logo

logo

logo

logo

logo

البكتريا (علم-)

بكتريا (علم)

Bacteriology -

البكتريا (علم -)

فايزة الأطرش

 

 

يهتم علم البكتريا bacteriology بالتعريف بأنواع البكتريا وتوصيفها وتصنيفها ودراسة علاقاتها مع محيطها الحيوي؛ لذا يُعد أحد أهم فروع علم الأحياء الدقيقة microbiology، وقد رافَق نشوؤه وتطوره تطورَ علم البصريات والمجاهر والتقانات المجهرية، وكان في بداياته المحور الرئيس لعلم الأحياء الدقيقة، وأُدرجت حيثياته تحت مظلتها.

عدت البكتريا سابقاً- في نظام تصنيف الممالك الخمس- مملكةً قائمة بذاتها سميت الوحدانات Monera، لكنها تتبوأ الآن فرعاً مستقلاً (domain) في شجرة تصنيف الأحياء.

ارتبط اكتشاف البكتريا باكتشاف الكائنات الحيّة الدقيقة microorganisms، الذي تمّ منذ أكثر من مئتي عام، وكان أول من لاحظها العالم أنطون فان ليفنهوك Anton van Leeuwenhoek عام 1683، وهو تقني هولندي عالم في البصريات، عمل على تطوير العدسات واكتشف من خلال اختباره لعدساته المكبرة كائنات صغيرة حيّة متناهية الدقة في الماء واللعاب وسوائل متنوعة. أطلق هوك عليها في البداية حييوانات animalcules، وثَبَّت اكتشافه هذا في إحدى رسائله إلى الجمعية الملكية البريطانية في لندن، التي تضمنت معلومات دقيقة عن تلك الكائنات الدقيقة، ثم شملت بعض رسائله بين عامي 1683 و1692 مجموعة من الرسوم التوضيحية لمشاهداته التي تُبَيِّن أشكال البكتريا الأساسية: الكروية والعصوية والحلزونية (الشكل1)، وتوافقت رسومه تلك مع أشكال بعض البكتريا كبيرة الحجم المعروفة الآن، وما زال تصنيفه الشكلي مُعتَمَداً إلى هذا الوقت.

الشكل (1): أ- ليفنهوك ومجهره البسيط الذي رسم من خلاله أولى رسوماته لأشكال البكتريا ب- الكروية والعصوية والحلزونية

ظهر في تلك الحقبة علماء آخرون تعرضوا للجدل القائم حينها حول موضوع النشوء الذاتي abiogenesis وساهموا في تطوير علوم الأحياء الدقيقة، وكان على رأسهم العالم فرانسيسكو ريدي Francesco Redi، تلاه الأب لازّارو سبالّانزاني Lazzaro Spallanzani عام 1767، الذي تابع أبحاث فرانسيسكو ريدي وفتح الطريق للعالم لويس باستور Louis Pasteur بين عامي ؛1864-1860 الذي دحض نظريات النشوء الذاتي من خلال تجاربه التي أرست الأسس العلمية للنظرية الجرثومية للمرض germ theory of disease؛ لذا تُعد تلك الحقبة العصر الذهبي لعلم الأحياء المجهرية، حيث تم خلالها تحديد العديد من العوامل المُمْرِضة والتعريف بالعديد من الأمراض المُعدية.

البكتريا Bacteria

جاءت كلمة بكتريا من اليونانية baktērion، وتعني العصا الصغيرة أو الشكل العصوي، وهي كائنات مجهرية وحيدة الخلية من بدائيات النواة Prokaryotes، مادتها الوراثية غير محاطة بغشاء نووي ولاتتضمن عضيَّات خلوية وظيفية، وتتكاثر بالانشطار، تختلف جذرياً عن حقيقيات النواة Eukaryotes، التي تتضمن نواة محاطة بغشاء نووي وتمتلك عضيَّات خلوية وظيفية. تُعد البكتريا أصغر الكائنات حجماً وأكثرها عدداً بين الكائنات الحيَة، تراوح أبعادها بين 0.2 و1 مكرومتر عرضاً،  و1 و 22 مكرومتر طولاً (الشكل 2).

