logo

logo

logo

logo

logo

مبدأ عجز الموازنة

مبدا عجز موازنه

principle of the budget deficit - principe du déficit budgétaire



مبدأ عجز الموازنة

مبدأ عجز الموازنة

علي كنعان

التطور التاريخي للعجز المالي آثار العجز المالي
مفهوم العجز وخصائصه نظرية عجز الموازنة في المالية العامة الحديثة
أسباب العجز المالي مبدأ عجز الموازنة في سورية
 

أولاً ـ التطور التاريخي للعجز المالي:

عرفت الأنظمة المالية القديمة حالة العجز المالي، فكان الملك أو الامبراطور يلجأ إلى فرض الضرائب أو بيع ممتلكات الدولة أو حتى ممتلكاته الخاصة لكي يمول النفقات العامة، وكثيراً ما دعا الملوك والخلفاء المسلمون إلى دراسة أسباب العجز ووضع الحلول الناجعة لتجاوزه.

كان أول ظهور للعجز المالي في أثينا باليونان عام 509 ق.م في عهد الملكة تيمستوكليس، وقد استشارت المتخصصين آنذاك من القادة فأشاروا عليها باستئناف الغزو لكي تجلب للدولة ثروات من الخارج.

وفي زمن الدولة العباسية ظهر العجز المالي عام 306هـ/918م في عهد الخليفة المقتدر بالله، فطلب الوزير ابن الفرات أن يطلق له مئتي ألف دينار من بيت مال الخاصة، فرفض المقتدر وتم خلع الوزير.

وفي عام 317هـ/929م ظهر العجز ثانية في عهد المقتدر فاضطر إلى بيع ممتلكاته وبعض ما يملك من الأراضي وتمت الاستدانة من التجار على إيرادات العام القادم بهدف إيجاد السيولة لتمويل العجز.

وفي أوربا في العصور الوسطى كان العجز يظهر فتقوم الممالك الإقطاعية بفرض الضرائب والرسوم الأمر الذي دفع الفلاحين إلى الهروب إلى المدن، فكانت هذه الضرائب سبباً من أسباب انهيار النظام الإقطاعي.

وفي العصر الحديث ظهر العجز في بريطانيا عام 1844 ولم تستطع الحكومة فرض ضرائب جديدة الأمر الذي اضطرها إلى الاقتراض من المصارف، فقد اقترضت الحكومة من المصارف بحدود 18.450.000 جنيهاً من دون تغطية ذهبية وذلك لتمويل العجز الحاصل في الموازنة على شكل سندات تسدد لاحقاً، وبعد ذلك تتالت حالات ظهور العجز في وقت كانت المالية العامة التقليدية تؤمن بمبدأ توازن الموازنة أي التوازن المالي إذ كان من الأسس التي تقوم عليها المالية العامة التقليدية.

أما بعد الحرب العالمية الثانية فقد أصبح العجز المالي سمة العصر، فلم تستطع أي دولة من دول العالم تحقيق التوازن المالي، لأن النفقات تجاوزت كثيراً الإيرادات العامة، ولأن أفكار المدرسة الكينزية كانت قد انتشرت بسرعة في أوربا والدول النامية التي تقوم على دور متميز للدولة في الاقتصاد، وهذا الدور لا يقوم على التوازن المالي، بل سوف يؤدي إلى حصول العجز المالي باستمرار.

فالعجز المالي ليس عيباً مالياً ولا يقلل من هيبة الدولة، بل يؤكد أن الحكومة تقوم بالمشاريع الاقتصادية والاجتماعية التي سوف تؤدي إلى التوازن الاقتصادي الذي يؤدي إلى التوازن المالي، ومن ثم لم يعد التوازن المالي هو هدف المالية العامة، فالتوازن الاقتصادي لا يمكن الوصول إليه إلاّ إذا كان العجز في الموازنة مسموحاً به من أجل تحقيق أهداف اقتصادية واجتماعية في ظل نظرية المالية العامة الكنزية الحديثة.

