logo

logo

logo

logo

logo

الجريمة الضريبية

جريمه ضريبيه

tax crime - délit fiscal

 الجريمة الضريبية

الجريمة الضريبية

محمد خير العكام

نشأة التشريع الجزائي الضريبي والتعريف فيه مرتكب الجريمة الضريبية
نشأة الجريمة الضريبية والتعريف بها أنواع الجرائم الضريبية
طبيعة الجريمة الضريبية العقوبة في الجريمة الضريبية
أركان الجريمة الضريبية  
   

أولاً- نشأة التشريع الجزائي الضريبي والتعريف فيه:

كانت الضريبة لا تعدو أن تكون ديناً للدولة بذمة المكلف، فكان من الطبيعي أن تحصّل وفق قواعد القانون المدني، ولكن نظراً لأهمية الإيرادات الضريبية ودورها في تمويل النفقات العامة بدأت الدول بفرض امتيازات القانون العام والسلطة العامة على كل ما له علاقة بالضريبة وضرورة تحصيلها في المواعيد المحددة لها، ومن ذلك فرض الجزاءات على مخالفة بعض الالتزامات الضريبية وكان هذا الجزاء بمنزلة الشرط الجزائي الذي ينظم أحكامه القانون المدني في باب التنفيذ الجبري في نظرية الالتزام، ثم تطور الأمر إلى فرض جزاء مالي على مخالفة الالتزام الضريبي، ولكن لوحظ أن هذا الجزاء لم يقلل من حالات الغش والتهرب الضريبي؛ مما عرّض النظام الضريبي لأشد الأضرار، ولدرء هذه الخطورة لم يجد المشرع وسيلة سوى اللجوء إلى العقوبات الجزائية لحماية المصالح الضريبية، ففرض العقوبات التي تصيب المكلف في ماله أحياناً وفي حريته أحياناً أخرى إذا امتنع أو تقاعس عن تنفيذ التزاماته الضريبية أو بعضها في الوقت المحدد.

وبما أن المشرع استخدم القانون الجزائي من أجل تحقيق الأمن بكل صوره، وبما أن الأمن الاقتصادي في العصر الحديث أصبح جزءاً من الأمن العام الذي يعد بدوره جزءاً من النظام العام وأصبح له أهمية كبرى للدول لأن الاقتصاد القومي أصبح الركيزة الأساسية لتحقيق الاستقرار الاجتماعي؛ لذلك أصبح من الضروري استخدام قواعد هذا القانون عند الإخلال بهذه الركيزة، فالتشريع الجزائي الضريبي اكتسب مشروعيته من الأهداف والغايات التي يسعى إلى تحقيقها في المجتمع بوصفها تتعلق بأمنه الاقتصادي.

وعلى ذلك يمكن تعريف التشريع الجزائي الضريبي بأنه: مجموعة القواعد القانونية التي تقترن بمؤيدات جزائية لحماية بعض المصالح الضريبية، وبناءً على ذلك فليس كل مخالفة لقواعد القانون الضريبي جريمة ضريبية، ولا تعد هذه المخالفة جريمة ضريبية إلا إذا اقترنت القاعدة بمؤيد جزائي، فإذا اقترنت بمؤيد مدني أو مالي أو إداري فلا تعد مخالفتها جريمة ضريبية.

ولا يهم إن وردت هذه القواعد القانونية الضريبية المقترنة بالمؤيد الجزائي في قانون العقوبات أو وردت ضمن التشريعات الضريبية المختلفة، كما هو شائع، إلا أن بعض التشريعات حددت في تشريع خاص الأحكام العامة للجريمة الضريبية كما فعل المشرع الإيطالي في القانون رقم /4/ لعام 1929.

ويهدف القانون الجزائي الضريبي الذي أوجد مفهوم الجريمة الضريبية إلى حماية المصالح الضريبية المتمثلة في تحصيل وتوريد الضرائب المفروضة على المكلفين في المواعيد المحددة لها في القانون الضريبي أي محاربة التهرب الضريبي والجمركي، وهذا التهرب يعد من المشاكل الأساسية التي تعانيها الأنظمة الضريبية في الدول النامية، وهو يتضمن انتهاكاً وخرقاً للأسس الاقتصادية والاجتماعية التي تقوم عليها النظرية العامة للضريبة، كما أنه يعني الخروج عن قاعدة مهمة من القواعد الأساسية للضرائب التي وضعها المفكر الاقتصادي آدم سميث في كتابه «ثروة الأمم» عام 1766 والمتمثلة في قاعدة المساواة أمام الضريبة، كما يشكل خطورة على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للمجتمع، لكل ذلك كان لابد للمشرع الضريبي أن يتصدى لهذه المشكلة عن طريق تجريم كل فعل يقوم به المكلف بهدف التهرب من أداء الضريبة كلياً أو جزئياً.

