logo

logo

logo

logo

logo

القضاء الإداري

قضاء اداري

administrative jurisdiction - juridiction administrative

 القضاء الإداري

القضاء الإداري

محمد يوسف الحسين

القسم القضائي

القسم الاستشاري للفتوى والتشريع

 

عرف العالم ـ قديماً وحديثاً ـ نوعين من الأنظمة القضائية، نظام القضاء الموحد وهو أن تتولى الوظيفةَ القضائية جهةٌ قضائية واحدة تفصل في جميع المنازعات، سواء كانت منازعات بين الأفراد أم بينهم وبين الإدارة (جزائياً، مدنياً، تجارياً، وإدارياً)، وتخضع هذه المنازعات للقاضي نفسه وللقواعد القانونية نفسها، وحجتهم في ذلك أن هذا النظام يحقق العدالة ومبدأ سيادة القانون على الحاكم والمحكوم، إضافةً إلى أن هذا النظام يمتاز بالبساطة ويمنع تضارب الأحكام. لكن بالمقابل هناك بعض الدول أخذت بنظام القضاء المزدوج؛ لأن نظام القضاء الموحد لا يأخذ في الحسبان طبيعة وغاية نشاط الإدارة التي تهدف إلى تحقيق المصلحة العامة هذا من جهة، ومن جهة أخرى عدم تحقيق الضمانات المرجوة إلى الأفراد لأن المشرع كثيراً ما يقرر إبعاد القضاء من الفصل في بعض المنازعات، ويوكل الفصل فيها إلى بعض اللجان الإدارية. لذا ومن هذا المنطلق اعتمدت فرنسا نظام القضاء المزدوج فعلياً، حيث إنها أنشأت مجلس الدولة الفرنسي ـ إلى جانب القضاء العادي ـ لفض المنازعات الإدارية وذلك بالقانون الصادر بتاريخ 24/5/1872، ومنذ هذا التاريخ أصبح القضاء الإداري مفوضاً بالفصل في المنازعات الإدارية ويعد نقطة توازن بين المصالح الخاصة والمصلحة العامة لكونه قاضياً محايداً، وبقي هكذا حتى عام 1953، وبعد هذا التاريخ أصبحت المحاكم الإدارية صاحبة الاختصاص العام في الفصل بالمنازعات الإدارية، وأضحى مجلس الدولة الفرنسي صاحب الاختصاص المقيد بصفته قاضي استئناف وقاضي نقض وذلك مع مراعاة الإصلاح الذي حدث في فرنسا سنة 1987 وأحدث محاكم الاستئناف الإدارية. وسار على نهج القضاء الفرنسي بعض البلدان العربية مثل مصر وذلك منذ عام 1946 عندما تم إنشاء مجلس الدولة المصري ومنح صلاحية إلغاء القرارات الإدارية إذا شابها عيب من عيوب المشروعية، والحكم على الإدارة بالتعويض عن الأضرار التي ألحقتها بالأفراد من جراء هذه القرارات غير الشرعية، وحصل تطور عام 1972 وذلك بالقانون رقم 47 لعام 1972 حيث إن المشرع المصري عد أن مجلس الدولة القاضي العام للفصل في سائر المنازعات الإدارية بعد أن كان قبل هذا التطور مقيداً ببعض الاختصاصات. وعرف القطر العربي السوري فعلياً القضاء الإداري La juridiction administrative بوصفه هيئة مستقلة بالقانون رقم /55/ لعام 1959 وتعديلاته 1961.

تكوين مجلس الدولة في القطر العربي السوري: يتكون مجلس الدولة من قسمين: القسم القضائي، والقسم الاستشاري للفتوى والتشريع.

أولاً ـ القسم القضائي:

1ـ القسم القضائي من حيث التكوين: يقوم هذا القسم بالفصل في المنازعات الإدارية المحددة بالقانون، ويتألف من:

أ ـ المحكمة الإدارية العليا:

وتأتي هذه المحكمة في قمة الهرم القضائي الإداري، وتوازي محكمة النقض في القضاء العادي، يرأسها رئيس مجلس الدولة أو نائب الرئيس، ويعد رئيس مجلس الدولة الرئيس الإداري الأعلى ويمثل المجلس في علاقاته مع الغير، ويعين من بين الوكلاء بمرسوم بعد انتخابه من قبل أعضاء الجمعية العمومية، علماً بأن تعيين الوكلاء يتم بمرسوم في مجلس الوزراء (انظر المادة 8 من المرسوم التشريعي رقم 50 تاريخ 25/10/1961). إضافةً إلى أنه يرأس الجمعية العمومية للمجلس كما يحق له أن يحضر أي اجتماع لأي جمعية عمومية كانت وتكون له الرئاسة في هذه الحالة، ويشرف على أعمال المجلس المختلفة ويقوم بتوزيع الأعمال بينها، ويقدم تقريراً لرئيس الجمهورية كل ثلاثة أشهر متضمناً ما أظهرته الأحكام أو البحوث من نقص أو عيب أو غموض في التشريع أو عيب في استخدام السلطة من أي جهة من جهات القطاع العام (انظر المادة 51 من القانون 55 لعام 1959). ويكون مقر المحكمة الإدارية العليا في دمشق، وتصدر أحكامها من ثلاثة مستشارين، وبها دائرة فحص الطعون، تقوم هذه المحكمة بتأصيل مبادئ القانون الإداري لكونها ـ من حيث المبدأ ـ هي محكمة قانون، وتصل إليها الأحكام التي تصدر عن المحاكم الإدارية ومحكمة القضاء الإداري والمحاكم المسلكية والمجالس التأديبية بصفة طعون وليس دعاوى ترفع إليها ابتداءً.