ثانياً ـ مفهوم العجز وخصائصه:

لقد أصبح العجز المالي سمة من سمات الأنظمة المالية في الدول المتقدمة والنامية نظراً لتزايد خدمات الرفاهية من جهة وتطور وتنوع الخدمات الاجتماعية من جهة ثانية، فأصبحت النفقات العامة تتزايد باطراد حتى في أوقات الركود الاقتصادي، فما هو العجز المالي؟ يرى المفكر العربي عبد الكريم صادق بركات أن العجز المالي: "زيادة نفقات الدولة عن إيراداتها العامة مما يدفع إلى اللجوء إلى القروض العامة أو الإصدار النقدي لتغطية هذه الزيادة في الإنفاق".

أما المفكر العربي رمزي زكي فكان يرى في العجز المالي: "التباين الشديد بين نمو النفقات العامة للدولة ونمو الإيرادات العامة".

من خلال هذين التعريفين وتعاريف أخرى يمكن القول إن العجز المالي: "هو فجوة مالية بين الإيرادات والنفقات العامة تظهر نتيجة ارتفاع أسعار السلع والخدمات فتزيد النفقات على الإيرادات، أو هو تراجع الإيرادات في بعض الظروف والمواسم عن تمويل النفقات الأمر الذي يدفع الحكومة إلى اللجوء إلى القروض العامة. ومن ثم ارتفاع المستوى العام للأسعار".

إن هذا المفهوم يشرح أسباب العجز وآلية تمويله والآثار التي يؤدي إليها، واستناداً إلى هذا المفهوم يمكن تحديد خصائص العجز المالي بما يلي:

العجز المالي هو فجوة مالية يتم تحديدها من خلال المفاضلة بين الإيرادات والنفقات ولا تظهر هذه الفجوة في الظروف الاقتصادية العادية، بل في ظروف غير عادية، مثل المواسم الرديئة أو الاضطرابات السياسية والاجتماعية وغيرها.

تزداد النفقات العامة في حالات ارتفاع الأسعار أو في بعض المواسم الرديئة أو في حالات الاضطرابات السياسية والاجتماعية، ولكي تستمر الحكومة في عملها عليها زيادة حجم الاعتمادات المخصصة لقطاع الخدمات وتمويل مشاريع الاستثمار الأمر الذي يرفع حجم النفقات في مواجهة الإيرادات.

تراجع الإيرادات العامة في بعض الظروف والمواسم وحالات الاضطرابات مما يدفع الحكومة إلى الاستمرار في التمويل وتظهر زيادة في الإنفاق في مواجهة الإيراد.

إن حالة العجز المالي لا تدفع الحكومة إلى التوقف عن أعمالها وأنشطتها، بل يدفعها إلى الاقتراض من السوق النقدية أو المصارف أو المصرف المركزي وجميع هذه المصادر سوف تحرر نقوداً كانت مخصصة للقطاع الإنتاجي أو الخدمي أو كانت معطلة مما سيزيد وسائل الدفع في الاقتصاد الوطني.

إن تمويل العجز المالي عن طريق القروض العامة سوف يؤدي إلى زيادة وسائل الدفع ومن ثم تشكيل ضغوط تضخمية في الاقتصاد الوطني تتحدد من خلال الفجوة التي ستحصل بين العرض والطلب، فكلما ازدادت الفجوة بين العرض والطلب يزداد العجز المالي ومن ثم يزداد معدل التضخم في الاقتصاد الوطني.

إن هذه السمات والخصائص للعجز المالي توضح آلية حدوثه والآثار التي تنتج منه، وعادة ما يكون للتضخم الأثر الاجتماعي الكبير للعجز.

ثالثاً ـ أسباب العجز المالي:

تختلف أسباب العجز المالي بين بلد وآخر وتختلف بين البلاد المتقدمة والبلاد النامية، وإن أسباب العجز تعود إلى السياسات المالية غير الصحيحة التي تقوم بها الحكومة وفق تقدير معين، في حين يحصل العكس، لذلك لا يجوز حصر أسباب العجز في مجموعة معينة من الأسباب.

