logo

logo

logo

logo

logo

القضاء والتحكيم الدوليان

قضاء وتحكيم دوليان

international judiciary and arbitration - juridiction et arbitrage internationaux

 القضاء والتحكيم الدوليان

القضاء والتحكيم الدوليان

محمد عزيز شكري

بين التحكيم والقضاء الدوليين

التحكيم الدولي

القضاء الدولي

 

أولاً ـ بين التحكيم والقضاء الدوليين:

القضاء والتحكيم الدوليان وسيلتان سلميتان لحل النزاعات الدولية بطرق قانونية. قد يكون من الأسهل التفريق بين التحكيم والقضاء الدوليين من الناحية التاريخية. فالتحكيم أقدم من القضاء؛ إذ يعود تاريخه في رأي بعضهم إلى العهد اليوناني القديم، وقد تبلور في القرن الثاني عشر على أقرب تقدير، في حين لم تنجح الدول في الاتفاق على إحالة خلافاتها إلى محكمة دولية، بما في هذا التعبير من دقة، قبل إنشاء محكمة العدل الدولية الدائمة منذ سبعين عاماً ونيف. غير أن هذا التفريق بين التحكيم والقضاء يصبح صعباً إذا ما نُظر إلى الموضوع من الناحيتين التحليلية والوظيفية.

يعرَّف التحكيم بصورة عامة بأنه وسيلة لحسم نزاع بين شخصين أو أكثر من أشخاص القانون الدولي بواسطة حكم صادر عن محكم أو مجموعة محكمين يختارون من قبل الدول المتنازعة.

ويمكن تعريف القضاء الدولي بصورة عامة أيضاً بأنه وسيلة لحسم نزاع بين شخصين أو أكثر من أشخاص القانون الدولي بواسطة حكم (قانوني) صادر عن هيئة دائمة تضم قضاة مستقلين جرى اختيارهم مسبقاً وبصورة مستقلة عن إرادة المتنازعين.

وجلي من هذين التعريفين أن التحكيم والقضاء يلتقيان في أكثر من نقطة ويختلفان في نقاط أخرى.

أما نقاط الالتقاء فتتجلى فيما يلي:

أن كلاً من التحكيم والقضاء وسيلة سلمية لحل المنازعات الدولية: درج معظم فقهاء القانون الدولي على تقسيم المنازعات الدولية قسمين: سياسية وقانونية؛ ومن رأي هؤلاء الفقهاء أن الثانية منها فحسب هي التي تقبل الحلول القانونية، وقد اتبعت الاتفاقات الدولية الناظمة لموضوع الخلافات بين الدول أساليب متعددة في تعريف المنازعات القانونية؛ فالمادة (16) من اتفاقية لاهاي لعام 1899 والمادة (38) من اتفاقية عام 1907 مثلاً، تشيران إلى المنازعات ذات الطابع القانوني إجمالاً، وخاصة الخلافات المتعلقة بتفسير المعاهدات الدولية أو تطبيقها وتنصان طبقاً لذلك على إخضاع مثل هذه المنازعات للتحكيم. وقد جرت عدة اتفاقيات دولية لاحقة على هذا المنهج في تحديد نطاق التحكيم، غير أن الاتجاه الحالي الذي دشنه نظام محكمة العدل الدولية الدائمة (أو المحكمة الدائمة للعدل الدولي) ينطلق من التحديد الأدق للمنازعات الداخلية في اختصاص المراجع القانونية الدولية.

أن كلاً من التحكيم والقضاء وسيلة لحل نزاع دولي بين شخصين أو أكثر من أشخاص القانون الدولي، وما يزال بعض المؤلفين يشيرون إلى الدول على أنها أشخاص القانون الدولي الوحيدة، وواضح أن هذا الحصر هو من رواسب الفكرة القديمة التي كانت ترفض غير الدول في عداد أشخاص القانون الدولي. ومعروف أن هذه الفكرة التي ظلت تطبع القانون الدولي منذ بدء تطوره في القرنين السادس عشر والسابع عشر بدأت تتعرض لنقد شديد منذ نشوء عصبة الأمم وما رافقها من منظمات دولية أخرى، فنتج اتفاق معظم الفقهاء على كون هذه المنظمات تتمتع بشخصية اعتبارية مستقلة عن شخصية الدول الأعضاء فيها وعلى كونها تقوم بمهام تستلزم بالضرورة تمتعها ببعض الحقوق وترتب عليها بعض الواجبات التي يحكمها نظامها الأساسي المبني على معاهدة دولية. هذا كله حمل الفقه الحديث على الاتجاه نحو الاعتراف بهذه المنظمات أشخاصاً للقانون الدولي على قدم المساواة مع الدول على الرغم من كون الأولى ليست دولاً بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة.

وقد تدعم هذا الاتجاه بعد فتوى أصدرتها محكمة العدل الدولية في عام 1949 في قضية التعويضات المترتبة جراء القيام بخدمة لمصلحة الأمم المتحدة (قضية الكونت فولك برنادوت). ففي هذا الرأي اجتهدت المحكمة بأن الأمم المتحدة صاحبة حق في مقاضاة الدولة التي تتسبب في الضرر اللاحق بموظفيها على أراضي هذه الدولة، وفي قبض التعويض الناجم عن ذلك. وقد عدّ مؤيدو فكرة احتساب المنظمات الدولية أشخاصاً من أشخاص القانون الدولي هذا الرأي اعترافاً واضحاً لها بحق المقاضاة، ومن ثم بمنحها صفة شخص اعتباري بحقوق وواجبات يتضمنها القانون الدولي. ولذا فمن رأي هؤلاء أن التحكيم والقضاء الدوليين مفتوحان في النزاعات الواقعة لا بين الدول فحسب بل بين الدول والمنظمات الدولية أو بين المنظمات الدولية، كما لو عدّت منظمة دولية أن أحد أعضائها خرق بعض بنود اتفاقية ما، أو كما لو اختلفت منظمتان حول أمر متعلق بالاختصاص. أما فيما يتعلق بالأفراد مجتمعين (كما في حالة سكان الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي) أو منفردين، فمع أن بعض الفقهاء وعلى رأسهم لوترباخت Lauterpacht يرتبون لهم حقوقاً، كحق تقرير المصير وحقوق الإنسان الأخرى، يرعاها القانون الدولي، فمن المتفق عليه أنهم لم يصلوا بعد إلى درجة يمكن معها اعتبارهم أشخاصاً للقانون الدولي، وبهذا فإنه ليس باستطاعتهم مقاضاة دولة أو منظمة دولية لدى هيئة تحكيمية أو قضائية إلا في حدود، وأمام القضاء والتحكيم الإقليميين.

