logo

logo

logo

logo

logo

التكتلات الدولية الاقتصادية

تكتلات دوليه اقتصاديه

economic international integration groups - groupes d'intégration économiques internationales

 التكتلات الدولية الاقتصادية

التكتلات الدولية الاقتصادية

ماهر ملندي

سمات التكتلات الدولية الاقتصادية 

أشكال التكتلات الدولية الاقتصادية

 

شهد النظام الدولي الاقتصادي منذ عدة سنوات تحولات بنيوية واسعة النطاق اتضحت معالمها وتطورت آلياتها بعد انهيار المعسكر الشيوعي وهيمنة النظام الرأسمالي القائم على مفهوم اقتصاد السوق في العلاقات الدولية الاقتصـادية. وهـذا ما أفسح المجال لتدعيم الانفتاح الاقتصادي العالمي والولوج باتجاه عصر العولمة ونشوء التكتلات الدولية الاقتصادية Economic International Integration Groups التي تتجاوز بمفاهيمها العامة مصطلح السيادة المتعارف عليه في العلاقات الدولية التقليدية.

إن ظاهرة التكامل الاقتصادي الإقليمي تحمل في طياتها مفهوم اندماج السيادات الوطنية أو اندحارها أمام مزايا الاستفادة المشتركة من خيرات الإقليم الجغرافي. ويهدف التكتل الاقتصادي إلى إزالة جميع أنواع التمييز وخلق كيان اقتصادي جديد؛ من خلال إرساء التعاون الدولي الهادف إلى تحقيق الارتباط بين الوحدات الاقتصادية أو السيادات المختلفة مع احتفاظ كل منها بسماتها وخصائصها المميّزة. فمن جهة تقتضي المصلحة الذاتية وضرورات احترام السيادة الوطنية عدم اندفاع الدولة للانضمام إلى هذا التكتل أو ذاك، لكن بالمقابل تجد الدول الصغيرة نفسها أحياناً في موقع الضعف تجاه القدرات الاقتصادية اللا متساوية مع القوى الكبرى المؤثرة في ساحة العلاقات الدولية؛ الإقليمية منها والعالمية. لذلك تحاول أيضاً الدول الصغيرة التكتل فيما بينها لمواجهة هذه القوى وتكتلاتها الضخمة. إن تطور ظروف العمل والإنتاج وعدم قدرة الدول الصغرى على حماية نفسها تجاه المنافسة العالمية تدفعها أساساً للتكتل أو التوحد مع الآخرين والتعاون معهم لتحقيق مصالحهم المشتركة. وبذلك تجد دول التكتل نفسها تتأقلم ضمن حلقة وسيطة بين المفهوم الضيق للسيادات الوطنية من جهة؛ وبين ظاهرة الاندماج في عولمة الاقتصاد الكوني وتحريره من جهة أخرى. على سبيل المثال، تعادل صادرات الاتحاد الأوربي عام 1999 نحو 38% من الصادرات العالمية، وبلغت مستورداته في العام نفسه نحو 36% من المسـتوردات العالمية، في حين لا تبلغ صادرات الدول العربية كافـة سـوى ما يقارب 2.6% من الصادرات العالمية، وهي نسبة متدنية جداً نظراً للإمكانات الهائلة التي يمتلكها الوطن العربي، وإذا ما حُذف النفط من الصادرات العربية فإن النسبة تنخفض إلى ما دون 1% من الصادرات العالمية. وبالتالي لا تستطيع الدول العربية أن تشكل قوة تفاوضية إلا بالتكتل فيما بينها للتأثير بأسلوب فعال في النظام الدولي الاقتصادي الراهن.

