logo

logo

القانون الدولي | الصلاحية القضائية العالمية

صلاحيه قضاييه عالميه

universal jurisdiction - compétence universelle

 الصلاحية القضائية العالمية

الصلاحية القضائية العالمية

أمل يازجي

تعريف الصلاحية القضائية العالمية الصلاحية القضائية العالمية ومفهوم السيادة
طبيعة الصلاحية القضائية العالمية الاختصاص العالمي بين الجرائم الأشد خطورة والسياسة الدولية
الصلاحية القضائية العالمية والمحاكم الدولية مبادئ الاختصاص العالمي وشروط إعماله
 

تنظر المحاكم، دولية كانت أم وطنية، في أي قضية إذا عقد لها الاختصاص شخصياً ومكانياً وزمانياً، إذ لا يحق لقاض أن ينظر في أي ملف يعرض أمامه ما لم تسمح له التشريعات النافذة في بلده بالقيام بذلك. لكن تطور العلاقات الدولية من جهة، وتنامي المنظومة القانونية التي تحكمها من جهة أخرى، أدى إلى ظهور الصلاحية القضائية العالمية التي تشكلّ تطوراً مهماً في ميدان تطبيق وإنفاذ أحكام القانون الدولي، وإحدى طرق عدم إفلات المجرمين الدوليين من الملاحقة والمعاقبة على الجرائم الدولية التي يقترفونها، لتصبح الحصانة التي يتمتع بها القادة وأصحاب القرار محل مراجعة وحسن استخدام. وتسمح الصلاحية القضائية بامتدادها للكثير من الضحايا بالحصول على حقوقهم، أو المطالبة بها على الأقل، خاصة في حالة إنكار العدالة Denial of justice أو عدم الملاحقة أو صوريتها في الدولة صاحبة الاختصاص الإقليمي. كما يفتح المجال لحل النزاعات بين الدول بصورة سلمية ويخفف من حدة التوتر الدولي؛ لأن جميع المحاكم الدولية قائمة على مبدأ الصلاحية القضائية العالمية، مع أن بعض الفقهاء يحصرون مفهوم الصلاحية القضائية العالمية في صلاحية المحاكم الدولية والوطنية لملاحقة الجرائم الدولية، فتقتصر الصلاحية القضائية العالمية ـ حسب رأيهم ـ على ملاحقة الجرائم الأشد خطورة، ويدعى عندها بالاختصاص العالمي Universal competence.

تعدّ الصلاحية القضائية العالمية أيضاً، مفهوماً يخرق مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، ويقيد مفهوم سيادتها في إطار المحافظة على الأمن والسلم الدوليين والدفاع عن القيم العليا التي تعرّفها الأسرة الدولية بأنها قيم غير قابلة للمساس. وكانت المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان قد اعتمدت مبدأ الاختصاص العالمي في قرارها المؤرخ في 30/3/2009، والمتعلق بقضية Ely Ould Dah، حين قررت أن للمحاكم الفرنسية الحق في ملاحقة الجرائم الخطرة بغض النظر عن مكان وقوعها أو جنسية مرتكبها.

أولاً ـ تعريف الصلاحية القضائية العالمية:

يعبّر مصطلح الصلاحية القضائية العالمية عن عدد من المفاهيم التي تشكّل مضمونه، فلهذه الصلاحية بعد جنائي يتعلق بالجرائم الأشد خطورة، كما أنها عالمية الطابع لتكون في جزء منها إقليمية النفاذ وفي جزئها الآخر عالمية الأبعاد.

وللدول عادة أربعة أنواع من الاختصاص القضائي:

1ـ الاختصاص الإقليمي: ويكون للدولة بموجبه الاختصاص فيما يتعلق بالأفعال الواقعة على كامل أراضيها وعلى الأشخاص المقيمين على إقليمها.

2ـ الاختصاص الشخصي الإيجابي: للدولة الاختصاص فيما يتعلق بالأفعال التي يرتكبها أشخاص يحملون جنسيتها.

3ـ الاختصاص الشخصي السلبي: للدولة الاختصاص فيما يتعلق بالأفعال التي ترتكب ضد أشخاص يحملون جنسيتها.

