك أو الشرطة وسائر متولي السلطة العامة الذين يجري عليهم معاش الدولة إذا أقدموا جهاراً أو باللجوء إلى صكوك صورية مباشرة أو على يد شخص مستعار في المنطقة التي يمارسون السلطة فيها؛ على الاتجار في الحبوب والمواد الغذائية وجميع الحاجات ذات الضرورة الأولية، ولكنه استثنى من ذلك المواد الضرورية والحبوب إذا كانت من إنتاج أملاكهم. وحسناً فعل المشرع في معرض تجريمه لهذا الفعل لأنه يمس قوت الناس وغذاءَهم.

3- العنصر المعنوي:

اشترط القانون توافر القصد الجزائي لدى الموظف العام حتى يُعدَّ فعله جريمة استثمار للوظيفة، ويتحقق ذلك بعلم الفاعل بأن ما يطلبه أو يتلقاه غير مستحق الأداء، أو غير متوجب قانوناً، أو أن ما يعفي منه من ضرائب ورسوم لا يجيزه القانون، وعلمه بأن ما وُكِل إليه بيعه أو شراؤه أو إدارته نتيجة غشه جلب له منفعة ذاتية أو ضرّ بأحد الطرفين المتعاقدين، وأيضاً علمه بالمنفعة الشخصية الحاصل عليها في معرض تسييره لإحدى المعاملات ضمن دائرته أو نطاق سلطته.

والجدير بالذكر أن الجريمة لا تنتفي عن الموظف وتظل قائمة بالنسبة إليه ولو كان تصرفه بأمر من رؤسائه، ما لم يثبت أن الأمر المعطى من قبل الرئيس يدخل ضمن نطاق اختصاصاته، وبالتالي يتوجب عليه إطاعة الأوامر على اعتبار أن المرؤوس يخضع للرئيس. ولم يعتدّ المشرع السوري بالدافع ولم يُقِم له أي أهمية تذكر، ويبقى الفعل مُجرَّماً قانوناً ومتوجباً للعقاب. وأخيرا إن إثبات القصد الجرمي لهذه الأفعال هو من اختصاص قاضي الموضوع.

4- العقوبـة:

لقد جرمت المواد (351 حتى 356) جريمة استثمار الوظيفة بـ:

أ- الحبس سنة على الأقل وبغرامة أدناها ضعفا قيمة ما يجب رده بحق كل موظف أكره شخصاً من الأشخاص، أو حمله على أداء أو الوعد بأداء ما يعرف أنه غير واجب عليه، أو يزيد عما يجب عليه من الضرائب والرسوم وما سوى ذلك من العوائد، وتكون العقوبة نفسها بحق كل موظف يمنح إعفاءً من الضرائب والرسوم والغرامات وسواها من العوائد من غير أن يجيز القانون ذلك.

ب- الحبس سنتين على الأقل وبغرامة لا تنقص عن قيمة الضرر الناجم، إضافة إلى ما يقضي به من عقوبات جريمة الرشوة لكل من وُكِل إليه بيع أو شراء أو إدارة أموال منقولة أو غير منقولة لحساب الدولة أو لحساب إدارة عامة، فاقترف غشاً ما في أحد هذه الأعمال، أو خالف الأحكام التي تسري عليها إما بجرّ مغنم ذاتي، وإما مراعاة لفريق إضراراً بالفريق الآخر أو إضراراً بالإدارة.

ت- الحبس من ستة أشهر إلى سنتين وبغرامة أقلها مئة ليرة بحق كل موظف حصل على منفعة شخصية من إحدى معاملات الإدارة التي ينتمي إليها سواء فعل ذلك مباشرة، أم على يد شخص مستعار، أم باللجوء إلى صكوك صورية، وأيضاً عوقب بالعقوبة ذاتها القضاة وجباة المال وممثلو الإدارة وضباط الدرك أو الشرطة وسائر متولي السلطة العامة الذين يجري عليهم معاش الدولة إذا أقدموا جهاراً أو باللجوء إلى صكوك صورية مباشرة؛ أو على يد شخص مستعار، على الاتجار في المنطقة التي يمارسون فيها السلطة في الحبوب والمواد الغذائية وسائر الحاجات ذات الضرورة الأولية ما عدا ما أنتجته أملاكهم.

وبعد أن نص المشرع على العقوبات المفروضة على جرم استثمار الوظيفة جاء بنص المادة (356) من قانون العقوبات المتضمنة تخفيضاً للعقوبات الواردة في نصوص المواد (349) إلى (352) حتى النصف؛ بشرط أن يكون الضرر الحاصل أو النفع الذي توخاه المجرم زهيدين، أو إذا عوض عن الضرر تعويضاً تاماً قبل إحالة القضية إلى المحكمة ويخفض من العقوبة بمقدار ربعها إذا حصل الرد أو التعويض في أثناء المحاكمة وقبل أي حكم في الأساس ولو غير مبرم.

خامساً- التعدي على الحرية Attentats à la liberté:

الحرية حق مقدس، والديمقراطية الشعبية هي الطريقة المثلى التي تكفل للمواطن ممارسة حريته التي تجعل منه إنساناً كريماً، قادراً على العطاء والبناء، قادراً على الدفاع عن الوطن الذي يعيش فيه، قادراً على التضحية في سبيل الأمة التي ينتمي إليها، وحرية الوطن لا يصونها إلا المواطنون الأحرار، ولا تكتمل حرية المواطن إلا بتحرره الاقتصادي والاجتماعي، وقد كفل دستور الجمهورية العربية السورية لعام 1973 هذه الحرية بنص الفقرة الأولى من المادة (25) التي نصت على أن: «الحرية حق مقدس وتكفل الدولة للمواطنين حريتهم الشخصية وتحافظ على كرامتهم وأمنهم». وقد أتى المشرع السوري بنص المادتين (357 و358) تطبيقاً للنص الدستوري المذكور، ويلاحظ أنه خص فيهما بالتعدي على الحرية الشخصية الموظفين الذين يقومون بحبس الأشخاص في غير الحالات التي ينص عليها القانون، ومديري السجون أو المعاهد التأديبية أو الإصلاحيات أو حراسها الذين يقبلون شخصاً من دون مذكرة قضائية أو قــــــــــــــــرار قضائي، أو استبقوه إلى أبعد من الأجــــــــــــــــــــل المحدد، فنصت المادة (357) من العقوبات السوري: «كل موظف أوقف أو حبس شخصاً من غير الحالات التي ينص عليها القانون يعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة».

وقد حددت المادة (28) من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأحوال التي يجوز فيها القبض على أحد أو تحريه في حالتين فقط هما:

1- في حالة الجرم المشهود (جناية مشهودة، أو جنحة مشهودة).

2- في حالة وجود قرائن تدل على جناية منه أو الشروع في ارتكاب جناية، وقد بينت الفقرة الثانية من المادة المذكورة القرائن، على سبيل المثال: صراخ الناس؛ أو ضبط أشياء معهم أو أسلحة أو أوراق يستدل منها أنهم فاعلو الجرم وذلك في الأربع والعشرين ساعة من وقوع الجرم. أما في حالة الجنايات والجنح غير المشهودة فلا يجوز إلقاء القبض على أحد إلا بأمر من قاضي التحقيق.