وأخيراً فإن كلاً من التحكيم والقضاء الدوليين وسيلة لحسم النزاع بين أشخاص القانون الدولي عن طريق حكم. وهذا ما يميزهما من الوسائل السلمية الأخرى في حل المنازعات الدولية، إذ يفسحان المجال لتدخل شخص ثالث. ففي المفاوضة، مثلاً، تتباحث الأطراف المتنازعة مباشرة في أمر خلافاتها وتسعى إلى حلها من دون تدخل طرف ثالث، حتى لو كان هذا التدخل ودياً. وفي المساعي الحميدة تتجلى مهمة الطرف الثالث في السعي والتمهيد إلى إجراء المفاوضات بين الأطراف المتنازعة من دون أن يكون له رأي يبديه في جوهر النزاع أو تفاصيله. وحتى في الحالات الأخرى التي يتدخل فيها طرف ثالث لا يكون دوره حاسماً في حل النزاع. صحيح أن طرفاً ثالثاً يتدخل ودياً لحل نزاع ما بين دولتين في حالات التوفيق أو التحقيق، غير أن هذا التدخل لا يؤول إلى أكثر من التقريب بين الأطراف المتنازعة عن طريق توضيح الحقائق المادية للخلاف. وحتى حين يسند الأمر إلى لجنة التحقيق التي تصدر رأيها في وقائع النزاع؛ ومع أن لنشر الحقائق التي تتوصل إليها هذه اللجنة أهمية سياسية بالغة من حيث كشف بعض الأمور، فإن مثل هذا الرأي لا يمكن عده حسماً للنزاع، ومن ثم فهو لا يتصف بصفة الحكم الملزم، كما في حال التحكيم والقضاء الدوليين، ولو أن هذا الإلزام لا يتجلى إلا في أبسط صورة قانونية ما دام النزاع واقعاً على النطاق الدولي حيث تؤدي «سيادة الدولة» دوراً حاسماً. على أنه من العدل التوصل إلى نتيجة مهمة في هذا المجال وهي أن تقديم نزاع دولي ما إلى سلطة التحكيم أو القضاء الدوليين والرضوخ لحكمهما يعدّ واحداً من مظاهر تقييد هذه السيادة، ومن ثم دعماً لسلطة القانون في العلاقات الدولية.

 أما نقاط الاختلاف بين التحكيم والقضاء الدوليين فتتجلى في الآتي:

في القضاء الدولي يقدم النزاع إلى هيئة دائمة يسبق وجودها وجود النزاع نفسه ويستمر بعد انتهائه. فإن محكمة العدل الدولية الدائمة أو المحكمة الحالية ـ وهما المثلان الحيان للقضاء الدولي العالميـ محكمة ينتخب أعضاؤها دورياً من دون أن يكون لهذا الانتخاب علاقة بنزاع معين، فإذا ما نشب نزاع قانوني بين دولتين أو أكثر وجيء به إلى هذه المحكمة تبتُّ فيه، ولا ينتهي دورها بانتهائه، بل تفتح بابها لنزاع ثان وثالث وهكذا، من دون أن يكون هنالك داع لتغير في أعضائها أو إجراءاتها أو أسلوب العمل فيها. أما في التحكيم الدولي فالنزاع يقدم إلى هيئة مؤقتة يتحقق وجودها بوجود النزاع نفسه وينعدم بانتهائه. فإذا ما نشأ نزاع بين دولتين وأرادتا إحالته إلى التحكيم فإنهما توقعان اتفاقاً Compromise يتضمن لا موضوع النزاع فحسب بل أسماء المحكمين الذين اعتمدتهم الدولتان لينظروا فيه، حتى إذا ما فرغوا من عملهم انحل عقدهم وانتهى وجودهم، فلا هم بهيئة دائمة ولا وجودهم مستمر. وهذا يعني أن نزاعاً جديداً حتى بين الدولتين نفسيهما يستوجب توقيع اتفاق جديد وتسمية محكمين جدد وتحديد أصول وإجراءات جديدة تتبع في حسم النزاع الجديد، وهكذا.

ينبغي ألا يفوت الباحث في التحكيم، الاسم الذي أطلقه مؤتمر لاهاي على الهيئة الدولية الرئيسية للتحكيم، فالحقيقة أن ما تسمى بمحكمة التحكيم الدولية الدائمة لا هي محكمة بالمعنى الحقيقي ولا هي دائمة ما دام المحكمون في كل خلاف يُنتقون من قائمة معدة لمثل هذا الغرض تتضمن أسماء مرشحين لمثل هذه المهمة المؤقتة تقترحهم الدول الأطراف في الاتفاقية لتدرج أسماؤهم في قائمة المحكمين الدوليين.