الشكل (2)

صور بالمجهر الإلكتروني الماسح (SEM) Scanning Electron Microscope تظهر الأشكال الرئيسة التي تظهر فيها البكتريا

ومتوسط أحجامها.

1- تصنيفها: كان يُعتقد سابقاً أن البكتريا هي المرادف الحقيقي لمملكة الوحدانات، إلا أن العلماء أضافوا في أواخر السبعينيات فرعاً domain ثالثاً إلى فرعي شجرة الحياة البيولوجية (حقيقيات النواة وبدائيات النواة)؛ وذلك بفصل أنماط معينة من بدائيات النواة عنها. تتميز تلك الأنماط بأن معظمها يسلك سلوكاً غير اعتيادي مثل نزوعها إلى العيش في بيئات متطرفة؛ إذ تبيّن نتيجة التطور التقني والدراسات الجزيئية أن الـرنا الريباسي RNA ribosomal الخاص بتلك الأنماط يختلف عن مثيله في بدائيات النواة، مما دَعّم فكرة فصلها عنها وعدّها مملكة مستقلة خاصة تأتي بعد البدائيات من حيث تسلسل الأصول الوراثية، وأُطلق عليها اسم مملكة العتائق archaebacteria أو البدئيات (الشكل 3)، ومن المرجح أنها أقرب إلى حقيقيات النواة بسبب تقاربهما في آليتي الانتساخ والترجمة transcription and translation.

الشكل (3) شجرة الحياة البيولوجية

يظهر في أ- نظام التصنيف القديم الذي يعتمد على وجود فرعين للشجرة متمثلة بحقيقيات وبدائيات النواة في حين يوضح في ب - المفهوم الحالي لشجرة نشوء الحياة وتطورها phylogenetic tree والتي تتألف من ثلاثة فروع تشمل العتائق والبكتريا وحقيقيات النواة وتوضح الترابط السلفي المشترك.

تبوأت البكتريا أيضاً موقعاً مهماً في المنظومة البيئية نظراً لتنوعها الهائل وسرعة نموها وتعدد تفاعلاتها مع المحيط الحيوي، فهي سلاح ذو حدين، بعضها يمكن أن يكون فتاكاً إلى درجة العجز عن التصدي له، وبعضها الآخر يتمتع بفوائد جَمَّة لا يُستغنى عنها.

استقطب موضوع التحكم بالبكتريا اهتمام معظم العلماء في هذا المجال، حيث دخلت المجالات العلمية كافة: صناعية وزراعية ودوائية وغذائية، كما دخلت على نحو واسع في مجال الأبحاث الوراثية وتصنيع الطاقة الحيوية.

2- تركيبها: تمثل الخلية البكترية نموذجاً جيداً عن التركيب الأساسي لبدائيات النواة؛ إذ تتضمن مركباتها الرئيسة وجود كلٍ من الحموض النووية والبروتينات وعديدات السكريد والليبيدات (الجدول 1). والواقع أن ارتباط الوحدات الأولية لتلك المركبات بعضها ببعض يمنح الجزيئات الحيوية الناجمة عنها تنوعاً كبيراً، كما يحدد تنوعُ الترتيب التسلسلي للوحدات الرئيسة الكثير من الخصائص الحيوية. فتسلسل السكريات في الليبيدات السكرية يحدد خصائص نوعية مميزة للجدار الخلوي في البكتريا، ويؤدي هذا إلى تنوع هائل لديها، ولاسيما فيما يتعلق بوظائفها الحيوية.

مناطق وجودها

في الخلية

الوحدات الأولية الصغرى

الجزيئات الكبيرة

السياط والأهداب والجدار الخلوي والسيتوبلاسما (الهيولى) والريباسات.

حموض أمينية

البروتينات

الكبسولة والجدار الخلوي والمتضمنات الادخارية

سكاكر

السكريات المتعددة

الأغشية (الخارجية والبلاسمية)

حموض دهنية

الفسفوليبيدات

DNA النوكليوئيد

rRNA الريباسات

mRNA وtRNA: السيتوبلاسما

نوكليوتيدات

الحموض النووية (DNA وRNA)

الجدول (1) الجزيئات التي تشكل مادة الخلية البكترية.

