logo

logo

logo

logo

logo

الذمة المالية

ذمه ماليه

patrimony - patrimoine

 الذمة المالية

الذمة المالية

محمود جلال حمزة

 

مفهوم الذمة المالية والتعريف بها

صفات الذمة المالية

الأهمية العملية لفكرة الذمة المالية

انقضاء الذمة المالية

 

الذمة المالية Le patrimoine خصيصة من خصائص الشخصية، بل هي عنصر من العناصر المكونة لها، سواء أكانت هذه الشخصية طبيعية أم كانت حكمية اعتبارية. وفيما يلي مفهوم الذمة المالية وتعريفها.

أولاً ـ مفهوم الذمة المالية والتعريف بها:

قال فقهاء الشريعة الإسلامية في الذمة المالية إنها وصف شرعي يلحق بالإنسان ليصير أهلاً للإلزام، والالتزام بما له وما عليه. أي إن الذمة المالية، هي صلوح الشخص لأن يكون أهلاً للاستحقاق والمسؤولية، فتمتزج الذمة بذلك مع الشخصية والأهلية، وقال بعضهم الآخر قولاً مختلفاً، أن الذمة في نظرهم هي العهد، وأن ما يثبت بذمة الشخص يفيد أنه يثبت بعهده، ولا مجال لتفصيل الخلاف الفقهي في هذا الموضوع، وتكفي الإشارة إلى أن أكثر الفقه الإسلامي يرى أن الذمة المالية تعني محلاً اعتبارياً في الشخص يعي الديون الثابتة على الإنسان، أي إنها قاصرة على الديون التي على الشخص دون الحقوق التي له.

وقد اختلف الفقهاء الغربيون في مفهوم الذمة المالية وخصائصها ومداها، فهي في نظرهم قاصرة على الناحية المالية، وأن الذمة المالية للشخص هي مجموع الحقوق التي له ومجموع الالتزامات التي عليه، وبما أنه يكتسب الحقوق فيجب أن يتحمل الالتزامات، ولا يتحمل الالتزامات إلا الأشخاص، لذلك كان من اللازم أن تكون لكل شخص ذمة، فالصلة وثيقة بين الشخصية والذمة، وسميت هذه النظرية بالشخصية. في حين حاول فريق آخر الفصل بين الشخصية والذمة، وقالوا بأن الذمة ليست إلا مجموعة من الحقوق والالتزامات المخصصة لغرض معين، سواء أوجد شخص تسند إليه أم لم يوجد، فإذا وجدت هذه المجموعة من الحقوق والالتزامات، وجدت معها الذمة المالية، وسميت هذه النظرية "بنظرية التخصيص". وما زال الجدل قائماً حول الذمة المالية، ويكفي القول إن القانون المدني السوري قد استعمل تعبير الذمة بوجه عام آخذاً بالمعنى الذي اتجه إليه فقهاء الشريعة الإسلامية، وهو المعنى الشرعي والإسلامي وخاصة في معرض الوفاء والإبراء من الذمة. فالذمة المالية في ضوء ما تقدم، هي خصيصة من خصائص الشخص في ماليته، أي هي وعاء اعتباري يتضمن الحقوق المالية التي تعود للشخص سواء كانت هذه الحقوق حاضرة أو مستقبلة، أي أنها الوحدة القانونية التي تنتظم فيها الحقوق والالتزامات التي تقوّم بمال، فيجمع بذلك العنصر الإيجابي وهو الحقوق والمنافع، والعنصر السلبي وهو الديون والتكاليف المالية في كيان واحد. ويتكون من اجتماعهما، الذمة المالية. ويختلف وضعها برجحان عنصر منها على العنصر الآخر، فيقال إنها دائنة إذا رجح العنصر الإيجابي على العنصر السلبي، ويقال إنها معسرة إذا رجح العنصر السلبي على العنصر الإيجابي. فالذمة المالية تعني العنصرين معاً بصرف النظر عما إذا زال بعضها أو زاد بعضها الآخر. أو تبدل بعضها، أو دخل فيها جديد وتغير رصيدها، الأمر الذي جعل بعضهم يشبه الذمة المالية بجمعية يدخل فيها أعضاء جدد ويخرج منها أعضاء آخرون من دون أن يؤثر ذلك في مفهوم الجمعية أو كيانها. وهي موجودة عند كل شخص حتى لو لم تكن هناك حقوق أو واجبات، فتكون للقاصر كما تكون للراشد، وتبقى كما هي مهما تبدلت الحقوق وتبدلت الواجبات المؤلفة لها، ولا يختلف فيها إلا الوصف، فتكون دائنة، أو مدينة ولا تتحدد إلا حين الوفاة فتنقلب إلى تركة.