ب ـ محكمة القضاء الإداري:

أحدث القانون 55 لعام 1959 محكمة قضائية واحدة في دمشق مما أدى إلى تراكم القضايا أمامها وأطال زمن الفصل فيها، مما أدى إلى إحداث دوائر تقوم بالجلسات المخصصة في نوع من أنواع القضايا. يرأس هذه المحكمةَ أحدُ وكلاء المجلس أو أقدم المستشارين ـ وعلى الأغلب يكون نائب رئيس مجلس الدولة ـ وتصدر أحكامها من دوائر تشكل كل منها من ثلاثة مستشارين سواء كان في قضاء الإلغاء أم قضايا التعويض.

ج ـ المحاكم الإدارية:

تم إحداث هذه المحاكم من أجل تخفيف العبء الذي حدث على عاتق محكمة القضاء الإداري من جراء تراكم القضايا، حيث نص القانون 55 لعام 1959 أن يكون مقرها دمشق، وتصدر أحكامها من دائرة ثلاثية برئاسة مستشار مساعد على الأقل وعضوية اثنين من النواب على الأقل، وأجاز القانون إنشاء محاكم إدارية في باقي المحافظات بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بعد أن يتم تعيين عددها وتحديد دائرة اختصاص كل منها بقرار من رئيس الجمهورية بناءً على اقتراح رئيس مجلس الدولة. ولهذه المحاكم نائب رئيس أو (وكيل) يعاون رئيس مجلس الدولة على تنظيمها وحسن سير العمل بها (انظر المادة 4 من القانون /55/ لعام 1959). لكن وحتى هذه اللحظة لم تحدث محاكم إدارية بالمحافظات الأخرى ، بل لا يزال العمل بمحكمة واحدة في دمشق.

د ـ هيئة مفوضي الدولة:

«تؤلف هيئة مفوضي الدولة من أحد وكلاء المجلس رئيساً ومن مستشارين، ومستشارين مساعدين ونواب ومندوبين. ويكون مفوضو الدولة لدى المحكمة الإدارية العليا ومحكمة القضاء الإداري من درجة مستشار مساعد على الأقل» (انظر المادة /7/ من القانون 55 لعام 1959). ويعد حضور مفوض الدولة لازماً في جلسات جميع المحاكم الإدارية باستثناء المحاكم المسلكية. وفي حال غياب مفوض الدولة لجلسة واحدة من جلسات المحاكم يجعل من هذا الحكم غير صحيح قانوناً. كما يجب أن يتوافر في المفوض شرط الحيدة كما هو الحال بالنسبة إلى جميع القضاة لكونه ـ بحق ـ يعدّ الركيزة الفنية النوعية للقضاء الإداري.

هـ ـ المحكمة المسلكية:

تؤلف المحكمة المسلكية من مستشار من مجلس الدولة رئيساً، ومستشار مساعد من مجلس الدولة عضواً، وأحد العاملين في الدولة ممثلاً عن التنظيم النقابي عضواً، ويكون لكل من رئيس المحكمة وعضويها عضوٌ ملازمٌ يحل محل العضو الأصيل عند غيابه (انظر الفقرة /أ/ من المادة /2/ من قانون المحاكم المسلكية رقم7 تاريخ 25/2/1990). يتم تعيين العضوين الأوليين بقرار من رئيس مجلس الوزراء بناءً على اقتراح رئيس مجلس الدولة، وهذا ينصرف على العضو الأصيل أو الملازم على حد سواء، أما العضو الثالث الأصيل والملازم فيسمى بقرار من رئيس مجلس الوزراء بناءً على ترشيح المكتب التنفيذي للاتحاد العام لنقابات العمال (انظر الفقرة ج من المادة /2/ من قانون إحداث المحاكم المسلكية رقم 7 لعام1990).

وأخيراً يتولى دورَ مقرر المحكمة أحدُ أعضاء مجلس الدولة برتبة نائب ويسمى بقرار من رئيس مجلس الدولة (انظر الفقرة /و/ من القانون رقم7 لعام1990).

2ـ اختصاصات القسم القضائي:

اً ـ  اختصاصات المحكمة الإدارية العليا:

تعد المحكمة الإدارية العليا قمة الهرم للقضاء الإداري؛ لذا لا يجوز لها النظر في الدعاوى ابتداءً، بل في الطعون الموجهة إلى الأحكام الصادرة عن محكمة القضاء الإداري أو المحاكم الإدارية أو المحاكم التأديبية في الحالات التالية:

(1) ـ إذا كان الحكم المطعون فيه مبنياً على مخالفة القانون أو خطأ في تطبيقه أو تأويله.

(2) ـ إذا وقع بطلان في الحكم أو بطلان في الإجراءات أثر في الحكم.

(3) ـ إذا صدر الحكم خلافاً لحكم سابق حاز قوة الشيء المحكوم فيه سواء أدفع بهذا الدفع أم لم يدفع.

(4) ـ الأحكام الصادرة عن لجان التحكيم في المنازعات الإدارية التي تدخل أصلاً في دائرة اختصاص محكمة القضاء الإداري لو لم يلجأ إلى التحكيم.

(5) ـ الطعن في الأحكام الصادرة بوقف التنفيذ استقلالاً شريطة أن تكون مقترنة مع دعوى الموضوع في عريضة واحدة.