والمقصود بالقبض «إمساك الشخص في جسمه، وتقييد حركته وحرمانه حق التجول دون أن يتعلق الأمر على فترة زمنية معينة». والقبض المادي يبرر تحري ما قد يكون في جسم الإنسان من أوراق أو أشياء من شأنها أن تساعد على إثبات الجريمة. وحق القبض يختلف عن حق الاستيقاف الذي يعني التعرض لشخص من الأشخاص وضع نفسه في موقف الشبهات والريب؛ للكشف عن حقيقة أمره. والاستيقاف من حق كل موظف من موظفي السلطة العامة - شرطة حراس ليليين ومن في حكمهم - أن يقوم به. وقد جاء في اجتهاد لمحكمة النقض السورية ما نصه «إذا كان المعتدي قد أوجد نفسه في حالة الشبهة أو في جريمة مشهودة فإن إلقاء القبض عليه لا يعد من قبيل الاعتداء على الحرية» (نقض سوري، جنحة 373 قرار 245 تاريخ 17/2/1968).

ومع أن القانوني السوري لم يذكر الاستيقاف فإن له ما يبرره. وبما أن التفتيش فيه مساس بحرية الأشخاص؛ لذلك لا يجوز إلا في الأحوال التي يجيز فيها القانون ذلك، وهو أساساً من إجراءات التحقيق ويملكه في جميع الأحوال قاضي التحقيق.

وأوجبت المادة (358) - كما ذكر آنفاً- على مديري السجون أو المعاهد التأديبية أو الإصلاحيات وحراسها، وكل من اضطلع بصلاحياتهم من الموظفين؛ أن لا يقبلوا أي شخص دون مذكرة قضائية أو قرار قضائي أو استبقاءه إلى أبعد من الأجل المحدد، تحت طائلة عقوبة الحبس من سنة إلى ثلاث سنوات. وهذا يقتضي أن يكون الفاعل من الموظفين المخولين بإدارة السجون، وأن ينفذ أوامر السلطة القضائية وقراراتها فيما يتعلق بالتوقيف وإطلاق السراح. وهذا ما بينته المواد (213 و214) من نظام خدمة الشرطة رقم (1962) تاريخ 25/3/1930 وتعديلاته.

واستكمالاً لما قررته المادة (358) من قانون العقوبات والتي منعت القبول أو الاستبقاء من دون مبرر قانوني جاءت المادة (359) منه لتعاقب الأشخاص المذكورين في المادة السابقة، وجميع ضباط القوة العامة وأفرادها، وجميع الموظفين الإداريين الذين يرفضون أو يؤخرون إحضار شخص مُوقف أو سجين أمام القاضي ذي الصلاحية الذي يطلب إليهم ذلك؛ بالحبس من شهر إلى سنة. ويتم ذلك بناء على طلب خطي تقدمه السلطات القضائية ذات الصلاحية، وتقوم الوحدات الشرطية المختصة بنقل الموقوفين المطلوب مثولهم أمام المحاكم أو أعضاء النيابة، أو المستنطق، وهي تعيدهم إلى السجن في أقرب وقت ممكن على أن تقوم أيضاً بحراسة السجناء الذين يشغلون خارج السجن مهما كان عددهم، وذلك وفق نظام السجون الصادر بالقرار (1222) لعام 1929 وتعديلاته.

وأن الفقرة الثانية من المادة (359) من قانون العقوبات عاقبت أيضاً بالعقوبة نفسها الواردة في الفقرة الأولى من لا يمتثل مباشرة لما يطلبه القاضي من إبراز سجل السجن وجميع سجلات أمكنة التوقيف التي هم ملحقون بها.

ولكن هناك مسألة لا بد من بيانها أن التعدي على الحرية المنصوص عليها بالمواد (357) وما يليها من قانون العقوبات تختلف عن واقع حرمان الشخص من حريته الشخصية بحكم فعل الأفراد العاديين الذي يعدّ على سبيل الاحتجاز والخطف المنصوص عليهما في المادة (555) وما يليها من قانون العقوبات، وذلك لعلة اتصاف الفاعلين بالعمل الوظيفي.

وكما صان الدستور في الجمهورية العربية السورية الحرية الشخصية للمواطنين وجعلها حق مقدس، ومنع تحري أحد أو توقيفه إلا وفقاً للقانون؛ كذلك صان حرمة المساكن، ومنع الدخول إليها أو تفتيشها إلا في الأحوال التي يجيزها القانون (المادة 31 من الدستور السوري 1973). والحكمة في ذلك أن تفتيش المسكن يؤدي إلى قسر إرادة المواطن، ويؤذي سر الحياة الخاصة للناس، لذلك يعد التفتيش عملاً قضائياً.

ولكن القانون أجاز لرجال الضابطة العدلية (قضاة الصلح، وضباط الشرطة، ورؤساء المخافر، وقضاة النيابة) دخول البيوت وتفتيشها، وذلك لكشف آثار الجريمة في حالة الجناية أو الجنحة غير المشهودة، أو بناء على طلب رب المنزل (المواد 89 وما يليها من قانون أصول المحاكمات الجزائية).

ولتحقق هذه الجريمة لا بد من توافر عناصرها وهي:

1- واقعة الدخول إلى المسكن: القانون لم ُيعَرِّف المسكن أو المنزل أو البيت، ولكن الحصانة التي قصدها المشرع تشمل المسكن الذي يقيم فيه الشخص بصورة دائمة أو مؤقتة، وملحقات هذا المسكن من حديقة ومرآب وسطح، وكل ما يعدّ جزءاً منه، كما تشمل كل مكان آخر خاص بالمدعى عليه وغير معد لدخول الجمهور كالمستودع، لذلك فإن المحلات العامة بطبيعتها كالشوارع والحدائق العامة، والمحلات العامة بالتخصيص كالمعابد والمقاهي والمطاعم والمكتبات العامة والمستشفيات العامة والخاصة؛ يحق لرجال الضابطة العدلية الدخول إليها في الأوقات التي تكون فيها مفتوحة لاستقبال الجمهور؛ لضبط مخالفاتها، وما سوى المخالفات لا يحق لهم دخولها للكشف عن جرائم أخرى. وفي غير الأوقات المتاحة للجمهور تعد في حكم المساكن. وتعدّ العيادة الطبية ومكاتب المحامين في حكم البيوت أيضاً.

2- صفة الوظيفة: يجب أن يكون الفاعل موظفاً عاماً، وبصورة خاصة ضابطاً عدلياً أو أحد أفراد القوى المسلحة، شرط أن يتصرف بسبب وظيفته متجاوزاً حقه وسلطانه. فلا يجوز لهؤلاء إجراء التفتيش إلا بإذن السلطات القضائية ولضرورات التحقيق، وكل موظف ليس لديه إذن وقام بالتفتيش فإنه يعاقب ما لم يحصل برضاء صاحب المسكن أو المحل.

3- ظروف الدخول: الأصل أن يتم التفتيش نهاراً، ولكن لم يرد في القانون السوري نص يمنع التفتيش ليلاً، وقد صدر عن وزارة العدل بلاغاً يجيز التفتيش في الليل، ولكنها نصحت بالإقلال منه. كما يحق للضابط العدلي متابعة التفتيش ليلاً إذا بدأه نهاراً. ويجب أن يتم الدخول وفق الأصول، ولتحقيق الغاية التي حصل الإذن بشأنها.

4- خلافاً لإرادة صاحب الحق: هذا الشرط هو ما يميز الحرية التي يقوم بها الأفراد العاديون، والجريمة التي يقوم بها الموظفون؛ إذ يكفي لإثبات شرعية دخول الموظف المختص حصول الإذن من السلطة القضائية المختصة على الرغم من معارضة صاحب الحق متى تم وفق الأصول.

5- النية الجرمية: يتحقق العنصر المعنوي في هذه الجريمة في حال توافر القصد الجنائي العام القائم على علم الجاني بعدم مشروعية تصرفه؛ بقطع النظر عن القصد الخاص أو الدافع حتى لو كان شريفاً.

ومما تجدر الإشارة إليه أنه لا عقاب على الشروع في الجريمة المنصوص عليها بالمادة (360) من قانون العقوبات، وإن تجاوزت حداً بعيداً واقترنت بأفعال تحضيرية، مثل قيام الدورية بعملية تسلق السور من دون جدوى.