أولاً- سمات التكتلات الدولية الاقتصادية

تعدّ التكتلات الدولية الاقتصادية حالياً أهم المظاهر السائدة في مجال تحقيق التكامل الدولي الاقتصادي. ولكن التكتلات الاقتصادية العملاقة التي تقودها الدول المتقدِّمة صناعياً لاتزال تسيطر على الاقتصاد العالمي، في حين تتعثر معظم محاولات الدول النامية للتكتل وتحقيق المزيد من العمل والتنسيق فيما بينها. وقد نهجت المادة (24) من الاتفاقيـة العامة للتعرفة الجمركية والتجارة (G.A.T.T) المواد من (16) إلى (19) من ميثاق مراكش المؤسّس لمنظمة التجارة العالمية؛ منهجاً واقعياً وشمولياً في تحديد الشروط الموضوعية اللازمة لإبراز معالم التكتلات القائمة على أسس اقتصادية سليمة، ومدى توافقها مع قيم النظام الدولي الاقتصادي السائد ومبادئه، وخاصة فيما يتعلق بكيفية إنشاء هذه التكتلات وطبيعة الحقوق والالتزامات المترتبة عليها والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها.

1- المتطلَّبــات:

تُنشأ التكتلات الدولية الاقتصادية باتفاق بين دولتين أو أكثر بهدف تخفيف القيود والعقبات التي تعترض سبيل تدفق التجارة الدولية للاستثمارات والسلع والخدمات وتنقل رؤوس الأموال والأشخاص والنقود؛  أو إزالتها، وبما يتعدى الحدود السياسية القائمة ويحقق التخصيص الأمثل للموارد الاقتصادية. ويتضِّح من هذا التعريف ضرورة توافر بعض المتطلبات اللازمة لإنشاء التكتلات الدولية الاقتصادية، وأهمها:

1- عقد اتفاقات دولية من أجل تحديد الأنظمة القانونية لهذه التكتلات وأهدافها وأجهزتها المختلفة وسلطاتها وحقوق  الدول الأعضاء والتزاماتها. وهنا تجدر الإشارة إلى أنه من الجائز عقد مثل هذه الاتفاقات بين دول ومنظمات أو تكتلات تتمتَّع بالشخصية الدولية المستقلة.

2- وجود كيان متميّز عبر إنشاء أجهزة دائمة ومستقلة يُناط بها مهمة تحقيق الأهداف المنصوص عليها في الاتفاق المنشئ للتكتل الدولي الاقتصادي. وهو ما يميّز هذه التكتلات من المؤتمرات الدولية الاقتصادية التي تنعقد لبحث موضوع اقتصادي معين ثم تنفض. وغالـباً ما تتمتَّع القرارات الصادرة عن هذه الأجهزة بالقوة الإلزامية، على الرغم من أنه تتفاوت أحياناً ما تمتلكه كل دولة عضو من أصوات لدى هذه الأجهزة حسب القوة الاقتصادية لكل من هذه الدول ومدى إسهامها في التكتل.

3- التمتُّع بالإرادة الذاتية المستقلة التي يعبّر عنها التكتل الدولي الاقتصادي بفضل قراراته المتخذة بالإجماع أو بالأغلبية وفق القواعد والأهداف والاختصاصات المنصوص عليها في النظام الأساسي؛ والمتمتِّع كذلك بحق التعاقد والتملك والتقاضي أمام المحاكم الداخلية.

4- الالتزام بتحقيق الأهداف المتفق بشأنها من خلال التكتل الدولي الاقتصادي والتي تتمثّل غالباً بتخفيض القيود المفروضة على انتقال الأشخاص ورؤوس الأموال والسلع؛ أو إلغائها، أو تنسيق بعض جوانب السياسة الاقتصادية والإنتاجية والتجارية والمالية والضريبية والنقدية وتنظيم المدفوعات بين الدول الأعضاء.

5- رعاية مصالح الدول الأعضاء بما لا يؤدي إلى زيادة العوائق أو القيود تجاه الدول الأخرى غير الأعضاء في التكتل الدولي الاقتصادي. ويتم ذلك من خلال الالتزام بعدم التأثير سلباً في مسار تدفقات المبادلات التجارية الدولية؛ واعتماد مبادئ حسن النية والشفافية في التعامل وإجراء المفاوضات اللازمة.