4ـ الاختصاص الواقعي: للدولة الاختصاص فيما يتعلق بالأفعال التي تمس مصالحها العليا.

يمكن تمييز نوعين من الاختصاص العالمي:

أ)ـ الاختصاص العالمي للقضاء الوطني.

ب)ـ الاختصاص العالمي للمحاكم الدولية.

يقصد بالاختصاص العالمي أو الصلاحية العالمية للقضاء الوطني أن للدول الحق في ملاحقة مرتكبي بعض أنواع الجرائم التي تحددها قوانينها الداخلية، سواء ما يتعلق بأعمال التحقيق والاتهام والمحاكمة وتنفيذ الأحكام، وذلك بغض النظر عن مكان وقوع الجريمة أو جنسية من ارتكبها أو جنسية ضحاياها، أي لا بد من وجود نص قانوني يحرّم القيام بفعل أو عدم القيام به، ويفرض عقوبة على خرق هذا الالتزام، وأن يكون هناك قواعد إجرائية تضبط هذه النصوص. أما الصلاحية العالمية للمحاكم الدولية فتشمل حق بعض المؤسسات الدولية في ملاحقة جرائم معينة ترد في ميثاقها التأسيسي، كما يحدد هذا الميثاق النطاق المكاني والشخصي لهذه المحاكم.

ولا تقتصر الصلاحية العالمية على الشق الجنائي، بل تمتد إلى الشق المدني من النزاعات، إذ تقوم المحاكم، كمحكمة العدل الدولية أو محكمة العدل الأوربية، بحل النزاعات ذات الطابع المدني بين الدول بموجب اختصاصها القضائي، إضافة إلى محاكم التحكيم الدولية. وكانت بعض قرارات المنظمات الدولية قد منحت القضاء الوطني للدول الأطراف فيها حق النظر في النزاعات المدنية، كما فعل مجلس أوربا الذي سمح بموجب القرار رقم 44/2001، تاريخ 22/12/2000، للمحاكم الوطنية بالنظر في النزاعات التي تنشب بين الدول الأعضاء، بشرط أن تكون إحدى الدول الأطراف في النزاع عضواً في مجلس أوربا، وأن يكون النزاع دولياً وأن ينظر فيه من قبل دولة طرف في النظام ذاته. كما يمكن أن تكون الصلاحية القضائية العالمية إقليمية، كالمحكمة الأوربية لحقوق الإنسان، أو عالمية الطابع، كالمحكمة الجنائية الدولية، ويعود لهذه المحاكم عادة تقدير اختصاصها وهذا ما يدعى اختصاص الاختصاص.

ثانياً ـ طبيعة الصلاحية القضائية العالمية:

للصلاحية القضائية العالمية مفهومان، يتعلق الأول بمجموعة من الجرائم الدولية التي وجد إجماع دولي على ملاحقتها، وهو اختصاص قضائي فوقمي (فوق قومي) Supernational، ومفهوم ثان يتعلق بالاختصاص القضائي البينمي (ما بين الدول) interstate لحل النزاعات الدولية. علماً بأن التحكيم والقضاء الدوليين لحل النزاعات الدولية بالصورة الاختيارية التي يُعرف بها اليوم كان قد ظهر في بداية القرن العشرين.

وكان القانون الدولي الجزائي قد جعل الصلاحية القضائية العالمية إلزامية في عدد من الجرائم، كما قرر عدم سقوطها بالتقادم وضرورة ملاحقتها من قبل الدول، وإلا جعل ذلك من مهام المحاكم الجنائية الدولية وهذه الجرائم هي:

1ـ جرائم الحرب: حددت اتفاقيات جنيڤ لعام 1949 المتعلقة بالنزاعات المسلحة الدولية، في موادها (49،50،129،146 المشتركة)، والمادة (85) من البرتوكول الأول لعام 1977 الانتهاكات الجسيمة، إضافة إلى ما جاء في المادة الثامنة من نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية التي نصت على عدد من الانتهاكات التي تقع زمن النزاعات المسلحة غير الدولية، والتي تعد جميعها جرائم حرب.

2ـ الجرائم ضد الإنسانية: وفق ما جاء في المادة السادسة من نظام المحكمة الجنائية الدولية.