6- العقوبة: عاقب القانون الموظف الذي يدخل إلى منزل أحد الناس أو ملحقاته خلافاً للحالات التي نص عليها القانون؛ من دون أن يراعي الأصول المفروضة بالحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات، وبذلك فإن الوصف القانوني للعقوبة هو جنحوي، ولكن المشرع شدد العقوبة وجعل حدها الأدنى لا يقل عن ستة أشهر إذا رافقت عملية الدخول إلى المكان من أجل تحريه أعمال تحكمية من جبر أو شدة.

سادساً- إساءة استعمال السلطة

إن الفصل المخصص في قانون العقوبات للجرائم الواقعة على واجبات الوظيفة هو واسع جداً ويحتوي على العديد من الأفعال الجرمية. وإن ما سيتم تناوله في هذا البحث يفتقر إلى الترابط مع ما سبقها من الجرائم؛ لعدم إمكانية تحقق هذا الموضوع بسبب اختلاف الأفعال وتباعدها عن بعضها.

وتماشياً مع نصوص مواد قانون العقوبات ولضرورة البحث وتسهيله سيتم تقسيمه إلى قسمين رئيسيين يتناولان: موضوع إساءة استعمال السلطة، وموضوع الازدراء بالأوضاع القومية وفق المادتين (361 و362) من القانون السوري.

1- إساءة استعمال السلطة:

إن كثيراً من الناس يخلط بين مصطلحي إساءة استعمال السلطة؛ وتجاوز حد السلطة مع أن هذه الأخيرة هي الأصل وتتسع لتضم موضوع إساءة استعمال السلطة التي هي أحد فروعها.

أ- صفة الفاعل: حسبما جاء في أحكام المادة (361) من قانون العقوبات يجب أن يرتكب جرم إساءة استعمال السلطة من قبل موظف أو مستخدم أو أي شخص مكلف بخدمة عامة على اختلاف درجاتهم، وفق ما جاء في تعريف الموظف في القانون الأساسي للعاملين في الدولة بأنه كل شخص يستخدم بصفة نظامية ليقوم بواجبات وظيفة ما ومسؤولياتها مقابل أجر محدد، ويتمتع لقاء ذلك بالحقوق والامتيازات المرتبطة بها.

ب- العنصر المادي: إن جرم إساءة استعمال السلطة يمكن أن يقع بعدة طرق أو أشكال ويمكن حصرها بالأساليب الآتية:

(1) إعاقة تطبيق القوانين أو تأخير تطبيقها.

(2) إعاقة تطبيق الأنظمة أو تأخير تطبيقها.

(3) إعاقة جباية الرسوم أو الضرائب.

(4) إعاقة تنفيذ قرار قضائي أو مذكرة قضائية.

(5) إعاقة تنفيذ أي أمر صادر عن السلطة ذات الصلاحية.

وقد ورد العديد من الأفعال المجرمة بصفتها إساءة لاستعمال السلطة، فقد عدت محكمة النقض استغلال نفوذ الوظيفة باستخدام جنود في سبيل مأرب شخصي فيه إساءة لاستعمال السلطة، فجاء أحد قراراتها: «إن المحكوم عليه استغل مساعدة الجنديين (ع) و(أ) اللذين هما تحت إمرته في أخذ زوجته قسراً من دار أهلها فإن استغلال نفــــــــــــــــوذ وظيفته باستخدام جنــــــــــــــــود تحت سلطته في سبيل مأربه الشخصي يشكل جــــــــــــــــرم إساءة استعمال الوظيفة» (نقض سوري، جنحة 1480، قرار1713، تاريـــــــــــــــــــــخ 16/9/1953).

وعدّت أيضاً إقدام محاسب النادي التابع للجيش على إطعام عدد من الأشخاص دون ثمن يشكل جرم إساءة استعمال الوظيفة وفق ما يلي: «إن ما نسب إلى الرقيب الأول حسبما ورد في قرار القاضي الفرد وقاضي التحقيق العسكريين هو عبارة عن إقدامه على إطعام عدد من النقباء والأفراد وأحد المدنيين في نادي الضباط في قطنا وعلى إرسال الطعام إليهم دون أن يتقاضى ثمنه منهم مع أنه محاسب النادي المذكور وهو بحكم الوظيفة مكلف بالمحافظة على أموال النادي فإن هذا العمل لا يخرج عن إساءة استعمال الوظيفة» (جناية 962، قرار 956 تاريخ 17/12/1955).

ج- القصد الجرمي:  تعد الجريمة الواردة في المادة (361) من قانون العقوبات من الجرائم المقصودة التي تطبق على الموظف المسيء لاستعمال وظيفته عن طريق إعاقة تطبيق القوانين والأنظمة وجباية الرسوم أو الضرائب أو تنفيذ قرار قضائي أو مذكرة قضائية أو أي أمر صادر عن السلطة ذات الصلاحية أو تأخير تطبيقها؛ مع العلم أن المشرع السوري قد فرض عقوبة الحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين بحق ذلك الموظف، أما إذا لم يكن الشخص الذي استعمل سلطته أو نفوذه موظفاً عاماً فلا تتعدى هذه العقوبة الحبس سنة وبالتالي أضفى عليها القانون الوصف الجنحوي.

2- الازدراء بالأوضاع القومية:

مما لا شك فيه أن الواجب المفروض على الموظف العام الذي يعمل في خدمة الدولة أن يكون وفياً لها متمتعاً بالنزعة الوطنية أكثر من سواه، فيعطي المثل على ذلك بتصرفاته بالنسبة إلى السلطات العامة، وقد جرَّم قانون العقوبات السوري الموظف الذي يحرض على الازدراء بالأوضاع القومية وبشرائع الدولة في المادة (362).

أ- صفة الفاعل: فاعل هذه الجريمة هو الموظف نفسه المرتكب جريمة إساءة استعمال السلطة، وقد سبق أن ذكر ذلك آنفاً، مع ضرورة إضافة الأفراد العاملين بالمؤسسات العامة ذات الصفة التجارية والصناعية والشركات التي تسهم الدولة في رأس مالها بصفة مباشرة أو غير مباشرة، لأنهم يعدون موظفين تابعين للدولة. أما الرأي الفقهي في القانون الإداري فقد اشترط ضرورة توافر عناصر أساسية في مفهوم الموظف العام؛ وهي وجوب القيام بالعمل المكلف به بصورة دائمة داخل مرفق عام من مرافق الدولة ومعين من السلطة ذات الصلاحية، في حين عدت المحكمة الإدارية العليا في سورية أن الموظف العام هو كل شخص معين من طرف جهة قانونية مختصة وفي عمل دائم لخدمة مرفق عام تديره الدولة أو أحد أشخاص القانون العام .

ب- العنصر المادي: عددت المادة (362) من قانون العقوبات الأفعال المجرمة وهي الحض على الازدراء بالأوضاع القومية؛ أو بشرائع الدولة من قرارات إدارية ومراسيم تشريعية وتنظيمية، أو قوانين نافذة من إدارية وجزائية ومدنية وأصولية، وكل ما من شأنه تنظيم أمور الدولة وتسييرها؛ والإشادة بذكر أعمال تنافي هذه القوانين أو القرارات أو الأوضاع.

ج- القصد الجرمي: تعد هذه الجريمة من الجرائم المقصودة المطلوب توافر النية الجرمية فيها في معرض الحض على الازدراء بالأوضاع القومية أو بقوانين الدولة أو الإشادة بذكر أعمال تنافي هذه القوانين، أما لو كانت تلك الإشادة أو الانتقاد بالطريقة البناءة لرفع المستوى الاجتماعي والقومي وتصحيح الأفكار والمبادئ وفق أسس علمية ثابتة، أو كانت نتيجة حس قومي عالٍ وشعور وطني بالمصلحة العليا للجميع منعاً من تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية؛ فلا مجال هنا لإعمال نص هذه المادة.