ولكن التشريعات والإدارات الضريبية - وخاصة في الدول النامية - لم تكن قادرة على حماية مصالحها الضريبية الحماية التي تضمن التزام المكلفين بدفع كامل الضرائب المترتبة عليهم من دون أي تهرب أو تأخر؛ نتيجة تخلف هذه التشريعات تارة، وقلة كفاءة العاملين في الإدارات، وزيادة أعداد المكلفين وتطور نشاطاتهم تارة أخرى؛ فظهرت مشكلة المتأخرات الضريبية الناجمة عن تأخر الإدارة الضريبية عن القيام بواجبها في التحقق والجباية في مواعيدها الذي قد يؤدي بدوره إلى سقوط حق الخزينة العامة بهذه الضرائب المتراكمة بالتقادم؛ مما اضطر الإدارة الضريبية إلى اعتماد فرض الضريبة على أساس الإيراد الحكمي (التقديري) بدلاً من الإيراد الفعلي، وجعل الدول تتوسع في فرض الضرائب على أساس التقدير (الدخل المقطوع) وهذا فيه إهدار لجوهر القانون الضريبي المتمثل بتحقيق العدالة والمساواة في فرض الضرائب بين المكلفين ويجعل الجريمة الضريبية شائعة ومقبولة من الناحية الاجتماعية بين أوساط المكلفين نتيجة عدم إحساسهم بالعدالة عند التكليف الحكمي.

والجريمة الضريبية مصدرها القانون المكتوب شأنها شأن أي قاعدة جزائية تطبيقاً لقاعدة الشرعية، فلا جريمة ولا عقوبة من دون نص، فالقانون المكتوب هو المصدر الوحيد للجريمة الضريبية، ولكن لا يقصد بالقانون المكتوب مجرد القواعد المنصوص عليها في القانون الدستوري أو الصادرة عن السلطة التشريعية، بل يمتد المعنى المقصود إلى اللوائح والقرارات التنفيذية التي تصدرها السلطة المنوط بها تنفيذ القاعدة الضريبية إلا أنه يشترط لصحتها ألا تخالف مبدأ المشروعية لأنها قاعدة قانونية أدنى مرتبة من السابق ذكرها، كما يمتد المعنى أيضاً إلى اللوائح والقرارات التي تصدر بفرض الضرائب المحلية بناء على تفويض من القانون بشرط احترامها لهذا التفويض، وبالتالي فإن مخالفة قواعد العدالة والقانون الطبيعي أو العرف لا يعدّ جريمة ضريبية.

وفي هذا المجال لابد من التنويه إلى أن النظام الضريبي الذي تتخذه الدولة يؤثر في طريقة تفسير النص الجزائي الضريبي، فإذا كانت الدولة تأخذ بنظام الضرائب العامة سواء على الدخل أم الإنفاق الذي يعد فيه الأصل هو التكليف فإن البحث في تفسير القاعدة الجزائية الضريبية لا يقتصر على تفسير هذه القاعدة بل يمتد إلى تفسير القاعدة الضريبية المتعلقة بها، فإذا كانت الدول تأخذ بنظام الضرائب العامة فإن ذلك يعطي الحق للفقه والقضاء بالتوسع في تفسير النصوص الضريبية كيلا يفلت أي تصرف أو نشاط من الخضوع للضريبة، هذا بخلاف الحال إذا كانت تأخذ بنظام الضرائب النوعية التي يعد فيها الأصل عدم الخضوع للضريبة فلا يجوز للتفسير أن يؤدي إلى خلق ضرائب لم يقصدها المشرع مادام الأصل فيه أن تفرض الضرائب في المجتمع على نحو محصور، وهذا بدوره يؤثر في الجريمة الضريبية وجوداً وعدماً.

