logo

logo

logo

logo

logo

البصريات المتكيّفة

بصريات متكيّفه

Adaptive optics -

البصريّات المتكيّفة

إياد سيد درويش

 

مبدأ عمل البصريّات المتكيّفة

المكوِّنات الرئيسة لمنظومة البصريّات المتكيّفة

تطبيقات البصريّات المتكيّفة

 

البصريّات المتكيّفة Adaptive Optics (AO) تقنية تُستعمل لتحسين أداء المنظومات البصرية بالحدِّ من أثر تشوهات صدر الموجة wave front. وتعمل على تحصيل معلومات عن الأوساط التي ينتشر فيها الضوء والمسبِّبة لهذه التشوهات، ومن ثمَّ تطبيق تصحيح تحكمي مناسب على صدر الموجة المشوّه.

أدخل هوراس بابكوك Horace W. Babcock مفهوم البصريّات المتكيّفة عام 1953، لكنه لم يُطبَّق فعلياً إلاّ بعد تقدم تقنيات الحاسوب في تسعينيات القرن العشرين. وغدت البصريّات المتكيّفة مكوّناً رئيسياً في المراصد الفلكية، بسبب دقة النتائج التي تقدِّمها والتي تقارب الحدود النظرية (الشكل 1). كما اتسعت تطبيقاتها لتشمل مجالات أخرى، مثل الاتصالات والطب.

الشكل (1) صورة النجم HIC 59206

(أ) غير مصححة، (ب) مصححة بالبصريّات المتكيّفة، بوساطة المقراب الأوربي الكبير جداً Very Large Telescope (VLT)في العام 2003.

مبدأ عمل البصريّات المتكيّفة:

يبيّن الشكل (2) منظومة بصريات متكيّفة نموذجية لرصد نجم يشوِّه صدر موجته الغلاف الجوي، تُصحِّح تشوهات صدر الموجة بإسقاط الضوء الوارد على مصحِّح طور phase corrector، الذي غالباً ما يكون مرآةً مرنةً Deformable Mirror (DM) موضوعة في فتحة خرج المنظومة البصرية، ويمكن تعديل شكل سطحها لإدخال فرق طور مناسب على الحزمة الضوئية الواردة. يجري الحصول على إشارات التحكم في المرآة المرنة بعد معالجة الإشارة الصادرة عن مُحِسّ صدر الموجة Wave Front Sensor (WFS) الذي يقيس بالزمن الحقيقي تشوهات صدر الموجة. تعمل منظومة المعالجة والتحكم المغلقة على تحليل الإشارات الناجمة عن المحسّ وفق خوارزمية معينة، وتعديل سطح المرآة المرنة باستمرار لإزالة تشوهات صدر الموجة، ونظراً لتغيّر التشوّهات مع الزمن في معظم التطبيقات يجب أن تكون فترة استجابة المنظومة قصيرة، وعرض مجالها الترددي bandwidth من مرتبة الكيلو هرتز kHz.

الشكل (2) مخطط منظومة تصحيح عيوب صدر الموجة باستعمال البصريّات المتكيّفة.

تُقاس التشوهات التي تطرأ على صدر الموجة اعتماداً على صدر موجة بسيط، مثل صدر موجة مستوية واردة من منبع ضوئي مرجعي نقطي أو بعيد. ومن ثمَّ يكون مصدر الضوء لقياس التشوه مختلفاً عن مصدر الضوء للمجموعة المدروسة، وغالباً ما يجري التفريق بين المصدرين بفصل أطوال الموجات، إذ يُوجَّه الطيف الأحمر للمنبع المرجعي إلى محسّ صدر الموجة، في حين يُوجَّه الطيف تحت الأحمر للمجموعة المدروسة إلى أداة علمية مثل مصوّرة.

المكوِّنات الرئيسة لمنظومة البصريّات المتكيّفة:

تتكوَّن منظومة البصريّات المتكيّفة من جزأين رئيسيين هما:

  • مصحِّح صدر الموجة.

  • محسّ صدر الموجة.

    إضافةً إلى المعالجة الحاسوبية.