ه- العقوبة: أما بالنسبة إلى العقوبة التي قررها الشارع على الموظف مُرتكِب هذا الجرم فهي الحبس من شهر إلى سنة والغرامة من خمس وعشرين إلى مئة ليرة سورية، وبالتالي فالمشرع أسبغ على هذه الجريمة الصفة الجنحوية.

سابعاً- الإخلال بواجبات الوظيفة:

أورد المشرع جريمة الإخلال بواجبات الوظيفة في المواد (363) وحتى (368) من قانون العقوبات.

1- جريمة إهمال الموظف:

نصت على هذه الجريمة المادة (363) من قانون العقوبات؛ إذ جاء فيها ما يلي: «1- إذا ارتكب الموظف دون سبب مشروع إهمالاً في القيام بوظيفته، أو لم ينفذ الأوامر القانونية الصادرة إليه عن رئيسه عوقب بالغرامة من خمس وعشرين ليرة إلى مائة ليرة.

2- إذا نجم عن هذا الفعل ضرر بمصالح الدولة عوقب المجرم بالحبس من شهر إلى سنة». يستفاد من هذا النص أن المشرع اشترط أن تتم الجريمة من قبل موظف عام بالشروط والتعريفات ذاتها التي ذكرها فيما سبق ولا داعي إلى تكرارها، وهي من الجرائم المقصودة المطلوب فيها العلم.

إذا اقتصر فعل الموظف على مجرد الإهمال في القيام بوظيفته من دون سبب مشروع، أو لم ينفذ الأوامر القانونية الصادرة إليه عن رئيسه؛ فلا يعاقب إلا بالغرامة من خمس وعشرين ليرة إلى المئة ليرة. أما إذا نجم عن فعله ضرر بمصالح الدولة شددّت عقوبته إلى الحبس من شهر إلى سنة؛ فيجب تطبيق هذه العقوبة المشددة إن نشأ ضرر من الإهمال نفسه، وكان هناك رابطة منطقية بين هذا الإهمال وبين النتيجة المحتملة بحصول الضرر مباشرة؛ بحيث يكون الإهمال هو السبب المتصل بتلك النتيجة اتصال السبب بالمسبب بحيث لا يتصوّر وقوع الضرر بغير وجـــــــــــــــــود هذا الإهمال. كما أن هذه الرابطة تكــــــــــــون عنصراً مستقلاً يجب إثباته والتحدث عنه بوضوح، فإذا تغاضى القـــــــــــــــــرار المطعون فيه عــــــــــــــــن بيان هذه الجهة أصبح مشوباً بالغموض وقاصراً في بيانه وأسبابه وجديـــــــــــــــراً بالنقض (جنحة 947، قرار 1638 تاريـــــــــــــــــــخ 31/10/1962).

أما المادة (364) من قانون العقوبات فقد أوردت عقوبة الحبس من شهر إلى سنة على كل ضابط أو فرد من أفراد القوة العامة وكل قائد موقع أو فصيلة امتنع عن تلبية طلب قانوني صادر عن السلطة القضائية أو السلطة الإدارية.

2- جريمة ترك العمل:

أكد الدستور السوري مبدأ حرية العمل، وعدّه حقاً للوطن وواجباً عليه، والإدارة العامة تسعى إلى المحافظة على حسن سير المرافق العامة من خلال تنظيم العلاقة بينها وبين الموظف، ولكن ليس لها أن تنتقص من حقوقه أو تنال من حرية العمل، أو تقف في وجه الفرد لمنعه من ترك العمل وفق مبدأ قدسية الحرية الذي كَفِلَه الدستور.

وقد أولى المشرع السوري جريمة ترك العمل عناية خاصة في المادة (364/مكرر) من قانون العقوبات التي ليس في حقيقتها سوى إخلال العامل لموجبات عقد العمل المنوه به في أحكام المرسومين التشريعيين رقم (49) لعام 1962 و(127) لعام 1970.

فإذا كان العامل متعسفاً في استعمال حقه في إنهاء عقد عمل وترتب على ذلك ضرر بحق أي جهة؛ حينئذ يحق لتلك الجهة طلب التعويض لجبر ذلك الضرر مهما كان فادحاً.

وأيضاً إضافة إلى ما ورد في قانون العقوبات العام فقد تناول قانون العقوبات الاقتصادي الصادر بتاريخ 16/5/1966 بالمرسوم التشريعي (37) في نصوص مواده أمر جميع العاملين في الدولة الذين ينقطعون عن وظائفهم من دون إذن من إدارتهم، ويغادرون البلاد، حيث فرض عليهم عقوبة خاصة تعدّ تعديلاً طرأ على المادة (364 مكرر) في قانون العقوبات وهي الحبس من سنة إلى ثلاث سنوات وفق أحكام المادة 22 فقرة (أ) من قانون العقوبات الاقتصادي والفقرة (ج) أيضاً، ونتيجة لتبعثر نصوص جريمة ترك الموظف لعمله ارتأى المشرع ضرورة تجميع نصوص المواد وتنظيمها مرة أخرى فقام بإصدار المرسوم التشريعي رقم (46) لعام 1974 لعدة أسباب موجبة دعت إلى ذلك وهي: «ثَبَتَ بالتطبيق ضعف العقوبات التي تضمنتها النصوص النافذة لردع العاملين في الدولة وكافة أجهزتها في جهات القطاع العام وغيرها، عن ترك عملهم قبل قبول استقالتهم وكذلك الذين يعتبرون بحكم المستقيل لانقطاعهم عن العمل، الأمر الذي أدى إلى استهتار البعض منهم بهذه العقوبة البسيطة؛ والإمعان في ارتكاب جرم ترك العمل بصورة غير قانونية، ملحقين بالجهات التي كانوا يعملون فيها نتيجة ذلك أفدح الأضرار».

وقد أوضح بلاغ وزارة العدل في سورية تاريخ 16/12/1974 ذو الرقم /14045/ الهدف من وراء هذا التشديد جاء فيه ما يلي: «إن المرسوم التشريعي رقم (46) المذكور هدف إلى حماية استمرار العمل في دوائر الدولة ومؤسساتها والقطاع العام والمشترك وحرص على استقرار نشاط الدولة في كافة دوائرها ومرافقها والحفاظ على الثروة القومية بالحيلولة دون عرقلة الإنتاج في القطاع العام والمشترك».

وبالتدقيق في نصوص المواد السابقة والنافذة حالياً يتبين أن المشرع أقر عدة نقاط تُلخص فيما يلي:

1) أبقى الجرم جنحوي الوصف مع التشديد في العقوبة إلى درجة أنه بالغ فيها حتى خرجت عن حدود المعقول ولا تتناسب البتة مع الآثار التي قد تنتج من إخلال العامل بعلاقته مع منشأة العمل.

2) شملت العقوبة كل من عمل في الدولة أو المؤسسات أو البلديات أو أي جهة من جهات القطاع العام أو المشترك، وأيضاً كل من نكل عن العمل في إحدى الجهات المذكورة آنفاً؛ إذا كان ملتزماً بالعمل فيها نتيجة إيفاد ببعثة أو منحة أو إجازة دراسية مع وجوب مصادرة أمواله المنقولة وغير المنقولة.

3)- قضت المواد القانونية بحرمانه من جميع حقوقه لدى الدولة من تقاعد أو تعويض، أو… كما قضت بإلزامه بتعويض الأضرار الناجمة عن تركه لعمله أو حتى الانقطاع عنه.

