logo

logo

logo

logo

logo

السند الرسمي والسند العادي (العرفي)

سند رسمي وسند عادي عرفي

official bond and normal bond (customary) - titre officiel et titre normal (accoutumé)



السند الرسمي والسند العادي (العرفي)

السند الرسمي والسند العادي (العرفي)

 محمد أديب الحسيني

 السند الرسمي

السند العادي (العرفي)

 

يعد السند رسمياً كان أم عرفياً دليلاً كتابياً يتمتع بحجية في الإثبات حددها القانون.

ولئن كانت الأسناد الرسمية والعادية تشترك في كونها أدلة كتابية؛ فإن لكل من السند الرسمي والسند العادي مفهومه الخاص وآثاره الخاصة.

أولاً: السند الرسمي

عرف المشرع السوري الأسناد الرسمية في المادة (5/1) من قانون البيِّنات لعام 1947 وتعديلاته بأنها الأسناد «التي يثبت فيها موظف عام أو شخص مكلف بخدمة عامة؛ طبقاً للأوضاع القانونية، وفي حدود سلطته واختصاصه؛ ما تم على يديه أو ما تلقاه من ذوي الشأن». وعلى ذلك فإن للسند الرسمي شروطاً يتعين توافرها، كما تتعدد أيضاً أنواع الأسناد الرسمية. وفي جميع الأحوال فإن آثاراً محددة تترتب على هذا النوع من الأسناد سواء من حيث التنفيذ أم من حيث الإثبات.

1- شروط السند الرسمي: لكي يكون السند رسمياً ينبغي أن يكون محرراً بوساطة موظف عام أو شخص مكلف بخدمة عامة، وأن يكون هذا الموظف أو الشخص المكلف بخدمة عامة مختصاً بتحريره، وأن يتم تحرير السند طبقاً للأوضاع المقررة قانوناً.

أ- صدور السند من موظف عام أو من شخص مكلف بخدمة عامة: يقصد بالموظف العام كل شخص عينته الدولة ليقوم بأداء عمل من أعمالها على وجه الدوام، سواء آجرته على هذا العمل - كالكاتب بالعدل - أم لم تؤجره كمختار المحلة.

فإذا لم يكن عمله مستمراً كالمأذون الذي يقوم بتنظيم عقود الزواج والخبير فيما يتعلق بالمهمة التي تنتدبه المحكمة من أجلها؛ فإنه لا يعد موظفاً بل شخصاً مكلفاً بخدمة عامة.

والموظفون العامون في سورية بهذا الصدد متنوعون، فمنهم الكتَّاب بالعدل الذين يقومون بتحرير الأسناد والعقود وتنظيمها وتصديقها؛ فالسند المصدق من الكاتب بالعدل هو سند رسمي، ومنهم القضاة فهم يقومون بتحرير الأحكام، وكذلك كتَّاب المحاكم فهم يقومون بتحرير محاضر الجلسات؛ فمحضر المحاكمة سند رسمي بما دُوِّن فيه، وهناك المحضرون الذين يقومون بتبليغ المذكرات القضائية؛ فسند التبليغ من السندات الرسمية، ومنهم أيضاً أمناء السجل العقاري ورؤساء المكاتب المعاونة الذين عيّن القانون أعمالهم، ومنهم القناصل المبيَّنة وظائفهم في أنظمتهم الخاصة.

ب- أن يكون الموظف أو الشخص المكلف بخدمة عامة مختصاً بتحرير السند اختصاصاً موضوعياً ومكانياً: ويرجع في تعيين حدود وظائف الموظف من الناحيتين الموضوعية والمكانية إلى القوانين الخاصة، كقانون الكاتب بالعدل وقانون أصول المحاكمات وغير ذلك حسـب الحال. فالسند الرسمي الذي ينظمه الكاتب بالعدل يتعين أن يكون في حدود مهمته وصلاحياته؛ ولا فرق فيما إذا كان هذا السند قد نظم داخل سورية أو خارجها. ويتعين أن يكون الموظف قد قام بتحرير السند في أثناء ثبوت ولايته لذلك، أي أن يكون قائماً بعمله قانوناً وقت تحريره. أما إذا كان قد عزل أو أوقف أو نقل وتم إبلاغه بالقرار الصادر بهذا الشأن فإنه يفقد سلطته ولا تكون له ولاية في تحرير أي ورقة رسمية. أما إذا كان قد حرر الورقة بعد صدور القرار المذكور وقبل إبلاغه به فإن تحرير الورقة يكون صحيحاً حماية للوضع الظاهر المصحوب بحسن النية.