(6) ـ قرارات مجالس تأديب أعضاء الهيئة التدريسية في جامعات القطر.

ويقدم الطعن أمام المحكمة الإدارية العليا من ذوي الشأن أو رئيس هيئة مفوضي الدولة في مدى ستين يوماً من تاريخ صدور الحكم المطعون فيه (انظر المادة/15/ من قانون مجلس الدولة رقم 55 لعام 1959). إلا أن المحكمة الإدارية العليا قد أرادت أن تكون سلطاتها أوسع من سلطات محكمة النقض في القضاء العادي، حيث إنها لم تتوقف ـ عند نظرها في الطعون المقدمة أمامها ـ على رقابة تطبيق القانون، بل أعطت نفسها حق نشر الدعوى والنظر إليها من حيث الواقع والقانون، وتفصل بالنزاع من دون أن تتقيد بطلبات الطعن أو أسبابه الواردة في عريضة الطعن. أي إن المحكمة الإدارية العليا تعدّ نفسها درجة ثانية من درجات التقاضي، وهذا الأمر يجسِّدُ العدالة والمنطق لكونها هي من يقوم بتأصيل مبادئ القانون الإدارية. وأحكامها لا تقبل الطعن أمام أي مرجع كان؛ لهذا إذا وجدت غموضاً في الحكم المطعون فيه فعليها أن تستنبط الحقيقة من خلال إعادة النظر في الوقائع.

ـ اختصاصات محكمة القضاء الإداري:

تختص هذه المحكمة بالفصل بالقضايا التالية:

(1) ـ الطعون الخاصة بانتخابات الهيئات الإقليمية والبلدية: تختص محكمة القضاء الإداري بالفصل في المنازعات المتعلقة بالطعون الانتخابية؛ لأن طبيعة هذه المنازعات تدخل في مفهوم القانون العام إذا لم تراعَ فيها الإجراءات اللازمة أو إذا أدت المخالفات إلى ارتياب في صحة الانتخابات، وهذا يحصل إذا تم العبث في فرز الأصوات أو تم إخفاء بعض الصناديق أو كان تشكيل لجان الانتخابات بغير محله القانوني… إلخ. علماً بأن الطعن لا يمكن أن يقدم على شكل دعوى إلغاء، لأن دعوى الإلغاء توجه ضد قرار إداري مشوب بعيب من عيوب المشروعية، في حين أن جوهر العملية الانتخابية يتمثل في إعلان إرادة الناخبين في اختيار شخص معين من دون توجيه أو إكراه. علماً بأن إسقاط العضوية ما هو إلا نوع من أنواع العمليات الانتخابية وبالتالي تدخل في نطاق دعوى القضاء الكامل أمام محكمة القضاء الإداري.

(2) ـ الطلبات التي يقدمها الأفراد أو الهيئات بإلغاء القرارات الإدارية: يستطيع أي فرد أو هيئة الطعن في القرار الإداري الذي يمس بالمصلحة الشخصية لهم شريطة أن يكون هذا القرار نهائياً ومشوباً بعيب من عيوب المشروعية (عيب الاختصاص، أو عيب في الشكل أو الإجراءات، أو مخالفة القانونعلى نحو مباشر أو الخطأ في تطبيقه أو تأويله، وعيب الانحراف بالسلطة)، باستثناء القرارات الإدارية التي يحصنها المشرع بنص خاص ويجعلها غير قابلة للطعن أمام هذه المحكمة. إضافةً إلى ما سبق تستطيع محكمة القضاء الإداري أن تنظر في موضوع التعويض الناجم عن الضرر الذي لحق بالأفراد من جراء هذه القرارات غير المشروعة (انظر المادة /9/ من القانون 55 لعام 1959).

(3) ـ الطعون في القرارات النهائية الصادرة من الجهات الإدارية في منازعات الضرائب والرسوم: يعد النظر في منازعات الضرائب والرسوم من اختصاص محكمة القضاء الإداري رغبة من المشرع في توحيد جهة الاختصاص التي تفصل في مثل هذه المنازعات سواء كانت الضرائب مباشرة أم غير مباشرة (انظر الفقرة السابعة من المادة الثامنة من القانون رقم 55 لعام 1959). لكنه ما يزال القضاء العادي ينظر في غالبية المنازعات التي تتعلق بالضرائب والرسوم «لأن القانون الناظم لمجلس الدولة في القطر العربي السوري رقم 55 لعام 1959 الفقرة الثالثة من المادة الثانية منه» علقت نفاذ تطبيق هذا القانون حتى صدور الإجراءات الإدارية التي لم تصدر حتى تاريخه. وتجدر الإشارة إلى أن محكمة القضاء الإداري بسطت اختصاصها على فض المنازعات المتعلقة بالقرارات الإدارية النهائية والتعويض عنها المتعلقة بالضرائب والرسوم إلا إذا وجد نص خاص يقيد ذلك، إضافة إلى اختصاص محكمة القضاء الإداري النظر في المنازعات المتعلقة بالضرائب والرسوم إذا كان مرجع الطعن عدم الاختصاص، أو وجود عيب في الشكل أو الإجراءات، أو مخالفة القوانين والخطأ في تطبيقها أو تأويلها، وعيب الانحراف بالسلطة (استناداً إلى المادة /11/ من قانون مجلس الدولة رقم 55 لعام 1959). يستخلص من ذلك أنه ما زال القضاء العادي ينظر في العديد من منازعات الضرائب والرسوم جنباً إلى جنب مع القضاء الإداري.