4) حرمت فاعل الجريمة من الظروف المخففة ووقف التنفيذ ووقف الحكم النافذ، وبالتالي يفرق المشرع بين شخص وآخر وفقاً للظروف المحيطة به، لما لتلك الظروف من أثر في تحديد العقوبة.

5) سمح المشرع لمن حركت بحقه الدعوى العامة أن يضع نفسه تحت تصرف الدولة خلال ثلاثة أشهر من تاريخ تحريك الادعاء، وبذلك يمكن للدولة أن تتغاضى عنه وتعفيه من العقوبة، ويمكن استعمال هذا الأمر مرة واحدة فقط.

وهذا ما سار عليه الاجتهاد القضائي السوري، فقد ورد في ذلك: «أن الملاحقة في جريمة ترك العمل لا تتوقف على شكوى أو ادعاء شخصي من الجهة التي يعمل الفاعل لديها، وإنما تمارسها النيابة العامة بمقتضى سلطتها القانونية، وإن موافقة الإدارة العامة وطلبها إسقاط هذه الدعوى أو التنازل عنها أو كف الملاحقة لا عبرة له ولا يؤثر في سيرها. ولما كانت المادة (364) عقوبات المعدلة بالمرسوم التشريعي رقم (46) لعام 1974 في شأن ترك العمل والانقطاع عنه أو مخالفة التزام الخدمة؛ قضت بمعاقبة من يخالف أحكامه بالعقوبات المنصوص عليها فيه، كما قضت الفقرة /هـ/ من المادة المذكورة بأن يعفى من العقوبة لمرة واحدة من عاد للخدمة أو وضع نفسه تحت تصرف الدولة خلال ثلاثة أشهر من تحريك الدعوى العامة بحقه، مما مفاده أن هذا التاريخ هو المعتبر كمبدأ لسريان مدة الإعفاء، ولا عبرة بعد ذلك لموافقة الإدارة على عودته أو عدم موافقتها إذا تم ذلك بعد المدة المذكورة، ذلك أن الحاجة التي دعت إلى سن هذه المادة المعدلة هي حماية استمرار العمل في دوائر الدولة ومؤسساتها وفي القطاع العام والمشترك، والحرص على نشاط الدولة في كافة دوائرها ومرفقاتها، والحفاظ على الثروة القومية بالحيلولة دون عرقلة العمل والإنتاج في هذه المؤسسات. لما كان ذلك، وكانت الملاحقة في جريمة ترك العمل لا تتوقف على الشكوى أو الادعاء الشخصي من جانب الجهة التي يعمل لديها العامل؛ وإنما تمارسها النيابة العامة بمقتضى سلطتها القانونية؛ ومتى ما أقامتها؛ فإنه لا يؤثر في سيرها طلب الإسقاط أو التنازل أو كف الملاحقة إذا تم ذلك بعد المدة القانونية للإعفاء.

ولما كانت الدعوى العامة قد حركت بحق الطاعن بتاريخ 4/7/1976 ولم يتقدم بطلب وضع نفسه تحت تصرف الدولة بتاريخ 7/12/1976 أي بعد المدة القانونية للإعفاء المحددة بثلاثة أشهر من تاريخ تحريك الدعوى العامة؛ لذلك فإنه لا يستفيد منها، كما لا عبرة لطلب قُدِّمَ على أساس التحاق الطاعن بعمله بعد مضي المدة القانونية. لما كان ذلك وكان الطلب الذي تلتزم محكمة الموضوع بإجابته أو الرد عليه هو الطلب الجازم الذي يصر عليه مقدمه ولا ينفك من التمسك به والإصرار عليه في طلباته الختامية وكان الطاعن لم يتمسك أمام محكمة الموضوع بطلب إثبات سبب تغيبه عن العمل ومسوغات هذا التغيب كإصابته بمرض نفسي أو عصبي، الأمر الذي دعا المحكمة إلى اعتبار هذا الطلب مرسلاً وغير مؤيد بدليل، واقعاً في محله، ولما كان الحكم المطعون فيه قد جاء صحيحاً في القانون وملتزماً نهج المبادئ القانونية المشار إليها، وكانت هذه الجريمة مستثناة من قانون العفو رقم (26) لعام 1987؛ فإنه يتعين تصديقه» (نقض ســـــــــــوري، جنحة 461 قرار 2021 تاريـــــــــــــــــــــــــــــــخ 28/5/1978) وتسهيلاً للبحث وزيادة في دقة تنظيمه سيتم تقسيمه بطريقة منهجية إلى عدة عناصر على النحو التالي:

أ- صفة الفاعل: عدّت المادة (364 مكرر) من قانون العقوبات أن مرتكب هذه الجريمة يجب أن يكون موظفاً لدى إحدى إدارات الدولة من وزارات أو مؤسسات أو هيئات عامة أو بلديات أو مؤسسات بلدية أو أي جهة من جهات القطاع العام أو المشترك كما أنه يمكن أن يكون هذا الفاعل هو أحد الموفدين ببعثة أو منحة أو إجازة دراسية شرط نكوله عن أداء التزامه بالخدمة في إحدى الجهات المبينة آنفاً. وقد عدّ الاجتهاد القضائي هذا الأمر ينطبق حتى على الموفدين ببعثة أو منحة داخلية حيث ورد: «الفقرة (ب) من المادة (364 مكرر) المعدلة بالمرسوم التشريعي رقم (46) لعام 1974 وردت شاملة مطلقة وتوجب عقاب كل من نكل عن تنفيذ التزامه بالخدمة في الجهات المبينة في الفقرة (أ) منها، ولم تشترط أن تقتصر أحكامها على الموفدين ببعثة دراسية للخارج ولم تفرق في المعادلة بين الإيفاد الخارجي والإيفاد الداخلي، وحيث إن البحث في الطعن ينحصر في ناحية الحقوق الشخصية لانبرام الدعوى من الوجهة الجزائية، وحيث إن اجتهاد الهيئة العامة لمحكمة النقض رقم أساس 21/1981 قرار 6/1982 الصادر بتاريخ 10/3/1982 قد أيد هذا الرأي وكرسه وقرر العدول عن الاجتهاد السابق واعتبر الالتزام نتيجة الدراسة أو التدريب في المعاهد والجامعات السورية بمنزلة الإيفاد المنصوص عليه في المادة (364 مكرر) من قانون العقوبات» (نقض سوري، جنحة أساس 4633 لعام 1980 قرار 629 لعام 1982 تاريـــــــــــــــــــــخ 12/4/1982).

ب- العنصر المادي: يتجسد العنصر المادي في جريمة ترك الموظف لعمله بالطريقة التي يسلكها العامل في طريقة إنهاء عقد العمل، بحيث لا يجوز أن ينهيه بمحض إرادته عندما يرغب في ذلك مخافة أن يسبب ذلك شللاً في العمل وعرقلة له، وإنما الواجب المفروض على العامل أن يراجع الجهة المختصة بطلب إنهاء عقد العمل فتتم دراسة طلبه وفق مقتضيات المصلحة العامة لسير العمل بالطريقة المثلى، وبعد ذلك يتم البت بطلبه سلباً أو إيجاباً بحسب الضرورات التي من الممكن أن تحول دون قبول طلبه في الحال، أما بالنسبة إلى هذه الضرورات فيعود أمر تقديرها إلى الإدارة المرتبط بها العامل، لأنه لو ارتأت الإدارة رفض طلبه، ولكنه مع ذلك قام بترك العمل قبل صدور القرار القاضي بقبول استقالته؛ عُدَّ بحكم المستقيل وطُبِّـقت بحقه العقوبات المنصوص عليها في المادة (364 مكرر) من قانون العقوبات المعدلة بالرسوم التشريعي رقم (46)، ولكن ما لبثت محكمة النقض من أن تحاول الحد من الشدة الواردة في نصوص القانون؛ لذا ارتأت في بادئ الأمر أنه لا يمكن إقامة دعوى الحق العام بحق من ترك العمل من أحد العاملين في الدولة قبل أن يتم تبليغه القرار القاضي باعتباره بحكم المستقيل للسماح له بممارسة طرق الطعن المقررة قانوناً إذا رغب في ذلك (نقض سوري، جنحة أساس 602 قرار 2407 تاريخ 22/8/1978).

