logo

logo

العلوم الشرعية | الصداق (المهر)

صداق (مهر)

dowry (Mahr) - dot (Mahr)

 الصداق (المهر)

الصداق (المهر)

محمد ربيع صباهي

تعريف المهر صاحب الحق في المهر
حكم المهر تعجيل المهر وتأجيله
حكمة مشروعية المهر زيادة المهر والحط منه
مقدار المهر حالات وجوب المهر وتأكده
المغالاة في المهر وجوب نصف المهر
مهر السر ومهر العلانية سقوط المهر عن الزوج
شروط المهر ضمان المهر
أنواع المهر الاختلاف في المهر
 

تعريف المهر

المهر في اللغة: الصداق، وهو المال الذي يقدمه الزوج معجلاً أو مؤجلاً لزوجته في عقد الزواج.

ويقال: مهرت المرأة وأمهرتها، والأول أكثر استعمالاً. ويجمع على مهور ومهورة.

وفي الاصطلاح: اسم للمال الذي يجب في عقد النكاح على الزوج في مقابلة البضع، إما بالتسمية وإما بالعقد.

فالمهر واجب على الرجل بمجرد العقد الصحيح، أو بالدخول في عقد فاسد، أو بالوطء بشبهة.

وللمهر في القرآن الكريم أسماء كثيرة، من أشهرها: الصداق والفريضة والنحلة والعطية والصدقة والأجر.

كما يطلق عليه عند العرب: العُقْر والحِباء والعلائق. وهي تفيد: ما يُدفع إلى المرأة في عقد النكاح.

حكم المهر

المهر واجب في كل نكاح عملاً بقوله تعالى: }وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً{ [النساء 4] وقوله: }وَأُحِلَّ لَكُم مَا وَرَاءَ ذَلِكمُ أَنْ تَبْتَغُوا بِأمْوَالِكُم{ [النساء 24]، فقد قيد في الآية الثانية حل النكاح في عقد النكاح به فدل على لزومه.

إلا أن المهر ليس ركناً من أركان عقد النكاح، كما أنه ليس شرطاً لصحته، فيصح العقد ولو لم يسم الزوجان شيئاً؛ لئلا يُظن أن المهر ثمن يقابل المرأة.

ولهذا اتفق الفقهاء على صحة عقد النكاح ولو خلا عن تسمية المهر؛ لأن المهر أثر من آثار النكاح، واستدل الفقهاء لذلك بالآتي:

قوله تعالى: }لا جُنَاحَ عَلَيكُم إِنْ طَلَّقُتُمُ الَنِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيْضَةً{ [البقرة 632].

فقد حكم بصحة الطلاق مع عدم تسمية المهر، ولا يكون الطلاق إلا في النكاح الصحيح، فدل على أن عدم تسمية المهر لا تمنع صحة عقد النكاح.

قول ابن مسعود في رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقاً ولم يدخل بها حتى مات: "لها مثل صداق نسائها لا وَكْس ولا شَطَط وعليها العدة ولها الميراث، فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال: قضى رسول اللهr في بِروع بنت واشق امرأة منا مثل ما قضيت" (سنن أبي داود: كتاب النكاح، باب فيمن تزوج ولم يسم صداقاً حتى مات، رقم 2116).

إن القصد من النكاح الاستمتاع والصلة دون المهر فصح من غير ذكره كالنفقة.

حكمة مشروعية المهر

قال الفقهاء: إن مقاصد النكاح ومصالحه لا تحصل إلا بالموافقة، ولا تحصل الموافقة إلا إذا كانت المرأة عزيزة كريمة عند الزوج، ولا عزة إلا بمنع الوصول إليها إلا بمال له خطر ومكانة عنده؛ لأن ما ضاق طريق تحصيله يعز في النفوس فتحرص على إمساكه، وما تيسر طريق تحصيله يهون في النفوس فيهون إمساكه، ومتى هانت الزوجة في عين الزوج لحقتها الوحشة ولم تقع الموافقة فانعدمت مقاصد النكاح.