إن هذا التباين بين الدول وبين السياسات قد يوحد الأسباب التي تؤدي إلى العجز نسبياً، ومهما قيل في الأسباب فإنه يمكن تحديد مجموعة من الأسباب توضح آلية حدوث العجز ظاهرياً وأهمها:

1ـ الخدمات الاجتماعية المجانية وشبه المجانية: تقدم الحكومات في الدول النامية وفي الدول المتقدمة العديد من الخدمات الاجتماعية مجاناً أو بصورة شبه مجانية ومن هذه الخدمات (خدمات الصحة والضمان الاجتماعي ـ خدمات التعليم ـ خدمات النظافة والطرق العامة والحدائق العامة والرفاهية ـ الخدمات الثقافية والرياضية وغيرها).

إن أكثر هذه الخدمات يكون مجاناً أو مقابل رسوم بسيطة لذلك تشكل ضغطاً على النفقات العامة فتصل في أكثر الدول إلى 50% من حجم الإنفاق العام.

وبالمقابل فإن فرض رسوم على هذه الخدمات قد لا يعوض ما تنفقه الدولة، وتبقى هذه النفقات تشكل ضغطاً على حجم الإنفاق العام.

2ـ نفقات الأمن والدفاع: كلما ازداد التطور الاقتصادي والاجتماعي ازدادت الحاجة إلى الأمن وتحقيق الأمان الاجتماعي، وتطورت خدمات الدفاع، لقد عدّ المفكرون والكتاب أن نهاية الحرب العالمية الثانية هي نهاية الحروب، لكن الواقع قد أثبت عكس ذلك لأن الدول المتقدمة وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية تسعى إلى السيطرة العسكرية على العالم وقد قامت بعدة حروب في الآونة الأخيرة، وهذه الحروب زادت من نفقات الأمن والدفاع وشكلت عنصر ضغط على الخزينة العامة للولايات المتحدة وأوربا، أما الدول النامية فإنها بدافع حماية نفسها وقمع المعارضين تشكل الجيوش وتقدم السلاح والعتاد اللازم الأمر الذي يرفع من حجم نفقاتها الحربية فتشكل ضغطاً على الإنفاق العام وتزيد من عجز الموازنة في هذه الدول التي تحتاج إلى المشاريع الاقتصادية أكثر من حاجتها إلى النفقات الحربية والدفاعية.

أما سورية فإنها تواجه عدواً شرساً سلب الأرض والحقوق وهي تسعى من خلال جيشها إلى الصمود والعمل على استعادة الأرض والحقوق المغتصبة، أي إن نفقاتها الحربية مشروعة لكنها من جهة أخرى تشكل عنصر ضغط على الإنفاق العام وتزيد من عجز الموازنة العامة.

3ـ التوظيف والعمالة: تسعى جميع الدول إلى إنفاق المليارات بهدف تخفيض معدلات البطالة فالدول المتقدمة تدعم شركاتها الإنتاجية بهدف تشغيل العمال، أو تقدم إعانة البطالة وجميعها نفقات عامة تزيد من عجز الموازنة، أما الدول النامية فإنها توظف العمال في مشاريع القطاع العام أو في المؤسسات الخدمية فتزداد الأجور لديها وتشكل عنصر ضغط على الإنفاق العام وتزيد من عجز الموازنة.

4ـ الإنفاق على مشاريع البنية التحتية: تشكل مشاريع البنى التحتية من طرقات وجسور وسكك الحديد والاتصالات والكهرباء والماء والمطارات والمرافئ والصرف الصحي وغيرها المجال الاقتصادي الحيوي لكل دولة، ومن دون هذه الخدمات لا يمكن زيادة الإنتاج وتصريف السلع والخدمات وسهولة تنقُّل المواطنين بين المدن والأقاليم.