وإذا ما صدر السند عن الموظف وهو يقوم بعمله فعلاً فلا يؤثر في صحته أن يكون تعيينه في الوظيفة قد تم على نحو مخالف للقانون.

ج- أن يتم تحرير السند وفق الأوضاع المقررة قانوناً: فيتعين على الموظف أو الشخص المكلف بخدمة عامة أن يتقيد بالقواعد والأصول التي حددتها القوانين عند تحريره للسند. فالأسناد الرسمية تستمد قوتها من استيفائها للشروط التي أوجب القانون توافرها فيها، فخلو ضبط جلسة المحاكمة مثلاً من أسماء الهيئة الحاكمة يفقد الضبط قوته.

وكذلك فإن سند تبليغ الأوراق القضائية - وهو سند رسمي - يجب أن يشتمل على البيانات والإجراءات التي أوجبها القانون وذلك تحت طائلة البطلان.

كما أن الحكم القضائي - وهو من الأسناد الرسمية - يكون باطلاً إن هو خالف قواعد إصدار الأحكام المحددة وأصولها في قانون أصول المحاكمات.

2- الجزاء المترتب على تخلف شروط السند الرسمي: إذا تخلف أحد الشرطين الأول أو الثاني آنفي الذكر أو كليهما؛ فإن السند يفقد صفة الرسمية. فإذا صدر السند عن شخص لا يحمل وقت إصداره صفة الموظف العام أو المكلف بخدمة عامة، أو صدر عن شخص يحمل هذه الصفة ولكن خارج نطاق اختصاصه؛ فإن السند لا يكتسب صفة الرسمية. أما إذا تخلف الشرط الثالث المتمثل في ضرورة تحرير السند وفق الأوضاع المقررة قانوناً؛ فإن الجزاء يختلف بالنظر إلى مدى قيمة هذه الأوضاع، فيجب التمييز بين الأوضاع التي يترتب على تخلفها عيب جوهري والأوضاع التي لا يترتب على تخلفها عيب جوهري، ويكون العيب جوهرياً إذا حال دون تحقق الغاية من الوضع الذي أدى تخلفه إلى وجود العيب، ذلك أن الأوضاع القانونية إنما تتطلب لغاية معينة. فإذا ترتب على عدم مراعاة وضع ما عدم تحقق الغاية منه؛ فإن السند يكون معيباً بعيب جوهري يفقده صفة الرسمية. فإذا خلا ضبط جلسة المحاكمة مثلاً - وهو سند رسمي - من توقيع رئيس المحكمة فإنه يكون باطلاً. وكذلك إذا خلا سند تبليغ الحكم مثلاً من البيانات الإلزامية فإنه يكون باطلاً. أما إذا تحققت الغاية من وجوب مراعاة وضع من الأوضاع على الرغم من تخلف هذا الوضع؛ فإن السند يبقى حاملاً صفة الرسمية بالرغم من تخلف هذا الوضع. وعلى ذلك فإن عدم بيان ساعة التبليغ لا يؤثر في صحة سند تبليغ الأوراق القضائية مادام المبلغ إليه لم يدَّعِ أن التبليغ قد جرى في ساعة لا يجوز التبليغ فيها. وكذلك إذا خلا الحكم القضائي من ذكر اسم كاتب المحكمة فإن هذه المخالفة القانونية لا تجعل القرار باطلاً. وتجدر الإشارة إلى أن تخلف أحد الشروط الجوهرية آنفة الذكر وإن كان يترتب عليه فقدان السند صفة الرسمية فإن ذلك لا يؤدي إلى إهدار قيمته كليَّة بل تبقى له قيمة السند العادي أو العرفي في حق المتعاقدين إذا كان يحمل تواقيعهم. فالوكالة التي لم توقع لدى الكاتب بالعدل تعد بمنزلة سند عادي نافذ بحق موقعيه، وذلك ما لم تكن الصفة الرسمية شرطاً أساسياً للعقد كما هو الحال في الهبة التي لا تكون إلا بسند رسمي وإلا وقعت باطلة. 

