logo

logo

logo

logo

logo

إعداد الموازنة العامة

اعداد موازنه عامه

preparing the general budget - préparation du budget général

 إعداد الموازنة العامة

إعداد الموازنة العامة

محمد سعيد فرهود

مفهوم إعداد الموازنة

السلطة الصالحة لإعداد الموازنة

مراحل إعداد الموازنة

طرق تقدير نفقات الدولة وإيراداتها

 

لا بد قبل البدء ببحث إعداد الموازنة العامة من التعرض للفقرات التالية:

مفهوم الموازنة العامة: تعرف الموازنة العامة بأنها: "توقع وإجازة للنفقات العامة وللإيرادات العامة عن مدة مقبلة غالباً ما تكون سنة، وتعمل على تحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية المستوحاة من الفلسفة التي تتبناها الدولة". وقد عرّف القانون المالي الأساسي في سورية الموازنة العامة بأنها: "الخطة المالية الأساسية السنوية لتنفيذ الخطة الاقتصادية وذلك بما يحقق أهداف هذه الخطة ويتفق مع بنيانها العام والتفصيلي".

إطار الموازنة العامة: يقصد بإطار الموازنة العامة المجتمع الذي تطبق فيه وظروفه السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمالية؛ لأن هناك تأثيراً متبادلاً بين الموازنة العامة وإطارها. فكل يؤثر ويتأثر بالأخر، وهذا يعني أنه يجب تحديد أهداف الموازنة العامة في الدولة، واختيار نماذجها ومضمونها بما يحقق هذه الأهداف، وهذا يعني أيضاً ملاءمة تنفيذ الموازنة مع السياسة الداخلية والسياسة الخارجية للدولة، والوضع المالي، والنشاط الاقتصادي للدولة الماضي والحاضر بما فيها مؤشرات التجارة الخارجية ومعدل النمو الاقتصادي، والمؤشرات الاجتماعية من معدل البطالة ومستوى الأسعار، وتوقعات النشاط الاقتصادي خلال الفترة القصيرة والفترة الطويلة. ومن ثم فإن ذلك كله يقتضي تقليل النفقات الجارية في الموازنة العامة.

ربط الموازنة العامة بالخطة: هناك علاقة وثيقة بين الخطة الاقتصادية والاجتماعية وموازنة الدولة، وخاصة ما يتعلق بالنفقات الاستثمارية. هذه العلاقة تظهر على أشدها في البلاد التي تأخذ بالتخطيط الشامل حيث تصبح الموازنة العامة جزءاً من الخطة المالية، وتصبح الخطة القومية تحكم الموازنة العامة في وضعها وتنفيذها بحيث تقصد الموازنة العامة إلى تحقيق الأهداف الواردة في الخطة، وأن يتفق بدء الموازنة العامة السنوية وانتهاؤها مع بدء الخطة السنوية وانتهائها، وأن تتغير طبيعة الموازنة العامة لتلاءم الطبيعة الإلزامية للخطة القومية بحيث تتغير طبيعة الاعتمادات الواردة في الموازنة من تقدير وإجازة إلى تقدير وأمر بالتنفيذ.

  أما في البلاد التي لا تأخذ بالتخطيط الشامل فتظهر العلاقة بين الخطة والموازنة من خلال موازنة البرامج الاقتصادية والاجتماعية، حيث يتطلب تنفيذ هذه البرامج اعتماد المبالغ اللازمة لتنفيذ المشروعات المنصوص عليها في الخطة التي يقع عبء تنفيذها على الدولة، على الرغم من أن هذا التنفيذ يجاوز السنة المالية، وهو ما يتطلب إيجاد استثناء من مبدأ سنوية الموازنة.

4ـ دورة الموازنة العامة: يشار إلى مجموع المراحل التي تمر بها الموازنة العامة بـ"دورة الموازنة العامة". وهذه المراحل هي: الإعداد، والإقرار، والتنفيذ، والرقابة على التنفيذ. ويمكن إظهارها كما في الشكل (1).

وسيتم التفصيل في هذا البحث في المرحلة الأولى، وهي إعداد الموازنة العامة، حيث سيتم التعرض للفقرات التالية:

أولا ًـ مفهوم إعداد الموازنة:

يُقصد بإعداد الموازنة العامة القيام بالتحضيرات اللازمة من جمع بيانات ومعلومات من الوزارات والإدارات والجهات العامة التي تشملها موازنة الدولة من أجل وضع مسودة بدائية على هيئة ديباجة مالية تكون نواة للموازنة العامة للدولة. ومن ثم فهي تشمل جميع الإجراءات التي تتعلق بالموازنة العامة في مرحلة تسبق مرحلة التصويت عليها في البرلمان أي تعمل على بلورة التوقعات المالية.

وينجم عن هذا المفهوم ما يلي:

إذا كانت هناك جهة يعهد إليها بتحضير الموازنة فإن ذلك لا يعني أن تقوم هذه الجهة وحدها بهذا الإعداد. ذلك أن الموازنة العامة تتضمن جميع الإيرادات العامة وجميع النفقات العامة لكل الوزارات والإدارات الحكومية والجهات الأخرى التي تشملها الموازنة العامة، لذلك تتطلب ضرورة اشتراك هذه الجهات في عمليات إعداد الموازنة، ثم تناقش في تقديراتها من قبل جهة مركزية مسؤولة عن إعداد الموازنة العامة ليتم التنسيق بين التقديرات المختلفة، وليتم التقليل من المغالاة التي تميل إليها الجهات التي تشملها الموازنة العامة، خصوصاً في نطاق الموازنة العامة التقليدية، أو ما تسمى موازنة المساومة.

إن إعداد الموازنة يجب أن يطابق الهرم القانوني في الدولة:

> فيتم الإعداد في حدود المبادئ الدستورية، وخصوصاً بالنسبة إلى ملاءمة مبادئ الموازنة العامة: السنوية، والوحدة، والشمول، والتوازن، وفي حدود الاستثناءات التي سمح بها الدستور.

> ويتم الإعداد في حدود المبادئ القانونية المعروفة في قانون الموازنة العامة. وذلك أن قانون الموازنة وهو يصدر عن السلطة التشريعية يعد "قانوناً" من الناحية الشكلية. لكنه من الناحية الموضوعية لا يعدّ قانوناً بل "عملاً تنفيذياً إدارياً" حيث يجب ألا يتضمن قواعد عامة مجردة، بل يقتصر على تحديد نفقات الدولة وإيراداتها خلال السنة المقبلة. وعلى ذلك فالموازنة ـ وهي بطبيعتها عمل إداري يتخذ شكل القانون ـ يجب أن تخلو من "ملحقات الموازنة" أو "الأحكام الإضافية مبدئياً". وقد قضت محكمة القضاء الإداري المصرية بأن: "قانون ربط الميزانية لا يتضمن عادة قواعد عامة مجردة، وإنما هو تحديد للإيرادات من مصادرها وتوزيع لها على مصارفها العامة بما يكفل سير مرافق الدولة في فترة محددة من الزمن في الغالب عام واحد، وهذا العمل بطبيعته تنفيذي إداري ولكن لأهميته ولتحمل أفراد الدولة أعباءه وآثاره تقرر أن يصدر من السلطة التشريعية التي تمثل إرادة الأمة في أفرادها نواباً وشيوخاً. ولما كانت أغلب أعمال السلطة التشريعية تصدر في قوانين كانت الميزانية تربط هي الأخرى بقانون". (انظر مجموعة مجلس الدولة المصري، السنة السابعة، ج 3، ص 100).