    1- مصحِّح صدر الموجة: التصحيح بالإمالة

    يعتمد مبدأ تصحيح صدر الموجة على تطبيق تشوهات ببعدين على الحزمة الضوئية الواردة تعاكس التشوه الذي يحمله صدر الموجة، وذلك بعكسها على مرآة يُمكن تعديل سطحها بميول موضعية معاكسة لميول التشوهات المحمولة، كما هو مبيّن في الشكل (3)، وهذا ما يُعْرف بالتصحيح بالإمالة tip-tilt correction.

    الشكل (3) استعمال مرآة مرنة لتصحيح تشوهات صدر الموجة.

    تُستعمل تقنيات متعددة لتصنيع مرايا تصحيح صدر الموجة، من أهمها:

    أ- المرايا المجزأة segmented mirrors:

    وتتكون من عدد كبير من المرايا الصغيرة المنفصلة، يمكن التحكم في ارتفاع كل منها piston-mode only (درجة حرية واحدة علو أو انخفاض)، أو التحكم في الارتفاع والميل piston/tip/tilt mode (ثلاث درجات حرية: ارتفاع وميلان حول محورين متعامدين). تُستعمل مشغلات actuators للتحكم في وضعية كل مرآة صغيرة، كما هو مبيّن في الشكل (4)، ويمكن أن يصل مجال تغير كل منها إلى 10 μm.

    الشكل (4) مرايا مجزأة متعددة القنوات.

    صُنعت مرايا مؤلفة من 10000 قطعة منفصلة تسمح بعرض مجال تمرير ترددي حتى5 kHz. تتسبب الفراغات بين المرايا المجزأة بفقد الطاقة في مراتب انعراج جانبية، لذا لا يجوز أن تتجاوز نسبة مساحة هذه الفراغات إلى كامل المساحة نسبة 2 %.

    ب- المرآة المرنة deformable mirror (DM) :

    وهي سطح مرآتي مستمر مع مشغلات لتغيير سطحها. يمكن أن تكون المشغلات مستمرة أو منفصلة، معامدة لسطح المرآة أو جانبية لتطبيق عزوم انحناء (الشكل 5).

    الشكل (5) مرايا مرنة بسطح مستمر: (أ) مشغلات موضع منفصلة، (ب) مشغلات قوة منفصلة، (ج) مشغلات عزوم انحناء، (د) مشغل مستمر (وحيد البلورة monolithic).

    تُستعمل بلورات كهرضغطية piezoelectric في المشغلات المنفصلة، وهي تحتاج إلى جهد بمقدار 1 kV لإنجاز تغيير في الموضع يوافق طول موجة ضوء تحت أحمر بمقدار 0.8 μm، وهذا ما يحد من استعمالها. طُوّرت تقنيات أخرى مثل الانكماش المغنطيسي magnetostriction التي تعمل بعدة فولطات، ولكنها تستهلك تياراً كبيراً (حتى 1 آمبير)، أو المغنطيس الكهربائي الذي سمح باستعمال عدد كبير من المشغلات (324 مشغلاً في مرصد أريزونا Arizona).

    ج- المرايا الثنائية الطبقة bimorph:

    تتكون هذه المرايا من صفيحة زجاجية أو معدنية ملصقة إلى طبقة من السيراميك (الخزف) الكهرضغطي. يقطب السيراميك الكهرضغطي عمودياً على سطحه بوساطة طبقة ناقلة على وجهه الأمامي وأقطاب فردية على وجهه الخلفي (الشكل 6). يؤدي التقطيب إلى انحناء المرآة موضعياً بنصف قطر متناسب مع الجهد المطبَّق. يمكن استعمال طبقة ثانية من السيراميك الكهرضغطي المقطب بطريقة معاكسة للطبقة الأولى، وهذا ما يحول دون تغيير سماكة الطبقات ويتسبب بانحناء كامل المرآة.

    تراوح الجهود المطبَّقة بين 30V و50 V. صُنّعت مرايا بقطر 8 cm، وبعدد أقطاب خلفية بين 9 و13 قطباً، واستُخدمت لتصحيح الزيوغ aberrations البصرية بدقة 0.1 من طول الموجة.