3- آثار السند الرسمي

أ- من حيث الإثبات:

(1) حجية السند الرسمي بين أطرافه وبالنسبة إلى الغير: يعد السند الرسمي حجة فيما اشتمل عليه. وقد فرَّق المشرع السوري في الحجية بين الأفعال المادية التي قام بها الموظف العام في حدود مهمته أو وقعت من ذوي الشأن في حضوره من جهة، وما ورد على لسان ذوي الشأن أمامه من البيانات من جهة أخرى. فتعد الأولى حجة على الناس كافة لا يجوز الطعن بها إلا بادعاء التزوير، وتكون الأخرى صحيحة ما لم يقم الدليل على خلاف ذلك. فالأسناد الرسمية نوعان: ما تم على يد الموظف العام من وقائع مادية وما تلقاه من ذوي الشأن، فالأفعال المادية التي تجري أمام الموظف وكذلك تلك التي قام بها الموظف نفسه في حدود مهمته؛ تعد حجة على أطراف السند وحجة على الغير أيضاً، ولا يجوز الطعن فيها إلا بطريق التزوير، ومن ذلك توقيع الموظف العام على السند والتاريخ الذي يدونه عليه وإثبات حضور أطراف السند وتوقيعهم أمامه وإثباته قيامه بتلاوة السند على ذوي الشأن. أما البيانات التي لا تمس أمانة الموظف العام وصدقه وإنما نقلت من قبله على لسان ذوي الشأن من دون أن يملك حق التحري عن مدى صحتها؛ فقد عدّها القانون صحيحة في ذاتها إلى أن يثبت صاحب المصلحة عكسها بالطرق القانونية. فإذا ورد في السند المنظم من قبل الكاتب بالعدل أن المدعي قد أقر أمام الكاتب بالعدل بقبضه للثمن؛ فإن ذلك يعد بياناً وارداً على لسان المدعي؛ ومن الجائز إقامة الدليل على ما يخالف ذلك الإقرار بما أنه لا يوجد في السند ما يشير إلى أن الدفع قد تم أمام الكاتب بالعدل.

(2) حجية صورة السند الرسمي: إذا كان أصل السند الرسمي موجوداً فإن صورة هذا السند التي تصدر من موظف عام في حدود اختصاصه «تكون لها قوة السند الرسمي الأصلي بالقدر الذي يعترف فيه بمطابقة الصورة للأصل» وفق ما نصت عليه المادة (7/1) من قانون البينات. ذلك أن أصل السند الرسمي غالباً ما يبقى محفوظاً في سجلات الموظف العام الذي قام بتنظيمه ولا يُعطى لأطرافه إلا نسخة مصدقة عنه، ولا فرق بين أن تكون الصورة صورة خطية أو فوتوغرافية ما دامت صوراً رسمية عن السند الأصلي. وعلى ذلك فإذا كان أصل السند محفوظاً لدى الكاتب بالعدل فإن الصورة الخطية والفوتوغرافية التي نقلت عنه وصدرت عن موظف عام في حدود اختصاصه تكون لها قوة السند الأصلي بالقدر الذي يعترف بمطابقة الصورة للأصل. وتعد الصورة مطابقة للأصل ما لم ينازع في ذلك أحد الأطراف، وفي هذه الحال تراجع الصورة على الأصل. وإن عدم منازعة الخصم بالصورة يجعله قابلاً بها ومسلماً بمطابقتها للأصل. ولا يجوز للمحكمة التصدي من تلقاء نفسها للصورة وقوتها في الإثبات ما دام صاحب المصلحة لم ينكر صحة هذه الصورة. أما في حال فقدان أصل السند فقد ميز المشرع السوري بين حجية كل من الصورة الأصلية الأولى والصورة الثانية المأخوذة عن الصورة الأصلية الأولى والصورة الثالثة. ويقصد بالصورة الأصلية الأولى النسخة الثانية التي تُعطى لأصحاب العلاقة مباشرة من قبل الكاتب بالعدل عند توثيق السند وتحمل تواقيع ذوي الشأن فيكون لها قوة السند الأصلي إذا كان مظهرها الخارجي لا يتطرق معه الشك في مطابقتها للأصل. أما إذا وجد في الصورة شطب أو حك أو محو وكان مظهرها الخارجي لا يوحي الاطمئنان في نفس القاضي على مطابقتها للأصل فلا يكون لها عندئذ قوة في الإثبات. ويلاحظ أن حجية الصورة في الإثبات في هذه الحالة تستمد من الصورة ذاتها ولا تستمد من الأصل؛ إذ يفترض أن الأصل مفقود ولا وجود له في هذه الحال، وذلك بخلاف ما إذا كان الأصل موجوداً فتستمد الصورة عندئذ قوتها الثبوتية منه، ويتعين الرجوع إليه عند المنازعة في مطابقة الصورة للأصل. أما بالنسبة إلى الصورة الثانية المأخوذة عن الصورة الأولى آنفة الذكر فتستمد حجيتها من مطابقتها للصورة الأولى، وفي حال إنكارها يتعين مطابقتها مع الصورة الأولى فإذا وجدت غير مطابقة استبعدت الصورة الثانية واستبقيت الصورة الأولى وهي التي تكون لها الحجية في كل حال. أما الصورة الثالثة وهي المأخوذة عن الصورة الثانية المشار إليها فلا يعتد بها إلا لمجرد الاستئناس وتبعاً للظروف إذا كان أصل السند مفقوداً؛ أي إنها لا تصلح إلا لأن تكون مجرد قرينة يستنبط منها القاضي ما يراه.