> يجب أن يتم إعداد الموازنة ضمن التعليمات التي تصدرها الجهة المسؤولة عن الإعداد، وضمن النماذج التي تعدها؛ وذلك حتى يتم التنسيق بين أجزاء الموازنة بسهولة ويسر.

> يجب أن تعد الموازنة لتحقيق أهداف اجتماعية وسياسية واقتصادية، فلا تبقى ضمن الحياد الذي نادى به التقليديون. وعلى هذا فهدفها الأساسي هو التوازن الاقتصادي لا التوازن المالي، وهذا لا يعني عدم الربط بين النفقات العامة والإيرادات العامة، بل يتم الربط بينهما، ومع الأخذ بنظرية العجز المنظم سواء أكان ذلك ضمن البلاد المتقدمة أم المتخلفة.

> يجب أن يفسح دور في بداية وضع الاتجاهات العامة للموازنة العامة لرئيس الدولة (رئيس الجمهورية في سورية) يعرضها عليه وزير المالية ورئيس مجلس الوزراء.

> إذا كان هناك اتجاه دستوري يقوم على أساس تقييد سلطان السلطة التشريعية، وذلك باشتراط موافقة الحكومة على التعديلات التي تطلبها السلطة التشريعية فإنه يقترح أيضاً أن يعرض وزير المالية بوجود الوزراء ورئيس مجلس الوزراء الاتجاهات العامة للموازنة على السلطة التشريعية. وهذا لا يمنع من عرض مشروع الموازنة العامة على السلطة التشريعية بعد ذلك لإقرارها، فهذا حق دستوري لا منازعة فيه. وهذا الرأي يمنع الاختلاف بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية في مرحلة إقرار الموازنة، وقد يؤدي هذا الاختلاف إلى استقالة الحكومة أو إلى قيام رئيس الجمهورية بحل المجلس التشريعي وإجراء انتخابات جديدة، وبالتالي يعرض البلاد لعدم الاستقرار.

ثانياً ـ السلطة الصالحة لإعداد الموازنة:

1ـ أي من السلطات الثلاث أولى بإعداد الموازنة:

تنص الدساتير عادة على ضرورة وجود ثلاث سلطات في الدولة، وعلى ضرورة الفصل بين مهام هذه السلطات الثلاث. ومن ثم يطرح التساؤل عن أي من السلطات يدخل إعداد الموازنة العامة للدولة ضمن مهامها؟

تم الاتفاق فقهاً وتطبيقاً على أن إعداد الموازنة العامة للدولة لا يقع ضمن مهام السلطة القضائية، فهذه القضية تنأى بطبيعتها عن تلك المهام. واختُلف فقهاً وتطبيقاً على أن إعداد الموازنة العامة للدولة يقع ضمن مهام السلطة التشريعية أو السلطة التنفيذية، فوجدت ثلاثة اتجاهات:

أ ـ لجنة الموازنة من السلطة التشريعية: عهدت بعض البلاد ـ وتبنى ذلك بعض الفقهاء الدستوريين والماليين ـ إلى لجنة من السلطة التشريعية هي لجنة الموازنة بإعداد الموازنة العامة للدولة. ذلك أن هذه اللجنة تتلقى طلبات الجهات التي تشملها الموازنة العامة ثم تعرض اللجنة مشروع الموازنة على بقية أعضاء الهيئة التشريعية للموافقة عليه حسب الأصول.

وقد أخذ على هذه الطريقة عيبان: أولهما أن اللجنة التابعة للسلطة التشريعية لا تتوافر لديها إمكانية معرفة الحاجات المالية لجميع الجهات التابعة لموازنة الدولة مقارنة بما هي عليها السلطة التنفيذية. وثانيهما أن المصلحة العامة قد تصاب في مقتل حينما يعمد أعضاء اللجنة وهم من السلطة التشريعية إلى تغليب الاعتبارات الانتخابية فيرصدون اعتمادات أكثر للمناطق التي يترشحون للانتخابات فيها هم أو بقية زملائهم من أعضاء السلطة التشريعية.

ب ـ لجنة مشتركة من السلطتين التشريعية والتنفيذية: قُصد من هذه اللجنة إشراك السلطتين التشريعية والتنفيذية في هذه القضية المهمة، وهي إعداد الموازنة العامة للدولة. وتقوم هذه اللجنة بدراسة طلبات الجهات العامة التي تشملها الموازنة العامة للدولة، والتنسيق بينها، وتحضير مشروع الموازنة الذي يعرض أصولاً على السلطة التشريعية.

ج ـ السلطة التنفيذية: ذهب غالبية فقهاء القانون الدستوري والمالي، وغالبية علماء المالية العامة إلى أن السلطة التنفيذية هي الأولى بالقيام بمهمة إعداد الموازنة العامة للدولة. وقد برروا ذلك بما يلي:

(1) ـ أن السلطة التنفيذية (الحكومة) أدرى وأقدر من السلطة التشريعية على معرفة نفقات الجهات التي تشملها الموازنة العامة وإيراداتها، وقيل في ذلك: إن صاحب الدار (السلطة التنفيذية) أدرى بما فيها.

(2) ـ إذا كانت الحكومة هي التي ستتولى تنفيذ الموازنة العامة ـ وهي المرحلة الثالثة من مراحل دورة الموازنة ـ فإن المنطق يقتضي أن من هو مسؤول عن التنفيذ يجب أن يعهد إليه أيضاً بمهمة الإعداد، ومن ثم فإن هذا يتطلب من الحكومة أن تقوم بمهمة إعداد الموازنة العامة بدقة وعناية ووضوح.

(3) ـ إن الموازنة العامة تعد خطة سنوية عامة (برنامج عمل سنوي) للحكومة تلتزم بتطبيقه خلال السنة المقبلة. وهذا يتطلب أن يترك للحكومة نفسها حق إعداد الموازنة.

(4) ـ تتعدد التقسيمات في الموازنة العامة، وتتعدد البنود في كل تقسيم بالنسبة إلى الإيرادات العامة وللنفقات العامة، وهذا يتطلب ضرورة التنسيق بين أجزاء الموازنة العامة. والسلطة الأقدر على تحقيق هذا التنسيق هي السلطة التنفيذية، ويشار إلى أن السلطة التشريعية بأعضائها المتعددين واختلاف مطالبهم المالية ومحاولة إرضاء ناخبيهم قد تفقد التنسيق المطلوب بين أجزاء الموازنة العامة للدولة.

(5) ـ ويضيف بعضهم إلى ذلك أن الموازنة العامة ليست في حقيقتها بقانون بل هي عمل إداري اتخذ شكل القانون. ومن ثم يجب أن يترك للسلطة التنفيذية أمر تقدير نفقات الجهات التي تشملها الموازنة العامة وكيفية تغطيتها بالإيرادات العامة. وإذا أخطأت أو قصرت عند التنفيذ فإن السلطة التشريعية تملك القدرة على مناقشة السلطة التنفيذية ومحاسبتها.