    الشكل (6) مقطع للمرايا الثنائية الطبقة bimorph المرنة.

    د- المرايا الغشائية والمرايا المِكروية membranes mirrors

    تتكوّن هذه المرايا من غشاء عاكس مستمر بين مسرى (قطب) electrode شفاف وسلسلة من الأقطاب المساري المنفصلة المتوضعة خلف الغشاء. يؤدي تطبيق أي جهد إلى تجاذب كهربائي سكوني يغيّر السطح المستوي للغشاء (الشكل 7). صُنّعت أغشية من مادة نتروسلولوز nitrocellulose بقطر 5 سم، وثخانة 2 μm، وبفتحة فعلية 2.5 سم، مطلية بمادة الألمنيوم التي تحقق العاكسية والقطبية الكهربائية، وتعمل بعرض مجال تمرير ترددي قدره 3.3 kHz.

    الشكل (7) مبدأ المرايا الغشائية الكهربائية الساكنة.

    هـ- المرايا المرنة بمنظومات كهرميكانيكية مِكروية Micro Electro-Mechanical System (MEMS)

    تُصنّع هذه المرايا على شرائح سليكونية أو معدنية بتقنيات الدارات المتكاملة نفسها (الشكل 8). تتميز هذه المرايا باستهلاك قليل للطاقة الكهربائية، وبتغيرات للسطح العاكس تصل إلى 20 μm، وبإمكانية توضيع آلاف المشغلات، إضافةً إلى إمكانية مكاملتها مع محسّات صدر الموجة في شريحة واحدة.

    الشكل (8) مرآة مرنة بمنظومة كهرميكانيكية مِكروية مصنعة في بوسطن، بسطح مستمر ذي فتحة 9.3 مم، و1020 مشغلاً (صفيفة 32x32)، وتغير في السطح بمقدار 1.5 mμ، وتعمل بسرعة 60 kHz.

    2- قياس صدر الموجة

    تشوهات صدر الموجة هي تشوهات الطور الضوئي؛ ونظراً لعدم ترابط الضوء الوارد من المجموعة المدروسة يصعب استعمال التداخل الضوئي، وتُستعمل بدلاً منه تقنيات أخرى لقياس شكل صدر الموجة، من أهمها:

    أ- قياس شاك-هارتمان Shack-Hartmann

    تسقط صورة من فتحة (بؤبؤ) الخرج exit pupil للمنظومة الضوئية على صفيفة من العدسات الصغيرة المتشابهة، تغطي كل عدسة جزءاً صغيراً من الفتحة يسمى الفتحة الفرعية sub-pupil، وتُشكّل صورة للمنبع على محسّ ضوئي مثل عنصر قرْن شِحني charge coupled device (CCD). عندما يكون صدر الموجة الواردة مستوياً تتوضع جميع الصور على شبكة منتظمة مطابقة لشبكة العدسات الصغيرة،. أما إذا كان صدر الموجة مشوهاً فتُزاح الصور عن مواضعها النظامية السابقة في مستوي المحسّ وفق اتجاهين بمسافات تتناسب مع متوسط ميلان صدر الموجة وفق هذين الاتجاهين على الفتحة الفرعية
    (الشكل 9). تجري إعادة بناء صدر الموجة من الميلانات المقيسة. وتتحدد دقة هذه التقانة بأبعاد العدسات الصغيرة.

    الشكل (9) قياس شاك-هارتمان (أ) صدر موجة مستوية (ب) صدر موجة مشوهة.

    ب- محسّ قياس الانحناء curvature sensors

    تُقاس الشدة الضوئية في نقاط مستويين متوضعين قبل المستوي المحرقي للعدسة وبَعده، بالمسافة نفسها (الشكل 10)، إذا كان صدر الموجة مستوياً تكون الشدة الضوئية في النقاط المتقابلة من المستويين متساوية، في حين يتسبب التشوه بانزياح نقاط محرقة الفتحات الفرعية لصدر الموجة، ومن ثمَّ سطوع أكثر للضوء في بعض نقاط أحد المستويين، وسطوع أقل في النقاط المقابلة من المستوي الآخر، ويرتبط الفرق بين الشدّتين الضوئيتين بالمشتقات الثانية للطور بالنسبة للإحداثيات المكانية.