ثانياً- نشأة الجريمة الضريبية والتعريف بها:

كانت الغاية من الضريبة في العصور القديمة مجرد تغطية نفقات الحكام والحكم، وهو ما لم يكن له في نفوس الشعب مكان للرضا، ومع التطور الحضاري أصبحت تفرض مقابل الخدمات التي تؤدى للأفراد إلى أن أصبحت مفروضة على الأفراد بغض النظر عما يستفيد منه كل فرد من خدمات من الدولة، وبالتالي أصبحت الضريبة ديناً عاماً يلزم به المواطن بما يسهم في مواجهة حاجات المجتمع العامة لا على أساس ما قد يعود عليه من نفع بل تنفيذاً للالتزام الواقع على عاتقه تجاه المجتمع بوصفه جزءاً منه، وأصبح على كل فرد أن يسهم بنصيب من الضرائب على قدر طاقته وقدرته على الدفع وليس على قدر حاجته، وبعد ذلك أصبحت وسيلة أساسية لتحقيق أهداف اقتصادية واجتماعية داخلية وخارجية.

ومن الناحية الاجتماعية يجب أن تؤدي السياسة الضريبية إلى تحقيق العدالة الاجتماعية أي أن يؤدي كل فرد ما عليه من عبء ضريبي إلى الدولة عملاً بواجب التضامن الاجتماعي ولكن بحسب قدرته على الدفع من دون إرهاق أو حرمان. ومن الناحية الأخلاقية قد تستخدم الضريبة لمحاربة أنواع معينة من السلوك غير الأخلاقي كمحاربة استهلاك الخمور عن طريق فرض ضرائب مرتفعة على استهلاكها، فالضريبة أصبحت وسيلة لتحقيق أهداف المجتمع، فمن دون إيراداتها لا يمكن للدولة أن تقوم بدورها بالمجتمع، وبالتالي أصبح من الواجب على التشريعات أن تفرض احترامها على الأفراد بوصفها تهدف إلى تحقيق مصلحة الجماعة، وهذا ما يستتبع فرض الجزاءات على عدم احترامها من قبل الأفراد.

فما يهم الدولة في المجال الضريبي هو تحصيل الضريبة وتوريدها في المواعيد المحددة لها، لأنها تعدّ الجزء المهم من موازنة الدولة، وتحقيق هذا الهدف هو الذي يرسم الطريق لاختيار جزاء مخالفة القاعدة الضريبية وهو المحدد الأهم في تكون السياسة العقابية في المجال الضريبي، فقد يكتفي المشرع بالجزاء المالي البحت، وقد ترتفع النظرة إلى حد توقيع المؤيد الجزائي على مخالفة القاعدة الجزائية، وقد يرى أنه من المناسب توقيع جزاء مختلط أو مركب أي الجمع بين الصفة المدنية والجزائية لمخالفة القاعدة الضريبية.

وبما أن المشرع لا ينظر إلى مخالفة أحكام تشريعات الضرائب كما ينظر إلى مخالفة أحكام القوانين الجزائية الأخرى فإنه لا يلجأ في المجال الضريبي إلى المؤيد الجزائي إلا عندما يكون مضطراً إلى ذلك لدفع احتمال ضرر لا يكفي بشأنه التهديد بالمؤيدات المدنية أو الإدارية للابتعاد عن الوقوع به.

وبناءً على كل ذلك يمكن تعريف الجريمة الضريبية بأنها كل اعتداء على مصلحة ضريبية بمخالفة أوامر المشرع ونواهيه الضريبية التي قرر لها المشرع مؤيداً جزائياً.

ثالثاً- طبيعة الجريمة الضريبية:

لقد ثار الجدل حول الطبيعة القانونية للجريمة الضريبية؛ هل هي جريمة عادية أو جريمة إدارية، وهل يمكن عدها جريمة اقتصادية؟ فهنالك جانب من الفقه نادى بالطبيعة الإدارية للجريمة الضريبية، ويستند في ذلك إلى أن القاعدة القانونية الضريبية المجرمة تهدف إلى تنظيم تحصيل الضريبة في المواعيد المحددة لها، وهذا لا شأن له في حماية أمن المجتمع، هذه الحماية التي استدعت تجريم بعض تصرفات الأفراد من أجل حماية حريات الأفراد وحماية أرواحهم وأموالهم بموجب قانون العقوبات. فضلاً عن أن العنصر المالي في جرائم الاعتداء على المال في قانون العقوبات يختلف عنه في الجريمة الضريبية، ففي الأولى يتمثل الاعتداء المالي على الملكية الفردية أي على المال الخاص، في حين أن الاعتداء المالي في الجريمة الضريبية المتمثل في التخلف عن أداء الضريبة وحرمان الخزينة من حصيلتها هو اعتداء على المال العام، ومن غير المقبول خضوع هذين النوعين المختلفين من الاعتداءات للأحكام القانونية ذاتها. وفي هذا يمكن القول إن صفة المال المعتدى عليه يبرر للمشرع تغليظ العقوبة نظراً للطبيعة العامة للمال المعتدى عليه ولا ضرورة لإخضاعه لنظام قانوني آخر.