ينتج من الفرق الأول بين التحكيم والقضاء فرق ثان على جانب عظيم من الأهمية. ففي القضاء يجد المرء نفسه أمام قضاة مستقلين عن رغبة الأطراف المعنيين. يقول نظام محكمة العدل الدولية الدائمة الذي تبناه واضعو نظام المحكمة الحالية إن المحكمة تتألف من خمسة عشر قاضياً يختارون بغض النظر عن جنسياتهم من قبل مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، أما في التحكيم فإن الدول هي التي تختار المحكمين في قضيتها، وكثيراً ما تلجأ إلى تعيين من تجدهم مؤيدين لها، بل من هم من أبناء جنسيتها، ومع أن القول الفصل في حكم التحكيم هو للفيصل الذي يختاره المحكمون المعنيون أنفسهم إلا أن دور المحكمين المختارين مهم جداً في تكييف وقائع النزاع وحيثيات النصوص القانونية التي تحكمه على نحو لا يحقق السيادة المطلقة للعدالة والقانون. ولعل من نافل القول التذكير بأن في فكرة اختيار المحكمين من قبل الدول المتنازعة مظهر من مظاهر سيادة الدولة المطلقة التي سادت العلاقات الدولية فترة طويلة من الزمن والتي يبدو أن الدول لم تتوصل إلى مرحلة التسامي عليها. والدليل على ذلك ما يلاحظ في نظام محكمة العدل الدولية وسابقه نظام محكمة العدل الدولية الدائمة من نص على جواز تعيين قضاة متممين Ad hoc من قبل الدول المتنازعة حين لا يكون لها قاضٍ في تشكيل المحكمة الدولية التي تنظر في النزاع أو من قبل إحداها حين يكون للأخرى مثل هذا الامتياز. وفي هذا ما فيه من شائبة.

وبسبب توافر صفة الديمومة في القضاء، فإن الاجتهاد القضائي مستمر ومتواصل، ومتكامل بعكس الاجتهاد الصادر عن التحكيم فهو منقطع وغير متكامل، وهذا ما حدا بالمجموعة الدولية أكثر من مرة إلى تأليف هيئات للتنسيق والربط بين الاجتهادات التحكيمية على نحو يجعلها تسهم كاجتهادات المحاكم الدولية في نمو القضاء الدولي وتطويره.

يذكر الأستاذ ستون Stone أن بعض الكتاب يضعون فرقاً رابعاً بين التحكيم والقضاء وهو كون القضاء يطبق القانون على حقائق النزاع متناولاً بذلك حقوق المتنازعين القانونية، في حين أن التحكيم لا يفصل في هذه الحقوق، ومن ثم لا يشترط أن يطبق القانون بصورة مطرَّدة؛ فهو كثيراً ما يلجأ إلى مبادئ العدل والإنصاف أو المتطلبات السياسية Political expediency في حسم النزاع. غير أن دراسة للنصوص الدولية ولتجارب هاتين المؤسستين عبر السنين تجعل هذا الرأي في غير مأمن من الانتقاد. أما القول إن التحكيم لا يؤثر في حقوق الأطراف المتنازعة فهو قول مردود بمنطق وجود التحكيم نفسه، فلو لم يرد المتنازعون أن يكون التحكيم في حقوقهم القانونية ـ في الحدود التي يسمح بها الضعف المزمن للقانون الدولي ـ لما كان هنالك من دافع لهم لاختيار حكم طرف ثالث ولكانوا لجؤوا إلى الوسائل السياسية التي يمكن أن يقال عنها بحق أنها لا تتناول الجوهر القانوني للنزاع. أما أن التحكيم يعتمد على مبادئ العدل والإنصاف وهذا ما يبتعد به عن القانون فقول يمكن الرد عليه بالرجوع إلى نص (المادة 38) من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية وهي تنص في فقرتها الأخيرة على حق المحكمة في البت في النزاع على أساس مبادئ العدالة والإنصاف إذا ما فوضها الطرفان بذلك. فهل هذا يعني أيضاً أن حكم المحكمة لا يتطرق إلى جوهر النزاع ولا يمس من ثم الحقوق القانونية للأطراف المتنازعة؟ الواقع هو العكس تماماً، فإنه بمجرد النص على مبادئ العدالة والإنصاف واحداً من المصادر التي تلجأ إليها المحكمة في حل المنازعات المعروضة أمامها توضيح لا يقبل الجدل بأن هذه المبادئ هي من مصادر القانون الدولي التي تحكم الجانب الحقوقي للعلاقات الدولية وإن كان مصدراً ثانوياً ومشروطاً. وأما القول إن المتطلبات السياسية تؤثر في حكم التحكيم على عكس ما يجري في القضاء فأمر مبالغ فيه، إذ قد تؤدي المتطلبات السياسية دوراً مهماً في حكم القضاء نفسه كما لو عرض نزاع على المحكمة وكان هذا النزاع يتناول مسألة تعدّها الدول المتنازعة ـ في تحفظها المنصوص عليه في (المادة 36) من النظام الأساسي للمحكمة ـ من المسائل التي تخضع لاختصاص الدولة الداخلي Domestic jurisdiction.

ثانياً ـ التحكيم الدولي:

1ـ ماهيته وظهوره التاريخي:

التحكيم Arbitration كما تعرفه اتفاقية لاهاي الأولى لعام 1907 هو طريقة لفض النزاعات بين الدول وغيرها من الأشخاص الدولية بوساطة محكم أو أكثر من اختيارها وعلى أساس الحق.

يظهر على الفور من هذا التعريف أن التحكيم طريقة قانونية لقراراته قوة الإلزام. وبذلك يختلف عن بقية الأساليب السياسية لحل الخلافات سلمياً، كالوساطة والتوفيق، إذ تتوقف سلطة الوسيط أو لجنة التوفيق عند حد العرض والاقتراح. كذلك فإن الميزة الإرادية أو الاختيارية الواسعة للتحكيم تجعله لا ينطبق على محاكم العدل الدولية.