وفي سورية تبنى المرسوم التشريعي رقم (92) لعام 1967، والمرسوم التشريعي رقم (54) لعام 2006ـ المتضمن القانون المالي الأساسي المطبق حالياً في المواد (11ـ13) ـ قيام السلطة التنفيذية بمهمة إعداد الموازنة العامة للدولة.

إذن يُخلص من ذلك كله إلى أن غالبية الفقهاء والعلماء والدول اتفقوا على أن السلطة التنفيذية هي التي يجب أن تقوم بمهمة إعداد الموازنة العامة للدولة. وإذا علم أن السلطة التنفيذية تتألف من جهات مختلفة فمَنْ مِنَ السلطة التنفيذية تتولى إعداد الموازنة العامة للدولة؟

مَنْ مِنَ السلطة التنفيذية يقوم بمهمة إعداد الموازنة العامة، وما مدى سلطته في ذلك؟

اختلف التطبيق من دولة لأخرى، كل بحسب دستورها وتاريخها المالي، وسيقتصر على بيان أهم الاتجاهات في دول العالم:

أ ـ الأسلوب المتبع في المملكة المتحدة: يتمتع وزير الخزانة البريطاني بسلطات واسعة في إعداد الموازنة العامة للدولة. فهو وحده الذي يتولى تقدير الإيرادات العامة، ولا معقب له على هذا التقدير. أما بالنسبة إلى النفقات العامة فتتولى كل جهة حكومية تقدير ما تحتاج إليه من نفقات، ثم ترسل هذا التقدير لوزير المالية الذي يدرسه وله حق قبوله أو تعديله بموافقة الوزير المختص أو بعدم موافقته، وتستثنى من ذلك النفقات التي تتعلق بالسياسة العامة للدولة كالنفقات العسكرية، فإذا حصل خلاف بين وزير الخزانة والوزير المختص فإن الأمر يعرض على مجلس الوزراء للبت فيه.

ب ـ الأسلوب المتبع في فرنسا: تتولى السلطة التنفيذية حالياً إعداد الموازنة العامة، ولكن وزير الخزانة الفرنسي لا يتمتع بالسلطات الواسعة التي يتمتع بها وزير الخزانة الإنكليزي بخصوص تعديل النفقات المقترحة من الوزراء. وإذا حصل خلاف بين وزير المالية وأي وزير بهذا الخصوص فإن هذا الخلاف يعرض على رئيس الوزراء (الوزير الأول) حيث يسعى إلى التوفيق بينهما وإن كان لا يملك حق البت في الموضوع، بل عليه في حال عدم الاتفاق أن يرفع الموضوع إلى مجلس الوزراء للبت فيه. وقد نصت المادة (37) من قانون 1959 على ما يلي: "يعدٌ وزير المالية بإشراف رئيس الوزراء مشروع القانون المالي السنوي (الموازنة) والذي يبت فيه مجلس الوزراء". يلاحظ أن المجالس التشريعية كانت تتولى إعداد الموازنة العامة في فرنسا أيام الثورة الفرنسية الكبرى، ثم انتقلت هذه الصلاحيات إلى مجلس الشورى في فرنسا أيام الامبراطورية، ثم إلى الحكومة بعد إعادة الملكية. وفي عهد الامبراطورية الثانية أنيط الأمر بمجلس شورى الدولة يعاونه وزير المالية. وبدءاً من سنة 1872، أي على أثر إعلان الجمهورية الثانية عهد الأمر إلى وزير المالية، تحت إشراف مجلس الوزراء.

وقد تزامنت هذه التطورات مع التطورات السياسية التي كانت تمر بها فرنسا، فقد كانت السلطة التشريعية في فرنسا تملك حق اقتراح القوانين من دون قيد أو شرط أيام الثورة الفرنسية الكبرى. وفي سنة 1814 قيد هذا الحق بقيود عديدة، ثم تجاهل النواب هذه القيود فأخذوا يقرون نفقات جديدة من دون موافقة الملك. وفي سنة 1830 اعترف الدستور للبرلمان بحقه المطلق باقتراح القوانين المالية. وفي عهد الامبراطورية الثانية حصر حق اقتراح القوانين المالية برئيس الدولة، وفي عهد الجمهورية الثالثة والرابعة تساوت السلطتان التنفيذية والتشريعية في حق اقتراح القوانين. ولكن حق البرلمان هذا أخذ يضيق شيئاً فشيئاً بتأثير النواحي الاقتصادية والمالية التي تدخل في اختصاص الفنيين والخبراء حيث يعهد إليهم مهمة إعداد "الحسابات القومية والموازنات القومية" في فرنسا. وقد قيدت الجمهورية الخامسة حق البرلمان في زيادة النفقات العامة حيث نص على ذلك في دستور 1958.

ج ـ الأسلوب المتبع في الولايات المتحدة الأمريكية: تتبع الولايات المتحدة الأمريكية النظام الرئاسي، ومن ثم فإن رئيس الجمهورية يعد هو رئيس السلطة التنفيذية، كما يعد الوزراء أمناء سر له. ونجم عن ذلك أن إعداد الموازنة العامة لا يترك لوزارة المالية، بل يقوم أساساً به "مكتب الموازنة" الذي يتبع مباشرة لرئاسة الجمهورية.

إذ كان حق تحضير الموازنة قبل سنة 1921 في الولايات المتحدة محصوراً بالسلطة التشريعية فقط، ومن ثم فهي وحدها تملك حق تخفيض النفقات أو زيادتها واقتراح ضرائب جديدة. وكاد هذا الوضع يجر الولايات المتحدة إلى الفوضى، ولذلك أدى إلى التطورات التالية: أصبح وزير الخزانة الأمريكي يرسل إلى رئيس الكونغرس في بدء كل دورة مالية كتاباً يتضمن تقديراً للاعتمادات اللازمة للسنة القادمة معتمداً في ذلك على المعلومات التي ترده من الوزراء الآخرين، كما يقدم تقريراً يستعرض فيه حالة الدولة المالية خلال السنة المنصرمة (السنة ما قبل الأخيرة)، كما يقدر في هذا التقرير الواردات المحتمل تحصيلها خلال السنة المالية الحالية وخلال السنة المالية القادمة، ويبين للكونغرس التدابير المالية التي يرى ضرورة اتخاذها من أجل الموازنة العامة للسنة القادمة، وبذلك تنتهي مهمة وزير الخزانة. ويحوّل رئيس الكونغرس الكتاب إلى لجنة النفقات في الكونغرس، كما يحوّل التقرير إلى لجنة الواردات في الكونغرس. وكانت كل لجنة تعمل بمعزل عن الأخرى، و من دون أن تستمع إلى وزير الخزانة أحياناً، حيث كانت اللجنة الأولى تقوم بإعداد "موازنة النفقات" في حين تحضر اللجنة الثانية "موازنة الإيرادات". وهذا جعل الجميع يدرك أنه لابد من وجود سلطة تهيمن على أعمال اللجنتين بغية التنسيق بينهما وتحقيق التوازن بين النفقات والإيرادات فأعطيت هذه الصلاحية لرئيس الكونغرس، ومنح رئيس الولايات المتحدة حق النقض.