إن هذه الخدمات الإنتاجية المساعدة تقع على عاتق الدولة ومن دونها لا يمكن إحداث التقدم الاقتصادي والاجتماعي في أي بلد، إلا أن هذه الخدمات تحتاج إلى مبالغ ضخمة في كل بلد ومن ثم تشكل عنصر ضغط كبير على النفقات العامة، وعادة ما تقترض الدول الفقيرة لكي تمول هذه المشاريع فتزيد من حجم العجز وتزيد من حجم مديونية الدول النامية.

5ـ السياسة المالية التوسعية: تسعى الحكومات في الدول النامية أو الدول المتقدمة إلى خدمة الناخبين لزيادة وسائل الرفاهية أو زيادة حجم الإنفاق العام على مشاريع الخدمات والمشاريع الاقتصادية وقد تستند هذه الحكومات إلى نظرية المدرسة الكينزية في زيادة حجم الطلب الكلي الأمر الذي يؤدي إلى زيادة الإنتاج والوصول إلى التشغيل الكامل (الرواج).

إن زيادة الطلب الحكومي على السلع والخدمات تؤدي إلى زيادة الطلب الكلي؛ لأن الإنفاق الحكومي قد يصل في بعض الدول إلى 40% من حجم الطلب الكلي، لذلك إذا زادت الدولة إنفاقها العام سوف يزداد الطلب وسوف يشعر الأفراد بأن السياسة التوسعية الحكومية تهدف إلى زيادة الطلب، لذلك تبدأ منشآت القطاع الخاص بتوسيع أنشطتها وتشغيل ورديات إضافية وزيادة عدد العمال وشراء مواد أولية وهكذا يزداد الإنتاج ويمكن لهذه السياسة أن تنقل الاقتصاد من حالة الركود إلى الرواج أو إذا كان الاقتصاد في حالة الرواج فإن ذلك يؤدي إلى حدوث التضخم.

إن هذه السياسة التوسعية تعني زيادة الإنفاق العام ومن ثم زيادة حجم الضغط على الإنفاق العام فيزداد العجز المالي.

6ـ تخفيض الضرائب: تقوم أفكار المدرسة الكلاسيكية ومؤيديها الجدد (الكلاسيك الجدد) على مبدأ تشجيع القطاع الخاص من خلال تخفيض الضرائب ويؤدي ذلك إلى تخفيض حجم الإنفاق العام على الخدمات الاجتماعية، إذ تميل الدول المتقدمة اليوم إلى تخفيض الضرائب؛ فإن حكومات هذه الدول لا تستطيع تخفيض الإنفاق العام على الخدمات الاجتماعية فتقع في حالة العجز، ولذلك لا يجد الكلاسيك الجدد من مصدر للتمويل فيقترحون اللجوء إلى القروض العامة مع أنهم يعارضون العجز المالي ويعارضون القروض العامة بهدف تمويل عجز الموازنة.

إن فكرة الكلاسيك في تحقيق التوازن المالي أصبحت غير واقعية، لأنه لا يمكن تخفيض حجم الإنفاق على الخدمات الاجتماعية التي أصبحت ضرورية وتؤدي في بعض الأحيان إلى التذمر الاجتماعي وحدوث الفوضى في صفوف العمال وذوي الدخل المحدود.

إن تخفيض الضرائب يؤدي إلى زيادة العجز المالي في جميع الدول، حتى الدول النامية التي تشجع الاستثمار من خلال الإعفاءات الضريبية تقع في حالة العجز المالي، بل يزداد لديها العجز المالي وتزداد مديونيتها، وهذا ما يحصل في معظم الدول النامية التي تعاني من فجوة استثمارية فهي مضطرة إلى تخفيض معدلات ضريبة الدخل ومنح حوافز للمستثمرين فيها، وهذا يضغط على حجم الإيرادات العامة مما يجعلها تقع في العجز المالي.