وقالوا: لو لم يجب المهر في عقد النكاح لم يبال الزوج بإزالة هذا العقد بأدنى خشونة تحدث بينهما؛ لأنه لا يشق عليه إزالته لمَّا لم يَخَف لزوم المهر، فلا تحصل مقاصد النكاح المطلوبة.

مقدار المهر

أكثر المهر: لا خلاف بين أهل العلم في أنه لا حد لأكثر المهر، إذ لم يرد في التنزيل أو السنة تقديرُ حدٍ لأعلى المهر، وحينما حاول عمر بن الخطابt تحديد المهور عارضته امرأة في المسجد بقوله تعالى: }وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْه شَيْئاً{ [النساء 20] فقال: أصابت امرأة وأخطأ عمر.

أقل المهر: قال الحنفية: أقله عشرة دراهم من فضة، أو ما قيمته كذلك، واستدلوا بالآتي:

ـ قوله تعالى: }وأُحِلَّ لَكُم ما وَرَاءَ ذَلِكْم أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكْم{ [النساء 24]، فقد شرط سبحانه أن يكون المهر مالاً، ولا يطلق اسم المال على الحبة والدانق (وهو 1/6 الدرهم 0.495 غم)

ـ حديث جابر عن رسول اللهr: "لا مهر دون عشرة دراهم" (سنن البيهقي، كتاب الصداق، باب ما يجوز أن يكون مهراً، 7/24) (والدرهم 2.975 غم).

ـ ما نقل عن عمر وعلي وابن عمر من قولهم: "لا يكون أقل من عشرة دراهم".

يقول الكاشاني: والظاهر أنهم قالوا ذلك توقيفاً؛ لأنه باب لا يوصل إليه بالاجتهاد والقياس.

ـ القياس على نصاب السرقة: إنما كان أقله عشرة دراهم لإظهار شرف المحل فيتقدر بما له خطرـ وهو الدراهم العشرة ـ استدلالاً بنصاب السرقة؛ لأنه يُتلف به عضو محرم، فلأن يتلف به منافع بضع كان أولى.

وقال المالكية: أقله ربع دينار من الذهب الخالص أو ثلاثة دراهم فضة أو ما يساوي ذلك.

وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن أقل المهر غير مقدر، فكل ما جاز أن يكون ثمناً أو مبيعاً أو أجرة جاز أن يكون مهراً، قل أو كثر. واستدلوا لذلك بالآتي:

ـ حديث جابر مرفوعاً: «لو أن رجلاً أعطى امرأة صداقاً ملء يده طعاماً كانت له حلالاً» (سنن أبي داود: كتاب النكاح، باب قلة المهر، رقم 2110).

ـ ما رواه عامر بن ربيعة أن امرأة من فَزَارة تزوجت على نعلين، فقال رسول اللهr: «أرضيت من مالك ونفسك بنعلين؟ قالت: نعم، فأجازه» (سنن الترمذي: كتاب النكاح، باب ما جاء في مهور النساء، رقم 1124).

المغالاة في المهر

أكد الفقهاء استحباب عدم المغالاة في المهور، أو الزيادة فيها إلى حد يعجز معه الرجل عن تحصيله، واستدلوا على ذلك بالآثار التالية:

ـ حديث عائشة عن رسول اللهr: «من يمن المرأة تسهيل أمرها وقلة صداقها» (أخرجه الحاكم في المستدرك، 2/181 وقال: صحيح على شرط مسلم).

ـ حديث ابن عباس عن رسول اللهr: خيرهن أيسرهن صداقاً. (أخرجه ابن حبان في صحيحه في الإحسان 9/342).

ـ قول رسول اللهr: تياسروا في الصداق، إن الرجل يعطي المرأة حتى يبقى ذلك في نفسه عليها حسيكة. (أخرجه عبد الرزاق في المصنف 6/174) أي عداوة وحقداً.