وفي سنة 1921 صدر قانون نزع من المجلس حق إعداد الموازنة، وأعطاه لرئيس الجمهورية والذي أصبح يتمتع بصلاحيات واسعة لتنسيق البرامج المالية بواسطة "مكتب الموازنة" لديه، ولكن بقي الكونغرس يتمتع بحق مطلق في تعديل بنود الموازنة العامة بكاملها.

وفي سنة 1946 صدر قانون في الولايات المتحدة أعاد للكونغرس جزءاً من اختصاصه السابق في إعداد الموازنة العامة. فقد نص هذا القانون على أنه: "بعد اطلاع الكونغرس على مشروع الموازنة الذي يتقدم به رئيس الجمهورية فإن الكونغرس يصدر قراراً يحدد فيه الحد الأقصى لمجموع النفقات العامة"، ولكن الواقع أثبت أن هذا القانون غير قابل للتنفيذ، وأصبح الوضع حالياً أن مكتب الموازنة الذي يتبع مباشرة لرئاسة الجمهورية هو الذي يقوم بإعداد الموازنة.

د ـ الأسلوب المتبع في جمهورية مصر العربية: نصت المادة (14) من القانون رقم (53) لسنة 1973 المعدل بالقانون رقم (87) لسنة 2005 على أنه: "تشكل في كل جهة لجنة متخصصة تتولى إعداد مشروع موازنتها وفقاً لما تسفر عنه النتائج الفعلية لتنفيذ الموازنة خلال الثلاث سنوات السابقة، مع مراعاة معدلات النمو الحقيقي والتضخم على أساس المقاييس والأنماط الكمية والمالية والدراسات والأبحاث الفنية والاقتصادية والتي تؤدي إلى تحقيق الأهداف المخططة، ومع مراعاة استبعاد أية إيرادات استثنائية تحققت خلال سنة معينة". أما بالنسبة إلى الباب السادس المتعلق بالاستثمارات فإن كل وزارة تقوم بمناقشة موازنتها الاستثمارية مع وزير التنمية الاقتصادية وبنك الاستثمار القومي، كما يمكن لوزير التنمية الاقتصادية اقتراح بعض المشروعات في ضوء الخطة الخمسية، ويقتصر دور وزارة المالية على المراقبة فقط عند إعداد الباب السادس لنفقات الدولة في مصر. ونصت المادة (32) من دستور جمهورية مصر العربية على أن يرسل مشروع الموازنة بعد إقراره من رئيس الجمهورية إلى مجلس الأمة قبل انتهاء السنة المالية بثلاثة أشهر على الأقل لبحثه واعتماده. ولا يجوز لمجلس الأمة إجراء أي تعديل في المشروع إلا بموافقة الحكومة.

هـ ـ الأسلوب المتبع في لبنان: نصت المادة (83) من الدستور اللبناني الحالي على أنه: "كل سنة في بدء عقد تشرين الأول تقدم الحكومة لمجلس النواب موازنة شاملة نفقات الدولة ودخلها عن السنة القادمة". ونصت المادة (84) على أنه "لا يجوز للمجلس خلال مناقشة الموازنة أن يزيد الاعتمادات المقترحة عليه في مشروع الموازنة وبقية المشاريع المذكورة سواء أكان ذلك بصورة تعديل يدخله عليها أو بطريقة الاقتراح. غير أنه يمكنه بعد الانتهاء من تلك المناقشة أن يقرر بطريقة الاقتراح قوانين من شأنها إحداث نفقات جديدة". ويستخلص من ذلك أن إعداد الموازنة العامة في لبنان منوط بالسلطة التنفيذية (الحكومة)، وأن مجلس النواب لا يملك حق زيادة النفقات في أثناء دراسة مشروع الموازنة أو في أثناء دراسة مشاريع الاعتمادات الإضافية التي تقدمها له الحكومة، ولا يوجد في الدستور اللبناني ما يحق للمجلس اقتراح ضرائب جديدة. ولكن نظراً لأن الأصل في الأشياء الإباحة، ولأنه لكل نائب حق في اقتراح القوانين، ولأن المادة (18) من الدستور تنص على أنه: "لا يجوز فرض ضريبة أو إحداثها أو جبايتها أو تعديلها أو إلغاؤها إلا بقانون" يمكن القول إنه يحق للنواب اقتراح إيرادات جديدة.

و ـ الأسلوب المتبع في الجمهورية العربية السورية: تنص المادة (71) من دستور الجمهورية العربية السورية الصادر عام 1973 على أنه: "يتولى مجلس الشعب إقرار الموازنة العامة وخطط التنمية"، ونصت المادة (74) على أنه: "يجب عرض مشروع الموازنة على مجلس الشعب قبل شهرين على الأقل من بدء السنة المالية. ولا تعتبر الموازنة نافذة إلا إذا أقرها المجلس". وقد نص المرسوم التشريعي رقم (54) تاريخ 1/10/2006 المتضمن القانون المالي الأساسي الجديد في سورية في المواد (11ـ14) على أن إعداد الموازنة العامة في سورية يقع على السلطة التنفيذية على التفصيل الذي سيرد في موضوع مراحل إعداد الموازنة العامة.

ثالثاً ـ مراحل إعداد الموازنة:

إن إعداد الموازنة العامة يعهد إلى جهة من الجهات العامة على التفصيل الذي ورد في الفقرة السابقة، ولكن ذلك لا يعني أن تنفرد تلك الجهة بوضع الموازنة؛ لأن هذه الموازنة تشمل إيرادات الوزارات والمصالح والإدارات الحكومية ونفقاتها لذلك لا بد أن تشترك تلك الجهات في إعداد الموازنة ليجري التنسيق بين التقديرات المختلفة وللتقليل من المغالاة التي تميل إليها الجهات الإدارية في تقديراتها.

وتتفق غالبية دول العالم في المراحل التي يمر بها إعداد الموازنة. وتبدأ هذه المراحل عادة بإعداد الإطار العام للموازنة، ثم مرحلة إصدار تعليمات إعداد الموازنة، ثم مرحلة إعداد الموازنة في الجهات الإدارية المختلفة، ثم مرحلة إعداد الموازنة في وزارة المالية، ثم مرحلة إعداد الموازنة في مجلس الوزراء. وفيما يلي تفصيل لكل منها.