إن هذه الأسباب جميعها تؤدي إلى زيادة حجم الإنفاق وتزيد من حجم الضغط على الموازنة العامة فيزداد العجز المالي.

رابعاً ـ آثار العجز المالي:

لكل واقعة مالية أو أي تصرف مالي عدد من الآثار الاقتصادية والاجتماعية، ولا يمكن تصور أي إجراء مالي مهما كان نوعه (زيادة الإنفاق العام ـ تخفيض الضرائب… العجز المالي…) بلا آثار، وتختلف الآثار بين الإجراءات والوقائع المالية، إذ لكل إجراء مالي مجموعة من الآثار تختلف عن الإجراء الآخر.

ينتج العجز المالي مجموعة من الآثار الاقتصادية والاجتماعية أهمها:

1ـ حدوث التضخم: إن تمويل العجز من خلال القروض المصرفية أو القروض من المواطنين في السوق النقدية أو من خلال الإصدار النقدي تؤدي جميعها إلى زيادة حجم الطلب الكلي، فإذا كان الاقتصاد قد وصل إلى حالة التشغيل الكامل فإن العجز المالي سيؤدي إلى زيادة حجم السيولة ومن ثم زيادة المستوى العام للأسعار ويحصل التضخم.

أما إذا كان الاقتصاد في مرحلة ما دون التشغيل الكامل فإن العجز لن يؤدي إلى التضخم، بل ينتقل الاقتصاد إلى حالة التشغيل الكامل، في هذه الحالة يستخدم مبدأ العجز عن قصد من أجل تخفيض حجم البطالة في المجتمع. ولكن يجب أن يكون المجتمع الاقتصادي قادراً على تحمل تكلفة هذه القروض كيلا تصبح عبئاً على كاهل الاقتصاد في المستقبل.

أما الإصدار النقدي لتمويل العجز المالي فإنه يؤدي بلا أدنى شك إلى زيادة السيولة الوطنية ومن ثم زيادة المستوى العام للأسعار، وعادة ما تستخدم الدول النامية وسيلة الإصدار النقدي لتمويل العجز، وقد تعمد بعض الدول المتقدمة إلى هذه الوسيلة استناداً إلى حجج معينة.

إن زيادة وسائل الدفع سواء في الدول المتقدمة أو الدول النامية تؤدي إلى انخفاض قيمة النقد الوطني وارتفاع المستوى العام للأسعار.

2ـ زيادة مديونية الدولة وانخفاض سعر صرف العملة الوطنية: إن تمويل العجز عن طريق القروض الخارجية سوف يؤدي إلى تحسين الظروف الداخلية، فإذا وجهت الدولة القروض الخارجية إلى المشاريع الإنتاجية يؤدي ذلك إلى تحسين ظروف الإنتاج وتستطيع المشاريع الإنتاجية تسديد قيمة القرض من خلال الضرائب، أما إذا وجهت الدولة القروض إلى تمويل الخدمات الاجتماعية فإن ذلك سوف يؤدي إلى تحسين الظروف الاجتماعية لكن الدولة سوف تقع تحت وطأة تسديد الديون، وسوف تفرض ضرائب جديدة لتسديد الديون، فإذا تعذر ذلك سوف تضطر للدفع من احتياطياتها الوطنية من القطع الأجنبي الأمر الذي يؤدي إلى انخفاض سعر صرف العملة الوطنية ومع ذلك ترتفع الأسعار ويحصل التضخم.

 3ـ يؤدي العجز المالي إلى زيادة حدة الفقر وزوال الطبقة الوسطى: إن تمويل العجز المالي عن طريق القروض الداخلية أو عن طريق الإصدار يؤدي إلى الآثار التالية:

أ ـ إذا قامت الدولة بتمويل العجز المالي عن طريق القروض الداخلية من الجمهور، يكتتب الأغنياء على هذه القروض، وتترتب على هذه القروض فوائد فيتوجب على الدولة تسديد القروض مع الفائدة للأغنياء، فإذا مولت هذه القروض مع فوائدها عن طريق ضرائب غير مباشرة جديدة فإن ذلك سوف يزيد من حدة الفقر ويزداد عدد الفقراء، أما إذا مولتها الدولة عن طريق الضرائب المباشرة التصاعدية فإنها لن تؤدي إلى هذه الآثار السلبية.