3- بنيتها: تتألف خلية بدائيات النواة من خمسة عناصر بنيوية أساسية هي : النوكليوئيد (شبه النواة) nucleoid، وهو الحَيِّز الذي تتوضع فيه معظم المادة الوراثية (DNA)، والريباسات والغشاء البلاسمي plasma membrane والجدار الخلوي والغلاف الخارجي المتمثل بطبقة سطحية خارجية نوعية يمكنها أن تكون جزءاً لا يتجزأ من الجدار الخلوي؛ أو أن تشكل تركيباً مستقلاً عنه. الشكل (4).

الشكل (4) مخطط ترسيمي يوضح العناصر البنيوية الرئيسة التي تتكون منها الخلية البكترية.

وتتضمن الخلية البكترية ثلاث مناطق هيكلية، هي:

أ- المرفقات الخارجية: تكون بشكل سياط flagella أو أشعار (أهداب) pili تتصل بسطح الخلية البكترية الخارجي، وتتألف من مواد بروتينية.

- تُعَدّ السياط من المعايير الأساسية التي تدخل في تصنيف البكتريا، تستعملها في الحركة، وتتمثل بتراكيب بروتينية جوفاء. توجد على سطوح بعض أجناس البكتريا، العصوية والحلزونية الموجبة الغرام أو السالبة الغرام، ونادراً ما توجد في البكتريا الكروية. وتختلف أنماط ارتباطات السياط لدى الأنواع البكترية من حيث عددها وتموضعها على سطح الخلية (الشكل 5).

فقد تمتلك بعض الأنواع سوطاً واحداً قطبياً أو طرفياً مثل ضَمَّة الكوليرا Vibrio cholerae (الشكل 5- أ)، أو خصلةً من السياط عند طرف واحد فقط، ومثال ذلك جنس الزائِفة Pseudomonas (الشكل 5-ب) أو سوطاً واحداً في كل طرف من أطراف الخلية مثل جنس الحُليزنة Spirillum volutans (الشكل 5-ج)، ، أو سياطاً محيطية توجد على سطح الخلية كما في السالمونيلا الملهبة للأمعاء Salmonella enteritidis (الشكل5- د).

الشكل (5) أنماط ارتباطاتِ السياط وتموضعها.

- تبدو الأشعار أو الأهداب على هيئة زوائد خيطية قاسية تنتشر على سطح الخلايا البكترية (الشكل6)، وغالباً ما يرافق وجودها البكتريا الكروية والعصوية سالبة الغرام، ونادراً ما تُلاحظ في البكتريا موجبة الغرام.

تتركب الأهداب من بروتين أجوف يدعى البايلين pilin، ويراوح عددها بين 10 وعدة مئات، وتكون أقصر طولاً من السياط وأقل منها قطراً، لا يمكن رؤيتها بالمجهر الضوئي، وإنما بالمجهر الإلكتروني فقط. من أهم وظائفها الالتصاق بمعظم السطوح الخلوية وغير الخلوية، وتشكيل أغشية سطحية لدى النمو على البيئات السائلة التي قد تساعد على زيادة معدل النمو في المزارع الساكنة حيث يكون الإمداد بالأكسجين محدوداً، كما تُعَدّ عاملاً مساعداً لإحداث العدوى (عامل الفوعة أو الضراوة virulent factor)؛ لكونها تسهم في التصاق البكتريا الممرضة ذات الشعيرات بسطوح الخلايا، فتتكاثر وتفرز السموم أو تخترق الأغشية.

الشكل (6) صورة بالمجهر الإلكتروني للإشريكية القولونية Escherichia coli توضح الأهداب أو الزوائد الشعرية التي تبدو أقصر من السياط.

ب- الغلاف الخلوي: يتألف من المحفظة capsule التي تتشكل من غطاء بروتيني سكري glycocalyx، والجدار الخلوي cell wall والغشاء البلاسمي plasma membrane.

- تبدو المحفظة في بعض مجموعات البكتريا بشكل طبقة هلامية خارجية تفرزها بعض الأجناس خارج الخلية وتحيط بالجدار الخلوي، حيث تُشكل غلافاً حولها (الشكل 7).

الشكل (7) صورة بالمجهر الضوئي حيث تبدو المحفظة هالةً شفافة تحيط بالخلية.