إعداد الإطار العام للموازنة: يعهد إلى لجنة فنية في وزارة المالية بإعداد دراسة عن توقعات الوضع الاقتصادي والمالي في الدولة في السنة القادمة. وبناء على هذه التوقعات تقدم اللجنة توصياتها فيما يتعلق بالإطار العام لموازنة الدولة. ويقصد من هذه المرحلة إيجاد الترابط بين الموازنة السنوية والخطة السنوية التي تعد جزءاً من الخطة الخمسية للدولة. وتتقدم هذه اللجنة بتقريرها إلى وزير المالية الذي يرفعه بدوره إلى مجلس الوزراء، ويقوم مجلس الوزراء (أو لجنة من مجلس الوزراء) بدراسة هذا التقرير. ومن الأفضل عرض هذا التقرير على رئيس الجمهورية، وعلى السلطة التشريعية. وعلى ضوء دراسة هذا التقرير يصدر مجلس الوزراء تعليماته متضمنة "الإطار العام لموازنة السنة المقبلة" وفقاً للسياسة العامة للدولة. وتبلغ هذه التعليمات لوزارة المالية.

إصدار تعليمات إعداد الموازنة من وزارة المالية للجهات الأخرى: استناداً إلى ما رسمه مجلس الوزراء من "الإطار العام لموازنة السنة المقبلة" تقوم وزارة المالية بإعداد "تعليمات إعداد الموازنة" في الجهات المختلفة التي تشملها الموازنة، وتبلغه لجميع الجهات. وتتضمن هذه التعليمات عادة ما يلي:

أ ـ أسس تقدير الإيرادات العامة والنفقات العامة، ووجوب عدم المغالاة والتزام الدقة في هذه التقديرات.

ب ـ الموعد المحدد الذي يجب أن تنتهي فيه الجهات المختلفة التي تشملها الموازنة العامة من إعداد موازنتها، وإرسال هذه التقديرات إلى وزارة المالية (وغالباً ما يتم التحديد قبل بدء السنة المالية بأربعة شهور على الأقل لتجد وزارة المالية الوقت الكافي لمناقشة المشروعات المختلفة والتنسيق بينها، وإعداد المشروع الموحد للموازنة العامة الجديدة).

ج ـ النماذج الواجب استخدامها من قبل الجهات التي تشملها الموازنة العامة في إعداد مشاريع موازنتها. والهدف من ذلك تسهيل عمل تلك الجهات، وتوحيد طريقة إعداد الموازنة في هذه الجهات، وسهولة إعداد المشروع الموحد للموازنة، وتحقيق التناسق في أجزائها المختلفة. نصت المادة (10) من القانون المالي الأساسي الصادر بالمرسوم التشريعي رقم (54) لعام 2006 على أن: "1ـ يحدد وزير المالية بقرار منه النماذج اللازمة لوضع أنواع تبويب النفقات العامة والإيرادات العامة موضع التطبيق وبيان تفصيلات كل نوع 2ـ يحدد وزير المالية بقرار منه البنود التي يجب توزيعها إلى فقرات".

3ـ إعداد الموازنة في الوزارات المختلفة: بعد وصول تعليمات إعداد الموازنة العامة من وزارة المالية إلى الوزارات المختلفة يقوم كل وزير بوزارته (أو من ينوب عنه) بإبلاغ هذه التعليمات إلى جميع الجهات التي تتبع هذه الوزارة، ويطلب منهم الالتزام التام بتعليمات وزارة المالية، ويحدد لهم موعد الانتهاء من إعداد مشروع كل منهم، ويطلب منهم دعم طلباتهم بالمستندات والوثائق اللازمة.

تعد كل من الجهات التابعة لكل وزارة ـ طبقاً للنماذج المرسلة ـ تقديراتها الأولية لنفقاتها الجارية والاستثمارية مع مراعاة التناسق بين النفقات الاستثمارية والخطة العامة للدولة، وإيراداتها العامة التي سترد في الموازنة العامة للدولة، وترسلها إلى الوزارة التي تتبعها كل من هذه الجهات.

تعيد كل وزارة النظر في هذه التقديرات على ضوء توجيهات الوزير المختص والسياسة العامة للدولة في السنة المقبلة في وزارته، ثم تتوصل الوزارة إلى مشروع موازنة الوزارة بوضعه النهائي ويقر الوزير هذا المشروع، ثم يرسل إلى وزارة المالية مشفوعاً بجميع المستندات والإحصاءات والإيضاحات لتبرير كل اعتماد من الاعتمادات المطلوبة.

4ـ دور وزارة المالية في إعداد الموازنة: إن وزارة المالية هي التي تقوم بإعداد مقترحاتها للإطار العام للموازنة، وهي التي تقوم بإصدار التعليمات التي يجب أن تتبعها الجهات العامة المختلفة التي تشملها الموازنة العامة، ويضاف هنا أن وزارة المالية تقوم أيضاً بالأعمال الآتية:

أ ـ تقوم وزارة المالية بوضع تقديرات الإيرادات العامة للسنة المقبلة على مستوى الدولة كلها، بعد التشاور في ذلك مع الجهات الحكومية التي تجبي بعض الإيرادات العامة الأخرى.

ب ـ تقوم وزارة المالية بصفتها إحدى وزارات الدولة بتقدير نفقاتها للسنة المالية المقبلة.

ج ـ عندما تنتهي الوزارات المختلفة من إعداد مشروعاتها وترسلها إلى وزارة المالية تقوم هذه الوزارة بدراسة هذه المشروعات ومناقشة التقديرات الأولية للنفقات الجارية والاستثمارية، ولها أن تعدلها بما ينسجم مع واقع تلك الجهات وحاجاتها، ومع الإمكانات المالية المتوافرة لدى الدولة، وعلى أن يتم ذلك في إطار الخطة الاقتصادية وبعد التشاور مع الوزارة المختصة وفق الأولويات.

وتقوم وزارة المالية غالباً بتخفيض نفقات الجهات التي تشملها الموازنة لأن هذه الجهات ـ في رأي وزارة المالية وطبقاً لأسلوب الموازنة التقليدية أو موازنة المساومة ـ تغالي في تقدير نفقاتها.

د ـ تعمل وزارة المالية على تنسيق تلك التقديرات في شكل مشروع موحد يراعى فيه توازن الموازنة العامة بين نفقاتها وإيراداتها. نصت المادة (7) من القانون المالي الأساسي في سورية على ما يلي: " آ ـ توضع الموازنة العامة للدولة بشكل يراعى فيه توازن النفقات العامة مع الإيرادات العامة. ب ـ يجوز لمجلس الوزراء في الأحوال التي تتطلبها ضرورات المحافظة على توازن الموازنة العامة أن يقرر، بناء على اقتراح وزير المالية إيقاف عقد بعض النفقات العامة".

ويُشار إلى كيفية تأمين التعادل بين الإيرادات العامة والنفقات العامة:

> عندما تتعادل الإيرادات العامة مع النفقات العامة تلقائياً، أو تزيد عليها فلا توجد هنا مشكلة، على الرغم من أن هذه الحالة نادرة.

> إذا زادت النفقات العامة على الإيرادات العامة، وهو ما يحصل غالباً فإن وزير المالية يقترح أحد الحلين أو الحلين معاً:

الحل الأول: العمل على زيادة الإيرادات العامة باقتراح ضرائب جديدة أو رسوم جديدة، أو الاقتراض العام، أو الإصدار النقدي الجديد. وهذا الحل يطابق القاعدة التقليدية: "أولوية النفقات العامة على الإيرادات العامة" وإن كان الفقه المالي الحديث لا يفضل تطبيق هذه القاعدة تطبيقاً دقيقاً.