    الشكل (10) قياس الشدة الضوئية في نقاط مستويين قبل المستوي المحرقي لعدسة وبعده.

    ج- محس صدر الموجة الهرمي pyramid wavefront sensor

    يجزئ هرم رباعي الوجوه موضوع في المستوى المحرقي للمنظومة البصرية الحزمة الممحرقة إلى أربع حزم، تُزاح عن بعضها زاوياً. تكوّن هذه الحزم أربع صور لفتحة المنظومة على محسّ عنصر قرْن شِحني، فإذا كان صدر الموجة الوارد مستوياً، ويتشكل خيال الصورة على رأس الهرم، وتكون شدّات الصور الأربع متساوية. يغير ميلان صدر موجة غير مستوية موضع الصورة المشكلة على أوجه الهرم، ومن ثمَّ تختلف شدة الإضاءة بين الصور الأربع. وبحساب فروق الشدة الضوئية بين البِكسلات pixels المتقابلة في الصور الأربع يجري الحصول على إشارتين مختلفتين متناسبتين مع ميلان صدر الموجة في المواضع المقابلة للفتحات الفرعية.

    الشكل (11) محس صدر الموجة الهرمي.

    تطبيقات البصريّات المتكيّفة

    1- الرصد الفلكي بالرؤية عبر الغلاف الجوي atmospheric seeing

    يتطلب الرصد الفلكي استطاعة ميز resolution power كبيرة (أي إمكانية التمييز بين نقطتين متجاورتين من جسم أو منظر وتقاس بقوس زاوية) لتمييز الأجرام السماوية وتقدير حجومها وأبعادها بدقة عالية. إن صورة منبع نقطي - بوساطة أي منظومة ضوئية - هي بقعة يحكم أبعادها العديد من العوامل مثل الانعراج، أو الزيوغ الضوئية، أو تشوهات صدر الموجة. تتعلق استطاعة الفصل للمنظومة مباشرةً بأبعاد هذه البقعة. يحدِّد انعراج الضوء الحد الأدنى النظري لأبعاد هذه البقعة (وتُعرف البقعة المقابلة ببقعة أيري Airy). تتناسب أبعاد هذه البقعة عكساً مع قطر فتحة الخرج للمرصد؛ ولذلك تعتمد المراصد الفلكية المتطورة على مرآة دخل كبيرة تصل إلى عدة أمتار، وهذا ما يجعلها أكثر تأثراً باضطرابات الغلاف الجوي.

    الغلاف الجوي الأرضي وسط غير متجانس ضوئياً، فهو مكوَّن من العديد من الطبقات أو الجيوب ذات درجات حرارة مختلفة، إضافةً إلى وجود رياح في مختلف طبقات الجو. تنجم عن هذه الظواهر تغيرات موضعية في كثافة الهواء، ومن ثمَّ تغيرات في قرينة الانكسار الضوئية تشوّه الحزمة الضوئية التي تمر خلاله (الشكل 12). تعمل البصريّات المتكيّفة على تصحيح هذه التشوهات، والحصول على أبعاد بقعة صورة لمنبع نقطي تقترب من الحد الأدنى النظري أو ما يُعرف بحد الانعراج.

    الشكل (12) تشوه صدر الموجة نتيجة اضطرابات الغلاف الجوي.

    تُستعمل نسبة ستريهل Strehl لتقدير جودة التصحيح، وهي نسبة الشدة الضوئية العظمى في مركز البقعة المشكلة لصورة منبع ضوئي نقطي حقيقي إلى الشدة الضوئية النظرية العظمى في مركز البقعة لصورة المنبع نفسه، بفرض أن منظومة التصوير تعمل بحدود الانعراج؛ إن نسبة ستريهل هي عدد حقيقي أصغر من الواحد، وتزداد جودة منظومة التصوير باقتراب هذه النسبة من الواحد (الشكل 13).