تتركب المحفظة بوجه عام من مواد سكرية وعديدات الببتيد polypeptides؛ وتشير بعض الأبحاث إلى فقدان المحفظة من بعض أنواع البكتريا من دون أن يؤثر ذلك في حياتها. ومن أهم وظائف المحفظة:

أ. حماية الخلية البكترية من مهاجمة الفيروسات التي تحطمها بعد أن تلتصق بجدارها وتتطفل عليها.

ب- عزل جدار الخلية، ومن ثمّ منع اتصال الفيروسات به.

ج- حماية الخلية البكترية من الظروف البيئية غير المناسبة كالجفاف.

د- حماية الخلية البكترية من الإفرازات التي ينتجها الجسم المضيف بهدف مقاومتها، وتعد هذه الحماية عاملاً شديداً من عوامل الضراوة، حيث إنها تساعد على إحداث الأمراض.

تكتسب مستعمرات البكتريا المكوِّنة للمحفظة -والتي تنمو على الأوساط الجامدة- قواماً لزجاً، ويُطلق عليها اسم المستعمرات الناعمة smooth colony، حيث تبدو ملساء لامعة أو مخاطية، على النقيض من البكتريا التي لا تشكِّل محفظة، والتي توصف مستعمراتها بالخشنة rough colony (الشكل 8).

الشكل (8)

يوضح مقارنة بين نمطين من مستعمرات بكترية نامية على وسط آغار الدم blood agar لسلالات البكتريا العِقدَّية الرئويَّة Streptococcus pneumoniae، حيث تبدو المستعمرات إما بمظهر ناعم أو أملس بسبب وجود المحفظة، وإما بمظهر خشن لعدم وجود المحفظة.

- يوجد الجدار الخلوي بوجه عام في البكتريا الحَقيقِيَّة (رُتْبَةٌ كانَتْ في تَصْنيفِ الجَراثيم) Eubacteria، ويتركب على نحو أساسي من متعددات الببتيدوغليكانpeptidoglycan، ومن أهم خصائصه:

أ. يُعدّ من البُنى الرئيسة في الخلية البكترية، إذ يوفر لها حماية نوعية مميزة ويعطيها شكلها الخاص بها.

ب - يُعدّ الهدف الأول لهجوم الصادات الحيوية.

ج- يتضمن مستقبِلات نوعية للعقاقير والفيروسات.

د- يعد أحد مسببات الأعراض المرضية لدى الحيوانات.

هـ. له دور أساسي في الصفات المناعية وتنوعها لدى البكتريا.

تقسم البكتريا وفق نوعية جدارها الخلوي، ووفقاً لأبحاث كريستيان غرام Christian Gram إلى قسمين أساسيين:

1- البكتريا الموجبة الغرام Gram-positive bacteria: تحتفظ بملون غرام وتتلون به، ويكون هيكل جدارها سميكاً نسبياً (15-80 نانومتر)، يتكون من عدة طبقات من الببتيدوغليكان تتخللها حموض نوعية.

2- البكتريا السالبة الغرام Gram-negative bacteria: لا تحتفظ بملون غرام ومن ثمَّ لا تتلون به، ويكون هيكل جدارها رقيقاً نسبياً (10 نانومتر)، يتكون من طبقة واحدة من الببتيدوغليكان محاطة بالغشاء الخارجي تتخللها حموض نوعية، (الجدول 2) و(الشكل 9).

سالبة الغرام

موجبة الغرام

الخصائص

10 نانومتر

20-80 نانومتر

ثخانة الجدار الخلوي

2

1

عدد طبقات الجدار الخلوي

1

عدة طبقات

عدد طبقات الببتيدوغليكان

10-20 %

المحتوى من الببتيدوغليكان

-

+

المحتوى من حمض التيوكيتيك

58 %

0-3%

المحتوى من الليبيدات والبروتينات الشحمية

9 %

0 %

المحتوى من البروتينات

13 %

لا يوجد

السكريات المتعددة الدهنية

أقل حساسية

حساسة

الحساسية إزاء البنسلين

ضعيف

شديد

الهضم من قِبَل الليزوزومات

الجدول (2) خصائص الجدار الخلوي مع توضيح التباين بين البكتريا موجبة الغرام وسالبة الغرام.