3ـ جريمة إبادة الجنس: وفق ما جاء في المادة الخامسة من نظام المحكمة الجنائية.

كما فرض القانون الدولي التزامات على الدول تتعلق بضرورة الوقاية وقمع عدد من الانتهاكات على الصعيد الوطني، مثل ما جاء في اتفاقية عام 1926 الخاصة بتحريم الرق، والاتفاقية المتعلقة بتحريم الفصل العنصري لعام 1973، وجميع الاتفاقيات المتعلقة بالإرهاب الدولي وصوره، إذ يتوجب على الدول إما أن تحاكم الأشخاص المتهمين بمثل هذه الجرائم وإما أن تسلّمهم إلى دولة أخرى ترغب محاكمتهم. وتعد محاكم نورمبرغ وطوكيو، ثم محكمة يوغوسلافيا السابقة ورواندا وسيراليون تعبيراً عن هذا النوع من الصلاحية القضائية العالمية.

وكان العديد من الاتفاقيات الدولية التي تعالج مسائل تهدد الأمن والسلم الدوليين قد تنبهت إلى مسألة الصلاحية القضائية العالمية وأهميتها، لذا فرضت على الدول الأطراف فيها في حال عدم وجود مثل هذه الأنظمة في تشريعاتها الوطنية تسليم الأشخاص المتهمين بارتكاب الانتهاكات التي نصت عليها في هذه الاتفاقيات، مثال ذلك ما ذهب إليه مجلس أوربا في اتفاقية مكافحة الإرهاب لعام 1976، أو اتفاقية منع أخذ الرهائن لعام 1979.

أما فيما يتعلق بفض النزاعات بين الدول فتعد الصلاحية القضائية العالمية اختيارية، إذ لا يزال القضاء الدولي وهيئات التحكيم، خاضعة لموافقة الأطراف في النزاع، سواء كانت هذه الموافقة سابقة لوقوع النزاع أم لاحقة عليه، فقد ذهبت محكمة العدل الدولية في المادة (36) من نظامها الأساسي إلى إمكان قبول الدول لاختصاص المحكمة بصورة منفردة، وسواء كان هذا القبول مشروطاً أم لا، كما يمكن الاتفاق مع طرف آخر على قبول اختصاص المحكمة بصورة سابقة أو لاحقة لوقوع النزاع.

ولا يخرج اختصاص المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان عن مبدأ الاختيارية، سواء كان ذلك متعلقاً بالنظر في النزاعات بين الدول أو ما يتعلق بشكاوى الأفراد ضد الدول ضمن إطار منظومة حقوق الإنسان الأوربية، فللدول غير الراغبة في الخضوع لهذا الاختصاص أن تخرج من منظومة مجلس أوربا.

وتمارس الصلاحية القضائية العالمية في ميادين، كمحكمة قانون البحار التي أقرتها اتفاقية عام 1982، أو المحكمة الأوربية الخاصة بحصانة الدول والتي جاءت بها الاتفاقية الأوربية حول حصانة الدول المؤرخة في 16/5/1972. وقد ترك للدول الحق في الدفع بعدم اختصاص المحكمة التي يعرض عليها النزاع، كما يحق للمحكمة ذاتها إعلان ذلك، وللأطراف المعنية الطعن في هذا القرار إذا ما رأوا أن لهذه الأخيرة القدرة على الفصل في النزاع المعروض، وهذا ما قد يلخّصه تراجع محكمة العدل الدولية عن قرارها بعدم الاختصاص في قضية لوكربي.

أما على الصعيد الوطني، فقد جعلت فرنسا، مثلاً من كل من جرائم الإرهاب والتعذيب وتجارة المواد النووية والقرصنة البحرية والجوية وتجارة الأسلحة والتخريب وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجريمة إبادة الجنس، خاضعة لاختصاص محاكمها حتى لو ارتكبت خارج الأراضي الفرنسية، أما إسبانيا فقد أدخلت كلا من جرائم الإرهاب وجرائم الحرب وجريمة إبادة الجنس في نطاق الجرائم التي يشملها اختصاص قضائها العالمي، إضافة إلى الجرائم التي تعاقب عليها اتفاقيات دولية، فكان أوغيست بينوشه أول من تمت ملاحقتهم بعد أن بدأ قاضي التحقيق مهمته بناء على شكوى من مواطنين تشيليين وأرجنينيين عام 1996. كما أن لكل من بلجيكا وكندا وسويسرا وألمانيا الاتحادية قوانين تنص على الصلاحية العالمية لنظمها القضائية.