    الشكل (13) البقعة المقابلة لصورة جرم سماوي في مرصد كيك Keck ذي فتحة خرج بقطر 10م، في العام 2000 (أ) من دون تصحيح حيث تبلغ أبعاد البقعة 1.4"، (ب) مع تصحيح باستعمال البصريّات المتكيّفة لتبلغ أبعاد البقعة 0.046" مع نسبة ستريهل بمقدار 0.23.

    أ- استعمال النجوم الدلالية

    يُستعمل الضوء الوارد من نجم طبيعي بعيد معزول أو من منبع ضوئي نقطي محرَّض ليزرياً في الغلاف الجوي لقياس تشوّهات صدر الموجة، يُعدُّ هذا الضوء تقريباً جيداً لصدر موجة مستوية.

  • النجم الدلالي الطبيعي Natural Guide Star (NGS)

    يجب أن يكون النجم الطبيعي جيد السطوع للتقليل من تأثير الضجيج على كشف الإشارة الضوئية، كما يجب أن يكون قريباً من مجموعة الأجرام المرصودة، وتتعلق تشوهات صدر الموجة بزاوية النظر إلى السماء بسبب عبور الحزمة الضوئية مناطق مختلفة من الغلاف الجوي، ومن ثمَّ تزداد أخطاء التصحيح المتبقية بازدياد الزاوية بين النجم الدلالي والمجموعة المرصودة، وهذا ما يُعرف بعدم الثبات الزاوي anisoplanatism (الشكل 14). تتعلق الزاوية العظمى المسموحة بين النجم الدلالي والمجموعة المرصودة بطول موجة الرصد، وتراوح بين 13.4 ثانية قوسية arcsec لطول موجة 0.65 μm و58.1 ثانية قوسية لطول موجة 2.2 μm، وتجعل هذه الشروط رصد المجموعات الكونية في أي مكان من السماء متعذراً.

    الشكل (14) استعمال النجم الدلالي الليزري LGS

    (أ- باللون الأحمر) للتصحيح في اتجاه الرصد object نفسه، مقارنة بالنجم الدلالي الطبيعي (ب - باللون الأزرق) وما يسببه من خطأ التصحيح نتيجة لعدم الثبات الزاوي.

  • النجم الدلالي الليزري Laser Guide Star (LGS)

    تُمحرق حزمة ليزرية في نقطة من الغلاف الجوي لتوليد منبع ضوئي مرجعي، يمكن التحكم في اتجاهه، ومن ثمَّ التخلص من عدم الثبات الزاوي، ويعتمد توليد المنبع الضوئي على أحد مبدأين: التبعثر أو إشعاع الصوديوم.

    - النجم الدلالي الليزري من نوع رايلي Rayleigh

    يتبعثر الضوء على جزيئات الهواء في عدة اتجاهات وهذا ما يعرف بتبعثر رايلي Rayleigh scattering. ولتوليد منبع ضوئي تُمحرق حزمة ليزرية نبضية في منطقة من الغلاف الجوي الأرضي على ارتفاع بين 10 و20 كيلومتراً فوق سطح الأرض، ويجري تحليل الضوء الوارد نتيجة التبعثر المرتد backscattering، وتُستعمل نبضات ليزرية لتجنب تأثير الضوء المتبعثر في مختلف الطبقات الجوية، ولا تُستقبل الإشارة المرتدة إلاّ ضمن نافذة زمنية لا تسمح باستقبال الضوء إلاّ من منطقة المحرقة وبعرض 2-1 كيلومتر.

    - النجوم الدلالية الليزرية من نوع sodium

    تُمحرق حزمة ليزرية بطول موجة 589 nm في طبقة الميزوسفير mesosphere حيث تكون ذرات الصوديوم على ارتفاع 90 كيلومتراً وبثخانة 10 كيلومترات. يحرض الليزر ذرات الصوديوم التي تشع ضوءاً بطول الموجة تقريباً. ويمكن استعمال ليزر مستمر أو نبضي.