(4) ـ دعاوى الجنسية:

تختص محكمة القضاء الإداري دون غيرها في الفصل بجميع المنازعات المتعلقة بالجنسية سواء كانت أصلية أم تبعية وذلك استناداً (الفقرة التاسعة من المادة الثامنة من قانون مجلس الدولة رقم 55 لعام 1959)، ومبرر هذا الاختصاص يعود إلى أن موضوع الجنسية هو من أخص علاقات القانون العام.

(5) ـ الطلبات التالية، إذا كانت تتعلق بموظفي الحلقة الأولى وما فوقها:

بداية لا بد من تحديد معنى الموظف العام حتى يتسنى معالجة المنازعات المتعلقة بهم. لقد اتفق الاجتهاد القضائي والفقه الحقوقي على أن الموظف العام هو من يعمل في خدمة مرفق عام مباشرة، بعد أن يكون قد تم تعيينه تعييناً أصولياً بقرار إداري فردي أو بقرار جماعي، وأن يشغل وظيفة دائمة أي أن تكون الوظيفة قد تم لحظها في الملاك العددي للمؤسسة.

ـ المنازعات الخاصة بالمرتبات والمعاشات والمكافآت المستحقة للموظفين العموميين أو لورثتهم: يؤكد هذا البند أن جميع المنازعات المتعلقة بالمرتب الذي يتقاضاه الموظف لقاء عمله في المرفق والتعويضات الملحقة به (تعويض الاختصاص، العمل الإضافي، بدل السفر، وبدل التمثيل… إلخ) تدخل في اختصاص محكمة القضاء الإداري إضافةً إلى جميع المكافآت التي يتقاضاها الموظف من المؤسسة التي يعمل بها أو من غيرها من مؤسسات الدولة الأخرى.

ـ الطلبات التي يقدمها ذوو الشأن بالطعن في القرارات الإدارية النهائية الصادرة بالتعيين في الوظائف أو الترقية أو منح العلاوات:

وهي المنازعات التي تتعلق بالتعيين الناجم عن النقل النوعي من كادر إلى كادر أعلى، أو الندب إذا طال أكثر من خمس سنوات ينقلب إلى تعيين. وأخيراً تنظر في المنازعات التي تتعلق بالترقية، سواء ترافقت بمنافع مادية أم لم تترافق، ما دام الموظف قد تعين بوظيفة أعلى من وظيفته.

ـ الطلبات التي يقدمها الموظفون العموميون بإلغاء القرارات النهائية للسلطات التأديبية:

تقوم السلطات الرئاسية بفرض العقوبات الخفيفة بحق الموظفين المقصرين بعملهم وذلك من أجل حسن سير المرفق العام، لكن قد يشوب هذه القرارات عيب مخالفة القانون أو عيب الانحراف بالسلطة، يتعين في هذه الحالة على محكمة القضاء الإداري إلغاء القرار الإداري المشوب بعيب من عيوب المشروعية.

ـ الطلبات التي يقدمها الموظفون العموميون بإلغاء القرارات الإدارية:

الصادرة بإحالتهم على المعاش أو الاستيداع، أو فصلهم عن غير الطريق التأديبي (باستثناء المراسيم والقرارات التي تصدر وفقاً لأحكام المادة (85) من قانون الموظفين الأساسي)؛ لأن المشرع قد حصن المرسوم الذي يصدر استناداً إلى المادة (85) من أي طعن قضائي وسمح للقائد الإداري بصرف أي موظف عام من دون أن يكون ملزماً بتسبيب قراره. ولا بد من التنويه أن ولاية محكمة القضاء الإداري في هذا الخصوص تشمل النظر في دعاوى الموظفين بصفة دعوى إلغاء والنظر في طلبات التعويض إن رفعت إليه بصورة أصلية أو تبعية.

(6) ـ المنازعات الخاصة بعقود الالتزام والأشغال العامة والتوريد أو بأي عقد آخر:

قبل اللجوء إلى تحديد الجهة صاحبة الاختصاص للنظر في العقود الإدارية لا بد من تحديد المقصود بالعقود الإدارية  استقر تعريفها على أنها العقود التي يبرمها شخص من أشخاص القانون العام مع شخص خاص أو عام، بقصد تسيير المرفق العام، وتضمين العقد شروطاً غير مألوفة في القانون الخاص. ومن خلال هذا التعريف يمكن استخلاص أهم العناصر الواجب توافرها في العقد الإداري:

ـ أن تكون الإدارة طرفاً بالعقد: ويعد هذا الشرط عنصراً لازماً لكنه غير كافٍ بمفرده، لأنه يمكن للإدارة أن تبرم عقوداً مدنية مع الغير.

ـ يجب أن يتصل العقد بمرفق عام ويكون الهدف منه تنظيم المرفق وحسن تسييره.