مهر السر ومهر العلانية

إذا اتفق الزوجان على مهر في السر ثم تعاقدا على مهر أعلى منه في العلن لإشهاره بين الناس، فإنه يُنظر:

ـ إذا كان الاتفاق على أن مهر العلن صوري فالواجب مهر السر.

ـ فإن اختلفا: بأن تمسك الزوج بمهر السر، وتمسكت الزوجة بمهر العلن فالقول قول الزوجة؛ لأن مهر العلن هو ما يشهد له الظاهر.

وقال أبو يوسف من الحنفية: العبرة بمهر السر؛ لأنه المتفق عليه والمعبر عن القصد حقيقة.

شروط المهر

للمهر في الفقه الإسلامي ثلاثة شروط:

الشرط الأول: أن يكون مالاً متقوماً يمكن تملكه وتمليكه وبيعه وشراؤه، ولا يجوز أن يكون ما ليس بمال معتبر شرعاً.

أما كون المهر منفعة كتعليم القرآن الكريم وأحكام الدين ونحوها، فللعلماء رأيان:

ـ الأول: لا يجوز كونه منفعة من المنافع المتقدمة، وهو مذهب المتقدمين من الحنفية ومشهور مذهب مالك.

ـ الثاني: يجوز كونه منفعة، وهو مذهب الشافعية والحنابلة ومتأخري الحنفية وبعض المالكية.

دليل المذهب الأول: استدل المانعون بالآتي:

ـ قوله تعالى في سورة النساء: }وأُحِلَّ لَكُم ما وَرَاءَ ذَلِكْم أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكْم{، فقوله: (بأموالكم) يدل على صحة المهر بالمال دون غيره، ولو صح بغير المال لكان التخصيص بذكر المال لغواً، والشارع عنه منزه.

ـ إن تعليم القرآن الكريم منفعة لا تقابل بمال، إذ لا يجوز أخذ الأجرة عليها، والآية السابقة أكدت كون المهر مالاً، فلم يجز أن يكون منفعة.

دليل المذهب الثاني: واستدل المجيزون بما يلي:

ـ قوله تعالى: }قَالَ إِنِّي أُرِيْدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِججً{ (سنوات) [القصص 27]، فقد جعل شعيب\ مهر ابنته منفعة، وهي الخدمة ثماني حجج.

ـ قولهr: اذهب فقد ملّكتها بما معك من القرآن (البخاري، كتاب الوكالة، باب وكالة المرأة الإمام في النكاح، رقم 2186، ومسلم، كتاب النكاح، باب الصداق، رقم 1425).

ـ إن المنفعة مال شرعاً فيصح كونها مهراً .

ويترجح مذهب من أجاز كون المهر منفعة؛ لقوة دليله، ومراعاته مصالح الناس، فقد غدت المنافع تنافس الأعيان والعروض في استعمال الناس في زماننا.

الشرط الثاني: أن يكون المهر معلوماً، إذ يشبه الثمن فلا يصح كونه مجهولاً، إلا إذا فوض أحد العاقدين الآخر، أو غيرهما في تسمية المهر، وهو ما يعرف بنكاح التفويض.

الشرط الثالث: عدم الجهالة، إلا إذا كانت يسيرة فتغتفر، بخلاف ما لو كانت فاحشة كأن يقول: تزوجتك على مال، ولم يذكر له مقداراً.

أنواع المهر

للمهر في الفقه الإسلامي ثلاثة أنواع:

1ـ المهر المسمى: وهو العوض المذكور في عقد النكاح، أو المسمى بعده إن لم يذكر في العقد، مهما بلغت قيمته مادام برضا الطرفين وإرادتهما.

ولا فرق في ذلك بين أن يكون المهر المسمى أقل من مهر المثل أو أكثر منه، إلا أنه إن كان أقل من مهر المثل كان للولي الاعتراض، فيكمل حينئذ إلى مهر المثل.