والتحكيم بهذا المعنى قديم جداً. فلقد عرفته المجتمعات القديمة. وكان للمدن اليونانية مجالسها الدائمة للتحكيم Amphictyons تعرض عليها ما يقوم بينها من منازعات. ولم يكن الالتجاء إلى التحكيم مجهولاً في العصور الوسطى، وعرفت الشريعة الإسلامية التحكيم في معاملات الناس في قوله تعالى: ﴿فابْعَثُوا حَكَماَ من أهْلِهِ وحَكَماً من أهْلِهَا﴾ [النساء 53] فكانت كما يقول العلامة رزق الله أنطاكي سباقة في هذا المجال. أما الدول المسيحية فكانت تحتكم في منازعاتها إلى البابا أو إلى الإمبراطور. وعندما ضعفت سلطة البابا وبدأت الحركات القومية بالاشتداد تراجع التحكيم قليلاً نظراً إلى أنه عدّ مساساً بالسيادة التي كانت هاجس الدول القومية. ولكن هذا لم يمنع تأليف هيئات خاصة تتفق الدول على تأليفها بمناسبة النزاع الذي يهدد الاتصال بين الدول. فقد وقعت بريطانيا والولايات المتحدة عام 1794 اتفاقية Jay واتفقتا بموجبها على إحالة خلافاتهما الحدودية إلى لجنة تحكيمية مشتركة لها سلطة اتخاذ قرارات ملزمة.

وفي النصف الثاني من القرن الثامن عشر عاد التحكيم إلى أوج ازدهاره ولقي رعاية كبيرة مع قضية الألآباما بين الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا. ولأهمية القضية المذكورة في إرساء قواعد التحكيم لا بد من لفت الانتباه إلى أن موضوعها بدأ مع تسهيل بناء السفن في الموانئ الإنكليزية وتسليحها لمصلحة الولايات الجنوبية في حربها على السلطة الفيدرالية. فالألآباما إحدى هذه السفن التي خرجت من ليفربول بطاقمها من المسلحين وبدأت الاشتباك مع سفن الشمال وإغراق عدد منها. وعندما انتهت الحرب بانتصار الولايات الشمالية طالبت هذه الأخيرة إنكلترا بالتعويض عن الأضرار التي سببتها لها الألآباما باعتبار أن إنكلترا مسؤولة عنها نتيجة موقفها العدائي والمخالف لقواعد الحياد في الحرب، ولم تقبل إنكلترا هذا الادعاء وتوترت العلاقات بين البلدين حتى أمكن أخيراً الاتفاق بموجب معاهدة واشنطن لعام 1871 على عرض الأمر على لجنة تحكيمية مؤلفة من خمسة أعضاء، تعيِّن كل من الحكومتين الأمريكية والبريطانية واحداً منهم أما الثلاثة الآخرون فيعينون من قبل ملك إيطاليا ورئيس الاتحاد السويسري وامبراطور البرازيل. واجتمعت اللجنة في جنيڤ وأصدرت حكمها في شهر أيلول/سبتمبر 1872 فجاء في مصلحة الولايات المتحدة ملزماً إنكلترا دفع تعويض عن الأضرار التي سببتها الألآباما لهذه الأخيرة.

وانعقد مؤتمر لاهاي لعام 1907 مفرداً مكاناً واسعاً للتحكيم. فلقد اعتمدت الاتفاقية الخاصة بتسوية منازعات الدول بالطرق السلمية فصلها الرابع بكامله لمعالجة موضوع التحكيم من إجراءات إلى تكوين هيئة دائمة هي «محكمة التحكيم الدولي الدائمة» التي يمكن للدول الاستعانة بها إذا شاءت بدلاً من الهيئات الخاصة التي تختارها بمناسبة كل خلاف. وما كادت تمضي سنة واحدة على اتفاقية لاهاي حتى وضعت بعض أحكامها المتعلقة بالتحكيم موضع التنفيذ في قضية مشهورة جداً هي قضية الهاربين من كزابلانكا. وتفاصيل القضية أنه حدث عام 1908 في الدار البيضاء في المغرب أن حاول ستة من جنود الفرقة الأجنبية من بينهم ثلاثة ألمان الفرار من الخدمة بالإبحار على مركب ألماني وتحت حراسة القنصل الألماني. وفي طريقهم إلى المركب تنبه الحرس الفرنسيون واتخذوا العدة للقبض على الفارين. إلا أنه خلال ذلك حدث تدافع وتضارب بين الفريقين نال رجال القنصلية نصيباً منه مما أدى إلى نشوء نزاع خطير بين الحكومتين الفرنسية والألمانية. فقد اتهمت السلطات الفرنسية الدوائر القنصلية الألمانية بتسهيل الفرار من جيشها وردت ألمانيا متهمة السلطات الفرنسية بالاعتداء على قنصلها. وأخيراً اتفق الجانبان على اللجوء إلى التحكيم للنظر في القضية. واختيرت هيئة التحكيم من قائمة محكمة التحكيم الدولية الدائمة وفقاً لما قررته اتفاقية لاهاي المذكورة. واجتمعت الهيئة في لاهاي وأصدرت حكمها عام 1908 محاولة فيه التوفيق بين الدولتين. فلقد أيدت من جهة وجهة النظر الفرنسية في ضرورة احترام وضعها دولة حامية في المغرب وعدم التدخل في شؤون جيشها وحماية الفارين منه حتى لو كانوا من الرعايا الألمان. أما من جهة ثانية فقد أقرت بأنه كان عليها احترام القنصل الألماني وعدم الاعتداء عليه. لذلك انتهت القضية بتبادل الاعتذار من الجانبين.

والحقيقة أن الأحكام التي وضعتها اتفاقية لاهاي والتي أكملتها بعض الاتفاقيات اللاحقة لها جاءت نوعاً من التقنين للأحكام والقواعد العرفية التي تجسدت في مجال التحكيم في الفترة السابقة لعام 1907، وخصوصاً نتيجة لقضية الألآباما التي يمكن عدها نقطة انطلاق قانون التحكيم العرفي سواء على مستوى تأليف لجنة التحكيم أو الإجراءات المتبعة أمامها وتحديد موضوعات الحكم أو التقيد بقرارها أو وسائل مراجعة هذا القرار أو الاتجاه الإلزامي إلى التحكيم.