ثانياً ـ صفات الذمة المالية:

تتصف الذمة المالية بالصفات الآتية:

1ـ لكل شخص ذمة مالية سواء أكانت غنية أو فقيرة، إذ لا يوجد شخص ليس له ذمة مالية، فالذمة المالية لا توجد إلا تبعاً لوجود الشخصية، حتى لو كان طفلاً صغيراً. فالذمة المالية تستتبع في وجودها، وجود الشخصية لا العكس، وإذا لم تكن هناك شخصية في نظر القانونن فلا توجد ذمة مالية. وهو المذهب الحديث الذي يعتبر الذمة المالية خصيصة من خصائص الشخصية في ماليتها. وبحسب هذا المذهب لكل شخص كيانه المستقل عن الآخرين، ولكل شخص علاقاته المالية والاقتصادية التي تنشئ فيما بينها حقوقاً والتزامات تؤلف الذمة المالية. لذلك كان من الضروري أن تكون لكل شخص ذمة مالية، سواء كانت هذه الذمة دائنة أو مدينة.

بيد أن هذه الصفة في الذمة المالية كانت موضع خلاف بين أصحاب المذهب الفردي الذين يقولون إن الذمة المالية توجد دوماً مرتبطة بالشخصية لاصقة بها، فإن أصحاب المذهب الاجتماعي يرون "إذا كان هذا المعنى هو معنى الذمة المالية، فإنها تكون هي وأهلية الوجوب والشخصية القانونية شيئاً واحداً، ولا يكون للفظ الذمة معنى مفيد"، وكثيراً ما تُشاهَد ذمة مالية باعتبارها مجموعة من الحقوق والالتزامات، من دون أن يكون هناك شخص تردّ إليه هذه الحقوق والالتزامات، وتتصل به أو تنسب إليه، كما في المؤسسات، وكذا من الممكن أن يعطى لمؤسسة ذمة مالية من دون منحها الشخصية القانونية، كمشروع صناعي أو تجاري، ذمتها المالية هذه تضم الحقوق والالتزامات المالية من دون اعتبارها في الوقت ذاته شخصية اعتبارية.

2ـ ليس للشخص الواحد إلا ذمة مالية واحدة: فهي ليست متعددة، ولا تقبل التجزئة، وإذا كان للشخص أن يعدد فاعلياته، فإن ذمته المالية تبقى واحدة "لا يؤثر فيها التوزيع أو التخصيص الذي أجراه"، أي إن الأموال التي خصصها لعمل أو مشروع، فإن ذمته المالية لا تتعدد بتعدد هذه الأعمال أو المشاريع، ولا تنفصل عن ذمته المالية، بل تبقى بمجموعها ذمة واحدة تتكون من الحقوق والالتزامات التي تكون له أو تتوجب عليه، فأموال الشخص الحاضرة والمستقبلة كلها، والتزاماته كلها تكون مجموعة قانونية واحدة ينظر إليها كوحدة مستقلة عن العناصر المكونة لها، والجانب الإيجابي من هذه المجموعة يضمن الجانب السلبي منها، وللصلة الوثيقة بين الذمة والشخصية، يتوجب أن يكون لكل شخص ذمة مالية حتى لو لم يكن له أي حق ولو لم يلتزم بأي التزام. فالطفل له ذمة مالية وكذلك المفلس الذي تقاسم الدائنون جميع أمواله، له ذمة مالية؛ لأن أياً من هؤلاء يصلح أن يكون كاسباً للحقوق أو متحملاً للالتزامات. هذه الصفة، كانت أيضاً محور خلاف بين الفرديين والاجتماعيين، فأصحاب المذهب الاجتماعي لا يرون ما يمنع من تعدد الذمم في الشخص الواحد، وذلك عندما تخصص كل ذمة لعمل معين، فالشخص الذي يعمل بالتجارة، ويعمل بالزراعة أو الصناعة، فجميع الحقوق والالتزامات التي تتعلق بالمتجر، تؤلف ذمة مالية مستقلة، وجميع الحقوق والالتزامات التي تنشأ من عمله الزراعي أو الصناعي تؤلف ذمة مالية مستقلة، وهكذا تتعدد الذمم على نحو يستقل بعضها عن الذمة العامة. وقالوا إن الوارث بعد وفاة مورثه طبقاً لمذهب الاجتماعيين، تكون له ذمتان، ذمة أصلية، وذمة انتقلت إليه من مورثه، ولا تدخل في ذمته الأصلية إلا بعد سداد ديون المورث.

غير أن الفرديين يردّون على ما يراه الاجتماعيون، بقولهم، إن للشخص ذمة واحدة ولو تعددت أعماله، وتعدد الأعمال لا يؤلف كل واحد منها سوى عنصر من عناصر الذمة المالية الأصلية، وتكوّن بمجموع رصيدها، الذمة المالية الأصلية للشخص، ولا تبقى قائمة بذاتها إلى جانب الذمة العامة.