كما أن تطور دور الدولة الاقتصادي والاجتماعي أدى إلى توسع نطاق التجريم الضريبي نتيجة لتوسيع نطاق فرض الضرائب والتوسع في استخدامها وسيلة للتأثير في الحياة الاقتصادية، مما أدى إلى خلق جرائم ضريبية لم تكن موجودة في السابق وأدى عموماً إلى نشوء فرع جديد لقانون العقوبات سمي بقانون العقوبات الاقتصادي.

وعموماً لمعرفة طبيعة القاعدة القانونية ينبغي الاستناد إلى طبيعة المصلحة التي تحميها تلك القاعدة، وبناء على ذلك لا يمكن وصف الجريمة الضريبية بأنها ذات طبيعة إدارية، فالتشريع العقابي الضريبي لا يشتمل على مخالفات فقط حتى يقال عنه إنه يندرج تحت نطاق المساءلة الإدارية بل يشتمل أيضاً على عقوبات جنحية أو جنائية، وبالتالي لا يجوز تجزئة العقوبات الضريبية إلى جزأين من طبيعتين مختلفتين الأولى إدارية والثانية جزائية، ولأن التشريع العقابي الضريبي قد ينص على مؤيدات جزائية بحتة كالحبس فلا مجال للشك في الطبيعة الجزائية الخالصة للجريمة الضريبية التي تحتاج العقوبة فيها إلى المحاكم الجزائية المختصة.

وفي الوقت نفسه من الضروري عد الجريمة الضريبية من الجرائم الاقتصادية، وذلك لأن قواعد التشريع العقابي الضريبي تؤثر تأثيراً بالغاً في الحالة الاقتصادية للدولة، وهذا ناتج من الدور الذي تؤديه الضريبة في المجتمع الاقتصادي لكونها وسيلة مهمة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي.

ولكن هل الجريمة الضريبية جريمة طبيعية (عادية) أم جريمة مصطنعة؟

ثار هذا الجدل في الماضي، إذ عد جانب من الفقه أن الجريمة الضريبية ما هي إلا جريمة مصطنعة، وهذا التعبير ابتكره الفقيه الفرنسي (جارو فالو) وبمقتضاه يفرّق بين الجريمة الطبيعية والمصطنعة، فالجريمة الطبيعية هي التي تكشف أفعالها عن الخطورة الإجرامية للجاني، في حين أن الجريمة المصطنعة هي التي لا تكشف عن هذه الخطورة كالجرائم الضريبية، فالجريمة الطبيعية هي التي تنهض على مخالفة أخلاقيات المجتمع التقليدية، ولكون الجريمة الضريبية ليست جزءاً من الأخلاق فهي مصطنعة.

إلا أن الفقه المعاصر لم يفرّق بالنسبة إلى القواعد الأخلاقية بين الأخلاق الشخصية والأخلاق الاجتماعية إذ أصبحت الأخلاق الاجتماعية أحد مكونات الأخلاق الشخصية للأفراد، ومنها مبادرة الأفراد إلى الوفاء بالتزاماتهم الضريبية التي يقتضيها مبدأ التضامن الاجتماعي، لذلك بعد أن أصبحت الضريبة جزءاً من الواجب الوطني للمكلف يجب على كل فرد أن يستشعر التزامه الوطني تجاهها، وهو بذلك يحرص على المحافظة على الشعور الأخلاقي في المجتمع أو على الأقل على الشعور الأخلاقي الذي يجب أن يسود في المجتمع، وأمام هذه الحقيقة لا يمكن وصف الجريمة الضريبية بكونها جريمة مصطنعة فهي من الجرائم العادية أو الطبيعية، ولكـن هذا الوصف بالنسبة للمكلفين يرتبط بمدى ارتفاع مستوى وعيهم الضريبي ومساعدة الإدارة الضريبية على ذلك من خلال التزامها بحسن معاملتها للمكلفين.