ب- من حيث التنفيذ: يعد السند الرسمي سنداً تنفيذياً وهو ينزل منزلة الأحكام القضائية وقد أعطاه المشرع السوري قوة التنفيذ الجبري. فقد نصت المادة (273) من قانون أصول المحاكمات على ما يلي: «التنفيذ الجبري لا يكون إلا لسند تنفيذي. الأسناد التنفيذية هي الأحكام والقرارات والعقود الرسمية والأوراق الأخرى التي يعطيها القانون قوة التنفيذ».

كما نصت المادة (31) من قانون الكتّاب بالعدل النافذ على ما يلي:

«1- إن أسناد الدين المنظمة من قبل الكاتب بالعدل المستحقة الدفع تنفذ مباشرة في دائرة التنفيذ كالأحكام.

2- إذا كان المدين متوفى فيحلِّف رئيس التنفيذ الدائن يمين الاستظهار المنصوص عليها في قانون البينات».

ويقصد بعبارة «العقود الرسمية» - الواردة في المادة (273) أصول محاكمات آنفة الذكر - الأسناد الرسمية التي تتضمن تعهدات والتزامات تعاقدية قابلة للتنفيذ. وعلى ذلك فالأسناد الرسمية التي ينظمها الكتّاب بالعدل، وكذلك الصكوك التعاقدية التي يجريها أمناء السـجل العقاري أو رؤساء المكاتب المعاونة وفق أحكـام القرار (188) لعام 1926، وكذلك الصكوك والأسناد التي ينظمها القناصل وفق الأحكام القانونية الخاصة بهم؛ تعد جميعها من العقود الرسمية؛ وهي من الأسناد التنفيذية التي قصدتها المادة (273) أصول محاكمات. وذلك كله ما لم يتدخل المشرع فيخرج سنداً رسمياً بعينه من زمرة الأسناد الرسمية الصالحة للتنفيذ، كما فعل حـين عدّ - في المادة (54) من قانون الأحوال الشخصية لعام 1953 وتعديلاته - صكوك الزواج من الأدلة الخطية غير الداخلة في زمرة الأسناد الرسمية الصالحة للتنفيذ مباشرة، وأن كل دين يرد في وثائق الزواج أو الطلاق يعد من الديون الثابتة بالكتابة ومشمولاً بالفقرة الأولى من المادة (468) من قانون أصول المحاكمات، وقد استقر قضاء محكمة النقض في سورية على أن المشرع عدّ صكوك الزواج من الأدلة الخطية ولم يدخلها في زمرة الأسناد الرسمية الصالحة للتنفيذ.

ثانياً: السند العادي (العرفي)

عرّف المشرع السند العادي في المادة (9) من قانون البينات بأنه السند الذي يشتمل على توقيع من صدر عنه أو على خاتمه أو بصمة إصبعه وليست له صفة السند الرسمي.

1- الشرط الجوهري للسند العادي: اشترط المشرع السوري شرطاً وحيداً لصحة الأسناد العادية هو التوقيع حسبما يستفاد من نص المادة (9) من قانون البينات. فالتوقيع هو الشرط الجوهري في السند العادي لأنه هو الذي ينسب السند إلى موقعه. فحجية السند العادي أو العرفي تستمد من التوقيع، ولا قيمة بعد ذلك لما إذا كتب المدين الورقة بنفسه أو كتبها شخص آخر. فإذا كان السند العادي من شأنه أن ينشئ التزاماً وحيد الطرف كسند الدين فيكفي توقيع الملتزم عليه، وإذا كان من الأسناد التي تنشئ التزامات متبادلة كعقود البيع والإيجار فيجب توقيع جميع أطرافها على السند. وإن الوثيقة غير الموقعة من جميع أطرافها ليست أكثر من مشروع عقد وقعه بعضهم بأمل توقيع الآخرين. ولكن سند البيع الموقع من البائع وحده ملزم له ولا يجوز للبائع الاحتجاج بعدم توقيع المشتري على العقد، وإنما يجوز ذلك لمن له مصلحة في ذلك كمشترٍ آخر من البائع.