بيد أن بعض رجال القانون، وجدوا أن ما ردّ به الفرديون، كان رداً فيه شيء من الضعف والتسويغ غير المقنع، ذلك لأن انفراد بعض الأعمال بذمة مالية مستقلة يقره القانون أو العرف أو المصلحة، الأمر الذي يضعف قيمة وحدة الذمة المالية ويقول هؤلاء: إنه لا يمكن القول "إن جميع الدائنين مهما اختلف منشأ ذممهم يكونون بالتساوي دائني ذمة واحدة، لأن هناك تمييزاً وانفصالاً بين مختلف الفعاليات ودائني كل منها" ويتابع هؤلاء القول، "على أن ذلك لا يهدم أبداً وحدة الذمة ويقضي عليها، وإنما يخفف من قسوتها، ويلطف من صعوبتها، ويمكن أن نقبل مع الفرديين أن يكون رصيد كل فعالية عنصراً من عناصر الذمة المالية العامة للشخص".

3ـ الذمة المالية وثيقة الصلة بالشخصية، وهذه الذمة تظل ملاصقة للشخص وجوداً وعدماً، بمعنى أن الشخص لا يستطيع خلال حياته أن يتنازل عنها ولا عن جزء منها. كما ليس له أن يتصرف بها، غير أنه يستطيع أن يتخلى عن جزء من عناصرها، أو أن يتخلى عن عناصرها كلها، لكنه لا يستطيع أن يتخلى عن ذمته المالية ولا عن جزء منها حتى لو ظلت خاوية من مفرداتها أو محتوياتها، وقد قيل فيما مضى ليس للشخص في حياته إلا خلف خاص، وله بعد وفاته خلف خاص وخلف عام، فيكون له خلف خاص، لأنه يتلقى الحق عن إنسان بمفرداته وأعيانه، فهو يخلفه في كل ما يتعلق بهذه الحقوق والأعيان دون غيرها. ويكون خلفاً عاماً عندما تنتقل التركة بمجموعها إليه أو بجزء شائع منها دون حقوق أو أعيان معينة، ويسمى الوارث في هذه الحالة، أو الموصى له بجزء شائع خلفاً عاماً، وذلك بعد وفاة المورث أو الموصي، فإذا كانت الوصية بعين معينة، كان الموصى له خلفاً خاصاً، ولو لم تتعلق ملكيته بالموصى به إلا بعد الموت، ما دام حقه محصوراً بالعين المعينة.

4ـ لا تثبت الذمة المالية إلا للأشخاص وحدهم: فلا تثبت للكائنات الأخرى، كالحيوانات والجمادات، لأن الأشخاص وحدهم هم الذين يتمتعون بالحقوق ويلتزمون بالواجبات، وكذلك الجنين لا تكون له ذمة مالية لأن شخصيته لم تبدأ بعد، بل هو جزء من أمه وتابع لها.

ثالثاً ـ الأهمية العملية لفكرة الذمة المالية:

إن الأهمية التي اكتسبتها الذمة المالية، هي أنها افتراض وتجريد قانوني من صنع الفقه والفقهاء، باعتبارها تهدف إلى جمع حقوق الشخص والتزاماته المالية في مجموعة مستقلة، تمثل ثروة هذا الشخص وتوضح الجانب المالي له. وعلى الرغم من اختلاف بعضهم في أهميتها وإنكارهم لفوائدها، على الرغم من ذلك، فإن فوائد الذمة المالية تتجلى من الناحية العملية بالفوائد التالية:

الفائدة الأولى: إن الديون والالتزامات التي تترتب على شخص ما، لا تتعلق بعين معينة من أمواله بل تتعلق بذمته المالية كلها، وهي التي تعد ضامنة الوفاء بها. وهذا يعني أن الجانب الإيجابي من الذمة المالية يضمن الجانب السلبي منها. بل إن أموال المدين كلها تكون ضامنة لأي التزام في ذمته، فكل دين مضمون بأموال المدين جميعها أياً كان تاريخ ترتب هذا الدين. وهذا هو معنى القاعدة القانونية التي تقول: إن أموال المدين ضامنة لديونه، وبمعنى آخر، إن للدائن حق الضمان العام على أموال مدينه، وهو ما تبناه القانون المدني السوري في المادة (235) منه، والضمان الذي تبناه القانون المدني السوري وغيره من القوانين العربية يتناول الذمة المالية بمجموعها باعتبارها مجموعة قانونية متى طلب الدائن استيفاء دينه، ولا يؤثر في هذه المجموعة تغير عناصرها زيادة أو نقصاً، أي مهما تغيرت العناصر المؤلفة لها. فحق الضمان يقع على الذمة المالية بمجموعها، ولا يقع على عين معينة، ولا يشمل ما قد يكون خرج منها، كما يتناول ما يكون قد دخل إليها بعد نشوء دينه، فلو أضحت أموال المدين تنقص عن ديونه، وأصبح الجانب السلبي من ذمته المالية يفوق الجانب الإيجابي، فإن هذه الأموال توزع على الدائنين جميعاً بنسبة دين كل واحد منهم، "قسمة غرماء" من دون أن يكون لأي منهم الحق في استيفاء دينه كله متقدماً على غيره من الدائنين.