وأمام هذا الواقع أصبحت الجريمة الضريبية من الجرائم المخلة بالثقة العامة أو بالشرف، بعد أن كانت من الأمور التي يُفتخر بها من قبل المكلفين، وخاصة في ظل الاحتلال حيث كان يسود شعور في ذلك الوقت أن الإيرادات الضريبية تذهب إلى السلطة المحتلة، ولكن عندما حصلت الدول على استقلالها السياسي أصبحت الضريبة تعود على المجتمع بالنفع العام، مما جعل الالتزام الضريبي أمراً وطنياً ملحاً وضرورياً لتمكين الدولة من القيام بواجباتها، وهذا ما أكده  المشرع المصري في القانون رقم /2/ لعام 1977 عند وصفه جريمة التهرب من أداء الضرائب أو تقديم بيانات غير صحيحة عن الثروة بالجريمة المخلة بالشرف والأمانة، كما أكده قانون الاستعلام الضريبي ومكافحة التهرب الضريبي رقم /25/ لعام 2003 في سورية، عندما عد في الفقرة الأولى من المادة التاسعة منه حالات التهرب الضريبي من الجرائم المخلة بالثقة العامة المعاقب عليها بمقتضى أحكام قانون العقوبات.

ويترتب على وصف جريمة ضريبية بالمخلة بالثقة العامة أو بالشرف والأمانة نتائج بالغة الأهمية، منها:

¦ حرمان من يحكم عليه فيها من تولي الوظائف الحكومية.

¦ لا تقبل شهادة من تثبت عليه الجريمة إلا على سبيل الاستدلال.

¦ لا يقبل ترشيحه إلى مجلس الشعب أو المجالس المحلية أو ممارسته لحق الانتخاب بشأنها.

¦ لا يقبل دخوله في مناقصات الجهات العامة أو مزايداتها.

¦ لا يجوز دعوته إلى أي احتفال رسمي أو منحه أي وسام من أي مرتبة كان.

¦ لا يجوز قبوله عضواً في أي نقابة أو اتحاد أو جمعية أو نادٍ عام.

¦ لا يقبل ولا يجوز تعيينه وصياً أو قيماً.

في الحقيقة يجب أن تعدّ كل جريمة ضريبية مخلة بالثقة العامة مهما كانت صورتها أو مدى جسامتها أو أسلوب ارتكابها بوصفها تكشف عن عيب اجتماعي في مرتكبها وتتأذى منها العدالة الاجتماعية.

رابعاً- أركان الجريمة الضريبية:

لا يهتم القانون الجزائي بما يدور في ضمير الفرد من أفكار ولكنه يهتم بالمظهر الخارجي لهذه الأفكار، ومن هنا يتطلب الأمر ضرورة توافر ركن مادي لكل جريمة أياً كان نوعها أو طبيعتها، ففي العصور القديمة كان الركن المادي كافياً وحده في قيام الجريمة، ولكن ظهرت فيما بعد فكرة الاهتمام بشخص المتسبب في ذلك المظهر (مرتكب الجريمة) حتى إن القانون الروماني كان يشترط لتكوين الجريمة وجود القصد الجرمي لدى مرتكب الجريمة.

ومع التطور الحضاري ظهرت فكرة الخطأ بجوار القصد الجرمي، وبالتالي أصبحت الجريمة تتطلب فضلاً عن الركن المادي وجود ركن معنوي، فلا تتكون الجريمة من دون خطأ أو قصد؛ وأصبحت هذه القاعدة من البديهيات التي تستند إليها المسؤولية الجزائية وتتفق مع الغاية من التجريم والعقاب فيها، فإذا كانت المسؤولية المدنية تسعى إلى إعادة الحال إلى ما كانت عليه قبل ارتكاب الفعل، وبالتالي يكتفى فيها بالتعويض فإن ذلك غير كافٍ في المسؤولية الجزائية لأنها تستهدف حماية المجتمع بأسره، وبالتالي فإنه يجب أن يتوافر في الجريمة الضريبية الركن المادي والركن المعنوي.