6- وضع قواعد محددة للرقابة، حدّدت بعضها منظمة التجارة العالمية كضرورة إعلام جميع الأطراف المعنية بكل ما يتعلق بالتكتل الدولي الاقتصادي، وكذلك قيام مجلس التجارة على السلع لدى المنظمة بالتحقق من مشروعية التكتلات من خلال الإخطارات والتقارير التي يتلقاها من الدول الأعضاء عن تكوين هذه التكتلات والتغيرات المهمة والجداول الواردة في الاتفاق المؤسّس أو الاتفاقات اللاحقة. ويحق لمجلس التجارة على السلع إصدار ما يراه مناسباً من توصيات وطلب تعديلات مهمة أو جوهرية في الخطط والجداول المرفقة باتفاق تأسيس التكتلات الدولية الاقتصادية.

2- المقوِّمــات:

يعتمد التكامل الدولي الاقتصادي عدداً من المقوِّمات التاريخية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي تسهم في تمتين أواصر التكتل الاقتصادي وازدهاره المطرد. وهذه المقوِّمات تختلف باختلاف الظروف الدولية؛ المرحلية والمستديمة، وتتباين بين هذا التكتل وذاك. ولهذا السبب يُلاحظ انطباع معظم التكتلات الاقتصادية في العالم بالطابع الإقليمي والذي يحوي عوامل مشتركة تختلف عن غيرها المتواجدة في الأقاليم الأخرى. وأهم هذه المقوِّمات:

1- الروابط التاريخية المشتركة بين دول التكتل الاقتصادي والتي تخلق مصالح متبادلة ومصيراً وآمالاً مشتركة، وأحياناً لغة وعقائد واحدة.

2- التقارب الجغرافي الذي يضمن حداً أدنى من التقاء المصالح واتفاق الأهداف نتيجة التعايش المشترك، وهنا تتداخل أحياناً ظاهرة القومية بين دول المنطقة التي يشملها الإطار الجغرافي للتكتل الاقتصادي، مما يسهم في تقوية أواصره وازدهاره.

3- العامل السياسي وهو الغالب أحياناً في تحقيق التكامل الاقتصادي؛ إذ لولا الإرادة السياسية التي تسيّر العوامل الأخرى لما أمكن توجيه الجهود نحو إقامة تكتلات تندمج فيها السيادات المنفردة، ويكون لها وزنها وثقلها في تيسير العلاقات الدولية.

4- الدافع التنافسي؛ إذ إن ضعف المركز التنافسي والتفاوضي لكل من دول التكتل -وخاصة إذا كانت من فئة الدول النامية - يعدّ حافزاً مهماً نحو تكتلها وتكوين مجموعات إقليمية تكاملية فيما بينها لمواجهة القوى التنافسية الكبرى ومقاومة آثار التقلبات الاقتصادية؛ وزيادة القدرة التفاوضية مع الدول والتكتلات الأخرى.

5- الحقائق الاقتصادية والتي يمكن إيجازها بالمزايا المتحققة من التكتل الاقتصادي كتوسيع سوق الإنتاج والتصريف بسبب إزالة القيود والعوائق أمام تبادل المنتجات وتنقل رؤوس الأموال والأشخاص، والقدرة على القيام بمشروعات استثمارية تفوق القدرات المحلية لكل بلدٍ من بلدان التكتل، وتوفير النفقات والاستفادة بصورة أفضل من وسائل النقل والمواصلات والاتصالات المتبادلة، ومهارات الفنيين والأيدي العاملة.

6- المتطلبات التنموية من خلال استغلال جميع الإمكانات المتاحة للدول الأعضاء في التكتل الاقتصادي، والاسـتفادة من اتساع السوق والنهوض بالإنتاج والاستثمار وتشجيع الصادرات والتخصص في تقسيم العمل.

7- توافر البنى الأساسية الملائمة، كشبكات النقل والمواصلات والاتصالات الحديثة، والأيدي العاملة الماهرة والمؤهلة، والموارد اللازمة للإنتاج والتسويق.