ثالثاً ـ الصلاحية القضائية العالمية والمحاكم الدولية:

قد تأتي الصلاحية القضائية العالمية للمحاكم الدولية بصورة تكميلية، أي إن الاختصاص يعقد للمحكمة الدولية في حال عدم قدرة أو عدم رغبة الدولة صاحبة الاختصاص في التصدي وملاحقة ومعاقبة المتهمين بجرائم دولية محددة بنصوص قانونية، وهذا ما ذهبت إليه المحكمة الجنائية الدولية، التي يعد عقد اختصاصها ناتجاً من توافر إحدى الحالتين السابقتي الذكر.

كما قد تأتي هذه الصلاحية العالمية للمحاكم الدولية أصيلة أي إنها تتجاوز القضاء الوطني وتحل محله، كمحكمة يوغوسلافيا السابقة أو محكمة رواندا التي أنشأها مجلس الأمن. وقد سوغ بعضهم اللجوء إلى إنشاء هيئات دولية تتجاوز الدول، لتعمل بموجب الاختصاص العالمي بدلاً من منح المحاكم الوطنية القدرة على ممارسة دورها بالصورة المعتادة، بعدم الثقة بالنظام القضائي لهذه الأخيرة، فإما هو عاجز عن القيام بمهامه بسبب الأوضاع العامة في الدولة من ناحية الأمن والاستقرار وهذا ما كان قد حصل في حالة رواندا التي كانت قد وافقت على إنشاء المحكمة، وإما لانعدام الثقة من قبل ممثلي الأسرة الدولية برغبة الدولة محل المساءلة في ملاحقة مقترفي الجرائم الدولية، وهذا ما قد حصل عند إنشاء محكمة يوغوسلافيا السابقة، وعندما طلب مجلس الأمن من المحكمة الجنائية الدولية ملاحقة رئيس جمهورية السودان السيد عمر البشير عام 2009.

رابعاً ـ الصلاحية القضائية العالمية ومفهوم السيادة:

الأصل في موضوع ملاحقة الانتهاكات الدولية الجسيمة هو احترام مفهوم سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وترك شأن تنظيم مفهومها للعدالة وملاحقة الانتهاكات والمعاقبة عليها من صلب اختصاصها الوطني، وهذا ما يعرف عادة باسم الاختصاص الإقليمي أو الشخصي.

لكن تطور العلاقات الدولية أدى إلى تعريف المصالح المشتركة للإنسانية وإلى تحديد مجموعة من الانتهاكات التي لا تمس ضحاياها فقط بل تعد من الأفعال التي تمس الأسرة البشرية بكاملها، لذا كان من الضروري ملاحقة هذه الانتهاكات من دون الاعتداد بمكان وقوع الفعل أو جنسية الفاعل أو الضحية، مما أدى إلى فرض قيد على سيادة الدول من حيث حقها في ملاحقة الانتهاكات التي تراها كذلك.

وتعد الصلاحية القضائية العالمية من المبادئ التي لا تأخذ في الحسبان موضوع الحصانات، ويظهر هذا المفهوم جلياً في المحاكم الدولية التي اعتمدت مبدأ عدم الاعتداد بالصفة الرسمية للدفع بعدم المسؤولية عن الأعمال التي يقوم بها القادة، كما كانت عليه حال محكمة نورمبرغ، وجاءت المحكمة الجنائية الدولية لتضيف مسؤولية الرؤساء عن أعمال مرؤوسيهم إذا ما كان ذلك من واجبهم أو باستطاعتهم معرفة ذلك. أما الصلاحية القضائية العالمية التي تتمتع بها المحاكم الدولية وهيئات التحكيم فإن تقييد السيادة يكون نابعاً من الدول ذاتها وبمحض إرادتها الصريحة والواضحة، على الرغم من التوسع الذي عرفه هذا المبدأ في اجتهادات محكمة العدل الدولية من استقراء الإرادة الضمنية واللجوء إلى التفسير الواسع للنص (قضية السيادة على جزر حوار والشوالة بين قطر والبحرين).