ـ أن يتضمن العقد شروطاً غير مألوفة في القانون الخاص، وهذه الشروط لا يمكن حصرها، ولا يوجد لها تعريف محدد، لكن يوجد أمثلة على امتيازات الإدارة كحق الإدارة في الرقابة والإشراف والتوجيه، وتعديل العقد انفرادياً، وفرض العقوبات الإدارية، وإنهاء العمل بالعقد من جانب واحد، والسماح للمتعاقد باقتضاء المقابل المادي من المنتفعين من الخدمة في عقود الالتزام… إلخ. علماً بأن المنازعات التي تتعلق بالعقود الإدارية تدخل في ولاية القضاء الكامل لمجلس الدولة، لأن الدعاوى التي توجه إلى العقود تهدف إلى إبطال العقد، أو الحصول على مبالغ مالية لقاء الأضرار التي تسبب بها المتعاقد الآخر من جراء إهماله وتقصيره في تنفيذ التزاماته، أو المطالبة بثمن الأعمال المنفذة… إلخ. وقد تتوخى الدعوى إبطال بعض التصرفات الصادرة من الإدارة على خلاف التزاماتها الإدارية أو المطالبة بفسخ العقد بسبب إخلال الطرف الآخر بالعقد إخلالاً جسيماً لا يستقيم مع متطلبات المرفق العام. إذاً ومن خلال ما سبق يستنتج بأن المنازعات التي تتعلق بالعقود الإدارية تدخل في اختصاص محكمة القضاء الإداري بولاية القضاء الكامل، لكن يمكن في حالات استثنائية ومحدودة جداً أن توجه دعوى الإلغاء في مجال العقود الإدارية.

ـ في المنازعات التي تتعلق بالقرارات الإدارية المنفصلة: لا تقوم الإدارة بإبرام العقود الإدارية إلاَّ بعد اتخاذ قرارات تمهيدية لأنها وسيلة لإبرام العقد وليست جزءاً منه بل مستقلة بذاتها؛ لذلك سمح القضاء الإداري الطعن بها بالإلغاء من قبل الأشخاص المتضررين من هذه القرارات لأنهم لا يستطيعون اللجوء إلى قاضي العقد لعدم توافر الصفة والمصلحة، والمتعاقد هو الوحيد الذي يستطيع أن يلج طريق القضاء الكامل أمام قاضي العقد. وانطلاقاً من ذلك يتبين أن من يلجأ إلى دعوى الإلغاء في مجال العقود الإدارية لا يحقق الفائدة المرجوة من دعواه إلاَّ إذا تمسك أحد أطراف العقد بذلك، وفي حال عدم تمسكهم بالإلغاء يبقى العقد قائماً وسليماً، وحتى تاريخه لا يستطيع القضاء الإداري في حالة إلغاء القرار الإداري المنفصل ـ في مجال العقود الإدارية ـ إلاَّ فرض الغرامات التهديدية بحق الإدارة.

ـ في المنازعات التي تتعلق بطعون المنتفعين في عقود امتياز المرافق العامة: يعدّ عقد الامتياز أو الالتزام عقداً إدارياً ذا طبيعة خاصة ويرتكز على ثلاثة أركان؛ الإدارة والملتزم والمنتفع، ويتضمن نوعين من الشروط. تنظيمية تنظم كيفية أداء الخدمة للمنتفعين ومخالفتها يعني الإخلال بقاعدة لائحية وليس شخصية مما يجعل القرار غير مشروع، ففي هذه الحالة يحق للمستفيد من الخدمة إذا خرج الملتزم وخالف هذه الشروط أن يتقدم بطعن أمام الإدارة يطلب فيه من الإدارة المتعاقدة أن تتدخل لإلزام الملتزم باحترام واجباته، فإذا رفضت الإدارة التدخل يحق للمنتفع الطعن في هذا القرار أمام قاضي الإلغاء. أما بخصوص الشروط التعاقدية فيمكن اللجوء إلى قاضي العقد بولاية القضاء الكامل إذا لم يلتزم المتعاقد بالتزاماته العقدية. (انظر بخصوص المنازعات التي تتعلق بالعقود الإدارية الدكتور عبد الله طلبة ـ الرقابة القضائية على أعمال الإدارة ـ الطبعة الرابعة، منشورات جامعة دمشق لعام 1994).

(7) ـ الدعاوى التي ترفع عن القرارات النهائية الصادرة من جهات إدارية ذات اختصاص إداري: تعد هذه القرارات إدارية يطعن فيها بالإلغاء إذا شابها عيب من عيوب المشروعية. إلاَّ أن المشرع في قانون مجلس الدولة قد أخرج من اختصاص القضاء الإداري القرارات الصادرة من هيئات التوفيق والتحكيم في منازعات العمل، والقرارات الصادرة من لجان قيد المحامين (انظر المادة 11 من قانون مجلس الدولة رقم 55 لعام 1959). كما يمكن لمحكمة القضاء الإداري أن تفصل بطلبات التعويض سواء كانت بصورة أصلية أم تبعية (انظر المادة 7 من قانون مجلس الدولة رقم 55 لعام 1959).

ـ اختصاصات المحاكم الإدارية:

تختص هذه المحاكم في الطلبات الآتية إذا كانت تتعلق بموظفي الحلقة الثانية فما دون:

أ ـ المنازعات الخاصة بالمرتبات والمعاشات والمكافآت المستحقة للموظفين العمومين أو لورثتهم.

ب ـ الطلبات التي يقدمها ذوو الشأن بالطعن في القرارات الإدارية النهائية الصادرة بالتعيين في الوظائف أو الترقية أو بمنح العلاوات.

ج ـ الطلبات التي يقدمها الموظفون العموميون بإلغاء القرارات النهائية للسلطات التأديبية.

د ـ الطلبات التي يقدمها الموظفون العموميون بإلغاء القرارات الإدارية الصادرة بإحالتهم على المعاش أو الاستيداع أو فصلهم عن غير الطريق التأديبي.

هـ ـ طلبات التعويض المترتبة على هذه القرارات.