2ـ مهر المثل: وهو العوض الذي يقدر للزوجة، من خلال من يماثلها من أسرة أبيها، مع مراعاة تساوي المرأة ومثيلاتها حال العقد من حيث السن والجمال والعلم والبكارة أو الثيوبة.

ويجب مهر المثل في الحالات التالية:

أ ـ إذا لم يسم الزوجان مهراً حين إنشاء العقد.

ب ـ إذا نفى الزوجان تسمية المهر، كأن يقول لها: تزوجتك بلا مهر، فقالت: قبلت.

ج ـ الموطوءة بشبهة، كمن وطئ امرأة ليست زوجة ولا مملوكة يظنها زوجته.

د ـ إذا أكره امرأة على الزنا عند الشافعية والحنابلة ومقتضى مذهب الصاحبين من الحنفية.

هـ ـ إذا كانت تسمية المهر فاسدة، كما لو تزوجها على خمر أو خنزير، أو كان المهر مجهولاً جهالة فاحشة.

3ـ أقل المهر: وهو ما يعادل عشرة دراهم من الفضة فيما لو سمي أقل من ذلك، إذ يجب تكملته إلى هذا القدر.

صاحب الحق في المهر

إذا تم عقد النكاح صار المهر حق الزوجة وحدها، ولهذا اتفق الفقهاء على أن للمرأة منع نفسها حتى تقبض مهرها؛ لأن المهر عوض عن بضعها كالثمن عوضاً عن المبيع، إذ للبائع حق حبس المبيع لاستيفاء الثمن، فكان للمرأة حق حبس نفسها لاستيفاء مهرها.

وهذا يعني ثبوت المهر في ذمة الزوج، ولها وحدها نقصه أو إبراؤه إذا كانت كاملة الأهلية. أما حق الشارع والولي في المهر فقد انتهى بتمام العقد صحيحاً لازماً نافذاً.

تعجيل المهر وتأجيله

اتفق جمهور الفقهاء في الجملة على جواز تعجيل المهر أو تأجيل بعضه أوكله، ويُستند في تقدير ذلك إلى اتفاق الزوجين، فإن لم يتفقا على شيء مما تقدم، فإنه يرجع إلى العرف، فإن قضى العرف بتعجيل الثلث وتأخير الثلثين، أو تعجيل النصف وتأخير النصف الآخر صح ذلك ولزم؛ لأن المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً.

واشترط فقهاء المالكية والحنابلة لجواز تأجيل المهر معلومية الأجل، فإن كان مجهولاً لم يصح.

وقالوا: إذا سمى الصداق في العقد ولم يقيده بحلول ولا تأجيل، صح العقد وكان الصداق حالاً؛ لأن الأصل عدم التأجيل.

زيادة المهر والحط منه

يذكر جمهور الفقهاء أن للزوج أن يزيد في مهر زوجته بعد الاتفاق عليه أو تسميته إن كان بالغاً عاقلاً رشيداً، وذلك بشروط ثلاثة:

أن تكون الزيادة حال قيام الزوجية حقيقة أو حكماً.

أن تكون الزيادة معلومة غير مجهولة.

قبول الزوجة الزيادة صراحة وعدم ردها أو رفضها.

وهذه الزيادة تلحق العقد عملاً بقوله تعالى: }وَلا جُنَاحَ عَليْكُم فِيمَا تَرَاضَيْتمُ بِهِ مِنْ بَعْدِ الفَرِيْضَةِ{ [النساء 24]، فإنه يتناول ما تم عليه التراضي، ولأن ما بعد العقد زمن لفرض المهر، فكانت حالة الزيادة كحالة العقد.

وأما الحط من المهر: فتملكه الزوجة وحدها ما دامت:

كاملة الأهلية.

غير مريضة مرض الموت.

راضية غير مكرهة.

4ـ أن يكون المهر من النقود لا من الأعيان، فلو كان مهرها داراً لم يصح حط شيء منه؛ لأن الحط إسقاط والأعيان لا تقبله؛ لأنها لا تتعلق بالذمة، فإن أرادت أن تعطي زوجها هذا المهر فمن خلال الهبة لا الإبراء.