خامساً ـ الاختصاص العالمي بين الجرائم الأشد خطورة والسياسة الدولية:

يرتبط الاختصاص العالمي للمحاكم الوطنية والدولية بمفهوم جسامة الجرم الذي يسوغ الخروج عن الإقليمية المستندة إلى مفهوم السيادة، وترى الدول عادة في العرف الدولي وفي المبادئ العامة للقانون الدولي إضافة إلى المعاهدات الدولية ما يجعل من امتداد اختصاصها شأناً يتوافق مع تطور مفهوم العدالة الدولية، ولتزايد عدد الانتهاكات التي تجد الدول سبباً لملاحقة مرتكبيها.

غير أن مفهوم الاختصاص العالمي على محدوديته، مفهوم خاضع لاعتبارات سياسية تجعل من تطبيقه شأناً يعود برمته لتقدير الدولة صاحبة مبدأ مد الاختصاص من الإقليمية إلى العالمية، وهذا ما كانت بلجيكا قد أقدمت عليه مثلاً عام 2003، عندما قررت تعديل تشريعها الوطني لعام 1993 والمعدل عام 1999، الذي يقضي بمنح الاختصاص العالمي لقضائها لملاحقة بعض الجرائم الدولية من دون النظر إلى مكان أو زمان وقوع الفعل أو ارتباطه ببلجيكا بأي شكل من الأشكال، وليكون لكل من المدعي العام وللضحايا حق اللجوء إلى القضاء لتحريك الدعوى، وينص التعديل على أن الضحية لا يمكن لها اللجوء إلى القضاء إلا إذا كان الفعل الذي يشكل انتهاكاً جسيمًاً وقع بعد 1/7/2002، يتصل بصورة ما ببلجيكا، فإما أن يكون الفعل قد وقع على الأراضي البلجيكية وإما أن مقترف الفعل موجود على أراضيها، أو أن الضحية بلجيكية أو أنها تقيم لمدة عام أو أكثر على أراضي هذه الدولة، وإلا فحق الملاحقة محصور بالمدعي العام إن وجد لذلك أسباباً موجبة، كما تم اعتماد نص آخر يقضي بأنه لا يجوز ملاحقة متهم بصورة غيابية. وكانت هذه التعديلات وضعت القانون البلجيكي في حالة عدم تعارض مع أحكام القانون الدولي التي تمنح الرؤساء حصانة قضائية ما داموا يمارسون مهامهم الوظيفية، ويأتي هذا التعديل الأخير تطبيقاً لما جاء في حكم محكمة العدل الدولية في قضية الكونغو ضد بلجيكا في عام 2000، إذ أعلنت المحكمة أن وزير الخارجية الكونغولي يتمتع بحصانة لا يمكن خرقها وأن القاضي البلجيكي لم يكن له الحق في إصدار مذكرة توقيف ضد شخص يتمتع بالحصانة الوظيفية، وأنه لا بد من التمييز بين حالة الحصانة الوظيفية وبين حالة انتهاء الوظيفة.

لكن المسوغات القانونية التي سيقت في هذا المجال لا تمنع من الإشارة إلى أن الكثير من الضغوط السياسية مورست على بلجيكا لتضيّق عملياً من نطاق اختصاصها العالمي.

سادساً ـ مبادئ الاختصاص العالمي وشروط إعماله:

يخضع الاختصاص العالمي لعدد من المبادئ التي أقّرها القانون الدولي الجزائي، وإذا ما راعتها الدول عند وضع تشريعاتها فإنه يمكن القول إن العدالة الدولية أقرب إلى التحقيق، وأهمها الآتي:

لا بد أن تنص تشريعات الدولة أصلاً على ملاحقة الانتهاكات التي يشملها مد الاختصاص على المستوى الوطني، وذلك في حدود ما ذهب إليه المجتمع الدولي. وعليه لا بد من تعديل التشريعات الوطنية وإدماج النصوص التي تجّرم أفعالا معينة على المستوى الدولي.