2ـ هيئة التحكيم والتقيد بقرارها:

لأطراف النزاع مبدئياً كامل الحرية في اختيار أعضاء هيئة التحكيم وعددهم وتعيين اختصاصاتهم. فلهم أن يحتكموا إلى حكم فرد أو إلى لجنة خاصة مؤلفة من عدة أشخاص.

فالحكم الفردي قد يكون من جهة شخصية سياسية سابقة أو طارئة، كرئيس دولة أجنبية، مثال الرئيس الفرنسي أو ملكة إنكلترا أو رئيس الاتحاد السويسري. وقد قام ملك إسبانيا بالتحكيم في كثير من القضايا العالقة بين دول أمريكا اللاتينية في بداية القرن العشرين، وهذا ما ينطبق على ملكة إنكلترا التي مارست التحكيم مرتين بين التشيلي والأرجنتين، المرة الأولى عام 1966 حيال نزاع الحدود في منطقة الآندوز، والمرة الثانية عام 1977 حيال خلافهما حول ثلاث جزر (بيكتن ونويفا ولينوكس) واقعة في قناة بيغل Canal de Beagle بالاستناد إلى اتفاق التحكيم لعام 1971. ومن جهة ثانية يصح أن يكون اختيار الحكم فرداً نظراً لمؤهلاته وخبرته في حقل القانون الدولي والعلاقات الدبلوماسية. فاسم الفقيه السويسري البروفسور ماكس هيوبر يتردد باستمرار في عالم التحكيم، إذ قام بالفصل في عدة قضايا مهمة، منها مثلاً قضية الرعايا البريطانيين في المنطقة الإسبانية من المغرب وقضية جزيرة البالماس (الولايات المتحدة ـ هولندا) لعام 1928. غير أن التحكيم بواسطة فرد تراجع كثيراً لمصلحة التحكيم بواسطة هيئة جماعية أو محكمة تحكيمية مؤلفة خصيصاً لذلك. وهذه المحكمة قد تتكون من ثلاثة أعضاء تختار كل من الدول الأطراف واحداً منهم ويختار الثالث باتفاق الدولتين أو الحكمين المعينيين من قبلهما، وقد تتكون من خمسة أعضاء، كما سبقت الإشارة عند التحدث عن قضية الألآباما وما كانت عليه مؤخراً في قضية طابا بين مصر وإسرائيل، مع التذكير بأن رئيس المحكمة يجب ألا يحمل جنسية أحد الأطراف في النزاع (وأن تكون هيئة التحكيم وتراً، 1 ، 3 ، 5 ، 9…). ويمكن إنشاء لجان مختلطة، أي مؤلفة بالمناصفة من ممثلي الدول المعنية. غير أن هذه اللجان ليست في الواقع سوى هيئات للتفاوض أكثر منها محاكم تحكيمية.

وقد فكر في إعطاء لجان التحكيم نوعاً من الدوام والاستمرارية، ولكن ذلك اصطدم ببعض العقبات وبمقاومة كثير من الدول لهذا الاتجاه، فاستعيض عن ذلك بتأليف لوائح تحتوي على أسماء محكمين من مختلف الدول للنظر في المنازعات التي تعرض عليها. وهذا الحل اتبعته اتفاقية لاهاي لعام 1907 في إنشاء المحكمة الدائمة للتحكيم الدولي.

فهذه المحكمة تظهر عند الدراسة أنه ليس لها من صفة المحكمة والدوام غير الاسم، لذلك ما زالت تتميز من المحاكم الدولية. فاختصاصها اختياري، وللدول المعنية أن تعود إلى أي لجنة تحكيمية أخرى في حل نزاعاتها. وهي ليست مكونة من قضاة يحضرون ويمارسون مهماتهم بانتظام أو خلال فترة زمنية محددة من السنة، كما هي الحال في المحاكم العادية، بل مجرد قائمة بأسماء أشخاص من رجال القانون تنتخبهم كل دولة من الدول الأطراف في الاتفاقية بمعدل أربعة لكل منها لمدة ست سنوات قابلة للتجديد. ومن هذه القائمة تختار الدولتان إذا رغبتا هيئة التحكيم المؤلفة من خمسة أعضاء، تختار كل من الدولتين المتنازعتين اثنين منهم والخامس ينتخب باتفاق هؤلاء الأربعة (المادتان 44 و45). وتجدر الإشارة إلى أن مركز المحكمة لاهاي حيث يوجد لها مكتب دولي ثابت يحفظ لائحة المحكمين ويقوم بالاتصالات بين الدول، ويدار من قبل مجلس إدارة دائم مكون من وزير خارجية هولندا رئيساً ومن سفراء الدول الموقعة على الاتفاقية، وقد يكون هذا هو العنصر الوحيد في دوام المحكمة.

وفيما يخص الموضوعات التي تنظر فيها هيئة التحكيم ليس هناك من تحديد. فهي صالحة للبت في النزاعات القانونية والنزاعات السياسية، مع أن اختصاصها القانوني تضاءل نسبياً نظراً للمنافسة التي تبديها محكمة العدل الدولية. إن اتفاق الإحالة هو الذي يعين موضوع التحكيم والمسائل التي يجب الفصل فيها والإجراءات والقواعد المتبعة. فليس للحكم أن يتجاوز القواعد التي ارتضاها الفريقان في اتفاقهما، وهذا مبدأ ترسخ في قضية الألآباما حين وضعت معاهدة واشنطن لعام 1871 الأسس القانونية الواجب الاستناد إليها. وبخلاف ذلك يعد حكم التحكيم باطلاً. أما إذا لم ينص الاتفاق على مثل هذه القواعد فعلى الهيئة أن تأخذ في الحسبان ما هنالك من معاهدات دولية في شأن النزاع ومن أعراف ومبادئ عامة للقانون، ويمكن اللجوء إلى فكرة العدالة والإنصاف الدولية في حال خلو القانون الدولي من القواعد المناسبة، كما تلاحظ معاهدة التحكيم المبرمة بين ألمانيا وسويسرا عام 1921 وميثاق التحكيم العام لسنة 1928 (المادتان 28 و91).