ولا يشترط أن يكون للتوقيع شكل معين، فكتابة المتعاقد اسمه بخط يده على السند العادي يغني عن التوقيع، ويمكن اعتبار كتابة الاسم بمنزلة التوقيع، وليس واجباً أن يُقرأ العقد قبل التوقيع عليه ولو كان الموقع أمياً، فجهل المدعى عليه القراءة والكتابة لا يعد سبباً لإعفائه من الالتزام المحرر بسند خطي. ولا يشترط القانون في كتابة السند أي شرط خاص، فكل عبارة يمكن أن تدل على المعنى المقصود بتحرير السند تصلح بعد التوقيع عليها أن تكون دليلاً بمواجهة من وقعها؛ لذلك تجوز كتابة السند بأي لغة بخلاف السند الرسمي الذي يكتب باللغة الرسمية للبلد الذي تم توثيقه فيه، فإذا كتب بلغة أجنبية فيجب إرفاقه بترجمة موثقة من ترجمان معتمد. وإذا تضمن السند العادي تحشية بين سطوره أو إضافات على هامشه أو حك أو محو فيتعين التوقيع عليها إشعاراً بأن من وقع السند موافقٌ عليها وإلا فإنه يعود إلى القاضي أمر تقدير ما يترتب على التحشية والإضافات والحك والمحو وغيرها من العيوب المادية في السند من تأثير في قيمته في الإثبات.

كما عدّ المشرع السوري في المادة (9) من قانون البينات الختم كالتوقيع، وهو مذهب اتجهت إليه بعض القوانين في حينه نظراً لتفشي الأميّة في العالم. كذلك فقد اعتمد المشرع السوري بصمة الإصبع على السند، وإن ثبوت البصمة على السند يعني أن من بصم عالم بمضمونه ولا يثبت عكس ذلك إلا بدليل كتابي، وتعدُّ البصمة وحدها على السند كافية ولا حاجة لتوقيع شهود عليه، ولا عبرة للشهود الموقعين على السند سواء ثبتت صحة تواقيعهم عليه أم لا، فالسند يستمد قوته من توقيع من صدر عنه. وقد أعطى المشرع السوري للرسائل قوة السند العادي، فللرسائل حجة بصدورها عمّن وقعها.

2- التوقيع على بياض: قد يحدث أن يوقع المدين على ورقة بيضاء ويترك للطرف الآخر كتابة ما تم الاتفاق عليه، ويحدث ذلك عادة بدافع الثقة بين المتعاقدين. والتوقيع على بياض جائز، وليس فيه مخالفة للنظام العام، ولا يؤثر في الحق، وله حجيته الكاملة ولا ينال منه لكونه على بياض، كذلك فإن البصمة على بياض يكون لها حجيتها الكاملة. وإن توقيع السند على بياض يعد تفويضاً من الموقع لحامل السند أن يدون فيه ما يشاء. والاجتهاد القضائي مستقر على أن التوقيع على بياض لا يعد من حامل السند إذا دوّن فيه غير المتفق عليه تزويراً؛ لأن توقيعه على بياض يعد تفويضاً من الموقع للحامل أن يدوّن فيه ما يشاء، فالتوقيع على بياض يعني أن الموقع قد ارتضى بما سيدوَّن في السند ولا يجوز إثبات ما يناقض هذا السند إلا بدليل خطي؛ على الرغم من أن واقعة توقيع سند على بياض هي واقعة مادية يمكن إثباتها بجميع وسائل الإثبات. غير أن الدفع بأن التوقيع جرى على بياض لا يفيد بشيء بحسبان أن المرء ملزم بتوقيعه ولو كان على بياض، إلا أنه يخرج عن هذا المبدأ ما إذا كانت الورقة قد تم الحصول عليها خلسة أو نتيجة غش أو بطرق احتيالية ويجوز إثبات ذلك بجميع الطرق.