ب ـ إذا قامت الدولة بتمويل العجز عن طريق الإصدار النقدي فإن زيادة كميات النقود سوف تخفض قيمة العملة الوطنية فترتفع الأسعار، وتزداد في هذه الحالة قيمة ثروات الأغنياء لأنها من الأصول الثابتة، في حين تتراجع قيمة ثروات الفقراء لأنها أجور أو ممتلكات صغيرة فيزداد غنى الأغنياء ويزداد بالمقابل فقر الفقراء.

إن هذا التناقض يؤدي إلى الزوال التدريجي للطبقة الوسطى لأن أكثر دخولها تأتي من الأجور نتيجة عملها، وزوال هذه الطبقة سوف يزيد أعداد الفقراء في المجتمع وسوف يؤثر في التطور الاقتصادي والاجتماعي لأن هذه الطبقة تعد حاملة للتطور.

4ـ تراجع أهمية العمل المنتج: إن تمويل العجز المالي سواء عن طريق القروض الداخلية أم الخارجية أم من خلال الإصدار النقدي سوف يؤدي إلى التضخم وفي حالات التضخم تزداد المضاربة بالعقارات والأصول الثابتة والمجوهرات والحلي والسيارات وغيرها وتزداد أرباح هذه الأصول في حين تبقى أرباح القطاعات الإنتاجية على حالها ويمكن أن تزداد بمعدلات بسيطة، لذلك ينتج من هذه الحالة تراجع أهمية العمل المنتج وتزايد أهمية العمل غير المنتج، فتصبح المدن الكبرى مراكز للريع وللغنى الفاحش في حين يصبح الريف مركزاً للفقر على الرغم من كونها مراكز إنتاجية، تقدم السلع للمواطنين وتحقق الأمن الغذائي.

5ـ تراجع حجم الإيرادات العامة وخاصة الضرائب والرسوم الجمركية: إن تمويل العجز المالي عن طريق القروض مهما كان نوعها سوف يؤدي إلى تراجع أهمية العمل المنتج وسوف يظهر الاقتصاد الريعي (اقتصاد الخدمات) وهذا الاقتصاد بطبيعته تقل عليه الضرائب والالتزامات المالية مما يؤدي إلى انخفاض حجم الضرائب فيدخل الاقتصاد في حلقة مفرغة، أي يزداد حجم العجز ويزداد انخفاض حجم الضرائب إلى درجة يصبح بعدها من غير الممكن الاستمرار فتلجأ الدولة إلى الإصلاح المالي الذي لا بد من إجرائه، ويتمثل في فرض الضرائب على تقديم الخدمات في جزء منه لزيادة حجم الإيرادات الضريبية وتقليص العجز المالي.

إن هذه الآثار الاقتصادية والإنتاجية للعجز المالي تؤثر في كفاءة الاقتصاد الوطني وفي كفاءة استخدام المواد الأولية وتؤثر في توزيع الدخل فيظهر الغنى الفاحش ويظهر بالمقابل الفقر المدقع وتظهر قرى الأغنياء على أطراف المدن محاطة بهالة من الكبرياءفي حين يظهر على أطراف المدن مجمعات سكنية عشوائية تعبر عن حدة الفقر والعوز الاجتماعي.

خامساً ـ نظرية عجز الموازنة في المالية العامة الحديثة:

أكدت المدرسة الكلاسيكية ضرورة عدم تدخل الدولة في الاقتصاد، ومن ثم تحقيق التوازن المالي بين الإيرادات والنفقات، وانتهت أفكار الكلاسيك بالكساد الكبير الذي حدث عام 1929 في أوربا والولايات المتحدة الأمريكية.