 

الشكل (9) شكل تخطيطي يوضح مقارنة بين بنية الجدار الخلوي لدى البكتريا الموجبة الغرام والسالبة الغرام

تفتقر بعض أجناس البكتريا إلى الجدار الخلوي -مثل بعض أنواع المفطورات mycoplasma- إذ لا يُعدّ هذا الجدار ضرورياً لهذه الأنواع لكونها تعيش في بيئة خلوية طبيعية نظامية، بحيث يبقى التوتر الغشائي متوازناً، وسرعان ما تموت خلاياها عندما تتعرض لضغط حلولي متدنٍّ أو مرتفع.

وتستطيع أن تنمو بعض أنواع البكتريا- في بعض الحالات- وتعيش بجدران خلوية مشوَّهة بعد أن تتعرض لظروف بيئية متطرفة، وتأخذ أشكالاً غير نظامية، كما هي الحال في الجبلة المجردة protoplast، وتنتمي هذه الأنواع إلى البكتريا الموجبة الغرام إثر إزالة كامل جدرانها الخلوية. تكون هذه الأنواع البكترية غير مستقرة وهشة، ويمكن الحصول عليها بمعاملة الخلايا بإنزيم الليزوزيم lysozyme.

ومن الأشكال غير النظامية أيضاً الكوراء spheroplast؛ التي تنتج من تحولات تطرأ على بعض أنواع البكتريا السالبة الغرام، إذ يزول جدارها الخلوي تقريباً وتبقى محتفظةً ببعض مواده التي تكون غير فعالة، وتبدو عادة خلايا غير مستقرة وهَشَّة، ويمكن الحصول عليها مخبرياً بتنميتها في بيئة تحتوي على البنسلين.

وقد تظهر بعض أنواع البكتريا بشكل حرف L، وتُسمى L- forms، وهي تفتقر تماماً إلى الجدار الخلوي، وتتشكل تلقائياً عند المرضى الذين عولجوا بالبنسلينات، ويمكن الحصول عليها مخبرياً. وقد شوهدت هذه الأشكال عند كل من البكتريا الموجبة الغرام والسالبة الغرام، وهي بالأصل بكتريا حساسة للضغط الحلولي ولبعض الصَادَّات الحيوية، لكنها أكثر استقراراً من الجبلة المجردة والكوراء.

- يشكل الغشاء البلاسمي للبكتريا أكثر الهياكل مرونة لخلاياها، وتتجلى وظيفته الرئيسة في النفاذية الاختيارية التي تُنَظِّم مرور المواد من الخلية وإليها. وهو الهيكل الأساسي للخلية؛ لأنه يعزل الجزيئات الحيوية في وحدة تفصلها عن البيئة المحيطة، كما يسمح بمرور جزيئات الماء والجزيئات غير المشحونة التي يصل وزنها الجزيئي إلى نحو 100 دالتون، لكنه لايسمح بمرور الجزيئات الكبرى، أو أي مادة أخرى مشحونة إلا عن طريق عمليات النقل الحيوي المعروفة لدى الأغشية الحيَة والتي تخضع لنظم نقل حيوية فيزيائية.

يتركب الغشاء الخلوي في البكتريا من طبقتين من الشحوم الفسفورية phospholipid bilayer، كما هي الحال في الأغشية الخلوية للكائنات حقيقية النواة. وعلى الرغم من تشابه التركيب العام للغشاء البلاسمي بين هاتين المجموعتين فإن الغشاء الخلوي البكتري يخلو من الشحوم عالية التشبع مثل الكولسترول، ويوجد بدلاً منه ما يُدعى الهوبانوئيد Hopanoid (الشكل10).

الشكل (10)

تمثل أ- التركيب الكيميائي للكولسترول في أغشية الكائنات الحقيقة النواة و التركيب الكيميائي للهوبانوئيد في أغشية البكتريا. أما ب و ج- فيمثلان مقارنة بين بنية الغشاء البلاسمي لدى حقيقيات النواة والبكتريا.