3- حجية السند العادي:

أ- بالنسبة إلى من وقَّع السند: إذا أقر صاحب التوقيع صراحة أو ضمناً بصدور السند عنه تكون قوة هذا السند في الإثبات كقوة السند الرسمي، وذلك باستثناء الحالات التي اشترط فيها المشرع أن يفرَّغ التصرف في سند رسمي مثل هبة العقار، فلا يعتد بالسند العادي في هذه الحالات. ومن احتج عليه بسند عادي وكان لا يريد أن يعترف به وجب عليه أن ينكر صراحة ما هو منسوب إليه من خط أو توقيع أو خاتم أو بصمة إصبع وإلا فهو حجة عليه بما فيه، فإذا لم ينكر المدعى عليه توقيعه على السند فإنه مقر بما جاء فيه. ويتوجب على من احتج عليه بسند عادي أن ينكر صراحة ما نسب إليه من خط أو توقيع أو خاتم أو بصمة وإلا فهو حجة عليه، فإذا لم ينكر المدعى عليه توقيعه على العقد فإنه حجة عليه بكل ما تضمنه من بنود، ويتوجب أن يكون الإنكار في صيغة صريحة جازمة تدل على إصرار المنكر على إنكاره. وإن قول المدعى عليه أن توقيعه على الإقرار غير مقروء لا يعد إنكاراً ولا يمنع من اعتداد المحكمة بهذا الإقرار، كما أن الاكتفاء بعبارات عامة كنكران الدعوى لا يجدي. غير أن محكمة النقض السورية ذهبت في موقع آخر إلى أن إنكار المدعى عليه للدعوى يفيد ضمناً إنكاره لصحة السند الذي هو مستندها، وإذا ما بقي لدى محكمة الموضوع من شك لجهة عدم شمول الإنكار للسند وللتوقيع عليه؛ فإن عليها إزالة للشك أن تسأل المدعى عليه صراحة حول صحة صدور السند عنه وتوقيعه عليه، وإن إنكار توقيع السند يجب أن يأتي قبل البحث بموضوعه والتعرض لمضمونه. فإذا بحث المدعى عليه بالسند المنسوب إليه فإن ذلك يعني إقراراً منه بصدوره عنه مما لا يسوغ له بعد ذلك إنكار توقيعه عليه أو إنكار صدوره عنه، وإذا ناقش الخصم في موضوع السند الذي احتج به عليه فلا يقبل منه بعد ذلك الإنكار. ويستوي في ذلك ما إذا كان أصل السند مبرزاً أم صورة عنه مادام أنه ناقش مضمون الصورة ولم ينكر صدور السند عنه. وإذا ادعى صاحب التوقيع بصورية السند فعليه إثبات الصورية بمستند خطي صادر عن الفريق الآخر الذي حرر السند لمصلحته. كما لا يجوز لمن وقع السند دحض السبب المدون فيه وإثبات صوريته إلا بوثيقة خطية، فمن غير الجائز إثبات هذه الصورية بالبينة الشخصية.

ب- حجية السند العادي بالنسبة إلى الغير:

(1) من حيث صحة الوقائع التي تضمنها السند وصدوره عمن وقَّع عليه: يقصد بالغير هنا كل شخص لم يكن طرفاً في السند العادي ويجوز أن يسري في حقه التصرف القانوني الذي يتضمنه السند، ومن ثم يصح أن يحتج عليه بهذا السند كدليل على التصرف الذي يراد أن يسري بحقه، وهو بوجه عام الخلف العام والخلف الخاص والدائن. ويعد السند العادي حجة على الخلف العام والخلف الخاص والدائن؛ إلى أن ينكر صاحب التوقيع لا الغير صدوره منه؛ من دون حاجة إلى أن يطعن فيه بالتزوير. فإذا لم ينكر صاحب التوقيع نسبة السند إليه أو اعترف به أو سكت؛ أصبح السند حجة عليه وعلى الغير، فإذا أراد أي منهم بعد ذلك إنكار السند فلا سبيل أمامه لذلك إلا الطعن بالتزوير. أما إذا احتج بالسند العادي بعد وفاة صاحب التوقيع على الوارث أو الخلف؛ فإن القانون لا يطلب من هؤلاء إنكار السند إذا لم يريدوا أن يقروا بصدوره عن مؤرثهم وإنما يكتفي أن يقرروا أنهم لا يعلمون أن التوقيع أو البصمة هو لمن تلقوا عنه الحق المثبت في السند. ويكفي أن يحلف الوارث أو الخلف يميناً بأنه لا يعلم أن الخط أو الإمضاء أو الختم أو البصمة هي لمن تلقى عنه الحق، وللغير أن يثبت صورية السند بجميع وسائل الإثبات. كما له أن يدفع التصرف القانوني الذي تضمنه السند العادي بجميع الدفوع الموضوعية والشكلية التي كانت لصاحب التوقيع، فله أن يطلب إبطال التصرف لعدم مشروعية المحل أو السبب أو لعدم استيفاء الشكل الذي يتطلبه القانون، وله أيضاً الدفع بانقضاء الالتزام بالوفاء أو بغيره من أسباب الانقضاء.