الحل الثاني: العمل على تقليل النفقات العامة، وذلك بإلغاء بعض النفقات أو تخفيضها في بعض الوزارات. وقد انتقدت هذه الطريقة بأن كل وزير سيتمسك بالنفقات التي قدرها لوزارته، مبرراً ذلك بجميع الحجج التي يستطيع تجميعها، وبأن الإلغاء أو التخفيض في بعض النفقات العامة سيرسو في النهاية على بعض الوزارات غير السيادية لأن وزراءها هم ذوو القوة الأضعف ضمن موازنة المساومة أو الموازنة التقليدية.

الحل الثالث: هو مجموع الحلين السابقين.

> عمدت بعض الدول للتخلص من هذه المشكلة إلى وضع موظفين مراقبين ما عدا محاسبي الإدارة، يمارسون رقابتهم باسم وزير المالية في مرحلة تنفيذ الموازنة العامة في الجهات التي تشملها الموازنة العامة. وهم يفيدون وزارة المالية عن الحاجات الحقيقية لتلك الجهة. وبذلك تتوافر إمكانية كبيرة لوزارة المالية لمعرفة خفايا الأمور في كل جهة وتقوى حجة وزارة المالية حيال طلباتها عند إعداد الموازنة العامة للسنة المقبلة. ولا أحد يؤيد ذلك في سورية، فمهمات محاسب الإدارة تغطي المطلوب ولا تعقد الأمور في الموضوع المطروح.

> استناداً لما سبق من انتقاد للدور الأساسي لوزير المالية في إعداد الموازنة العامة مما يعطيه سلطة كبرى على زملائه الوزراء ويجعل منه رئيساً ثانياً للحكومة (الرئيس المالي الحكومي). وإذا كان إعداد الموازنة من قبل وزير المالية يتفق مع المفهوم التقليدي للمالية العامة حينما كان دور الدولة محدوداً والموازنة لا يقصد من إيراداتها إلا تغطية نفقاتها الثلاث: الدفاع الخارجي والأمن الخارجي وبعض المرافق العامة، فإن هذا الدور لم يعد يتفق مع المفهوم الحديث للمالية العامة حيث لا تستخدم الموازنة لتغطية نفقاتها بإيراداتها فحسب، بل تستخدم أيضاً لتحقيق أغراض تدخل الدولة السياسية والاجتماعية والاقتصادية. يضاف إلى ذلك ما قيل: إن الصدارة التي منحت لوزير المالية قد جعلت الحكومة تشبه مؤسسة يديرها أمين الصندوق بهدف جعل حسابات المؤسسة منتظمة ولتحقيق الاقتصاد في النفقات، ولكنها لا تمكن المؤسسة من تنميتها وتطويرها وتوسيعها بل لا تحافظ على حيوية المؤسسة نفسها مالياً. وبناء على ما سبق فإنهم رأوا أن رئيس الحكومة يجب أن يحتفظ لنفسه بمنصب وزير المالية أو أن يناط أمر إعداد الموازنة العامة برئيس الجمهورية كما هو الحال في النظام الرئاسي. وهذا الاتجاه غير مرغوب به في سورية.

> أفاض بعض الكتاب والاقتصاديين والماليين في شرح المميزات الشخصية والعلمية والعملية التي يجب أن يتحلى بها وزير المالية ليستطيع أداء مهماته على الوجه الأفضل والأكمل. ومن أهم هذه الميزات: معرفته الواسعة والدقيقة بالشؤون الاقتصادية والمالية والإدارية الماضية والحالية والمتوقعة، وقوة شخصيته والحجة وبراعة الإقناع، وسعة الاطلاع بقضايا الموازنة العامة داخل دولته وفي الدول الأخرى وطرق إعدادها وتنفيذها، ومراقبة تنفيذها، والحزم وصلابة العود، وأن يكون فظاً غليظ القلب صداعاً. ولما كان توافر هذه الصفات قد يصعب وجودها في شخص واحد هو وزير المالية، فقد رأى بعضهم توزيع مهام وزير المالية على عدد من الأشخاص يرأسهم رئيس مجلس الوزراء، كما هو الحال في إنكلترا حيث تدعى هذه الهيئة "ندوة الخزينة"، وتضم وزير المالية، وثلاثة من أعضاء مجلس العموم يمثلون حزب الأكثرية، واثنين من أمناء السر الأكفاء. وتقوم هذه الهيئة بتدقيق طلبات الاعتمادات ويعود لها القول الفصل في وضع مشروع الموازنة النهائي، ويستثنى من ذلك وزارة الحربية ووزارة البحرية حيث تنفردان بإعداد موازنة كل منها على مسؤولية الوزير ولا تعرضان على "ندوة الخزينة". كما يطلق على رئيس الوزراء في هذه الحال "اللورد الأول للخزانة". ورأى بعضهم الآخر إناطة هذه المهمة بمكتب خاص هو "مكتب الموازنة" حيث يرتبط هذا المكتب برئيس الجمهورية مباشرة ويعمل بتوجيهاته وتعليماته، وله مندوب في كل وزارة، كما هو الحال في الولايات المتحدة. ولا يرى بعض الباحثين تطبيق هذا الأمر في سورية حالياً، لأن النظام السياسي مستقر منذ الاستقلال حتى الآن ولا ضرورة لتغييره.

ويراعى في هذا المشروع أنواع التبويبات المعتمدة في الموازنة العامة التي تبناها قانونها المالي الأساسي (وظيفي، وإداري، ونوعي، وإقليمي، واقتصادي).

هـ ـ يرفع وزير المالية مشروع الموازنة العامة للدولة إلى مجلس الوزراء مشفوعاً بتقرير منه يتضمن عرضاً واضحاً للحالة الاقتصادية والمالية ومدى علاقتها بمشروع الموازنة العامة للدولة، كما يتضمن دراسة تحليلية لأرقام النفقات العامة والإيرادات العامة ومقارنتها بأرقام السنة السابقة.وقد نصت المادة (2) من القانون المالي الأساسي في سورية على أن: "تتضمن الموازنة العامة للدولة تقديرات: نفقات وإيرادات الوزارات والإدارات والجهات العامة ذات الطابع الإداري. فوائض الجهات العامة ذات الطابع الاقتصادي، والوحدات الإدارية المحلية، ومديريات الأوقاف، وذلك ضمن الحدود المقررة في هذا القانون". ويرفق مع هذا كله مسودة مشروع قانون الموازنة العامة للسنة المقبلة.

وفي نهاية هذه الفقرة يشار إلى ضرورة الأخذ بالاتجاهات الحديثة في إعداد الموازنة العامة للدولة، على غرار ما هو مطبق في الولايات المتحدة وفرنسا.

دور مجلس الوزراء في إعداد الموازنة: ويتمثل دور مجلس الوزراء في إعداد الموازنة العامة في رسم الإطار العام لموازنة السنة المقبلة، من خلال:

أ ـ دراسة مشروع الموازنة العامة للدولة على ضوء تقرير وزارة المالية وبقية المستندات المرفقة معه.

ب ـ حل الخلافات التي نشأت بين وزير المالية من جهة والوزراء الآخرين من جهة أخرى فيما يتعلق بتقديرات الموازنة.