لقد مهد هذا الكساد لظهور أفكار اللورد جون مانيارد كينز التي قامت على تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية وعلى دور المالية العامة في نقل الاقتصاد من حالة الركود إلى حالة الرواج الاقتصادي، لذلك ظهرت نظرية كينز "العجز الدائم" وقد مهد لها وطورها السير ويليم بيفردج تقول نظرية العجز الدائم أنه ينبغي على الدولة استخدام سياسة العجز إذا لم يكن لدى الموازنة العامة عجزٌ أي يجب افتعال العجز عن طريق زيادة الإنفاق العام سواء على الخدمات الاجتماعية أم على المشروعات الاقتصادية، فعندما يبدأ الاقتصاد بالخروج من الركود وتبدأ الفعالية الاقتصادية يجب على الدولة البدء في زيادة الضرائب لكي لا يظهر التضخم فتمتص جزءاً من فائض السيولة، وينبغي على الحكومة تمويل العجز المالي من دون خشية مادام الاقتصاد لم يصل إلى حالة التشغيل الكامل.

إن تمويل العجز المالي عن طريق القروض العامة سوف يؤدي إلى توليد دخول جديدة وسوف يزداد الطلب الكلي الأمر الذي يدفع الأفراد والمؤسسات إلى زيادة الإنتاج فما دام تمويل العجز يؤدي إلى زيادة الإنتاج يجب على الدولة الاستمرار في هذه الزيادة إلى الحالة التي يصل فيها الاقتصاد إلى التشغيل الكامل ويبدأ ارتفاع الأسعار، عندها تتوقف سياسة العجز الدائم وتبدأ عملية فرض الضرائب لكي تخفف من آثار التضخم.

إن هذه النظرية أدت في أوربا في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية إلى زيادة حجم الطلب الكلي وانتقلت الاقتصادات من حالة الركود إلى حالة الرواج وقد استمرت الحكومات في هذه السياسة منذ الحرب العالمية الثانية عام 1945 ولغاية 1958 إذ بدأت بعدها بوادر التضخم وظهر مفعول منحنى فليبس (البطالة والتضخم معاً) كما ينصح الاقتصاديون الدول النامية بالعمل بسياسة العجز الدائم لكي تخرج من الركود الذي تعانيه، لقد استخدمت دول النمو الآسيوية هذه السياسة ونجحت فيها فانتقلت من دول نامية إلى دول متقدمة كماليزيا وغيرها، كما استخدمت تركيا هذه السياسة واستطاعت أن تنتقل من دولة متخلفة عام 1980 إلى دولة متطورة عام 2000.

إن توازن الموازنة يبقي الطلب منخفضاً والإنتاج في حالة متدنية ولا تظهر تكنولوجيا متطورة، أما عند استخدام سياسة التمويل بالعجز فإن هذا الأمر سوف يؤدي إلى زيادة الطلب الكلي فإذا كان الإنتاج مرناً يستطيع الاستجابة لزيادة الطلب أي سوف يبدأ المنتجون بتشغيل العمال وشراء الآلات الحديثة، واستيراد المواد الأولية فيزداد الإنتاج الذي يمكن توزيعه على الاستهلاك المحلي أو التصدير الأمر الذي يزيد من معدلات النمو وينقل الاقتصاد إلى الرواج، ولكن تتوقف صحة هذه النظرة على أن يكون العجز سبباً لتمويل نفقات استثمارية يؤدي إلى زيادة الإنتاج وزيادة نسبة التشغيل، وإذا تمت في غير هذه الظروف فإنها تؤدي إلى آثار سلبية على الاقتصاد.