والفرق بين الهبة والإبراء: أن الإبراء يُكتفى فيه بعدم الرد، أما الهبة فلا بد فيها من القبول؛ لأن ركنها الإيجاب والقبول.

وبهذه الضوابط كان للزوجة أن تبرئ الزوج من كامل مهرها، فكان لها أن تحط منه ما تشاء، ولا يشترط لذلك قبول الزوج بل يكفي منه مجرد عدم الرفض.

حالات وجوب المهر وتأكده

أولاً ـ وجوب المهر: يجب المهر عند الفقهاء بالعقد الصحيح إن كان النكاح صحيحاً، وهذا الوجوب إنما يثبت بالعقد نفسه، والواجب هو المسمى إن كانت التسمية صحيحة، فإن فسدت أو لم يكن هناك تسمية، وجب مهر المثل.

ثانياً ـ تأكد المهر: يتأكد وجوب المهر للزوجة عند الفقهاء بعد العقد الصحيح بثلاثة أمور:

أولها: الدخول الحقيقي: إذ بمجرد حصوله يثبت تمام المهر إن كان العقد صحيحاً، فإن كان فاسداً تأكد الأقل من المهر المسمى أو مهر المثل.

واستدل الفقهاء على تأكد المهر بالدخول بالآتي:

أ ـ لقد استوفى الزوج حقه بالدخول، فتأكد حق الزوجة في جميع المهر.

ب ـ لقد حرم الله عز وجل أخذ شيء من مهر الزوجة بعد الإفضاء إليها بالجماع }وَكَيْفَ تَأخذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُم إِلَى بَعْضٍ{ [النساء 21] فدل على تأكد المهر به.

وثانيها: موت أحد الزوجين: فإن مات الزوج تأكد المهر للزوجة، فضلاً عن ميراثها، وإن ماتت الزوجة كان للزوج مشاركة ورثتها بعد دفع تمام المهر.

كما يثبت المهر بتمامه إذا قتل أحد الزوجين الآخر، أو قتلت الزوجة نفسها عند الحنفية.

وثالثها: الخلوة الصحيحة: وهي: اجتماع الزوجين بعد عقد النكاح في مكان يأمنان فيه اطلاع الناس عليهما، مع عدم المانع الحسي أو الشرعي أو الطبيعي.

وللفقهاء في تأكد تمام المهر بالخلوة الصحيحة رأيان:

الرأي الأول: وهو مذهب الحنفية والحنابلة والشافعية في القديم: ويرى هؤلاء تأكد المهر كله بالخلوة الصحيحة، فإن طلق زوجته بعد خلوة صحيحة لم يحصل فيها وطء، وجب لها كامل المهر المسمى، فإن لم يكن مسمىً أو كانت تسميته فاسدة وجب مهر المثل.

الرأي الثاني: وهو مذهب المالكية والشافعية في الجديد: ويرون أن الخلوة الصحيحة لا توجب تأكد المهر إن لم يحصل معها وطء، فإن طلقها قبل الدخول بعد خلوة صحيحة وجب نصف المهر إن كان مسمىً، وإلا لزمت المُتعة.

دليل الرأي الأول: استدل من أثبت المهر كله بالخلوة الصحيحة بالآتي:

ـ قوله تعالى في آية النساء المتقدمة: }وَكَيْفَ تَأخذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُم إِلَى بَعْضٍ{، فقد نهى الشارع عن أخذ شيء من المهر بعد الإفضاء، والإفضاء: هو الخلوة، دخل بها أو لم يدخل كما قال أهل اللغة.

ـ قولهr: من كشف خمار امرأته ونظر إليها، وجب الصداق دخل بها أم لم يدخل (سنن أبي داود: كتاب النكاح، باب الرجل يتزوج المرأة فيجدها حبلى، رقم 2131). وهو ظاهر في أن الخلوة الصحيحة توجب تمام المهر.