ينخمص الغشاء البلاسمي إلى داخل سيتوبلاسما الخلية البكترية ويصل إلى النكليوئيد، ويمكن أيضاً أن يلامس المادة الوراثية مشكلاً ما يسمى بالجسيم المتوسط mesosome، وكان يُعتقد أن هذا الجسيم يُسهم في عملية الانقسام الخلوي، لكن تبين فيما بعد أن ظهوره يرافق فقط تحضير الشرائح الخلوية المجهرية المُعَدَّة بالطرائق اللازمة للفحص بالمجهر الإلكتروني، ويعزى ذلك إلى الطرائق التي تؤدي إلى سحب المحتوى المائي من الخلية، علماً أن الجسيمات المتوسطة لا تظهر عند استخدام الطرائق العادية الشائعة في تثبيت خلية البكتريا في أثناء تحضيرها للفحص بالمجهر الضوئي.

نظراً لافتقار البكتريا إلى العضيات داخل الخلوية المتخصصة بالعمليات الحيوية -مثل التنفس والتركيب الضوئي والإفرازات الإنزيمية- يتولى الغشاء البلاسمي العمليات اللازمة للخلية، وبالتالي يقوم الغشاء بوظائف عدة في مجال الاستقلاب الحيوي وتبدلات الطاقة. كما يُعَدّ الغشاء موقعاً لعمليات الفسفرة التأكسدية والفسفرة الضوئية عند بدائيات النواة كافة، بما يقابل وظائف المتقدرات وصانعات اليخضور في الخلايا حقيقيات النواة. ويُعَدّ الغشاء البلاسمي أيضاً موقع الإنزيمات عامةً، بما فيها المشارِكة في عمليات الاستقلاب الغذائي التي يتطلبها تركيب جدار الخلية وتشكيل الحاجز ونسخ الحمض النووي وتثبيت ثنائي أكسيد الكربون وأكسدة النشادر (الأمونيا) وتركيب الدهون وعديدات السكاريد الشحمية عند الخلايا السالبة الغرام، وتجميع البروتينات وإفرازها وتشكيل الببتيدوغليكانات التي تدخل في بنية الجدار الخلوي، إضافة إلى الحفاظ على الضغط الحلولي (التناضحي) داخل الخلية ووظائف النقل النوعية من الخلية وإليها.

ج - منطقة السيتوبلاسما: تتضمن الصبغي البكتري والريباسات ribosomes والمكتنفات الادخارية المتنوعة التي تقوم بدور مهم في عمليات الاستقلاب الحيوية. توجد هذه التراكيب في جميع أجناس البكتريا، في حين توجد المركبات الأخرى بشكل مدّخرات تختلف من نوع بكتري لآخر، حيث تتضمن متعددات الفسفات polyphosphate ومدّخرات سكرية على شكل حبيبات الغليكوجين والنشاء وحبيبات الكبريت. تفتقر سيتوبلاسما الخلية البكترية إلى التراكيب التي تميز سيتوبلاسما الخلايا الحقيقية النواة، سواء النباتية أم الحيوانية.

4- الأبواغ الداخلية: تشكل بعض أنواع البكتريا العصوية- وأحيانا الكروية- أبواغاً كامنة داخل خلاياها يطلق عليها الأبواغ الداخلية endospores، وتتشكل عادةً بوغة واحدة داخل الخلية، تتحرر عندما تنضج، ومن ثم تموت الخلية وتتحلل بقاياها.

من أهم الأجناس المكونة للأبواغ الداخلية جنس العَصَوية Bacillus وجنس المِطثيَّة Clostridium من البكتريا العصوية، والجنس porosarcina من البكتريا الكروية التي تتجمع في ثُمانيات. وتظهر الأبواغ الداخلية بأشكال متنوعة فقد تكون كروية الشكل كما في الأنواع Bacillus sphaericus والمِطثيَّة الكزازية Clostridium tetani، ويمكن أن تكون أسطوانية أو عصوية الشكل كما في العَصَوية الجَمريَّة Bacillus anthracis، أو بيضوية كما في النوع المِطثيَّة الوَشيقية Clostridium botulinum.