سادساً ـ مبدأ عجز الموازنة في سورية:

أخذت الدولة على عاتقها في سورية منذ فجر الاستقلال مسؤولية التدخل في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وأصبحت مهمة التنمية من المهام الأساسية للدولة، وحرصت الدولة على التجاوب مع المطالب الملحة للمواطنين، مثل مكافحة الفقر والتخلف وتحسين الظروف الاجتماعية ورفع المستوى المعاشي للسكان، وقد ظهر العجز المالي أول مرة عام 1955 وعندها أحدثت الدولة صندوق الدين العام بهدف الاقتراض لتمويل عجز الموازنة العامة، ومنذ ذلك التاريخ استمر العجز في الموازنة العامة بدرجات متفاوتة استناداً إلى الحالة الاقتصادية والاجتماعية وظروف المواسم الزراعية. إضافة إلى ذلك فقد أخذت الدولة طريق التطور الاشتراكي في أعقاب ثورة آذار 1963 وأخذت على عاتقها إقامة مشاريع القطاع العام الصناعي الأمر الذي زاد من الاستثمارات الحكومية وزاد مستوى العجز في الموازنة العامة للدولة.

لقد أدى تزايد العجز المالي إلى تآكل الاحتياطيات الحكومية من القطع الأجنبي وأدى ذلك إلى انخفاض قيمة العملة السورية بعد أن كانت مستقرة حتى عام 1985.

يعود العجز المالي في سورية إلى عدة أسباب أهمها:

تقديم الخدمات الصحية والتعليمية والثقافية مجاناً للمواطنين.

إقامة مشاريع القطاع العام الصناعي على نفقة الدولة.

تمويل النفقات الحربية والتسلح لمواجهة العدو الصهيوني.

تخفيض الضرائب بهدف تشجيع الاستثمار وتقديم المزيد من الإعفاءات الضريبية عبر الأنظمة والقوانين الناظمة للاستثمار.

إقامة مشاريع البنى التحتية أو تحديثها بهدف جذب الاستثمار والمستثمرين الأجانب وزيادة حجم الإنتاج والتصنيع.

إن هذه الأسباب أدت وما زالت تؤدي إلى زيادة حجم العجز المالي في الموازنة العامة للدولة. وقد نتج من العجز المالي العديد من الآثار الاقتصادية والاجتماعية التي أثرت في كفاءة استخدام عوامل الإنتاج.

تمول سورية العجز المالي عن طريق الإصدار النقدي والقروض الداخلية وأحياناً الخارجية الأمر الذي يؤثر في سعر صرف الليرة السورية ويؤدي إلى ارتفاع الأسعار، لكن استقرار حجم التصدير من النفط قد أدى إلى وجود احتياطيات بالقطع الأجنبي أسهمت في استقرار سعر صرف الليرة السورية، لكن الإصدار النقدي أسهم ومازال يسهم في زيادة المستوى العام للأسعار وقد ظهر ذلك بوضوح منذ عام 2006 حتى عام 2010 إذ وصلت معدلات التضخم إلى 20% سنوياً.

 

مراجع للاستزادة:

 

ـ علي كنعان، اقتصاديات المال السياستان المالية والنقدية (دار الحسنين، دمشق 1997).

ـ علي كنعان، المالية العامة والإصلاح المالي في سورية (دار الرضا، دمشق 2003).

ـ عبد المطلب عبد الحميد، اقتصاديات المالية العامة (الدار الجامعية، القاهرة 2005).

ـ محمود نيربي، الاقتصاد المالي (جامعة حلب، 1981).

ـ كمال غالي، الاقتصاد المالي (جامعة دمشق، 1968).

ـ عبد الكريم صادق بركات، الاقتصاد المالي (الدار الجامعية، القاهرة 1980).

ـ عبد المنعم فوزي، المالية العامة والسياسة المالية (دار النهضة العربية، بيروت 1972).

ـ زينب حسين عوض الله، مبادئ المالية العامة (الدار الجامعية، الإسكندرية 1998).


التصنيف : القانون المالي
النوع : القانون المالي
المجلد: المجلد السابع: المحكمة الجنائية الدولية _ ولاية المظالم في الإسلام
رقم الصفحة ضمن المجلد : 321
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 38
الكل : 11017838
اليوم : 6575