وهكذا يستخلص أن المحاكم الإدارية لا تختص سوى بالمنازعات المتعلقة بموظفي الحلقة الثانية فما دون، من دون أن يلحظ أي نزاع يتعلق بالأفراد العاديين.

ـ هيئة مفوضي الدولة: أسند المشرع السوري لهيئة مفوضي الدولة اختصاصات في غاية الأهمية لما لها من هيبة وخبرة فنية رائعة، ومن أهم هذه الاختصاصات:

أ ـ تحضير الدعوى وتهيئتها للمرافعة: يقوم مفوض الدولة بمهمة تحضير الدعوى وذلك من خلال استعراض وقائع الدعوى، وتقديم الرأي القانوني المحايد والمسبب، بعد أن يكون قد اتصل بالجهات العامة من أجل الحصول على البيانات والأوراق، واستدعاء ذوي الشأن للاستيضاح منهم عن الوقائع لزوم القضية، وتكليفهم بتقديم المذكرات والمستندات الإضافية وغير ذلك من إجراءات تحقيقية.

ب ـ إنهاء النزاع ودياً: أعطى المشرع لمفوض الدولة إمكانية عرض النزاع على المتخاصمين وتسويته على أساس المبادئ القانونية التي استقر عليها قضاء المحكمة الإدارية العليا، وبهذا الأمر يتم التخفيف عن القضاء الإداري كثيراً من الدعاوى التي لا تثير مبدأً قانونياً جديداً، وفي حال تمت التسوية يوقع عليها الأطراف، ولها في هذه الحالة قوة السند التنفيذي، حيث يتم استبعادها من جدول القضايا. وبالمقابل إذا لم تتم التسوية جاز للمحكمة ـ عند الفصل بالدعوى ـ أن تحكم على المعترض بالغرامة ويجوز منحها للطرف الآخر. وهذا يعني أنه يجب الحصول على موافقة الطرفين على المقترح المقدَّم من قبل مفوض الدولة الذي يرفض هو من يتحَّمل الغرامة.

ج ـ لمفوِّض الدولة بعد إتمام تهيئة الدعوى أن يقوم بإعداد تقرير حكم يتضمن الوقائع وماهية القواعد القانونية التي تنطبق عليها، ويخلص بالنتيجة إلى تقديم مشروع حكم إلى المحكمة المختصة بفض النزاع، وبهذا يعدّ المفوض هو المهندس الحقيقي لبناء الأحكام وتقديمها إلى ديوان المحكمة الذي يحق لأطراف النزاع الاطلاع عليها وطلب صورة عنها على نفقتهم الخاصة.

د ـ الطعن في الأحكام: تستطيع هيئة مفوضي الدولة ـ ممثلة برئيسها ـ الطعن بالأحكام الصادرة عن المحاكم الإدارية أمام المحكمة الإدارية، ضمن المواعيد المقررة قانوناً إذا ما قدَّرت أن حكماً من الأحكام التي يجوز الطعن فيها قد شابه عيب من العيوب. (انظر المادة 15 من قانون مجلس الدولة رقم 55 لعام 1959).

هـ ـ الفصل في طلبات الإعفاء من الرسوم القضائية: أجاز المشرع لمفوض الدولة النظر في الطلبات التي تقدم من قبل الأشخاص والتي تتضمن رجاء الإعفاء من الرسوم القضائية، وفي هذه الحالة يستطيع إعطاء قراره بالإعفاء أو العكس من ذلك. (انظر المادة 30 من قانون مجلس الدولة رقم 55 لعام 1959).

5ً ـ اختصاصات المحاكم المسلكية: تنظر المحكمة المسلكية بالإحالات التي تقدم أمامها من قبل عدة جهات عامة حددها القانون على سبيل الحصر:

 أ ـ السلطة التي تمارس حق التعيين بالنسبة إلى جميع العاملين، إلاَّ إذا كان المحال معيناً بمرسوم فتتم إحالته بقرار من رئيس مجلس الوزراء.

ب ـ الإحالة التي تقدم من قبل رئيس الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش بعد التحقيقات التي تم إجراؤها من قبل الهيئة وفقاً لقانونها (انظر المادة 8 من القانون رقم 7 لعام 1990).

ج ـ الإحالة من قبل النيابة العامة: إذا حكم على العامل بعقوبة جنائية أو جنحة مخلة بالثقة العامة أو ناشئة من العمل… علماً بأن هذه الإحالات أمام المحكمة المسلكية لا تقبل أي طريق من طرق الطعن أياً كانت الجهة التي تصدرها.

وفور ورود هذه الإحالات تقوم المحكمة بإيداع الإحالة مع مكونات الدعوى إلى مقرر المحكمة للتحقيق بالموضوع ورفع التقرير اللازم بشأنها (انظر المادة 9 من القانون رقم 7 لعام 1990). وإذا تبدى للمقرر أن الخطأ المنسوب إلى العامل يعدّ جناية أو جنحة مخلة بواجبات العمل أو بالثقة العامة له الحق أن يطلب من المحكمة المسلكية توقيف المحال أو كف يده حيث يؤخذ قرار المحكمة المسلكية بغرفة المذاكرة خلال خمسة أيام من وصول الطلب، ويبلغ هذا القرار للجهة التي يعمل بها العامل والجهات المختصة بتنفيذه (انظر الفقرة أ من المادة /11/ لقانون رقم 7 لعام 1990). وبالتأكيد أن هذه المحاكم تنظر بالمخالفات المرتكبة من قبل العاملين بالدولة من أجل ضمان حسن استمرارية المرفق العام.