يمكن أن تتوضع البوغة الداخلية في وسط الخلية، فتدعى البوغة المركزية central spore كما في المِطثيَّة الوشيقية، أو قد تكون بالقرب من طرف الخلية؛ أي في موقع بين أحد طرفيها ووسطها فتدعى بالبوغة تحت الطرفية subterminal spore كما في المِطثيَّة الكزازية ، أو قد تكون في أحد طرفي الخلية وتدعى بالبوغة الطرفية terminal spore كما في البكتريا Clostridium tetani، ويكون قطر البوغة في هذه الحالة أكبر من قطر الخلية، فيتشكل انتفاخ في موضع البوغة داخل الخلية (الشكل11). 

الشكل (11) شكل ترسيمي يوضح أنماط توضع الأبواغ الداخلية.

يعدّ شكل البوغة وموقعها داخل الخلية من المعايير المهمة في تصنيف البكتريا. و تمثل ظاهرة نشوء الأبواغ ونموها الطريقةَ الأساس لحفظ الأنواع. تنبت البوغة في الظروف الملائمة لتشكل خلية إعاشية، وبذلك يمكن عد الأبواغ الداخلية طوراً من أطوار حلقة الحياة ووسيلةً لحفظ النوع، ولا يمكن عدها وحدةً تكاثرية.

تحيط البوغة نفسها بغلاف سميك يتحمل الظروف البيئية المعاكسة، وتعود البوغة إلى حياتها الطبيعية عندما تتحقق الظروف المناسبة لنموها، والأبواغ أصغر حجماً من الخلية الإعاشية التي تنتج منها، وتأخذ أشكالاً متنوعة: إما بيضوية وإما كروية وإما أسطوانية الشكل، ولا يمكن أن تكون عصوية.

5- الصبغي البكتري: يتألف من DNA وحيد حلقي الشكل، يتضاعف بالطريقة نصف المحافظة semiconservative بدءاً من نقطة ثابتة تُدعى المنشأ origin، ويتم ذلك في اتجاهين خلال عملية الانشطار الثنائي للبكتريا، حيث ينتج من كل خليةٍ أم خليتان بنتان، كل منهما تشبه في هيكلها الخلية الأم، لكنهما أقل حجماً، وبذلك فالانشطار الثنائي هو الطريق الرئيس المسؤول عن التكاثر، ويتم وفق متوالية هندسية متصاعدة ممثلة بالعلاقة (2n). وتتفاوت سرعة الانقسام من نوع إلى آخر، وتراوح الفترة الفاصلة بين انقسامين متتاليين بين 20 دقيقة ويوم واحد.

6 - طرائق التغير الوراثي في البكتريا: تكتسب خلايا البكتريا صفات وراثية جديدة عن طريق التغير الوراثي genetic change، وذلك بالحصول على جينات من خلايا بكترية أخرى؛ ويتحقق ذلك بطرائق عِدَّة، من أهمها: الاقتران conjugation، حيث تنتقل العوامل الوراثية من خلية بكترية مانحة donor إلى أخرى متلقية recipient بوساطة اتصال مباشر تسهم فيه الأشعار الجنسية sex pili.

ويمكن أن تنتقل المادة الوراثية أيضاً بطريقة الاستحالة transformation -التي تتضمن انتقال الـDNA البكتري، والمتبقي من خلايا بكترية ميتة في البيئة المحيطة- إلى داخل الخلية الحيّة. وقد يحدث عبور جيني يؤدي إلى تبادل المواد والمعلومات الوراثية لتنشأ صفات جديدة في الخلية البكترية المتقبلة.

تساهم الفيروسات من العاثيات bacteriophage بانتقال الجينات بظاهرة التنبيغ transduction؛ إذ يتم نقل بعض الجينات من بكتريا متحللة إلى أخرى مُعيلة بوساطة العاثية، وقد تندمج هذه الجينات أو لاتندمج بعيداً عن إشراف الفيروس الناقل. ويُعد انتقال العوامل الوراثية بجميع طرقها من أهم المسببات في ظهور أنواع بكترية جديدة باستمرار.

7- البلاسميد البكتري والتقانات الحيوية: لم يقف تطور علم البكتريا واستخداماتها على المجالات الزراعية والصحية والصناعية، إنما أصبحت العنصر الأساس في علوم الوراثة والتصنيع الحيوي، وساعد على ذلك وجود قطع حلقية صغيرة من الحمض الريبي النووي في سيتوبلاسما الخلية البكترية تدعى البلاسميدات plasmid.