ويتمثل الركن المادي في الجريمة الضريبية في الاعتداء على مصلحة ضريبية تشكل وضعاً يرى المشرع الإبقاء عليه وإنفاذه لأنه مفيد في أداء الدولة لوظيفتها في تحصيل مواردها والرقابة عليها، ويتمثل الركن المعنوي في سلوك مرتكب الجريمة لا بكونه فرداً معزولاً عن المجتمع بل بوصفه شخصية اجتماعية ضارة في علاقتها بنواحي النشاط المالي للدولة، ولهذا لا يتحمل المخالف عبء تصرفه الشخصي من الناحية الأخلاقية البحتة، وإنما عبء الحالة غير الملائمة التي انحدرت أخلاقه إليها بسبب المصلحة الضريبية في الوسط الاجتماعي الذي يمثل فيها نواتـه الأولى.

ولكن يلاحظ أن الركن المادي للجريمة في الجرائم العادية يتكون من ثلاثة عناصر هي الفعل الذي قد يتكون من فعل إيجابي أو سلبي، والنتيجة ورابطة السببية بين الفعل والنتيجة. أما في الجريمة الضريبية - نظراً لطبيعتها الخاصة - فإن الركن المادي فيها يظهر غالباً بمظهر الفعل من دون الحاجة إلى البحث عن النتيجة، وبالتالي إلى البحث عن رابطة السببية بينهما لأن أغلب الجرائم الضريبية من الجرائم غير ذات نتيجة، أي من الجرائم التي لا يتطلب قيامها تحقيق النتيجة. فالضرر في الجريمة الضريبية مفترض سواء نجم عن السلوك الجرمي أم لا.

أما بالنسبة إلى الركن المعنوي في الجريمة فيمكن القول يكتفى بالنسبة له أن تتوافر لدى المكلف إرادة آثمة في ارتكاب مخالفة إحدى قواعد فرض الضريبة، أي إرادة ارتكابه مخالفة هذه القاعدة عن طريق الخطأ أو الإهمال وعدم التبصر.

ومع ذلك فإن الجريمة الضريبية شأنها شأن أي جريمة جزائية تستلزم وجود ركن شرعي فيها، ويتمثل بوجود نص تشريعي يحرّم أو ينهى عن فعل يشكل مظهرها، وبالتالي فإن دور القاضي في هذا المجال يتمثل في مطابقة هذا الفعل مع هذا النص أو ذاك، ومع ذلك فإن البعض لا يعد ذلك ركناً بل مجرد وضع قانوني يحميه القانون وتقع الجريمة بالاعتداء عليه.

وكما أن بعض الجرائم تستلزم أركاناً خاصة لتكوينها ككون الفاعل في جريمة الرشوة موظفاً عاماً فإن الجريمة الضريبية فضلاً عن توافر أركانها يجب أن تتوافر في فاعلها صفة المكلف.

خامساً- مرتكب الجريمة الضريبية:

الفاعل في الجريمة الضريبة هو كل من يباشر صورة أو أكثر من صور الفعل الإجرامي الضريبي، فالسلوك الإجرامي الضريبي هو السلوك الإرادي المخالف للالتزام الضريبي، وهو الوسيلة التي يلجأ إليها المكلف في مخالفة الالتزام الضريبي من أجل الإفلات منه، لذلك تتطلب الجريمة الضريبية توافر الأهلية الضريبية فيمن يسأل جزائياً عن الضريبة، إذ لولا أنه أهل للقيام بالالتزام الضريبي لما سئل عنه جزائياً.

ولكن هل يمكن تصور الاشتراك في الجريمة الضريبية؟

بما أن القانون العقابي الضريبي يُعد قانون مصالح وليس قانون أشخاص فهو لا يخاطب الأشخاص كافة في البلاد كما هو الحال في قانون العقوبات بل يخاطب المكلفين بالضريبة فقط، فإن من المنطقي ألا يعاقب سوى هذا المخاطب، وبالتالي لا يطبق بشأنه قواعد الاشتراك، ولكن إذا كانت النظرية الحديثة للاشتراك الجرمي تقرر أن الشريك لا يستمد إجرامه من الفاعل الأصلي بل من الفعل الجرمي ذاته، فمن الممكن تصور الاشتراك في الجريمة الضريبية ويعاقب هذا الشريك عقوبة الفاعل الأصلي، إلا أن توافر هذه الصفة يستلزم الشروط التالية:

1- وقوع الفعل المؤلف للجريمة الضريبية.