أما حكم هيئة التحكيم فيصدر بالأغلبية معللاً في جلسة علنية يحضرها المتنازعون. وهو مبدئياً يلزم الطرفين. وهذا الإلزام ناتج من اتفاقهما. وهو نهائي وله قوة القضية المقضية، أي غير قابل للطعن والاستئناف إلا إذا استجد من الظروف والعناصر ما يمكن أن يجعله يصدر على نحو آخر لو أن هذه العناصر كانت معلومةٌ للمحكمين قبل اتخاذه. ولا يمنع من طلب تفسير الحكم حتى في حالة عدم النص على ذلك في اتفاق اللجوء إلى التحكيم. ويقدم طلب التفسير إلى الهيئة نفسها التي أصدرت الحكم للبت فيه. ولا يتم ذلك من دون صعوبات، ولاسيما أنه يستدعي إعادة تجميع هيئة التحكيم التي تزول تلقائياً فور إعطاء الحكم. وإذا كان التفسير وإعادة النظر في القرار التحكيمي من طرق الرجوع التي يشترك فيها التحكيم مع المحاكم القضائية فإن بعض الطرق الأخرى تقتصر على التحكيم. فهناك إمكانية بطلان قرار هيئة التحكيم وعدم التقيد به في حالة تجاوز الحكم صلاحياته، ويضاف إلى ذلك مثلاً بطلان القرار المبني على بطلان اتفاقية الإحالة نفسها، كأن لا يتوافر شرط الرضا في انعقادها. وهناك أخيراً بعض المعاهدات التي تهتم بالتحكيم وتفتح إمكانية استئناف قرار هيئة التحكيم، فمجلس المنظمة الدولية للطيران المدني مثلاً صالح للتحكيم في الخلافات التي تنشأ بين الدول الأعضاء. ويمكن استئناف قراراته أمام محكمة العدل الدولية. وهذا ما حصل عام 1972 في إطار الخلاف الهندي الباكستاني حين طلب من المحكمة إعطاء رأيها كمحكمة استئناف بقرار كان قد اتخذه مجلس المنظمة المذكورة فقامت بذلك مؤكدة قرار المجلس.

3ـ اتجاه التحكيم الإلزامي وتطوره المعاصر:

لم يكن الرجوع إلى التحكيم في أي موضوع كان حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر موضع التزام، بل كان عرضياً اتفاقياً لاحقاً لبروز النزاع. فالاتفاقيات العامة التي تنظم التحكيم وتضع أحكامه لم تكن موجودة. وكانت الدول تكتفي باتفاق موقت تقرر فيه إحالة النزاع على التحكيم مع تحديد مادته وطبيعته. ثم جرت العادة أن تدرج بعض الاتفاقيات المنظمة لأوضاع أو لعلاقة معينة بنداً يحمل شرط إحالة ما يستجد بين أطرافها من خلافات حول تفسيرها أو تنفيذها على التحكيم. ويعرف هذا الشرط بالشرط الاتفاقي للتحكيم Clause compromissoire. وتطور الوضع وأصبحت بعض المعاهدات، كمعاهدة واشنطن لعام 1871 ومعاهدة التحكيم الفرنسية والبريطانية لعام 1903، تختص فقط بوضع قواعد التحكيم كوسيلة سلمية لحل خلافاتها وصيانة تعاونها وتفاهمها.

ومع نجاح التحكيم كوسيلة سلمية لصيانة حسن سير العلاقات الدولية والأثر الطيب الذي تركته قضية الألآباما في تصفية المنازعات الدولية عن طريق التحكيم كثرت الدعوات لتوسيع دائرة هذا الأخير وجعله ذا صفة إلزامية.

واشتدت هذه الدعوات مع مؤتمر لاهاي لعام 1907. إنما لم يكن بوسع المؤتمرين الذهاب بعيداً، ولاسيما أن دولاً كثيرةً كانت شديدة التمسك بسيادتها وترفض أي اختصاص إلزامي للهيئات التحكيمية، ولذلك حافظ المؤتمر عملياً على اختيارية التحكيم ولكنه وافق على تصريح سجل في مقدمة البروتوكول النهائي للمؤتمر يفيد بأن الدول مجمعة على الاعتراف بمبدأ التحكيم الإلزامي وأن هناك منازعات منها ما يتعلق بتفسير وتطبيق الالتزامات التعاقدية الدولية جديرة بأن تعرض على التحكيم الإلزامي من دون أي تقييد. وانتهى هذا التصريح بإنشاء المحكمة الدائمة للتحكيم الدولية على النحو الذي ورد أعلاه، أي بعيداً عن أي إلزام قانوني بالالتجاء إليها من قبل الدول.

إن الموقف نفسه الذي واجهه مؤتمر لاهاي لعام 1907 اعترض إمكانية موافقة عهد عصبة الأمم على التحكيم كواجب قانوني في حل المنازعات التي تظهر بين الدول الأعضاء. فاكتفت المادة 13 بالنص على أنه في حالة نزاع بين الدول الأعضاء قابل لأن يفض بطريق التحكيم أو القضاء ولم توصل الوسائل الدبلوماسية إلى تسوية، توافق هذه الدول على عرضه برمته على التحكيم أو القضاء، وقد عينت الفقرة الثانية من المادة نفسها بعض المنازعات التي تصلح عموماً لعرضها على التحكيم، مثل تفسير المعاهدات وأية مسألة من مسائل القانون الدولي، والتحقق من أن واقعة معينة تعدّ إخلالاً بالتزام دولي وطبيعة ومدى التعويض الواجب على هذا الإخلال. يُستنتج بوضوح أن واضعي العهد كانت تمتلكهم رغبة تحويل التحكيم إلى طريقة إلزامية لحل الخلافات، ولكن الظروف لم تساعدهم على ذلك، فلم يُخرجوا ما وضعوه عن إطار التوصيات والتمنيات على الصورة نفسها التي خرج بها مؤتمر لاهاي.