(2) حجية السند العادي إلى الغير من حيث صحة تاريخه: إن تاريخ حصول التصرف له أثر بالغ بالنسبة إلى الخلف الخاص، وللخلف الخاص مصلحة جوهرية في تعيين تاريخ التصرف الصادر عن سلفه على هذا الشيء الذي انتقل إليه؛ لأن كل تصرف على شيء لاحق لانتقال هذا الشيء إلى الخلف الخاص لا يسري على الخلف بخلاف التصرفات السابقة لانتقال الشيء إليه. ولا يكون التاريخ الذي يحمله السند العادي حجة على الغير إلا إذا كان ثابتاً، وقد حدد المشرع السوري الحالات التي يكون فيها للسند العادي تاريخ ثابت. وعلى ذلك فلا يكلف الغير بإثبات عدم صحة التاريخ المدوّن على السند العادي، بل يكفي أن يتمسك بأن السند ليس له تاريخ ثابت حتى يكون التاريخ المدوّن عليه غير موجود بالنسبة إليه. ويكون للسند العادي تاريخ ثابت وفق ما نصت عليه المادة (11/1) من قانون البينات، في الحالات الآتية:

q من يوم أن يصادق عليه الكاتب العدل.

q من يوم أن يثبت مضمونه في ورقة أخرى ثابتة التاريخ.

q من يوم أن يؤشر عليه حاكم أو موظف مختص.

q من يوم وفاة أحد ممن لهم على السند أثر ثابت أو معترف به من خط أو توقيع أو ختم أو بصمة، أو من يوم أن يصبح مستحيلاً على هؤلاء أن يكتب أو يبصم لعلة في جسمه.

q من يوم وقوع أي حادث آخر يكون قاطعاً في أن السند قد صدر قبل وقوعه.

فالقاعدة أن تاريخ السند العادي ليس حجة على الغير، بل إن هناك قرينة قانونية غير قابلة لإثبات العكس مفادها أن هذا التاريخ بالنسبة إلى الغير ليس صحيحاً ولا يستطيع أي طرف في السند إثبات هذا التاريخ الصحيح بمواجهة الغير إلا بإحدى الطرق آنفة الذكر التي عينها القانون، فثبوت التاريخ للسند العادي بإحدى الطرق المحددة المذكورة يجعل لهذا التاريخ حجة على الغير من دون التاريخ الأصلي للسند.

ولا يجوز إثبات تاريخ السند العادي بالبيِّنة الشخصية في مجال اعتبار هذا السند حجة على الغير؛ لأن الحالات التي يكون فيها التاريخ بالسند العادي ثابتاً عددتها المادة (11) من قانون البيِّنات السوري على سبيل الحصر. إلا أنه لا يعد من الغير كل شخص كان طرفاً في التصرف المدوّن في السند ووقَّع على السند سواء بالصفة الشخصية أم بالنيابة عن أشخاص آخرين، فهؤلاء يكون تاريخ السند العادي حجة عليهم ولو لم يكن ثابت التاريخ. فتاريخ السند الذي وقعه الوكيل يكون حجة على الأصيل ولو لم يكن تاريخاً ثابتاً، إلا إذا أثبت الأصيل عدم صحة التاريخ، وأنه قُدِّم مثلاً حتى لا ينكشف أن التصرف صدر في وقت كانت النيابة فيه قد انقضت، وله أن يثبت ذلك بكل طرق الإثبات.