3ـ النظام القانوني لأعضاء مجلس الدولة: ضمانات أعضاء مجلس الدولة: تعد المهمة الملقاة على عاتق أعضاء مجلس الدولة من أدق المهام؛ لذا لا بد من توفير الضمانات اللازمة لتحصين هؤلاء الأعضاء، ومن أهم هذه الضمانات:

أ ـ عدم القابلية للعزل: يعدُّ هذا المبدأ بديهياً في الدول المتمدنة وليس بحاجة إلى نص قانوني أو دستوري لما للقاضي من أهمية في تأمين مبدأ المشروعية في الدولة وتطبيق مبدأ سيادة القانون. لذا كان لا بد من تأمين الاستقلالية والحيدة بالنسبة إلى أعضاء مجلس الدولة، وذلك من أجل خلق جو من الطمأنينة والاستقرار لهم. لكن القانون /55/ لعام 1959 نصَّ صراحة على عدم قابلية أعضاء مجلس الدولة للعزل من درجة مستشار مساعد فما فوق، والنواب الذين يمضون ثلاث سنوات في وظائفهم أو في وظيفة مماثلة يصبحون غير قابلين للعزل. أما بالنسبة إلى البقية الذين لا يتمتعون بعدم القابلية للعزل فيتم عزلهم تحقيقاً للمصلحة العامة بقرار من رئيس الجمهورية بعد أن يكون قد حقق معهم من قبل لجنة التأديب والتظلمات وقد وافقت على هذا العزل.

ومع ذلك إذا تبين أن العضو المحصَّن من العزل قد فقد الثقة والاعتبار اللذين تتطلبهما الوظيفة القضائية أو فقد أسباب الصلاحية لأدائها لغير الأسباب الصحية عندها يحال على المعاش بقرار من رئيس الجمهورية بعد موافقة لجنة التأديب والتظلمات وبعد سماع أقوال العضو.

ب ـ يعد تكوين لجنة التأديب والتظلمات من داخل المجلس إحدى الركائز المهمة في تأمين الضمانة الجدية للقاضي.

ج ـ إن الجمعية العمومية للمجلس، والمجلس الخاص للشؤون الإدارية هما ضمانة أساسية في حسن الاختيار وتأمين الغطاء الذي يقي القضاة من الأهواء الشخصية في تشكيلة مجلس الدولة. يشكل مجلس الدولة من رئيس وعدد من الوكلاء والمستشارين والمستشارين المساعدين والنواب والمندوبين والمندوبين المساعدين. إن هذه التراتبية تشكل ضمانة رئيسية للقاضي (انظر الفقرة الثانية من المادة الثانية من قانون مجلس الدولة رقم 55 لعام 1955). إضافة إلى أن الأصل في التعيين أن يكون من داخل المجلس، وفي حال الضرورة يتم التعيين من خارج المجلس بنحو ربع عدد الوظائف خلال السنة المالية (انظر المادة 56 من القانون 55 لعام 1959). وهذا بذاته يعد ضمانة من الضمانات التي تخلق جواً من الطمأنينة في نفوس أعضاء مجلس الدولة.

ثانياً ـ القسم الاستشاري للفتوى والتشريع:

ليس بغريب أن يتضمن مجلس الدولة مثل هذا القسم؛ لأن بدايات نشأة القضاء الإداري سواء في فرنسا أم في القطر العربي السوري كان له طابعٌ استشاريٌ للإدارة، وهذا ما جعله قريباً جداً من خطط الإدارة العامة وأدرى بقضاياها ومشاكلها الفنية. يمكن من خلال هذا الواقع أن يقدم النصح والإرشاد للإدارة، إضافة إلى صياغة المراسيم التشريعية ومشروعات اللوائح والقرارات الإدارية. لكن بعد تطور النظام القضائي الإداري أصبح القسم القضائي الذي يفصل بالمنازعات الإدارية هو جناحه الأول في حين شكل قسم الفتوى والتشريع جناحه الثاني الذي يهتم بتقديم الرأي القانوني في الأمور التي تطلب منه من قبل الحلقات الإدارية بالدولة. ويتكون القسم الاستشاري للفتوى والتشريع من إدارات مختصة لرئاسة الجمهورية والوزارات والإدارات العامة، ويرأس كلَّ إدارة مستشارٌ أو مستشار مساعد، ويتم تحديد عدد الدوائر وتحديد مجال اختصاصها بقرار من الجمعية العمومية للمجلس. ويتم التنسيق بين عمل هذه الإدارات عن طريق اجتماع رؤساء الإدارات المتجانسة في الاختصاص بهيئة لجان يرأسها الوكيل المختص ويتم تشكيلها وتحديد دوائرها وفق اللائحة الداخلية للمجلس. إضافة إلى أن (المادة 42) من القانون /55/ لعام 1959 قد أجازت ندب المستشارين المساعدين أو النواب إلى رئاسة الجمهورية أو الوزارات أو المصالح العامة بوصفهم مفوضين لمتابعة الشكاوى والتظلمات وتقديم الآراء القانونية في تطبيق القواعد القانونية والتنظيمية لكونهم الأقدر على تعرف عيوب النصوص المطبقة وكيفية إصلاحها. ولن يكون التشريع الجديد كاملاً إلاَّ إذا توافرت خبرة الرأي وفن الصياغة القانونية الفعلية وليس اللفظية. وهكذا يتبين أن الوظيفة الأساسية لهذا القسم هي تقديم الرأي القانوني أو الفتوى بناءً على طلب الجهات العامة، لكن ليس لهذه الفتوى الصفة الإلزامية إلاَّ في حال إلزام المشرع للإدارة باستطلاع رأي مجلس الدولة ببعض المسائل، في هذه الحالة تضفى الصفة الوجوبية على الفتوى، وعدم الأخذ بها يجعل القرار الإداري باطلاً لعدم استيفاء الإجراءات الشكلية.