وحاولت العصبة إعادة مسألة إلزامية الرجوع إلى التحكيم والتشديد على أهميتها. فوافقت جمعيتها العامة في 2/10/1924 على بروتوكول عُرِفَ ببروتوكول جنيڤ، وفيه تقرر فرض اختصاص المحكمة الدائمة للعدل الدولي من دون حاجة إلى اتفاق خاص في المنازعات القانونية المنصوص عليها في (المادة 36) من النظام الأساسي للمحكمة، أما في بقية المنازعات فقد تقرر ضرورة عرضها على تحكيم مجلس العصبة الذي خول سلطة إحالتها على هيئة التحكيم في حال عدم توصله إلى حلها. والواقع أن هذا البروتوكول ما لبث أن أهمل ولم يوضع موضع التنفيذ، إذ امتنعت معظم الدول عن تصديقه.

بيد أن المحاولات الدولية لجعل اللجوء إلى التحكيم إلزامياً لم تنقطع. وفي هذا الاتجاه أبرمت معاهدات لوكارنو لعام 1925 التي تضم بين ما تضم أربع معاهدات تحكيم وتوفيق بين ألمانيا من جهة وكل من فرنسا وبلجيكا وبولندا وتشيكوسلوفاكيا من جهة ثانية. وتفرق هذه المعاهدات بين نوعين من المنازعات: المنازعات التي يكون موضوعها حقاً مختلفاً عليه بين الأطراف والمنازعات غير القانونية. وتوجب اللجوء إلى التحكيم على الفئة الأولى من المنازعات المذكورة بعد أن تكون الدول قد أخفقت في تسويتها دبلوماسياً. أما الفئة الثانية من المنازعات فتعرض كما سلف على التوفيق أو على مجلس العصبة.

وعادت العصبة مرة ثانية لإقرار ما عرف بميثاق جنيف في اجتماع جمعيتها العامة في 26/9/1928 أداةً لتوطيد دعائم السلام العالمي والحفاظ على اطِّراد التعاون الدولي.

وقد جمع هذا الميثاق بين التوفيق والقضاء والتحكيم وعدها وسائل إلزامية لتسوية الخلافات الدولية: الأولى طريقة مسبقة لا غنى عن المرور بها في جميع الخلافات للانتقال إلى الطرق الأخرى، والثانية فيما خص الخلافات القانونية والثالثة فيما يخص المنازعات السياسية، إذ تؤلف لجنة تحكيم خاصة من خمسة أعضاء. والواقع أن الميثاق المذكور لم يصادف كثيراً من النجاح ولم تنضم إليه حتى بداية الحرب العالمية الثانية أكثر من ثلاث وعشرين دولة.

وبعد تأسيس الأمم المتحدة طلب الوفد البلجيكي من الجمعية العام عام 1949 تعديل ميثاق التحكيم العام وجعله يتناسب مع ما استجد من ظروف، فوافقت الجمعية وطلبت من جميع الدول الأعضاء الانضمام إلى الصيغة الجديدة المعدلة التي أصبحت نافذة اعتباراً من عام 1950. وتابعت الأمم المتحدة جهودها في هذا المضمار بهدف صوغ اتفاقية جماعية حول التحكيم وإلزامية اللجوء إليه. ووافقت لجنة القانون الدولي عام 1953 على مشروع قرار مقدم من مقررها البروفسور جورج سيل ينظم أحكام التحكيم وكيفية الركون إليه والوسائل التي تحول دون تهرب الدول من عرض منازعاتها وفضها بهذه الطريقة، كتدخل محكمة العدل الدولية في تعيين حدود تطبيق اتفاق التحكيم واستقلالية محكمة التحكيم وإمكانية عقدها حتى لو لم يحضر أحد الفريقين. ولكن هذا المشروع المتكامل وما يحتويه من ضوابط أخاف الدول فعارضته ولم توافق عليه، خاصة الاتحاد السوڤييتي السابق الذي كان شديد التمسك بسيادته وبمبدأ اختيارية الرجوع إلى التحكيم أو الوسائل القضائية الأخرى، ومنذ ذلك الوقت تراجع بعض الشيء الاهتمام بإلزامية التحكيم، وهي إلزامية مبدئية على أي حال تستدعي لدخول التحكيم حيز التنفيذ اتفاق أو مشاركة التحكيم التي تتضمن كيفية قيام هيئة التحكيم وبيان الأصول والقواعد والشروط الواجب اتباعها ومراعاتها في عملية إصدار الحكم. وقد أسهم في ذلك الالتجاء إلى محكمة العدل الدولية وبعض المحاكم الدولية والإقليمية، كمحكمة عدل المجموعة الأوربية ومحكمة حقوق الإنسان الأوربية ومنافستها في النظر في الخلافات الدولية، غير أن ذلك لم يمنع الدول من إبرام عدد من المعاهدات التي تهتم بالتحكيم سواء كشرط اتفاقي عرضي أو كموضوع أساسي للمعاهدة، أي كسبيل لتصفية أي نزاع بين الدول المعنية. فقد وقعت دول مجلس أوربا في ستراسبورغ في 29/4/1957 الاتفاقية الأوربية لتسوية المنازعات بالطرق السلمية، وضمنتها بنداً أوجب إحالة الخلافات السياسية إلى التوفيق وإذا أخفق ذلك فإلى محكمة تحكيمية مؤلفة من خمسة أعضاء في كل حالة. وأبرمت الأرجنتين مع التشيلي اتفاق 1971 على حل خلافهما المذكور آنفاً حول قناة بيغل بتحكيم ملكة بريطانيا (انتقل التحكيم ابتداءً من عام 1978 إلى البابا). واعتمدت فرنسا وبريطانيا عام 1975 طريق التحكيم لفض نزاعهما حول اقتسام الجرف القاري في منطقة بحر إيرواز. ونصت (المادة 7) من اتفاقية كمب ديفيد للسلام بين مصر وإسرائيل على اللجوء إلى التحكيم عند أي خلاف ينشأ بينهما نتيجة تطبيق المعاهدة. وبالفعل وضع هذا النص موضع التنفيذ العملي. فبعد تعثر المفاوضات المصرية الإسرائيلية حول مصير منطقة طابا (لسان صحراوي ماحته نحو كم2 واحد يقع على خليج العقبة على بعد 7 كم من ميناء إيلات الإسرائيلي) اتفقت الحكومتان في 10/9/1986 على إحالة الخلاف على محكمة تحكيمية مؤلفة من خمسة أعضاء تجتمع في جنيڤ. وقد صدر حكم التحكيم هنا لمصلحة مصر. كما أحيل إلى التحكيم مؤخراً النزاع بين اليمن وأرتيريا حول بعض الجزر التي احتلتها هذه الأخيرة وصدر الحكم لمصلحة اليمن.