لا يجوز التذرع بالحصانة لمنع الملاحقة والعقاب، وهذا ما كان مجلس اللوردات في بريطانيا قد أقره فيما يتعلق بإمكان ملاحقة الجنرال بينوشه، الرئيس السابق لدولة التشيلي، أمام محكمة وطنية، وذلك لاتهامه باقتراف جرائم تعذيب بنظر القانون الدولي.

يمتد الاختصاص العالمي ليشمل في نطاقه الجرائم الخطرة بغض النظر عن تاريخ وقوعها.

لا يجوز أن تسقط هذه الجرائم بالتقادم.

لا يجوز الدفع بأوامر الرؤساء، ولا بعدم المعرفة بتصرف المرؤوس، ولا بحالة الضرورة للدفاع عن النفس.

لا يجوز تدخل السلطة السياسية في تحريك الدعوى، بل يعود الأمر فقط للمدعي العام وللضحايا إذا ما سمح التشريع بذلك.

لا بد أن تطبق القواعد التي تضمن حقوق المتهم والمحاكمة العادلة وفق المعايير الدولية، مما يتطلب من الدول تعديل تشريعاتها النافذة لمواكبة حركة التقنين الدولي.

لا بد من التعاون الدولي مع الدولة التي تقوم بفتح ملفات تتعلق بجرائم دولية، سواء كان ذلك فيما يتعلق بالتحقيقات أم ملاحقة المتهمين أم مساعدة الشهود وغيرها من الإجراءات التي تؤدي إلى تيسير أمر العدالة الدولية.

لا بد من إعداد الجسم القضائي من قضاة ومحامين وادعاء بما يتناسب مع مفهوم الجريمة الدولية وطبيعة الإجراءات التي ترافقها.

 


 

مراجع للاستزادة:

 

ـ جمعة صالح حسين محمد عمر، القضاء الدولي وتأثير السيادة الوطنية في تنفيذ الأحكام الدولية مع دراسة تحليلية لأهم القضايا الدولية (دار النهضة العربية، 8991).

- Serge BRAUDO et Alexis BAUMANN, “Définition de Compétence”, Dictionnaire du Droit Privé, lexiques juridiques (1996- 2010).

 http://www.dictionnaire-juridique.com/

- Amnesty International, “Compétence Universelle, 14 principes pour l exercice effectif de la compétence universelle”, Document public.

http://www.amnesty.org/fr/library/info/IOR53/001/1999

- Human Rights Watch, “Belgique: Questions et Réponses sur la loi de Compétence Universelle.

http://www.hrw.org/legacy/french/press/2003/justice02.htm

- Loubna FARCHAKH FOURET, “La compétence universelle, La compétence universelle comme instrument de lutte contre l impunité”, Institut de recherche et débat sur la gouvernance.

http://www.institut-gouvernance.org/index-fr.html

- TRIAL: “Compétence universelle”.

http://www.trial-ch.org/fr/droit-international/competence-universelle/documents-et-liens.html




التصنيف : القانون الدولي
النوع : القانون الدولي
المجلد الرابع: الرضاع ــ الضمان المصرفي
رقم الصفحة ضمن المجلد : 379
مستقل

البحوث الأكثر قراءة

للحصول على اخبار الموسوعة

عدد الزوار حاليا : 1
الكل : 7861691
اليوم : 573

الإثراء بلا سبب في القانون العام

 الإثراء بلا سبب في القانون العام الإثراء بلا سبب في القانون العام مهند نوح أولاً- ذاتية الإثراء بلا سبب في القانون الإداري: تتمتع نظرية الإثراء بلا سبب بذاتية خاصة في القانون الإداري، وهذه الذاتية في الحقيقة من صنع مجلس الدولة الفرنسي منذ بداية القرن العشرين، حيث وفق بين أحكام الفضالة والإثراء بلا سبب المعروفين في القانون المدني، ليخرج بنظرية أصيلة للإثراء بلا سبب في القانون الإداري، إذ أخذ من الإثراء مفهوم الأعمال الضرورية أو النافعة، ومن الفضالة مبدأ الفائدة، ومن الملاحظ أن مجلس الدولة الفرنسي قد تبنى مبدأ الإثراء بلا سبب مبدأً عاماً من مبادئ...

المزيد »