2- وقوع الاشتراك بإحدى الصور التي وردت في قانون العقوبات والمحددة على سبيل الحصر.

3- قصد الاشتراك: أي علم الشريك بالجريمة الضريبية وإرادته المشاركة فيها.

وفي هذا المجال لابد من ملاحظة أن النص الضريبي يمكن أن يخاطب الشخص الطبيعي كما قد يخاطب الشخص المعنوي، ولذلك يمكن أن يسأل الشخص الطبيعي عن الجريمة الضريبية كما يمكن أن يسأل عنها الشخص المعنوي، إلا أن طبيعة العقوبة هي التي تختلف في كلا الحالتين، وفي هذه الحالة يسأل عن هذه الجريمة ممثل هذه الشخصية المعنوية بصفته الشخصية.

كما لابد من ملاحظة أن التشريعات الضريبية الحديثة عدت الوكيل مسؤولاً عن ارتكاب الجريمة الضريبية كالأصيل، فعادة ما يلجأ المكلفون إلى هؤلاء من أجل القيام بالتزاماتهم الضريبية أو مخالفتها، كالمحامي والمحاسب القانوني، ولكن يشترط لمساءلة الوكيل توافر العلم والإرادة، علم بعناصر الجريمة وإرادة متجهة إلى تحقيق هذه العناصر أو إلى القبول بها، وهو بذلك يعد شريكاً بارتكاب الجريمة مع الأصيل، وهذا ما نصت عليه المادة (17) من قانون ضريبة الدخل في سورية في القانون /24/ لعام 2003، عندما ألزمت المكلفين في ضريبة الأرباح الحقيقية بضرورة تقديم بيانات عن أرباحهم السنوية معتمدة من محاسبين قانونيين، كما جعلت تقديم هؤلاء المحاسبين لبيانات مغايرة للحقيقة ولا تتوافق مع قواعد المحاسبة المتعارف عليها - وهم على علم بذلك بهدف التهرب الضريبي - سبباً لملاحقتهم القضائية من قبل وزير المالية، بجرم التهرب الضريبي.

سادساً- أنواع الجرائم الضريبية:

يمكن تقسيم الجرائم الضريبية إلى عدة أقسام وذلك وفق المعيار الذي يجري عليه التقسيم:

1- فمن حيث الركن المادي قد تكون الجريمة إيجابية أو سلبية، كما قد تكون وقتية أو مستمرة:

وتتميز الجرائم الضريبية عموماً بأنها في الغالب جرائم سلبية، فالنشاط الجرمي فيها يتمثل في الامتناع عن القيام بالتزام معين من الواجب على المكلف القيام به في موعد محدد، كجريمة الامتناع عن دفع الضريبة وجريمة عدم تقديم الإقرار في الميعاد القانوني وجريمة عدم تقديم الأوراق والدفاتر وغيرها من الأوراق التي يوجب القانون تقديمها إلى الإدارة الضريبية.

إلى جانب الجرائم الضريبية السلبية هناك بعض الجرائم الضريبية الإيجابية أي جرائم تحتاج إلى قيام الفاعل بنشاط إيجابي مخالف لما نهى عنه المشرع كجريمة التهريب الجمركي التي تتطلب قيام الفاعل بإدخال بضائع إلى الدولة أو إخراجها بطريق غير مشروع من دون أداء الرسوم الجمركية المقررة عليها، أو عن طريق تقديم مستندات أو فواتير مصطنعة أو مزورة أو صورية أو وضع علامات مزورة أو إخفاء البضائع أو العلامات أو البيانات أو ارتكاب أي فعل بقصد التخلص من كل الرسوم الجمركية أو بعضها، وجريمة التزوير في الإقرارات واستعمال طرق احتيالية لإخفاء المبالغ التي تسري عليها الضريبة، وجريمة إتلاف الأوراق والمستندات قبل انقضاء الوقت المحدد لذلك في قانون فرض الضريبة.

أما بالنسبة إلى الضرائب الوقتية والمستمرة: فيمكن تقسيم الجريمة الضريبية بالنظر إلى وقتية النشاط الجرمي أو قابليته للاستمرار، إذ تتحد صفة الاستمرار أو الوقتية تبعاً لأحد عنصرين هما عنصر النتيجة أو وفق عنصر طبيعة الامتناع.