ـ قول ابن أبي أوفى: قضى الخلفاء الراشدون المهديون أنه إذا أرخى الستور وأغلق الباب فلها الصداق كاملاً وعليها العدة دخل بها أم لم يدخل (أخرجه مالك في الموطأ، كتاب النكاح، باب إرخاء الستور 12ـ13).

دليل الرأي الثاني: واستدل من أثبت نصف المهر بالخلوة الصحيحة بالآتي:

ـ قوله تعالى: }وإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُوهُنَّ وَقَدْ فَرََََضْتُم لَهُنَّ فَرِيْضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُم{ [البقرة 237]، والمسيس هو الجماع، ولم يحصل.

ـ قوله تعالى: }وَكَيْفَ تَأخذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُم إِلَى بَعْضٍ{، والإفضاء: هو الجماع كما ذكر المفسرون، فقد نهى الشارع عن أخذ شيء من المهر بعد الإفضاء وهو الجماع، أما قبله فلم يمنع من ذلك.

ـ لقد جعل النبيr المهر مقابل البضع، وقبل الدخول لم يستوف الزوج حقه من المرأة، فلم يتأكد كامل المهر.

وجوب نصف المهر

إذا طلَّق الرجل زوجته في عقد نكاح صحيح، سواء كانت تلك الفرقة طلاقاً أو فسخاً، وقد سمى لها مهراً، ولم يدخل بها، ولم تحصل خلوة صحيحة، فلها نصف المهر المسمى، عملاً بقوله تعالى: }وإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُوهُنَّ وَقَدْ فَرضْتُم لَهُنَّ فَرِيْضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُم{.

وقد ذكر الفقهاء حالات لا يتنصف معها المهر بالطلاق قبل الدخول، هي:

ـ أن يكون الطلاق في عقد نكاح فاسد.

ـ أن يُزاد على المهر بعد العقد؛ لأن الذي يتنصف هو المسمى حال العقد.

ـ أن لا يكون المهر مهر المثل؛ لأن الذي يتنصف هو المسمى دون مهر المثل.

ـ أن لا يكون المهر قد ثبت بالتفويض، وهو ما تم العقد بدونه ثم اتفق الطرفان على تسميته، فإن كان كذلك فلا يتنصف. وهو مذهب الحنفية دون الشافعية وأبي يوسف.

سقوط المهر عن الزوج

يسقط المهر عن الزوج في الفقه الإسلامي في الحالات التالية:

الفرقة بغير طلاق قبل الدخول بالمرأة وقبل الخلوة بها. فكل فرقة حصلت بغير طلاق قبل الدخول وقبل الخلوة تسقط جميع المهر سواء كانت الفرقة من قبل المرأة أو من قبل الزوج؛ لأن الفرقة بغير طلاق تكون فسخاً للعقد، وفسخ العقد قبل الدخول يوجب سقوط المهر.

الإبراء عن كل المهر قبل الدخول وبعده إذا كان المهر ديناً لأن الإبراء إسقاط، والإسقاط ممن هو أهل الإسقاط في كل قابل للسقوط يوجب السقوط.

الخلع على المهر قبل الدخول وبعده، ثم إن كان المهر غير مقبوض سقط عن الزوج وإن كان مقبوضاً ردته على الزوج.

هبة المهر كله قبل القبض عيناً كان أو ديناً وبعده إن كان عيناً.

ضمان المهر

إذا لم يدفع الزوج لزوجته المهر بعد عقد النكاح، أصبح ديناً في ذمته، وكان لها أن تطلب به رهناً أو كفيلاً.

فإن أقام الزوج كفيلاً، لزمه دفع المهر متى امتنع الزوج عن دفعه، وكان للزوجة الحق في مطالبة الزوج والكفيل معاً بالمهر.

فإن كان الكفيل حين الكفالة في مرض الموت، وامتنع الزوج عن دفع المهر ثم مات الكفيل، أخذت الكفالة حكم الوصية ولزمت الورثة ضمن ثلث التركة.