بيد أن الهيئة العامة عدلت عن هذا الرأي وقضت بعدم الحاجة إلى تبليغ القرار الإداري؛ لأن الجرم قد تمت أركانه قبل التبليغ، وعلى المحكمة الناظرة بالموضوع البحث عن الأسباب التي دعت العامل إلى ترك عمله قبل موافقة السلطة المختصة على طلب قبول استقالته فقد نص الاجتهاد الصادر عن الهيئة العامة لمحكمة النقض: «حيث إن الفعل المجرم في المرسوم التشريعي رقم (46) يعود للقضاء الجزائي التحقيق من توفر عناصره ويستطيع هذا القضاء التحقق من وجود أعذار مشروعة للغياب من مرض أو عجز أو توقيف أو حجز حرية فإذا قُدِّم العذر الجدي إلى الجهة التي يعمل لديها الفاعل؛ حتى بعد انقضاء المدة المقررة لاعتباره بحكم المستقيل وانتهت إلى ثبوت صحته يتعين عليها قبوله، وإذا دفع أي شخص بهذا العذر أمام محكمة الموضوع تعين عليها النظر فيه، حتى إذا صح لديها قيامه فلا وجه لمساءلة الفاعل، لأن فعله يكون قد توافر له المبرر الذي يجعله خارج نطاق العقاب؛ والمحكمة الجزائية ليست مرتبطة برأي الإدارة والتحقيقات التي تجريها ولا بالقرار الصادر باعتبار العامل في الدولة بحكم المستقيل.

وحيث إنه من جهة أخرى، فإن تبليغ القرار الإداري ليس هو الذي يكسبه وجوده القانوني، أو يضفي عليه قوته؛ إذ إن أثر التبليغ ينحصر في نقل القرار إلى علم الأفراد، فالقرار الإداري هو إفصاح، أما عملية النشر أو التبليغ فهي إجراء لاحق لا يعدو أن يكون تسجيلاً لما تم فلا يرتد أثرها إلى القرار ذاته ولا يمس صحته، وهذا ما استقر عليه الفقه والقضاء.

وحيث إن القرارات الإدارية من حيث المبدأ هي نافذة بذاتها حتى يصدر قرار قضائي بوقف تنفيذها، وبالتالي فإن مجرد الطعن فيها أمام القضاء لا يوقف تنفيذها حكماً» (نقض سوري أساس 50 قرار 20 تاريخ 21/5/1979).

ونتيجة لذلك قررت محكمة النقض العدول عن الاجتهادات السابقة المتضمنة عدم جواز تحريك الدعوى العامة بحق من يترك العمل من أحد العاملين في الدولة قبل أن يبلغ إليه الصك القاضي باعتباره بحكم المستقيل (المحامون 1979، العددان 2 و 3 ص 52 قسم الاجتهاد) ولا جَرَمَ أن هذا الاتجاه هو السليم؛ لأن الفعل المرتكب قد تم بمجرد انقضاء خمسة عشر يوماً على ترك العمل دون مسوغ قانوني.

ج- عقوبة جريمة ترك العمل: إن العقوبة المفروضة على هذا الجرم أضيفت إلى المادة (364 مكرر) من قانون العقوبات السوري ليتم إعمالها على كل من يخضع للقانون الأساسي للعاملين في الدولة من موظفي القطاع العام والمشترك، وهي الحبس من ثلاث سنوات إلى خمس، وإضافة إلى هذه العقوبة المانعة للحرية فرض المشرع عقوبة مالية تتمثل بالغرامة بمقدار لا يقل عن مجموع الرواتب الشهرية مع التعويضات لمدة سنة كاملة، وزادها حرمان العامل من حقوقه لدى الدولة؛ مع إلزامه بالتعويض عن الأضرار الناجمة عن ترك العمل والانقطاع عنه؛ مع إلغاء حق المحكمة في استخدام الأسباب المخففة.

الملاحظ من خلال ما تقدم أن المشرع أسبغ على هذه العقوبة الصفة الزجرية إلى درجة أنها حَدَّت من حرية العمل المصانة من قبل الدستور، وخالفت جميع القوانين الوضعية ابتداءً بقانون العمل وأحكام عقد العمل في القانون المدني وانتهاءً باتفاقيات منظمات العمل الدولية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، مع أنه لا يجوز للدولة في معرض وضعها للقوانين أن تناقض توصيات المؤتمرات الدولية؛ لا لأن هذه القوانين أعلى مرتبة وإنما لأنها تعيش في مجتمع دولي يترتب على الجميع احترام مبادئه.

وأيضاً بالعودة إلى اتفاقية العمل الدولية رقم /104/ المصدق عليها من قبل الجمهورية العربية السورية بالقانون رقم /343/ لعام 1957، والتي ألغت العقوبات الجزائية المفروضة على العامل نتيجة إخلاله بعقد العمل، وقضت بضرورة إلغاء العقوبات وتغييرها بتدابير مناسبة في مدة لا تتجاوز السنة من تاريخ التصديق على هذه الاتفاقية.

واستكمالاً للعقوبات المشروحة آنفاً فقد قضت الفقرة /ب/ من المادة الأولى من المرسوم /46/ بضرورة مصادرة الأموال المنقولة وغير المنقولة العائدة إلى من ينكل عن أداء التزامه بالخدمة في الجهات العامة نتيجة للإيفاد ببعثة أو منحة أو غير ذلك؛ مع العلم أن المادة /17/ من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان حظرت المصادرة العامة الواقعة على جميع الأموال وكما هو معلوم فإن الجمهورية العربية السورية هي طرف في الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان وبالحقوق الاقتصادية والاجتماعية؛ فالأولى بها أن تكون مراعية لهذه الاتفاقيات عندما تسعى إلى إصدار القوانين والأنظمة الداخلية.

وهنا لا بد من ملاحظة ثلاث نقاط وذلك استكمالاً للبحث في هذا الموضوع:

(1) أعفى المشرع الموظف الذي يعدل عن استقالته بطلب يقدمه إلى الدائرة التي يعمل بها خلال ثلاثة أشهر من تاريخ تحريك الادعاء؛ بغض النظر عن نتيجة ذلك الطلب موافقة أو رفضاً، فقد أكد ذلك الاجتهاد الصادر عن محكمة النقض السورية: «حيث أن النيابة العامة لم تطعن بالحكم فقد أضحى مبرماً من الوجهة الجزائية وينحصر البحث بالحق الشخصي».

«وحيث إن الدعوى العامة قد حُرِّكت بحق المطعون ضده بتاريخ 16/3/1976 وقد تقدم المذكور بطلب العدول عن استقالته بتاريخ 28/4/1976 كما هو واضح من بيان المؤسسة العامة للبريد والمواصلات السلكية واللاسلكية رقم (1784)، الأمر الذي يؤكد أنه وضع نفسه تحت تصرف الدولة خلال مدة ثلاثة أشهر من تاريخ تحريك الدعوى العامة، وهذا مما يؤدي إلى إعفائه من العقوبة ولا عبرة بعد ذلك لموافقة الإدارة أو عدم موافقتها على عودته؛ سواء تم ذلك ضمن مدة الثلاثة أشهر أو بعدها، ذلك أن مناط الإعفاء هو عودة المخالف إلى عمله السابق؛ أو وضع نفسه تحت تصرف الدولة خلال مدة معينة ولا علاقة له بحق الإدارة في تقدير عودة المخالف إلى العمل أم لا. وحيث إنه متى انتفى الجرم فلا مجال بالتالي للمطالبة بالتعويضات الشخصية أمام القضاء الجزائي مما يجعل القرار المطعون فيه سليماً من حيث النتيجة ولا ترد عليه أسباب الطعن» (نقض سوري، جنحة أساس 1030 قرار 2438 تاريخ 28/8/1978).