    تسمح النجوم الدلالية الليزرية برصد أجرام سماوية أينما كانت، ولكنها تُدخل مصدراً آخر للخطأ وخاصة فيما يتعلق بالمفعول المخروطي cone effect والمرتبط بكون المنبع الضوئي على ارتفاع منخفض، وهذا ما لا يسمح بتصحيح التشوهات الناجمة عن الاضطرابات في الغلاف الجوي فوق نقطة محرقة الحزمة الليزرية. كما أنها تهمل تأثير الاضطرابات خارج المخروط المشكل من المنبع الضوئي المحرض وفتحة خرج المرصد (الشكل 15).

    الشكل (15) المفعول المخروطي المرافق لاستعمال النجوم الدلالية الليزرية.

    ب- البصريّات المتكيّفة المتعددة الترافق Multi-Conjugate Adaptive Optics (MCAO)

    طُوِّرت هذه التقنية لحل المشكلات التقنية المرافقة لاستعمال نجوم دلالية طبيعية NGS، أو نجوم دلالية ليزرية LGS، وتعتمد على رصد أكثر من نجم دلالي (طبيعي أو ليزري) في اتجاهات مختلفة، وتحليل صدور الموجات بمحسّات منفصلة، حيث تُحدد الاضطرابات بأبعادها الثلاثة في طبقات محدَّدة من الغلاف الجوي، وهذا ما يُعرف بـالرسم الطبقي (أو المقطعي) tomography. يُصحَّح صدر الموجة باستعمال عدة مرايا مرنة مترافقة ضوئياً مع الطبقات الجوية حيث جرى تحديد الاضطرابات، وتسمح هذه الطريقة بالحصول على استطاعة ميز كبيرة على حقل رؤية واسع، وقد تم الحصول على استطاعة فصل أقل من 0.1 ثانية قوسية وبنسبة ستريهل تصل حتى 0.25 على حقل رؤية 120 ثانية قوسية، باستعمال نجوم دلالية طبيعية في المقراب الكبير جداً VLT مع مرآتين مرنتين للتصحيح.

    يبيّن الشكل (16) مقارنة نسبة ستريهل في حال استخدام البصريّات المتكيّفة التقليدية، والمسح المقطعي، والبصريّات المتكيّفة المتعددة الترافق. كما يبيّن الشكل (17) الطرائق المختلفة للبصريات المتكيّفة المستعملة في المراصد الفلكية.

    الشكل (16) نسبة ستريهل للمجموعة المرصودة (بالأزرق) في حال استخدام البصريّات المتكيّفة التقليدية، والمسح المقطعي، والبصريّات المتكيّفة المتعددة الترافق.
    الشكل (17) طرائق مختلفة للبصريات المتكيّفة المستعملة في المراصد الفلكية: (أ) البصريّات المتكيّفة بالاعتماد على الطبقة الأرضية فقط، (ب) البصريّات المتكيّفة المتعددة الترافق، (ج) البصريّات المتكيّفة بالمسح المقطعي، (د) البصريّات المتكيّفة المتعددة الأغراض.

    2- تصوير الشبكية

    تشوه الزيوغ العينية صدر الموجة التي تعبُر قرنية العين وعدستها، وتتسبب بعدم وضوح الصورة المشكَّلة على شبكية العين، وهذا ما يدفع في بعض الأحيان إلى وضع نظارات أو عدسات لاصقة لتصحيح الزيوغ من المرتبات المنخفضة، مثل أخطاء المحرقة، أو الانحرافات التي تكون مستقرة في العين البشرية مدة طويلة نسبياً (أشهراً أو سنين). في حال تصوير الشبكية يحمل الضوء الخارج من العين نفس التشوهات على صدر الموجة، ويمنع ذلك تمييز البنى المجهرية على شبكية العين الحية. لا تكفي النظارات لتصحيح هذه التشوهات بسبب حدوث زيوع من مرتبات أعلى وبسبب عدم استقرارها مع الزمن، إذ إنها تتغير بترددات تراوح بين 10 Hz و100 Hz. تسمح البصريّات المتكيّفة بتصوير بنية شبكية العين الحية ودراستها، بما في ذلك المستقبِلات (المحسّات) الضوئية photoreceptors، والشعيرات الدموية capillaries، والألياف العصبية nerves fibers، كما هو مبيّن في الشكل (18).