3- المــزايـا:

تختلف - عامة - المزايا التي تحاول الدول المتقدِّمة تحقيقها عبر تكاملها الاقتصادي المشترك عن تلك التي تسعى إليها بدأب الدول النامية، وذلك لاختلاف طبيعة اقتصاديات هذه الدول وظروفها المختلفة. فبينما تسعى الدول المتقدِّمة إلى توسيع حجم التجارة البينية فيما بينها وتحقيق وفورات من الإنتاج الكبير وتقسيم العمل والكفاءة في استخدام الموارد الاقتصادية؛ تحاول الدول النامية من جهتها تحسين شروط عملية التنمية وظروفها وإعادة هيكلة اقتصادياتها وزيادة القدرة التنافسية لمنتجاتها على الصعيدين الدولي والإقليمي. وتتمثّل أهم مزايا التكامـل الدولي الاقتصادي بالآتي:

1- توفير البنى الأساسية لتحقيق شروط نجاح عملية التنمية وضمان مركز مستقر نوعاً ما في مضمار التجارة الدولية.

2- توسـيع حجم السوق والتبادلات التجاريـة وتصريف المنتجـات الوطنيـة، وما يستتبعه من نمو الطلب على رؤوس أموال الدول الأعضاء في التكتل الاقتصادي ومنتجاتها.

3- زيادة الإنتاج وتحقيق الوفورات من الإنتاج الكبير، وإقامة صناعات جديدة ذات مردود اقتصادي.

4- تحسين التخصُّص وتقسيم العمل بين الدول الأعضاء بحيث تستطيع كل دولة عضو أن تتخصَّص في إنتاج سلعة أو سلع، وتتمتَّع في إنتاجها بمزايا نسبية أكبر من غيرها من الدول الأخرى داخل التكتل الاقتصادي.

5- تنويع فرص استغلال الموارد وإمكانية تسويقها تجارياً بشروط ملائمة في ميادين الإنتاج المختلفة.

6- تيسير الاستفادة من مهارات الفنيين والأيدي العاملة بصورة أفضل وعلى نطاق واسع وتبادلها بشروط ميسَّرة.

7- تسهيل شروط التبادل والتسويق والمنافسة في الأسواق المحلية والعالمية، وتعزيز القدرة على التفاوض مع الأطراف الدولية الأخرى.

8- زيادة معدل النمو الاقتصادي نتيجة تشجيع حوافز الاستثمارات واتساع نطاق السوق وسهولة تنقل رؤوس الأموال وشروط توظيفها وزيادة التخصُّص في تقسيم العمل والإنتاج.

ثانياً- أشكال التكتلات الدولية الاقتصادية

تظهر التكتلات الدولية الاقتصادية بعدة أشكال أو صور، تختلف فيما بينها حسب درجة الاندماج وطبيعة الأهداف ونطاق الاختصاصات الموكلة إليها. وفي هذا الشأن يمكن تصنيف هذه التكتلات في أربعة مستويات رئيسية متدرجة من الأدنى إلى الأعلى، وهي: مناطق التجارة الحرة والاتحادات الجمركية والأسواق المشتركة والاتحادات الاقتصادية.

1- مناطـق التجـارة الحرَّة:

تتضمَّن اتفاق دولتين أو أكثر على التخفيض أو الإلغاء التدريجي للحواجز والقيود الجمركية وغير الجمركية في علاقاتها التجارية المتبادلة. أي تلتزم كل دولة متعاقدة بتخفيض  القيود على الواردات القادمة من الدول الأطراف المتعاقدة الأخرى أو بعضها؛ أو إلغائها. ولكن يحق لكل دولة عضو في منطقة التجارة الحرة الاستمرار بفرض الرسوم والتعرفة الجمركية على ما تستورده من الدول الأخرى غير الأعضاء في المنطقة، أي من دون الالتزام بتعرفة جمركية مخفضة مع الدول غير الأعضاء.

وتُسهم مناطق التجارة الحرة في تحقيق العديد من الأهداف الحيوية كزيادة فرص العمل، وتنمية التقنيات والكفاءات الفنية والمهنية، وتسهيل الحصول على القطع الأجنبي وزيادة الاحتياطي منه، وتطوير الصناعات المخصَّصة للتصدير، واختصار الوقت اللازم للاستيراد، واستيعاب الفعاليات والطاقات الذاخرة وخاصة المهاجرة منها، وجذب الاستثمارات والموارد ورؤوس الأموال الخارجية، وما إلى ذلك من مزايا مهمة، ناتجة من الاستفادة من الحوافز والإعفاءات التي تمنحها مثل هذه المناطق للمستثمرين والتجار؛ من حيث تمتُّع منتجاتهم وسلعهم ورؤوس أموالهم بإجراءات التخفيض أو الإعفاء من الضرائب والرسوم الجمركية وغيرها من القيود التجارية وغير التجارية، وتسهيل انسياب عناصر إنتاجهم وسلعهم ورؤوس أموالهم بكل يسر ومرونة بين الحدود الوطنية التي تنصهر ضمن إطار منطقة التجارة الحرة. ولعلَّ من أبرز الأمثلة على مناطق التجارة الحرة والقائمة حالياً الآتي:

أ- منطقة التجارة الحرة لدول أميركا الشمالية (نافتا): أُنشئت بموجب اتفاقية عام 1993 بين كل من الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك. علماً أنه يحق لأي دولة تقع في القارة الأمريكية والمحيط الهادئ الانضمام إلى منطقة التجارة الحرة، وهي تعدُّ حالياً من أكبر التكتلات الاقتصادية في العالم بعد الاتحاد الأوربي من ناحية الحجم والإمكانات التكنولوجية والثروات الطبيعية والقدرات المالية الهائلة.

ب- منطقة التجارة الحرة لدول جنوب شرق آسيا (آسيان): أُنشئت بموجب اتفاقية عام 1944، وتضم عشر دول هي: إندونيسيا والفيليبين وبروناي وتايلاند ولاوس وكمبوديا وميانمار و&https://arab-ency.com.sy/law/details/25973/2#1700;ييتنام وسنغافورا وماليزيا. وقد نشأت هذه المنطقة أساساً منظمة سياسية لمواجهة الشيوعية في جنوب شرقي آسيا، ثم تحولت إلى تكتل اقتصادي، بهدف مواجهة الإجراءات الحمائية التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا تجاه الصادرات الآسيوية إلى أراضيها. وقد ازداد دور هذا التكتل على نحو متسارع في الاقتصاد العالمي، وخاصة خلال المفاوضات الهادفة إلى تحرير التجارة العالمية.

ج- جماعة التعاون الاقتصادي في آسيا والمحيط الهادئ (آبيك): تأسست عام 1991 وتضم في عضويتها ست عشرة دولة، وهي: الولايات المتحدة الأمريكية وكندا ونيوزيلندا وكوريا الجنوبية واليابان وأستراليا ودول رابطة جنوب شرقي آسيا (آسيان). وقد حدَّد مؤتمر أوساكا الذي عقدته الجماعة عام 1995 أهداف هذا التكتل في تأمين تنقل رؤوس الأموال والتعاون المشترك في المجال التقني وتدريب الأفراد والعمالة.

د- منطقة التجارة الحرة لدول شرق إفريقيا وجنوبيها (الكوميسا): وهي تضم نحو 40% من مساحة القارة الإفريقية ونصف سكانها تقريباً. وقد تمّ تأسيسها عام 1989 منطقة تجارة حرة، وتمّ توسيع نطاق أهدافها منذ عام 1994. وتضم الآن إحدى وعشرين دولة إفريقية (مصر والسودان وإثيوبيا وأرتيريا وزامبيا وجيبوتي وأوغندا وكينيا وجزر القمر وتنـزانيا ورواندا وأنغولا والكونغو الديمقراطية ومالاوي وسيشل وموريشيوس ومدغشقر وزيمبابوي وناميبيا وبورندي وسوازيلاند). ويهدف هذا التكتل الضخم إلى زيادة الاستغلال المشترك للموارد المتاحة، وإزالة المعوقات أمام التجارة والاستثمارات بين الدول الأعضاء وتطبيق الإصلاحات الاقتصادية لزيادة اندماجها في الاقتصاد العالمي. ولكن لم تتحقَّق للأسف معظم هذه الأهداف حتى الآن، على الرغم من إقامة أجهزة ومشروعات مشتركة ذات أهمية؛ كبنك للتنمية؛ ومركز للتحكيم التجاري؛ واتحاد لغرف الصناعة والتجارة.