على أنه إذا كان لأحد الدائنين حق عيني تبعي على عين معينة، كحق الرهن مثلاً، فإن لصاحب الحق العيني التبعي الأفضلية في استيفاء دينه على بقية الدائنين، من المال الذي يقع عليه حقه العيني التبعي، على الرغم من التساوي بين الدائنين في استيفاء ديونهم، فمن حق الدائن في هذه الحالة، إلى جانب تعلق حقه بذمة مدينه بوجه عام، أن يتعلق أيضاً ببعض مفردات هذه الذمة، غير أن المدين يستطيع أن يقوم بالوفاء من أي مال من أمواله، ومن أي عنصر من عناصر ذمته المالية، من دون أن يلزمه الدائن بالوفاء من مال معين، أو عين معينة من عناصر الذمة المالية.

الفائدة الثانية: لما كانت حقوق الدائن لا تتعلق بعين معينة من أموال المدين، وأن أمواله تؤلف ضماناً عاماً للدائنين، فإنه يترتب على ذلك أن يكون المدين حراً في التصرف بأمواله حتى لو كان مديناً بديون تستغرق أمواله، فيستفيد من ثمار أمواله الأمر الذي يساعده على وفاء ديونه ولا يستطيع الدائن منعه من ذلك ولا يقف في وجهه حجر عثرة ليضاعف الضمان للوفاء بديونه، إلا إذا كان المدين يتعمد في تصرفاته إيقاع الضرر بدائنه للتهرب من سداد الدين، فإن أساء المدين التصرف بأمواله عن تهاون أو تواطؤ مع غيره مما يؤدي إلى إعساره وإفقاره ونقصان الضمان العام، الأمر الذي يؤثر في حقوق الدائنين، منح القانون الدائنين للمحافظة على حقوقهم اتخاذ بعض التدابير، كرفع دعوى عدم نفاذ التصرفات، أو الدعوى غير المباشرة، أو الدعوى الصورية إذا توافرت شروط هذه الدعاوى (المادة 236 مدني سوري وما بعدها). ومنح القانون الدائنين الحق في الحجر على المدين المفلس وغيرها من الوسائل والتدابير التي يستفيد منها جميع الدائنين للمحافظة على حقوقهم.

رابعاً ـ انقضاء الذمة المالية:

تنقضي الذمة المالية للشخص بصورة أساسية بوفاته، الأمر الذي يؤدي إلى انتهاء شخصيته القانونية، وبالوفاة تحصر أموال الشخص وتحدد ديونه فتخصص الأموال لقضاء الديون فيتم وفاؤها أولاً، ثم يوزع الموصى به إلى الموصى له، ويعطى الباقي للورثة على شكل تركة، وإذا لم تكف أموال المتوفى لسداد ديونه بل نقصت عنها، فتوزع هذه الأموال على الدائنين كل بنسبة حصته من الدين، ولا يصيب الورثة شيءٌ من التركة؛ لأن ديون المتوفى استغرقت أمواله كلها، فإذا ما انتهى سداد الديون وتوزيع التركة على مستحقيها، فإن ذمة المدين المالية تزول ولا يعود لها وجود.

 

مراجع للاستزادة:

 

ـ توفيق حسن فرج، الأصول العامة للقانون (الدار المصرية للطباعة والنشر، بيروت 1973).

ـ عدنان القوتلي، الوجيز في الحقوق المدنية الجزء الأول، القسم الثاني، ط 6 (مطبعة جامعة دمشق، 1961).

ـ مصطفى الزرقا، الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد، المدخل إلى نظرية الالتزام العامة في الفقه الإسلامي (مطبعة الحياة، دمشق 1964).

ـ منصور بن يونس البهوتي، كشاف القناع عن متن الإقناع، ج2 (مكتبة النهضة الحديثة، الرياض).

ـ هشام القاسم، محاضرات في القانون المدني (مطبوعات جامعة دمشق 1989).


التصنيف : القانون الخاص
النوع : القانون الخاص
المجلد: المجلد الرابع: الرضاع ــ الضمان المصرفي
رقم الصفحة ضمن المجلد : 276
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 83
الكل : 12586874
اليوم : 3254