    الشكل (18) صورة لشبكية عين (أ) من دون تصحيح، (ب) مع تصحيح الضوئيات التكيفية.

    3- الاتصالات البصرية

    شاع استعمال الاتصالات البصرية في الفضاء الحر لإنشاء قنوات اتصال ليزرية سريعة. تتأثر هذه القنوات بالشروط المناخية مثل الضباب والامتصاص والتبعثر والهزات الأرضية. يمكن للبصريات المتكيّفة تتبع الحزمة الليزرية، وتحقيق ورودها على محسّ المستقبل، وتحسين شكل البقعة الضوئية المتمركزة على سطح المحس الضوئي، بتعويض الزيوغ الناجمة عن الاضطرابات المناخية.

    4- تشكيل الحزمة الليزرية

    انتشر استعمال الليزر في العديد من التطبيقات بسبب خواصه الضوئية المترابطة، وإمكانية تركيزه في بقع صغيرة الأبعاد. إلا أن ظروف العمل قد تتسبب بتوسيع هذه البقع فيؤثر ذلك في أداء المنظومة، ومثال ذلك قص المعادن، إذ قد يولّد تدرّج الحرارة الناجم عن القص زيوغاً ضوئية تكبر البقعة الممحرقة، ومن ثمَّ تخفض الشدة الضوئية إلى ما دون الشدة المطلوبة للقص. تعمل البصريّات المتكيّفة على تصحيح هذه الزيوغ آنياً في مكان العمل، وقد أُجري العديد من التجارب على ليزرات من نوع CO2 ومن نوع Nd:YAG.

    5- تطبيقات أخرى

    يُتوقع أن تؤدي البصريّات المتكيّفة دوراً عسكرياً بالسماح للأسلحة الليزرية الأرضية أو المحمولة بالوصول إلى أهداف على مسافات تشمل السواتل في مداراتها وتدميرها.

    تعمل الأبحاث الحالية على تطوير البنية التحتية الخاصة بتجهيزات البصريّات المتكيّفة، وخاصة ما يتعلق بالمرآة المرنة؛ إذ تحتاج معظم التطبيقات إلى مرايا بعدد كبير من المشغلات (عدة آلاف)، وبعمق تغيير يتناسب مع طول الموجة في مجال تحت الأحمر (عدة mμ)، وبحجوم صغيرة، لذلك تتركز الأبحاث على تطوير المرايا المرنة من نوع منظومة كهرميكانيكية مِكروية. أما فيما يخص الرصد الفلكي فيجري أيضاً تطوير محسّات ذات ضجيج منخفض جداً تتيح العمل مع نجوم دلالية طبيعية منخفضة السطوع، كما تتجه الأبحاث في مجال الرصد الفلكي إلى طرائق جديدة في قياس الاضطرابات في الغلاف الجوي في طبقات على ارتفاعات مختلفة، وتصحيحها باستعمال عدة مرايا مرنة مترافقة مع هذه الارتفاعات. ومن الأمثلة على هذه الطرائق البصريّات المتكيّفة المتعددة الأغراض Multi-Object Adaptive Optics (MOAO) أو البصريّات المتكيّفة متعددة الترافق الطبقية التوجه layer oriented Multi-Conjugate Adaptive Optics (MCAO) (الشكل 17)، والتي تعتمد على إسقاط صور الطبقات الجوية حيث يراد معرفة الاضطرابات على مجموعة من محسات صدر الموجة، فيمكن الحصول مباشرةً على متوسطات للاضطرابات تُستعمل للتحكم في مجموعة من المرايا المرنة. يمكن الحصول بهذه الطريقة على استطاعة فصل أفضل مع حقل رؤية أوسع.

مراجع للاستزادة

- R. Davies, M. Kasper, Adaptive Optics for Astronomy, Annu. Rev. Astron. Astrophys. 2012.

- R. K. Tyson, Principle of Adaptive Optics, CRC Press, 2011.

 


التصنيف : تقانات الفضاء والفلك
النوع : تقانات الفضاء والفلك
المجلد: المجلد الخامس
رقم الصفحة ضمن المجلد : 0
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 1038
الكل : 43821796
اليوم : 105191