هـ- منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى: تقرر إنشاؤها بموجب قرار مؤتمر القمة العربية الذي انعقد في القاهرة في الفترة ما بين 21 و22 حزيران/يونيو لعام 1996، ثم ما لبث أن اتخذ المجلس الاقتصادي والاجتماعي لجامعة الدول العربية قراره رقم (1317) تاريخ 19/2/1997 القاضي بوضع البرنامج التنفيذي الهادف إلى تأسيس هذه المنطقة. وقد عُدّ هذا البرنامج تفعيلاً لاتفاقية تيسير التبادل التجاري وتنميته؛ الموقعَّة عام 1981 بين الدول العربية؛ والتي تشكل الإطار القانوني العام لمنطقة التجارة الحرة العربية الكبرى. وتهدف المنطقة إلى التحرير الكامل للتبادل التجاري بين الدول العربية عبر الإلغاء التدريجي للرسوم الجمركية وغيرها من القيود التجارية على السلع ذات المنشأ العربي والمتداولة ما بين البلدان العربية. وكذلك تسهيل حرية تنقل الأشخاص ورؤوس الأموال والمدفوعات وتشجيع إقامة المشاريع الإنتاجية المشتركة وتنمية العلاقات الاقتصادية مع العالم الخارجي.

و- منطقة التجارة الحرة السورية - التركية: تعدُّ أحدث الأمثلة المهمة عن مناطق التجارة الحرة الثنائية الأطراف. وقد تمّ التوصل إلى إنشـائها عبر اتفاقية الشراكة التي تمّ توقيعها خلال زيارة رئيس الوزراء التركي إلى سـورية بتاريــــخ 22/12/2004م. وتنصُّ الاتفاقية في مادتها الأولى على إقامة منطقة تجارة حرة سورية - تركية خلال فترة انتقالية تستمر مدة أقصاها اثنا عشر عاماً، تبدأ من تاريخ دخول هذه الاتفاقية حيز النفاذ؛ وبما ينسجم مع أحكام المادة (24) من الاتفاقية العامة للتعرفة الجمركية والتجارة (G.A.T.T) وغيرها من الاتفاقيات متعدِّدة الأطراف الملحقة بالميثاق المؤسّس لمنظمة التجارة العالمية. وفي نهاية الفترة الانتقالية المشار إليها أعلاه ستشمل منطقة التجارة الحرة بصورة أساسية جميع التبادلات التجارية بين البلدين؛ مع الأخذ بالحسبان التزامات تركيا الناجمة عن الاتحاد الجمركي القائم بينها والاتحاد الأوربي، ومشروع اتفاقية الشراكة السورية - الأوربية.

2- الاتحـادات الجمركيـة:

وتعني التزام دولتين أو أكثر بتخفيض جميع العقبات والقيود الجمركية وغير الجمركية على الواردات فيما بين الدول الأعضاء؛ أو إلغائها، كما هي الحال تماماً فيما يتعلَّق بمناطق التجارة الحرة، وهنا تلتزم دول الاتحادات الجمركية أيضاً بإقامة نوع من الحماية التجارية المشتركة تجاه الدول الأخرى. أي إقامة منطقة جمركية واحدة ذات تعريفة موحدة مشتركة للتعامل بمقتضاها مع غيرها من الدول. وبذلك تتحقق حرية كاملة لانسياب السلع بين الدول الأعضاء عبر الاتفاق على إلغاء الرسوم الجمركية والقواعد والإجراءات المقيدة للتجارة بين دول الاتحاد الجمركي؛ ووضع تعريفة جمركية وتنظيم تجاري مشترك بمواجهة الدول غير الأعضاء في الاتحاد، وبالتالي يصبح الاتحاد الجمركي كتلة واحدة مستقلة جمركياً في مواجهة بقية دول العالم. وتتمثّل أهم الفوائد الناجمة عن إنشاء الاتحادات الجمركية بزيادة التخصُّص وتقسيم العمل والإنتاج بين دول الاتحاد؛ إذ تستطيع كل دولة عضو تخصيص إنتاجها بما يتناسب مع إمكاناتها المادية والتقنية، وتبادل هذه المنتجات مع الدول الأعضاء الأخرى بأسعار مخفضة مقارنة بالسلع القادمة من خارج الاتحاد الجمركي، وكذلك توسيع نطاق الحماية التي تتمتَّع بها فروع الإنتاج القائمة لدى الدول الأعضاء في مواجهة السلع الأجنبية، وتكوين سوق كبير لتصريف السلع داخل الاتحاد من دون قيود أو رسوم قد تعوق حركة انسياب السلع وتبادلها. ومن أهم الأمثلة عن الاتحادات الجمركيـة:

أ- الاتـحاد الجمركي لدول البنلوكس: تمّ تأسيسه عام 1947 بين كل من بلجيكا وهولندا واللوكسمبورغ، فقد اتفقت هذه الدول على إلغاء جميع الرسوم الجمركية فيما بينها وتطبيق تعرفة موحدة على وارداتها من الدول الأخرى؛ مع ملاحظة أن دول الاتحاد قد انضمت لاحقاً إلى السوق الأوربية المشتركة التي تحولت بدورها إلى الاتحاد الأوربي.

ب- الاتـحاد الجمركي لدول مجلس تعاون الدول الخليجية: تضمنت بعض قراراته تحويل أقاليم الدول الأعضاء  (السعودية والكويت والإمارات العربية المتحدة وقطر والبحرين وسلطنة عمان) إلى إقليم جمركي واحد يتمتع بحماية تامة تجاه الواردات من الدول غير الأعضاء. وقد قرر مؤتمر القمة الخليجي المنعقد في شهر كانون الأول/ديسمبر لعام 2007م الانطلاق نحو إقامة السوق الخليجية المشتركة في مطلع عام 2008م.

3- الأسـواق المشـتركة:

وهنا تتفق الدول الأعضاء على إزالة جميع الحواجز الجمركية والقيود غير الجمركية وإقامة حماية مشتركة لمنتجاتها من خلال توحيد التعرفة الجمركية في العلاقات المتبادلة مع الدول غير الأعضاء، وكذلك تحرير التجارة الخارجية عبر إزالة جميع القيود التي تُعوق تنقل عناصر الإنتاج من أشخاص ورؤوس أموال؛ وإقامة مشاريع مشتركة بين دول السوق. كما يتعيّن أحياناً إنشاء سلطة عليا تكون قراراتها في الشؤون الاقتصادية ذات صبغة إلزامية. ومن أهم الأمثلة عن الأسواق المشــتركة:

أ- السـوق الأوربية المشتركة: تأسست بموجب اتفاقية روما الموقَّعة في 25 آذار/مارس لعام 1957 من قبل ست دول أوربية، وهي: ألمانيا الاتحادية وفرنسا وإيطاليا وبلجيكا وهولندا واللوكسمبورغ. وقد بدأت مرحلة التأسيس عندما أعلن وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية جورج مارشال عام 1947 عن مشروعه لإعادة بناء اقتصاديات الدول الأوربية المدمّرة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، مما أسفر عن تكوين المنظمة الأوربية للتعاون الاقتصادي عام 1948 واتحاد المدفوعات الأوربي عام 1950 والجماعة الأوربية للطاقة الذرية عام 1955 ثم المجموعة الأوربية للفحم والفولاذ عام 1956. ومع حلول شهر تموز/يوليو لعام 1968 نجحت الدول الأوربية الست الموقِّعة على اتفاقية روما في مساعيها لدمج المجموعة الأوربية للفحم والفولاذ والجماعة الأوربية للطاقة الذرية ضمن إطار ما يسمى بالسوق الأوربية المشتركة أو المجموعة الاقتصادية الأوربية. وتتلخَّص أهداف السوق وفق المادة الثانية من اتفاقية روما في توحيد السياسات الاقتصادية للدول الأعضاء بصورة تدريجية وتنمية النشاط الاقتصادي على أسس سليمة بهدف رفع مستوى المعيشة وتحقيق الوحدة الاقتصادية بين الدول الأعضاء.