ج ـ الموافقة على مشروع الموازنة العامة للدولة إما كما ورد من وزارة المالية، وإما بعد إدخال تعديلات عليه.

ثم يحال هذا المشروع إلى السلطة التشريعية لاعتماده منها.

ومن الناحية العملية في سورية فإن مناقشة الموازنة في مجلس الوزراء في مرحلتها الأخيرة تتم بأن يترأس رئيس مجلس الوزراء جلسات المناقشة، ويحضرها من الجانب الأول نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير المالية مع موظفيه المختصين وممثلين عن هيئة تخطيط الدولة من ناحية أولى، والوزير الذي تناقش موازنته مع محاسب الإدارة ومدير التخطيط ومن يقترح الوزير حضوره من ناحية ثانية. ويعلن موظف وزارة المالية أرقام الاعتمادات المقترحة للوزارة المختصة، وقد يطالب الوزير المختص بإيجاد اعتمادات جديدة أو زيادة الاعتمادات المقترحة. فإذا اختلف الجانبان فإن رئيس مجلس الوزراء يحل الخلاف مباشرة.

وبعد أن يوافق على مشروع الموازنة العامة في مجلس الوزراء يرفعه رئيس مجلس الوزراء إلى السلطة التشريعية مشفوعاً بتقرير وزير المالية ومسودة مشروع قانون الموازنة للسنة المقبلة، وذلك قبل شهرين على الأقل من بداية السنة المالية التي تعود لها تلك الموازنة.

رابعاً ـ طرق تقدير نفقات الدولة وإيراداتها:

يقصد بإعداد الموازنة تقدير النفقات العامة والإيرادات العامة المتوقعة للسنة المقبلة. ومن ثم فإنه يجب مراعاة الدقة حتى تأتي التوقعات مطابقة للواقع، وبناء على ذلك وجدت عدة طرق لتقدير كل من النفقات العامة والإيرادات العامة، وذلك على التفصيل التالي:

1ـ طرق تقدير نفقات الدولة:

تقسم الاعتمادات في فرنسا إلى ثلاثة أنواع: الاعتمادات التقديرية Crédits évaluatifs والاعتمادات المتوقعة Crédits provisionnels وتشملان معاً النفقات العامة التي لا يمكن تقديرها إلا على وجه التقريب، كالمرافق الجديدة ومبالغ التقاعد. وهذه الاعتمادات يجوز للحكومة تجاوز مبلغ الاعتماد المقرر فيها إذا دعت الحاجة إلى ذلك، على أن يعرض الأمر على السلطة التشريعية فيما بعد لإجازة هذه الزيادة، وتعد الإجازة شكلية في الغالب. واعتمادات تحديدية Crédits limitatifs لا يجوز تجاوزها إلا بإذن سابق من السلطة التشريعية. وهذه الاعتمادات هي الأصل وهي السائدة في البلاد الأخرى، ومنها سورية.

ويخضع تقدير النفقات العامة للتقدير المباشر، أي بحسب الحاجات المنتظرة للجهة التابعة لموازنة الدولة، ومن ثم فإنه يجب أن يكون صادقاً. ويطلق لفظ "اعتمادات Crédits" على المبالغ المقترحة للنفقات العامة.

وفي سورية كل الاعتمادات هي "اعتمادات تحديدية" لا يجوز تجاوزها إلا بإذن سابق من السلطة التشريعية، مع إجازة إجراء المناقلات على حسب ما نص عليه القانون المالي الأساسي.

كما يتم تقدير النفقات العامة تبعاً للتبويب الوظيفي، أو التبويب الإداري، أو التبويب النوعي، أو التبويب الإقليمي، أو التبويب الاقتصادي. وطبعاً قد تتبع الدولة أكثر من تقسيم بقصد دراسة تأثير الموازنة العامة في الاقتصاد القومي.

ولابد من الإشارة في دراسة تقدير النفقات العامة إلى الاتجاهات الحديثة في هذه التقديرات، وقد تمثل ذلك في اتجاهين حديثين في الولايات المتحدة وفرنسا: ففي الولايات المتحدة بدأت هذه الاتجاهات بموازنة البرامج والأداء، ثم بموازنة التخطيط والبرمجة، ثم بموازنة الأساس الصفري. أما في فرنسا فقد ظهرت هذه الاتجاهات فيما سمي ترشيد اختيارات الموازنة "la rationalisation des choix budgétaires" ويشار إليها عادة بـ"R.C.B".

2ـ طرق تقدير الإيرادات العامة: بخلاف النفقات العامة ترد على تقدير الإيرادات العامة صعوبات جمة. ومن ثم فقد وجدت أكثر من طريقة لتقدير الإيرادات العامة:

أ ـ الطرق الآلية في تقدير الإيرادات العامة: وتوجد ثلاث طرق آلية وهي:

(1) ـ طريقة السنة قبل الأخيرة pénultième année: ويطلق عليها بعضهم "أسلوب التقدير القياسي". ومقتضى هذه الطريقة يجب أن يتم تقدير إيرادات السنة المقبلة استناداً للإيرادات التي تحققت فعلاً في السنة المالية السابقة l’avantـ dernier، لأنها آخر سنة عرفت نتائجها. وتمثيلاً لذلك إذا أريد تقدير إيرادات موازنة 2010 التي تعد في أثناء السنة المالية 2009 فسيعتمد على إيرادات السنة المالية 2008. وهذا لا يعني أن هذه الطريقة آلية محضة، بل ليس هناك ما يمنع من إدخال بعض التعديلات التي قد تتطلبها بعض الاعتبارات كإلغاء ضريبة موجودة، أو فرض ضريبة جديدة، أو تغيير معدل ضريبة مفروضة.

وتتميز هذه الطريقة بسهولتها وسرعتها وأنها لا تتطلب مجهوداً كبيراً سوى الأخذ بنتائج تحصيل الإيرادات في السنة قبل الأخيرة؛ ولذلك عدت من بين الطرق الآلية في تقدير الإيرادات العامة. ويعاب على هذه الطريقة أنها ـ وهي تقوم على الحساب الآلي لإيرادات السنة المقبلة المتوقعة ـ تفترض اقتصاداً ثابتاً ومستقراً لا يراعي التطورات الاقتصادية وتأثيراتها في إمكانات المكلفين ومطارح الضرائب، كما أنها لا تأخذ في الحسبان الدورات الاقتصادية وما تمر به من فترات ازدهار وكساد. ومن ثم فقد أشير إلى أن هذه الطريقة لا تتناسب في ظروف التقلبات والاضطرابات الاقتصادية الشديدة.

(2) ـ طريقة الزيادة النسبية أو النقص النسبي: وتقوم هذه الطريقة على تقدير الإيرادات العامة للسنة المالية بالزيادة النسبية على إيرادات السنة قبل الأخيرة حينما يتوقع مرور الاقتصاد القومي بفترة ازدهار، أي توقع زيادة الدخل القومي، وعلى تقدير الإيرادات العامة للسنة المالية بالنقص النسبي عن إيرادات السنة قبل الأخيرة حينما يتوقع مرور الاقتصاد القومي بفترة كساد، أي توقع انخفاض الدخل القومي في السنة المالية القادمة.