4- حجية صورة السند العادي:

القاعدة أنه لا حجية لصور الأسناد العادية وليس لها أي قيمة في الإثبات. فالصورة الضوئية للسند العادي لا قيمة قانونية لها، ولا يمكن اعتمادها، كما لا يمكن اعتبارها مبدأ ثبوت بالكتابة، ولا يمكن إجراء الخبرة عليها، ولا يجوز إجراء التطبيق والمضاهاة على صورة السند ولابد من إبراز الأصل. فالأسناد العادية تستمد قوتها من توقيع أصحابها، وإن هذه التواقيع تعد غير موجودة أصلاً في صورها الفوتوغرافية. ولكن قاعدة عدم إعطاء الحجية لصور الأسناد العادية لا تعدّ من النظام العام، فليس للمحكمة أن ترفض من تلقاء نفسها قبول صورة السند العادي إذا لم ينازع الخصم في صحة هذه الصورة ويطلب تقديم أصلها. فلا يجوز للمحكمة التصدي للصورة الضوئية وقوتها في الإثبات ما دام الخصم لم ينكر صحة هذه الصورة. وإن عدم منازعة الخصم بالصورة يجعله قابلاً بها ومسلماً بمطابقتها للأصل، فإذا ناقش المدعى عليه صورة السند ولم ينازع بصحتها فقد أصبح لها قوة في الإثبات، وإن بحث الأطراف بصورة العقد والإقرار بها يجعل ما جاء فيها حجة عليهم وإقراراً بصحتها وصيرورتها نافذة بحقهم. وكذلك إذا لم يجادل الخصم في صحة الصورة ولم يقل عنها شيئاً وسكت ولم ينكر ما هو منسوب إليه من خط أو توقيع؛  عُدّ سكوته إقراراً لوقوعه في معرض الحاجة، وليس من الجائز إنكار صورة السند بعد أن تم البحث فيها، ولا المطالبة بإبراز الأصل، فلا يجوز للمدعى عليه بعد الإقرار بما ورد في السند العودة إلى القول: إنه صورة ضوئية. فإذا بحث المدعى عليه بصورة العقد المبرزة وقدم دفوعه بشأنها فإن ذلك يسقط حقه في المطالبة لاحقاً بإبراز الأصل باعتبار أن إبراز الأصل ليس من متعلقات النظام العام، ولأنه كان يتوجب عليه وقبل أي دفع آخر المطالبة بإبراز الأصل فإن هو لم يفعل فإنه يكون قابلاً بالصورة. وفي ضوء ذلك فإنه لا مانع قانوناً من اعتماد الصورة الضوئية أساساً للحكم إذا لم يطعن الخصم بصحتها، ويكون النعي على الحكم في مثل هذه الحالة باعتماد الصورة بمعزل عن الأصل غير وارد.

 

مراجع للاستزادة:

 

- أحمد عبد العال أبو قرين، أحكام الإثبات في المواد المدنية والتجارية في ضوء الفقه والتشريع والقضاء (دار النهضة العربية، القاهرة 2006).

- أسامة روبي عبد العزيز الروبي، الأحكام الإجرائية للإثبات بالدليل الكتابي في المواد المدنية والتجارية (دار النهضة العربية، القاهرة 2002).

- أنس كيلاني، موسوعة الإثبات في القضايا المدنية والتجارية والشرعية (الطبعة الثانية، دمشق 1990).

- توفيق حسن فرج، قواعد الإثبات في المواد المدنية والتجارية (منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت 2003).

- رزق الله الأنطاكي، أصول المحاكمات في المواد المدنية والتجارية (دمشق 1984).

- سليمان مرقس، أصول الإثبات وإجراءاته، المجلد الأول (الطبعة الخامسة، 1991).

- عابد فايد عبد الفتاح فايد، نظام الإثبات في المواد المدنية والتجارية (دار النهضة العربية، القاهرة 2006).

- عادل حسن علي، الإثبات في المواد المدنية (مكتبة زهراء الشرق، مصر 1996).

- عبد الرزاق السنهوري، الوسيط، الجزء الثاني (دار إحياء التراث العربي، بيروت).

- قدري عبد الفتاح الشهاوي، نظرية الإثبات في المواد المدنية والتجارية (دار النهضة العربية، القاهرة 2006).

- محمد أديب الحسيني، موسوعة القضاء المدني، الجزء الأول (دمشق 2002).

- محمد أديب الحسيني، موسوعة القضاء المدني، الجزأين الثاني والثالث (دمشق 2004).

- محمد أديب الحسيني، الإثبات في القضايا المدنية والتجارية، الجزء الأول (دمشق 2009).

- محمد حسن قاسم، أصول الإثبات في المواد المدنية والتجارية (منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت 2003).

 


التصنيف : القانون الخاص
النوع : القانون الخاص
المجلد: المجلد الثاني: بطاقة الائتمان ــ الجرائم الواقعة على السلطة العامة
رقم الصفحة ضمن المجلد : 27
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 14
الكل : 9031065
اليوم : 691