(2) إذا قام العامل بترك العمل ولكن للالتحاق بعمل آخر لدى الدولة قبل الموافقة على قبول استقالته وصدور الصك اللازم، وذلك لأن الشخصية الواحدة للدولة تحتم اعتبار عودته إلى العمل في إحدى مؤسساتها استمراراً بالعمل لديها، وهذا ما سار عليه الاجتهاد القضائي فقد ورد: «حيث إن ترك عامل الدولة عمله للالتحاق بعمل آخر لديها والتحاقه بالعمل الجديد فعلاً قبل صدور الصك القاضي باعتباره بحكم المستقيل؛ لا يشكل جرماً، لأن الوحدة المفترضة في شخصية الدولة تحتم اعتبار عودته للعمل في إحدى مؤسساتها استمراراً في العمل لديها وتنفي عنه ترك العمل المقصود في المادة (364/ مكرر) عقوبات المعدلة بالمرسوم التشريعي رقم (46) لعام 1974 وهذا ما سار عليه اجتهاد هذه المحكمة وتأيد بقرارها الصادر 22/7/1978 رقم 1494/2342، وحيث إن الحكم المطعون فيه الذي سار على هذا النهج القانوني السديد، وقضى بعدم المسؤولية إنما يكون قد أصاب القانون ويتعين تصديقه» (نقض سوري، جنحة أساس 81  قرار 27 تاريخ 30/1/1989).

(3) النقطة الثالثة هي تلميح بسيط لما ورد في موضوع ترك العمل في نطاق قانون العقوبات الاقتصادي الصادر بتاريخ 16/5/1966 رقم (37)؛ حيث تناول أمر جميع العاملين في الدولة الذين ينقطعون عن وظائفهم من دون إذن من إداراتهم ويغادرون البلاد إلى خارجها، فأفرد بالنسبة إليهم عقوبة خاصة تعدّ تعديلاً للعقوبة التي جاءت بها المادة (364 مكرر) من قانون العقوبات، وذلك فيما يتعلق بهؤلاء فقط من حقوقهم لدى الدولة وفق أحكام المادة (22) منه.

3- ممارسة الموظف وظيفته خلافاً للقانون:

تعد من الجرائم المخلة بواجبات الوظيفة ما نصت عليه المادة (365) من قانون العقوبات السوري التي جرَّمت كل موظف أو من في حكمه عُزل أو كُفت يده أو نُدب إلى خدمة عامة بالانتخابات أو بالتعيين وانتهت خدمته، ولكنه مع ذلك مضى في ممارسة وظيفته خلافاً للقانون؛ بالحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات، مع ملاحظة أن المقصود بالموظف هنا هو كل شخص يعمل في إحدى إدارات الدولة ما عدا الأشخاص الذين عددتهم المادة (296) من قانون العقوبات وهم:

أ- من اغتصب سلطة سياسية أو مدنية أو قيادة عسكرية.

ب- من احتفظ خلافاً لأمر الحكومة بسلطة مدنية أو قيادة عسكرية.

ج- كل قائد عسكري أبقى جنده محتشداً بعد أن صدر الأمر بتسريحه أو بتفريقه.

مع العلم أنه قد صدرت بهذا الصدد مذكرة المدعي العام الاستئنافي في لبنان المؤرخة في تاريخ 7/11/1944، وقد أضحت لها قوة القانون، ومضمونها أن امتناع الموظف المعزول عن تسليم أوراقه وخاتمه لخلفه يُعدّ إساءة لاستعمال السلطة، والجدير بذكره أنه كان من الأفضل لو تم النص على هذه الجريمة في المادة (296) من قانون العقوبات السوري المطابقة لنص المادة (306) من قانون العقوبات اللبناني؛ وذلك لأن المشرع قد عطف المادة (365) على الأخيرة.

4- قيام الموظف بفعل ينافي واجبات وظيفته:

إضافة إلى ما تم بحثه في الجرائم المخلة بواجبات الوظيفة أورد المشرع في المادة (366) من قانون العقوبات عقاب الموظف الذي يقدم بقصد جلب المنفعة لنفسه أو لغيره أو حتى بقصد الإضرار بالغير؛ على فعل ينافي واجبات وظيفته، وبالتالي فإن صفة فاعل الجريمة يجب أن تتحدد بالموظف وفق مدلوله العام وتعريفة الوارد في قانون العقوبات. أما بالنسبة إلى العنصر المادي لهذه الجريمة فهو إقدام ذلك الموظف على فعل ينافي واجبات وظيفته، وما يحدد هذا التعبير هو التشريعات النافذة التي تحدد بدقة ماهية الأفعال المنافية لواجبات الوظيفة، وهذا في حقيقة الأمر ما نهجه الاجتهاد القضائي حيث جاء فيه: «لما كانت المادة (366) من قانون العقوبات المطبقة بحق المميز جاءت مطلقة دون أن تحدد ما قصده الشارع من قوله كل فعل ينافي واجبات المهنة، ولم يعين له عقاب خاص وكان ذلك الإطلاق يوجب الرجوع إلى القوانين والأنظمة المعمول بها، وقد اتضح من مراجعة نظام خدمة الدولة الصادر في 25/3/1930 رقم (1962) أن المادة (1221) منه نصت في فقرتيها الأخيرتين أن كل عسكري يتبين أنه ارتشى أو أخذ بخشيشاً تجري ملاحقته أمام المحكمة… إلخ، ومن جهة أخرى فمن المحظور على عسكريي الدرك بتاتاً أن يبيتوا عند الأهليين وأن يطلبوا منهم علفاً لخيلهم مجاناً وإلا عوقبوا عقاباً انضباطياً شديداً، ثم جاء نظام الخدمة الداخلية للدرك الصادر في 24/9/1934 برقم (2913) مؤيداً لما ذكر لاقتصار أحكام المادة (166) منه على إلغائها ما يخالف أحكامه من المرسوم (1962) وغيره، وليس في هذا النظام ذي الرقم (2913) ما يخالف النظام بل جاء وحظر على الدرك في نهاية المادة (103) منه ما هو أتفه من ذلك ومنع عليهم مطالبة الأهالي بجلب المياه إلى المخفر» (نقض سوري، جناية 168، قرار 239، تاريخ 26/3/1956).

أما العنصر الأساسي في هذه الجريمة وهو القصد الجرمي الذي يتجلى في قصد الانتفاع الحاصل للموظف نفسه أو لغيره أو في قصد الإضرار بالغير، ويعد القصد الجرمي في هذا النوع من الجرائم قصداً جرمياً خاصاً فضلاً عن القصد العام، ولا تتم هذه الجريمة إلا بوجوده؛ وفي حال انتفائه تنتفي معه العقوبة. وهنا لابد من ذكر أحد أهم الاجتهادات الصادرة عن محكمة النقض المتعلقة بهذا الموضوع حين عدت أن احتفاظ موظف المصرف ببعض الأموال التي يكلف بجبايتها لمصلحة المصرف لديه؛ من دون أن يوردها في دفتر يومية الصندوق يوماً فيوماً؛ منتظراً نهاية موسم الحج ليودعها جملة؛ يعدّ إخلالاً بواجبات الوظيفة، وقد نص الاجتهاد: «حيث أن أموال المصرف يجب أن تحفظ في صناديقه بعد توريدها في دفتر يومية الصندوق يوماً بيوم. وحيث إن احتفاظ المطعون ضده يوسف ببعض الأموال التي كلف بجبايتها لصالح المصرف لديه دون أن يوردها في دفتر يومية الصندوق يوماً فيوماً منتظراً نهاية موسم الحج ليودعها جملة يعتبر إخلالاً بواجبات الوظيفة تحكمه المادة (366) من قانون العقوبات، كما أن استيفاء المطعون ضده مبالغ من الحجاج تزيد عن استحقاق المصرف وبغير وجه حق باسم ما يمكن أن يظهر من نقص في الصندوق بنهاية الجباية؛ يعتبر من قبيل الحصول على منفعة شخصية من معاملات الإدارة التي ينتمون إليها، تحكمه المادة (354) من قانون العقوبات» (نقض سوري، جنحة أساس 2624، قرار 3080 تاريخ 16/12/1978).