وفيما يخص التطور الذي شهده التحكيم في الفترة المعاصرة يُشار إلى أنه لم يعد مقتصراً على خلافات الدول، إذ تعدى ذلك ليشمل منازعات أشخاص القانون الدولي وغيرها من المنازعات التي يكون الأشخاص العاديون طرفاً فيها. فالمنظمات الدولية، وهي الممنوعة من التقاضي أمام المحاكم العدلية الدولية، غالباً ما تلجأ إلى التحكيم ولاسيما بمناسبة إبرامها لاتفاقيات المقر مع الدول التي تقيم على أراضيها، وذلك لتسوية المنازعات التي يمكن أن يثيرها تطبيق الاتفاقات المذكورة. من جهة ثانية، إن التحكيم القائم على قواعد قانونية دولية يمكن أن يشمل حل نزاع بين الشركات ـ وهي ليست بأشخاص دوليين ـ وبين الدول وهذا ما ظهر من خلال قضية الأرامكو،.

كذلك فإن التحكيم بين الدول من جهة والأفراد من جهة أخرى قائم في محيط البنك الدولي للإنشاء والتعمير. فتشجيعاً لمساهمة الشركات والأفراد في توظيف استثماراتهم في الدول الأطراف وضماناً لهم من أي ادعاء بعدم نزاهة المحاكم المحلية ارتأت اتفاقية واشنطن لعام 1965 التي أنشأت البنك قيام نمط جديد من التحكيم بين المستثمرين والدول المعنية يمارسه المركز الدولي لتسوية المنازعات الناتجة من الاستثمار. ويحتوي المركز على قائمة بأسماء المحكمين الذي يقومون بمهمتهم استناداً إلى المبادئ القانونية التي يتفق عليها بين الأطراف المتنازعة من الدول الأعضاء وبين أصحاب رؤوس الأموال. وفي حال تعذر مثل هذا الاتفاق يجري التحكيم وفقاً لأحكام القانون الداخلي للدولة الطرف وللقانون الدولي العام. وفي النهاية، فإن هذا التطور الجديد الذي عرفه التحكيم يعيد له قدراً معيناً من حيويته ويبقيه أحد طرق التسوية القانونية للمنازعات الدولية بعد أن ساد الاعتقاد في فترة ما بين الحربين بإمكانية تحول التحكيم إلى وسيلة سياسية لحل المنازعات الدولية السياسية وحسب.

ثالثاً ـ القضاء الدولي:

جرت أول محاولة لإنشاء محكمة عدل دولية مع إنشاء عصبة الأمم. وصيغ لهذه المحكمة التي أطلق عليها اسم المحكمة الدولية الدائمة للعدل أو محكمة العدل الدولية الدائمة Permanent Court of International Jusice نظام أساسي ضمن بروتوكول مستقل عن عهد العصبة، وهكذا تعايشت المحكمة مع العصبة ولم تكن جزءاً منها.

وقد تعلم أرباب ميثاق الأمم المتحدة درسهم من تجربة العصبة، فأنشؤوا محكمة العدل الدولية International Court of Jusice وجعلوها إحدى أجهزة الأمم المتحدة الرئيسة الستة.

وإلى جانب هذه المحكمة ذات الطابع الدولي المدني، إذا جاز التعبير، تم عام 1998 في روما إنشاء محكمة جنائية دولية International Criminal Court (ICC) مهمتها محاكمة بعض الجرائم الدولية: جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة وكذلك جريمة العدوان حين يعرَّف. وقد دخل نظام روما الأساسي الذي أنشأ المحكمة الجنائية الدولية حيز النفاذ في 1/7/2002 وأصبحت 110 دول أطرافاً فيه حتى الآن (2009) وإلى جانب المحاكم ذات الطابع العالمي الواردة أعلاه هناك محاكم إقليمية مثل محكمة العدل الأوربية، والمحكمة الأوربية لحقوق الإنسان، ولعلها أكثر حيوية من المحاكم العالمية نظراً للتقارب في القيم بين أطرافها.

 

مراجع للاستزادة:

 

ـ فؤاد شباط ومحمد عزيز شكري، القضاء الدولي (منشورات جامعة دمشق، 1966).

ـ إبراهيم الغساني، اللجوء إلى التحكيم الدولي (دار النهضة العربية، القاهرة 1974).

ـ محمد عزيز شكري وإبراهيم دراجي، التنظيم الدولي لماذا وإلى أين؟ (منشورات هيئة الموسوعة العربية، 2008).

ـ أحمد سرحال، قانون العلاقات الدولية (دار الكتاب للنشر والطباعة والتوزيع، بيروت 1991).

- P. JESSUP، A Modern Law of Nations (1949).

- SCHWARZENBERGER, A Manual of International Law (Vo, L.4).

- J. L.SIMPSON and H. FOX, International Arbitration (Stevens, London, 1939).

- J. RIDEAU L’arbitrage International (Paris, 1970).


التصنيف : القانون الدولي
النوع : القانون الدولي
المجلد: المجلد السادس: علم الفقه ــ المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان
رقم الصفحة ضمن المجلد : 365
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 73
الكل : 12587323
اليوم : 3703