الاختلاف في المهر

عرض الفقهاء لجملة من الصور التي ينتج منها خلاف لتعلقها بالمهر، ومن ذلك:

ـ الاختلاف في الهدايا: إذا اختلف الزوجان في ما تم تقديمه من الهدايا للزوجة قبل الدخول أو بعده، فادعى الزوج أنه من المهر وأنكرت الزوجة، فالقول قول صاحب البينة في ذلك، فإن تساوت البينات رجحت بينة الزوجة؛ لأنها على خلاف الظاهر، إذ الظاهر أن الزوج يسعى إلى وفاء ما في ذمته من المهر، والزوج قد يفعل ذلك قبل تقديم الهدايا للزوجة.

أما إذا كان الزوج قد دفع مهر زوجته، فيمكن القول حينئذ: إن ما تم تقديمه هو من الهدايا. فإن لم يكن لأحد الزوجين بينة فالعرف هو المعتبر، فما عده العرف مهراً فهو من المهر، وإلا فهو من الهدايا.

فإن كان ما قدمه الزوج مشتركاً في العرف بين المهر والهدية، فالقول قول الزوج مع يمينه.

ـ الاختلاف في الجهاز: جرى العرف في بلادنا على مساعدة الزوجة في إعداد جهازها من جانب أهلها وذويها، وهذا يعني ملك الزوجة لهذا الجهاز وحقها في الانتفاع به والاستقلال بالتصرف فيه.

فإن أراد الزوج الوصول إلى شيء منه لم يكن له ذلك، إلا إذا دفع شيئاً من ثمن هذا الجهاز، فحينئذ تُحمل الزوجة على شراء الجهاز بمقدار ما تم تحصيله من الزوج سوى مبلغ المهر.

ـ الاختلاف في أصل تسمية المهر: إذا ادعى أحد الزوجين تسمية المهر وأنكر الآخر فالبينة على المدعي واليمين على المنكر، فإن أقام مدعي التسمية بينة على دعواه قُضي له بذلك، وإلا كانت اليمين على المنكر، فإن ترك المنكر اليمين حُكم عليه بهذا الترك.

ـ الاختلاف في مقدار المسمى من المهر: إذا اختلف الزوجان في مقدار ما سُمي من المهر فالقول قول صاحب البينة في ذلك، فإن تساوت البينات قُدم منها ما يشهد له العرف أو الحال.

فإن لم يكن لأحدهما بينة، كان القول لمن يشهد له مهر المثل بيمينه.

ـ الاختلاف في قبض جزء من المهر: إن اختلف الزوجان في شيء من ذلك، فالفقهاء على تحكيم العرف في المسألة، فما جرى العرف به نفذ، ولم يصدق منكره إلا بالبينة.

 

مراجع للاستزادة:

 

ـ محمد بن إسماعيل البخاري، الجامع الصحيح، تحقيق مصطفى البغا (دار العلوم الإنسانية، ط2، دمشق 1993).

ـ منصور بن إدريس البهوتي، كشاف القناع عن متن الإقناع (عالم الكتب، بيروت 1997).

ـ أحمد بن الحسين البيهقي، السنن الكبرى (دار المعرفة، بيروت، د.ت).

ـ محمد بن عيسى الترمذي، سنن الترمذي، تحقيق أحمد شاكر (دار الحديث، ط1، القاهرة 1999).

ـ محمد بن أحمد بن جزيء، القوانين الفقهية (دار الكتاب العربي، بيروت 1984).

ـ سليمان الجمل، حاشية الجمل على شرح المنهج (دار إحياء التراث العربي، دت).

ـ أبو عبد الله النيسابوري الحاكم، المستدرك على الصحيحين (دار المعرفة، بيروت، د.ت).

ـ ابن حبان، صحيح ابن حبان، تحقيق شعيب الأرناؤوط (مؤسسة الرسالة، بيروت، ط2).