ب- السـوق العربية المشتركة: تم الإعلان عن تأسيسها بموجب قرار مجلس الوحدة الاقتصادية العربية رقم (17) تاريخ 13/8/1964، وتهدف إلى تأمين حرية تنقل الأشخاص ورؤوس الأموال والبضائع والمنتجات الوطنية والأجنبية ما بين البلدان العربية، إضافة إلى حرية الإقامة والعمل وممارسة النشاط الاقتصادي واستعمال وسائل النقل المختلفة، ولكن لم يتعمق أي من هذه الأهداف إلى حين صدور قرار مؤتمر القمة العربية عام 1996 القاضي بالعودة إلى المستوى الأدنى للتكامل الاقتصادي العربي عبر إنشاء منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى.

4- الاتحـادات الاقتصادية

تعدّ النموذج الأكثر إتقاناً بين جميع مستويات التكتلات الدولية الاقتصادية، حيث تُلغى جميع القيود المفروضة على تبادل السلع وتنقل عناصر الإنتاج من أشخاص ورؤوس أموال بين الدول الأعضاء، وتندمج بالتالي الأسواق الوطنية ضمن إطار سوق واحدة تتجانس فيها شروط الإنتاج والاستثمارات، كما يتم تحقيق حد أدنى من تنسيق السياسات الاقتصادية. وكذلك تتفق الدول على تحويل جميع اختصاصاتها تقريباً في المجالات التجارية والمالية والنقدية لمصلحة مؤسسات الاتحاد بقصد استكمال عملية التكامل الاقتصادي وإدارتها. ويتحقَّق بالنتيجة اندماج اقتصادي كامل بين دول الاتحاد. وتمثل الخبرة الأوربية النمط الأكثر اكتمالاً للاتحاد الاقتصادي من حيث مراحل التطور والنضج، وذلك بعد الانتقال البسيط من السوق الأوربية المشتركة - التي تأسَّست بموجب معاهدة روما لعام 1957- إلى إقامة اتحاد اقتصادي ونقدي وفق معاهدة ماستريخت لعام 1992، ثم تحقيق العملة الأوربية الموحدة (اليورو) وفق معاهدة أمستردام لعام 1995 والتي دخلت حيز النفاذ بدءاً من 1/7/2002. إن التطور السريع للمجموعة الاقتصادية الأوربية أو ما كانت تسمى بالسوق الأوربية المشتركة - خلال نصف قرن من الزمن- قد أسهم كثيراً في ترسيخ دعائم الاتحاد الأوربي الذي أصبح في العصر الحالي إحدى أهم القوى الاقتصادية في العالم، حيث يستحوذ على نحو ثلث حجم التجارة العالمية ويمتلك أكبر دخل قومي وأضخم سوق اقتصادية، ويسيطر على قوى اقتصادية وإنتاجية ومالية وتقنية هائلة.

 

مراجع للاستزادة:

 

- إكرام عبد الرحيم، التحديات المستقبلية للتكتل الاقتصادي العربي (مكتبة مدبولي، القاهرة 2002م).

- زينب حسين عوض الله، الاقتصاد الدولي (الدار الجامعية للطباعة والنشر، بيروت 1998م).

- عبد المطلب عبد الحميد، النظام الاقتصادي العالمي الجديد (مجموعة النيل العربية، القاهرة 2003م).

- عبد الكريم عبدو، السوق العربية المشتركة، مجلس الوحدة الاقتصادية العربية (1985م).

- عبد الواحد محمد الفار، أحكام التعاون الدولي في مجال التنمية الاقتصادية (عالم الكتب، القاهرة 1990م).

- علي كنعان، الإقليمية الجديدة والمفتوحة (مركز البحوث والدراسات الاستراتيجية، جامعة دمشق، أيار 2001م).

- فتحي أبو الفضل، عز الدين حسنين ومحمد القفاص، دور الدولة والمؤسسات في ظل العولمة (مطابع الهيئة العامة المصرية للكتاب، القاهرة 2004م).

- هشام عفيفي، الاتحاد الأوربي (منشورات الغالي، سلسلة المعارف، القاهرة 1995م).

- Dominique CARREAU et Patrick JUILLARD, Droit international économique (L. G. D. J, Paris, 1998).

 


التصنيف : القانون الدولي
النوع : القانون الدولي
المجلد: المجلد الثاني: بطاقة الائتمان ــ الجرائم الواقعة على السلطة العامة
رقم الصفحة ضمن المجلد : 239
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 1092
الكل : 45367158
اليوم : 55930