والبلاسميد هو قطعة حلقية صغيرة من الحمض النووي تُلاحظ في سيتوبلاسما بعض الخلايا البكترية، وهو غير مرتبط بصبغي الخلية البكترية، وقابل للعزل والانتقال أو النقل من فرد بكتري إلى آخر محملاً بالمعلومات والصفات الوراثية. وتستعمل هذه الخاصة في الهندسة الوراثية إذ كانت أداة للتحكم في الإنتاج الحيوي للإنزيمات والحموض الأمينية، وذلك من خلال قَطْع أجزاء منها ونقلها ولصقها بين الأفراد بحسب هدف التقنية، بما يُسَخِّر وظائف البكتريا الحيوية لإنتاج مركبات طبيعية مهمة يصعب صنعها مخبرياً.

8- التغذي عند البكتريا: تقسم البكتريا- بحسب طريقة تغذيها- إلى ذاتية التغذي autotrophic، وهي التي تتمكن من تجهيز احتياجاتها الغذائية بدءاً من عناصر أو مركبات غير عضوية كما في البكتريا ذاتية التغذي الضوئية photoautotrophic bacteria، التي تستخدم الطاقة الشمسية للقيام بعملية التركيب الضوئي وتثبيت CO2 الجوي بشكل مركبات سكرية تختزن الطاقة في روابطها الكيميائية، وكذلك في البكتريا الذاتية التغذي الكيميائية chemosynthetic bacteria، التي تستخدم الطاقة الكيميائية الناجمة عن أكسدة بعض العناصر والمواد الكيميائية لتثبيت ثنائي أكسيد الكربون وبناء احتياجاتها من المواد العضوية؛ مثل أكسدة الآزوت (النتروجين) أو الكبريت أو مركباتهما.

أما البكتريا غيرية التغذي heterotrophic فهي التي لاتستطيع صنع متطلباتها الغذائية وتعتمد على مصادر خارجية، وتكون إما رمّية saprophytic تتغذى بمواد عضوية -سكريات وبروتينات وليبيدات- من بقايا عضوية نباتية وحيوانية؛ وإما طفيلية parasitic حيث تلتصق بخلايا العائل الحي سواء الداخلية أم الخارجية لتحصل على غذائها منه، وغالباً ما تسبب له الأذية المرضية بشكل أو بآخر.

ويمكن أن تحقق البكتريا حالة تعايشية symbiotic حيث تتبادل الغذاء مع كائن حي آخر تبادل منفعة، فتأخذ منه حاجتها ولاسيما المركبات التي تحمل الطاقة- وتقدّم له بالمقابل حاجته من المركبات الغذائية العضوية التي لا يمكنه صنعها؛ كما في التعايش بين النباتات البقولية مع بكتريا الريزوبيوم Rhizobium المسؤولة عن التثبيت الحيوي للآزوت الجوي ضمن عقد حيوية على جذور النباتات ومن ثمّ تزود النبات بفيض من المركبات العضوية الآزوتية، وتعتمد عليه بمتطلباتها من مركبات الطاقة السكرية بما يحقق منفعة كبيرة للنبات وللتربة بتزويدها بسماد حيوي مباشر وغير مباشر

مراجع للاستزادة:

- B. A. Forbes, D. F.Sahm, A. S.Weissfeld, Diagnostic Microbiology. Mosby 2007.

- C.Gradmann, Laboratory Disease: Robert Koch’s Medical Bacteriology 2011.

- C. Lamanna, M. F Mallette, Basic Bacteriology-Its Biological and Chemical Background. The Williams and Wilkins Company; Baltimore 2013.

- M. T.Madigan , J. M.Martinko , P. V. Dunlap, D. P.Clark, Brock biology of microorganisms. Int. Microbiol, 2008.

 


التصنيف : علم الحياة (البيولوجيا)
النوع : علم الحياة (البيولوجيا)
المجلد: المجلد الخامس
رقم الصفحة ضمن المجلد : 0
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 1034
الكل : 43821908
اليوم : 105303