وقد قررت الهيئة العامة لمحكمة النقض السورية أن قصد الانتفاع أو الإضرار يشكل عنصراً أساسياً في الجريمة المنصوص عليها في المادة (366) من قانون العقوبات (نقض سوري، هيئة عامة 64 قرار 13 تاريخ 30/6/1969).

وقد أحسن قانون العقوبات السوري عندما نص في المادة (367) أنه: «فيما خلا الحالات التي يعرض فيها القانون عقوبات خاصة عن الجرائم التي يرتكبها الموظفون؛ فإن الذين يقدمون منهم بصفتهم المذكورة أو بإساءتهم استعمال السلطة أو النفوذ المستمدين من وظائفهم على ارتكاب أي جريمة كانت، محرضين كانوا أو مشتركين أو متدخلين يستوجبون العقوبات المشددة التي تفرضها المادة 247». ويتبين من استقراء هذه المادة أنه يشترط لتوافر هذه الحالات أن يكون هنالك نص خاص يلحظ مساهمة الموظف في الفعل الجرمي، وأن يكون الموظف قد أسهم في مقارفة الجريمة - وهذه الجريمة من نوع الجناية أو الجنحة - من دون المخالفة، كما يشترط أن يكون الموظف مكلفاً بمراقبة الفعل الجرمي الذي أتاه مع الغير  أو ملاحقته أو معاقبته. وأن ترتكب الجريمة في الحيز المكاني الداخل ضمن اختصاص الموظف.

وقد شدد المشرع العقوبات المفروضة على الموظفين المذكورين آنفاً وفق الشروط المنوه بها وفق أحكام المادة (247) التي بحثت في الأسباب المشددة القانونية التي لم يُعّين لها مفعول مُقدَّر في تحديد العقوبة، وقد جاء في اجتهاد محكمة النقض السورية ما يؤكد هذه القاعدة «التشديد لأسباب تقديرية لا يجوز أن يتجاوز فيه الحد الأعلى المبين في المادة القانونية، أما التشديد لأسباب قانونية فإنه يتم وفق المادة (247) من قانون العقوبات» (نقض سوري، جناية 179، قرار204 تاريخ 25/2/1953).

وقد أوجبت هذه المادة في حال توافر السبب المشدد إبدال عقوبة الإعدام من الأشغال الشاقة المؤبدة، وتزاد كل عقوبة مؤقتة من الثلث إلى النصف وتضاعف الغرامة، فقد جاء في اجتهاد آخر لمحكمة النقض السورية: «إن المادة (247) عقوبات بحثت عن الأسباب المشددة القانونية التي لم يُبيَّن لها مفعول مُقدَّر في تحديــــــــــــد العقوبة، ومؤدى ذلك أن هذه المادة تنطبق على الحالات التي نــــــــــــــص عليها القانـــــــــــــــون على تشديد العقوبة وفقاً لأحكامها» (نقض سوري، جنحة 2306، قـــــــــــــــرار 2315 تاريـــــــــــــــــــــــــخ 2/10/1968).

والمادة (367) عقوبات عام أوجبت فرض عقوبة مشددة وفق أحكام المادة 247 منه وفق ما ذكر أعلاه.

وفي الختام يتبين أن المشرع أعطى للقاضي سلطة تقديرية بالحكم بالمنع من الحقوق المدنية عند قضائه في إحدى الجنح المنصوص عليها في الفصل الأول من الباب الثالث من قانون العقوبات موضوع البحث، وهي من العقوبات الفرعية في قضايا الجنحة التي أجازها القانون في المادة (66) من قانون العقوبات حيث نص على أنه: «يمكن في الحالات الخاصة التي عينها القانون أن يحكم مع كل عقوبة جنحية بالمنع من ممارسة حق أو أكثر من الحقوق المذكورة في المادة (65) عقوبات عام، والتي حددتها بـ:

(1) الحق في تولي الوظائف والخدمات العامة.

(2) الحق في تولي الوظائف والخدمات في إدارة شؤون الطائفة المدنية أو إدارة النقابة التي ينتمي إليها.

(3) الحق في أن يكون ناخباً أو منتخباً في جميع مجالس الدولة.

(4) الحق في أن يكون ناخباً أو منتخباً في جميع منظمات الطوائف والنقابات.

(5) الحق في حمل أوسمة سورية أو أجنبية».

وهذا الحرمان مؤقت بالمدة التي يستغرقها تنفيذ العقوبة، ولكن الفقرة الثانية من المادة (66) من قانون العقوبات قد أجازت للقاضي الحكم بها عقوبة إضافية لمدة تراوح بين سنة وعشر سنوات وفق السلطة التقديرية التي منحها المشرع للقاضي، بشرط أن لا يكون القانون قد نص في بعض الحالات على حدين مختلفين.

مراجع للاستزادة:

 

- أحمد أبو الروس، الموسوعة الجنائية الحديثة (جرائم التزييف والتزوير والرشوة واختلاس المال العام من الجهة القانونية والفنية)، الجزء الخامس، 1997.

- محمد زكي أبو عامر، قانون العقوبات، القسم الخاص، طبعة جديدة فريدة ومنقحة (الدار الجامعية، بيروت 1991).

- صلاح يوسف آغا، شرح قانون العقوبات الاقتصادي وقانون محاكم الأمن الاقتصادي والتشريع المقارن (دار الأنوار للطباعة، دمشق 1980).

- أحمد أمين، شرح قانون العقوبات الأهلي، القسم الخاص، 1924.

- عبد الوهاب بدرة، جرائم الأمن الاقتصادي، طبعة أولى، 1998.

- المحامي فاضل عبد العزيز الجربا، جرائم الرشوة (مؤسسة النوري للطباعة والنشر والتوزيع، 2007).

- محمود نجيب حسني، شرح قانون العقوبات، القسم الخاص (دار النهضة العربية، القاهرة 1992م).

- عمر السعيد رمضان، شرح قانون العقوبات، القسم الخاص، طبعة ثانية (دار النهضة العربية، مصر 1968-1969).

- فريد الزغبي، الموسوعة الجزائية، المجلد الرابع عشر، ط3 (دار صادق، بيروت 1995).

- أحمد فتحي سرور، قانون العقوبات، القسم الخاص، دروس في الجرائم المضرة بالمصلحة العامة وجرائم الأشخاص (دار النهضة العربية، مصر 1961-1962).

- مأمون سلامة، قانون العقوبات، القسم الخاص، الجزء الأول، الجرائم المضرة بالمصلحة العامة (1988).

 


التصنيف : القانون الجزائي
النوع : القانون الجزائي
المجلد: المجلد الثاني: بطاقة الائتمان ــ الجرائم الواقعة على السلطة العامة
رقم الصفحة ضمن المجلد : 423
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 64
الكل : 13728500
اليوم : 5900