ـ محمد بن محمد الحطاب، مواهب الجليل (دار الفكر، ط2، 1978).

ـ سليمان بن الأشعث أبو داود،سنن أبي داود، تحقيق محيي الدين عبد الحميد (المكتبة العصرية، صيدا، د.ت).

ـ أحمد الدردير، الشرح الصغير (دار الكتب العلمية، بيروت 1995).

ـ عثمان بن علي الزيلعي، تبيين الحقائق (دار المعرفة، بيروت، د.ت).

ـ محمد بن أبي سهل السرخسي ، المبسوط (دار المعرفة، بيروت 1986).

ـ محمد بن أحمد السمرقندي، تحفة الفقهاء (دار الفكر، دمشق، د.ت).

ـ محمد بن محمد الشربيني، مغني المحتاج (دار الكتب العلمية، بيروت 1994).

ـ إبراهيم الفيروز آبادي الشيرازي، المهذب في فقه الشافعي (مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، د. ت).

ـ عبد الرزاق الصنعاني، مصنف عبد الرزاق (توزيع المكتب الإسلامي، 1983).

ـ محمد أمين بن عابدين، رد المحتار على الدر المختار (دار إحياء التراث العربي، ط1، بيروت 1998).

ـ محمد عليش، منح الجليل (دار الفكر، ط1، بيروت 1984).

ـ أحمد بن محمد الفيومي، المصباح المنير (مكتبة لبنان، د. ت).

ـ عبد الله بن أحمد بن قدامة، المغني (دار هجر، ط1، القاهرة 1986).

 ـ أبو بكر بن مسعود الكاشاني، بدائع الصنائع (دار إحياء التراث العربي، ط1، بيروت 1997).

ـ مالك بن أنس، المدونة الكبرى (دار الكتب العلمية، بيروت 1994).

ـ مالك بن أنس، الموطأ (المكتبة الثقافية، ط2، بيروت 1992).

ـ علي بن عبد الجليل المرغيناني، الهداية (دار إحياء التراث العربي، بيروت).

ـ مسلم، صحيح مسلم (دار إحياء التراث العربي، بيروت، د.ت).

ـ محمد بن مكرم بن منظور، لسان العرب (دار صادر).

ـ أحمد بن غنيم النفراوي، الفواكه الدواني (المكتبة الثقافية، بيروت، د.ت).

ـ يحيى بن شرف النووي، روضة الطالبين (المكتب الإسلامي، ط2، دمشق).

ـ يحيى بن شرف النووي، المجموع (مكتبة الرشاد، جدة، د.ت).

ـ محمد بن عبد الواحد بن الهمام، فتح القدير (دار إحياء التراث العربي، بيروت 1986).




التصنيف : العلوم الشرعية
النوع : العلوم الشرعية
المجلد الرابع: الرضاع ــ الضمان المصرفي
رقم الصفحة ضمن المجلد : 370
مستقل

البحوث الأكثر قراءة

للحصول على اخبار الموسوعة

عدد الزوار حاليا : 1
الكل : 7989634
اليوم : 1564

المنظمة الدولية للشرطة الجنائية (الأنتربول)

 المنظمة الدولية للشرطة الجنائية المنظمة الدولية للشرطة الجنائية (الانتربول) ماهر ملندي نشأة الأنتربول أجهزة الأنتربول فعالية الأنتربول تعدُّ الجريمة إحدى أهم الظواهر الخطرة التي شهدتها المجتمعات البشرية منذ فجر التاريخ، كونها تجسد خرقاً للأحكام الإلهية والأخلاقية والقوانين الوضعية. ولذلك فقد اهتم بدراستها وتحليل مكنوناتها وطرق مكافحتها العديد من الفلاسفة ورجال الدين والسياسة والباحثون والفقهاء، كما شغلت اهتمامات الحكومات الوطنية في إطار جهودها لتأمين الاستقرار والأمن والطمأنينة لشعوبها ومجتمعاتها. ومع تطور الحياة البشرية وانفتاح الدول...

المزيد »