كما تمتاز الفتوى بأنها استشارية، أي إن الإدارة غير ملزمة بها يمكن أن تأخذ بها أو لا تأخذ وتتصرف كما تشاء، وفي هذه الحالة لا يوجد إلزام قانوني لاحترام هذا الرأي، لكن إذا اعتمدت الإدارة الرأي المقدم من قبل القسم الاستشاري فهذا يعني أنها لا تتحمل أي مسؤولية لكونه يعفيها من المسؤولية. وأخيراً فإن الفتوى تعد عملاً داخلياً، فهي ليست بالقرار الإداري، ولا بالحكم القضائي؛ لذا لا يجوز أن تكون محلاً للطعن وليس لها قوة الأمر المقضي.

في حين أن الجمعية العمومية للقسم الاستشاري تتشكل من نائب الرئيس والوكلاء المختصين لهذا القسم ومن رؤساء الدوائر، وتختص بما يلي:

1ـ اختصاصات لها طابع الفتوى: وهذا الأمر ينطبق على المسائل الدولية الدستورية التشريعية وغيرها من المسائل القانونية التي تحال إليها بسبب أهميتها من رئيس الجمهورية أو من الهيئة التشريعية أو من أحد الوزراء أو من رئيس مجلس الدولة. إضافة إلى المسائل التي ترى إحدى اللجان أن هناك فتوى قد صدرت عن لجنة تخالف فتوى صادرة عن لجنة أخرى أو من الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع.

2ـ اختصاصات ذات طابع صياغي: تختص الجمعية العمومية بمراجعة مشاريع القوانين والمراسيم التشريعية وذلك لأهميتها بغية تأمين الصياغة اللفظية والموضوعية لهذه النصوص.

3ـ اختصاصات ذات طابع قضائي: وهذا الأمر يتعلق بالمنازعات التي تنشأ بين الوزارات، أو بين المصالح العامة، أو بين الوزارات والمصالح وبين الهيئات الإقليمية أو البلدية، أو بين هذه الهيئات.

ويكون رأي الجمعية العمومية في مثل هذه المنازعات ملزماً للطرفين، ويعدُّ ما يصدر عن الجمعية بمنزلة حكم قضائي واجب التنفيذ لكونه يتعلق بنزاع بين جهتين عامتين وتم حسمه بقرار صادر عن الجمعية العمومية بعد أن تمَّ الاطلاع على مطالبات كل جهة وحججها، إضافة إلى أن حسم النزاع بين الجهات العامة عن طريق الجمعية العمومية يوفر الكثير من الجهد والوقت والمال الذي كان سينفق لو تم اللجوء إلى التقاضي أمام المحاكم الإدارية.

وختاماً يحتاج النظام القضائي المزدوج ـ الذي يعتمد القضاء الإداري للفض في المنازعات الإدارية إلى جانب القضاء العادي ـ إلى وضع معايير لتوزيع الاختصاص بين القضائين، لكن مهما يكن لم يستطع القضاء وضع معايير دقيقة تستطيع حسم مسألة تنازع الاختصاص؛ لأن كلاً من جهتي القضاء يعمل وعلى الدوام على توسيع اختصاصاته على حساب الجهة الأخرى معتمداً على التوسع في تفسير المفاهيم لمصلحته.

إلا أنه ومنذ ولادة القضاء الإداري في فرنسا تم إحداث محكمة تنازع الاختصاص تضم في عضويتها توازناً ما بين القضاء الإداري والقضاء العادي من أجل تحقيق التوازن بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة، وبالتالي تحديد الاختصاص تحديداً موضوعياً. ويجب التنويه بوجود محكمة تنازع في القطر العربي السوري تقوم بالنظر في تنازع الاختصاص، وتتألف من:

ـ رئيس محكمة النقض أو أحد نوابه (رئيساً).

ـ أقدم المستشارين في محكمة النقض (عضواً).

ـ أقدم المستشارين في مجلس الدولة (عضواً).

وبهذه الفقرة يكون القضاء الإداري قد اكتملت حلقته وأصبح قضاءً فاعلاً يوازن على الدوام بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة لضمان حقوق الأفراد.

 

مراجع للاستزادة:

 

ـ عبد الله طلبة، الرقابة القضائية على أعمال الإدارة (جامعة دمشق، دمشق 1991).

ـ سليمان الطماوي، القضاء الإداري ـ قضاء التعويض (دار النهضة العربية، القاهرة 1996).

ـ سليمان الطماوي، القضاء الإداري ـ قضاء الإلغاء (دار النهضة العربية، القاهرة 1996).

ـ محمد كامل ليلة، القضاء الإداري (دار النهضة العربية، القاهرة 1996).

- J. M. AUBY & R. DRAGO, Traité de recours administratif (Letic. Paris 1992).


التصنيف : القانون العام
النوع : القانون العام
المجلد: المجلد السادس: علم الفقه ــ المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان
رقم الصفحة ضمن المجلد : 352
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 72
الكل : 12468634
اليوم : 9523