وتمتاز هذه الطريقة عن الطريقة السابقة، بربط الإيرادات العامة المتوقعة بحالة الاقتصاد القومي أي بحالة الدخل القومي المتوقعة، وهذا أمر منطقي اقتصادياً.

ولكن يعاب على هذه الطريقة أنها ـ وهي تنطلق من إيرادات السنة قبل الأخيرة ـ ربما لا تعبر بصورة حقيقية عن الوضع الاقتصادي بسبب ضيق الفترة بين الإعداد والتنفيذ.

(3) ـ طريقة المتوسطات: وهنا يعمد إلى متوسط الإيرادات الفعلية بدءاً من السنة قبل الأخيرة وما قبلها (3 سنوات ـ 5 سنوات سابقة)، وتتخذ أساساً لتقدير الإيرادات في السنة القادمة، مع مراعاة التغييرات الاقتصادية المتوقعة.

وتمتاز هذه الطريقة بأخذ متوسط الإيرادات الفعلية عدة سنوات سابقة وليس الاقتصار على السنة قبل الأخيرة، وطول الفترة يجعل التقدير أقرب إلى الدقة.

ولكن يعاب على هذه الطريقة أن الفترة المأخوذة هي فترة سابقة قد تتحقق في المستقبل أو لا تتحقق، وبالتالي فإن التوقع قد يختلف عن الواقع.

ونجم عن الانتقادات التي وردت على كل من الأساليب الآلية العزوف عنها بصفتها طريقة لازمة لتقدير الإيرادات العامة للسنة القادمة، اللهم إلا إذا كانت الظروف الاقتصادية مستقرة، كما أن طرق التقدير الآلي تعد مناسبة عندما تكون كفاءة الجهة التي تقوم بإعداد الإيرادات العامة محدودة، ومن ثم فقد اقتصرت على اعتبارها من الطرق الإرشادية. وهذا أدى إلى الاعتماد أيضاً على ما حُصل من إيرادات عامة خلال السنة الحالية حتى فترة إعداد تقدير إيرادات السنة المقبلة، كما أدى إلى تقدير الإيرادات العامة استناداً إلى طريقة التقدير المباشر.

ب ـ طريقة التقدير المباشر: هذه الطريقة تترك حرية كبيرة لمن يقوم بتقدير الإيرادات العامة للسنة المقبلة، ومن ثم فهم يستطيعون الاسترشاد بالإيرادات التي حُصلت فعلياً في السنوات السابقة، وما تم تحصيله من الإيرادات في السنة الحالية حتى فترة إعداد التوقعات، وبالتغيرات المتوقع حدوثها في النشاط الاقتصادي والدخل القومي والأنظمة المالية الصادرة أو المتوقع صدورها في العام المقبل. وإذا عرف أن أدوات التحليل والتوقع قد تقدمت في العصر الحديث فإن طريقة التقدير المباشر تعد أفضل الطرق وأنجحها في تقدير الإيرادات العامة وتوصل إلى تقديرات أقرب إلى الواقع من التقديرات الآلية.

ومن ثم يقترح، تطبيقاً لمبدأ ربط الجامعة بالمجتمع اشتراك أعضاء هيئة التدريس المختصين في الجامعات السورية في مرحلة إعداد الموازنة العامة، وفي مرحلة دراسة الموازنة العامة من قبل لجنة الموازنة والحسابات في مجلس الشعب.

 

مراجع للاستزادة:

 

ـ محمد سعيد فرهود، علم المالية العامة (معهد الإدارة العامة، الرياض 1402ـ1403هـ).

ـ عاطف صدقي، الضرائب في الاتحاد السوڤييتي، تنظيمها ودورها (الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والإحصاء والتشريع، القاهرة 1964).

ـ قطب إبراهيم محمد، الموازنة العامة للدولة (الهيئة المصرية العامة للكتاب، الطبعة الثالثة، القاهرة 1978).

ـ محمد سعيد فرهود، مبادئ المالية العامة (منشورات جامعة حلب، 1994).

ـ حسين سلوم، المالية العامة: القانون المالي والضريبي (دراسة مقارنة)، (دار الفكر اللبناني، ط1، بيروت 1995).

ـ حسن عواضة، وعبد الرؤوف قطيش، المالية العامةـ الموازنةـ الضرائب والرسوم (دراسة مقارنة)، (دار الخلود، ط1، 1995).

ـ حامد عبد المجيد دراز، مبادئ المالية العامة (مركز الاسكندرية للكتاب، الإسكندرية 2000).

ـ سعيد عبد العزيز عثمان، المالية العامة ـ مدخل تحليلي معاصر (الدار الجامعية، الإسكندرية 2008).

ـ عبد الفتاح الجبالي، المشاركة المجتمعية في صنع الموازنة العامة للدولة، ورقة أولية للنقاش (مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، مصر 15/1/2009).

ـ عبد الله شحاتة خطاب، وصالح عبد الرحمن أحمد، الموازنة العامة والموازنة بالمشاركة مع التطبيق على الموازنة المصرية (جامعة القاهرة، 2008).

ـ محمد سعيد فرهود، التشريعات المالية والمصرفية، ج1 (كلية الاقتصاد، جامعة حلب، 2007ـ 2008).

ـ لما الغادري، «الموازنة والدخل»، مجلة الاقتصادي، العدد 49، دمشق 2003.

ـ محمد سعيد فرهود، «الاتجاهات الحديثة في الميزانية» ـ ترشيد اختيارات الميزانية، مجلة الإدارة العامة، العدد 32، الرياض، 1982.

ـ حسن عواضه، المالية العامة (دار النهضة العربية، ط6، بيروت 1983).

ـ عادل أحمد حشيش، أصول الفن المالي في الاقتصاد العام (دار النهضة العربية، بيروت 1974).

ـ محمد عصفور، أصول المالية العامة (مكتبة الصفحات الذهبية، ط1، الرياض).

- Finances Publiques, 4ème éd., (Cujas, Paris,1992).

- Finances Publiques¨ Thémis, (P.U.F., Paris, 1978).

- Finances Publiques, 5ème éd., (SIREY, Paris, 1986).

- Droit Budgétaire, 2ème éd., (Litec, Paris, 1988).

- Pierre LALUMIÈRE, Les finances publiques, (Armand Colin, Paris, 1983).

- Michel BOUVIER¨ Marie - Christine ESCLASSAN et Jeanـ Pierre LASSALE, Finances Publiques, (L.G.D.J., Paris, 1996).

- Institut Frnaçais des Sciences Administratives, Le budget de l État, (Economica, Paris, 1988).

- François DERUEL et Jacques BUISSON, Finances Publiques- Budget et pouvoir financier, Mémentos, (Dalloz, Paris, 2001).


التصنيف : القانون المالي
النوع : القانون المالي
المجلد: المجلد السابع: المحكمة الجنائية الدولية _ ولاية المظالم في الإسلام
رقم الصفحة ضمن المجلد : 263
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 51
الكل : 11017517
اليوم : 6254