ففي الجرائم الإيجابية يمكن الاستناد إلى النتيجة الجرمية وما إذا كانت بطبيعتها تقبل الاستمرار وكان هذا الاستمرار يتطلب تدخلاً مستمراً من جانب المخالف، وفي هذه الحالة تكون الجريمة مستمرة، كجريمة الامتناع عن دفع الضريبة في الميعاد القانوني، فالالتزام بالدفع يظل قائماً وواجباً حتى بعد فوات الميعاد المحدد لدفعها والجريمة تستمر إذا استمر هذا الامتناع.

أما في حالة الجرائم السلبية فتتحدد طبيعة النشاط وفق طبيعة الامتناع ذاته، فإذا كان هذا الامتناع يتم وينتهي في لحظة واحدة كانت الجريمة وقتية كجريمة تقديم إقرار ضريبي ناقص، أما إذا كان الامتناع يقبل الاستمرار كانت الجريمة مستمرة كجريمة الامتناع عن تقديم المستندات والدفاتر والأوراق إلى الإدارة الضريبية عند طلبها، وهذا التمييز يفيد في تحديد زمن وقوع الجريمة الذي يتوقف على معرفته تحديد الكثير من القواعد القانونية؛ كمعرفة النص القانوني الواجب تطبيقه من حيث الزمان وأحكام التقادم والعفو وغيرها.

2- ومن حيث الغاية من الجريمة أو المصلحة المحمية فتنقسم الجريمة الضريبية إلى ثلاثة أقسام رئيسة، هي:

أ- جرائم ضريبية تمس المطرح الضريبي وعملية تحققها، مثل جريمة الامتناع عن تقديم الإقرار.

ب- جرائم ضريبية تمس مرحلة جباية الضريبة مثل جريمة التهرب الجمركي.

جـ- جرائم ضريبية تمس نشاط الإدارة الضريبية في مباشرتها لصلاحياتها كجريمة امتناع المكلف عن تقديم الأوراق إلى موظفي الإدارة الضريبية عند طلبها، أو عدم الاحتفاظ بالمستندات المكلفين بالاحتفاظ بها مدة يحددها القانون. فالمخلصون الجمركيون ملزمون وفق قانون الجمارك السوري رقم /38/ لعام 2006، في المادة (203) منه بالاحتفاظ بكل المستندات والوثائق والسجلات التي يتداولونها بصدد العمليات التي يكون للجمارك علاقة بها مدة خمس سنوات، ومجرد عدم الاحتفاظ بالمستندات يعرّض المخلص الجمركي لغرامة مقدارها عشرة آلاف ليرة سورية بموجب المادة (272) من هذا القانون.

3- ومن حيث الركن المعنوي للجريمة الضريبية يمكن تقسيمها إلى الجريمة الكاملة أو الجريمة الناقصة، ففي الجرائم العادية فرّق المشرع بين الجريمة الكاملة والجريمة الناقصة وفقاً للنتيجة الجرمية المراد تحقيقها في تلك الجرائم. فالجريمة الكاملة هي التي تتحقق فيها النتيجة الجرمية، والجريمة الناقصة هي الجريمة التي لا تتحقق فيها هذه النتيجة، إما لسبب لا دخل لإرادة الفاعل فيها على الرغم من قيامه بكل الأفعال المؤلفة للجريمة وهنا يكون الشروع فيها كاملاً، وإما عندما يعود الفاعل عن ارتكاب الجريمة بعد البدء بتنفيذها وقبل إتمام كل الأفعال المؤلفة لها، وهنا يكون الشروع ناقصاً.

إلا أنه في الجرائم الضريبية نظراً لكونها جرائم غير ذات نتيجة - كما ذكر سابقاً - فهي تعد قائمة بغض النظر عن تحقق النتيجة الجرمية، فإنه لا يتصور وجود شروع في الجرائم الضريبية، إلا أنه خروج عن ذلك فإن القوانين الجمركية عادة تساوي بين الجريمة الكاملة ومحاولة ارتكابها. والمشرع استخدم عبارة محاولة ارتكاب الجريمة لتستوعب كل حالات الشروع وذلك منعاً للأضرار التي قد تصاب بها الإدارة الجمركية والاقتصاد الوطني عموماً فيما لو اكتفى المشرع بالعقاب على الجريمة الكاملة فقط ولو كانت الجريمة جنحية الوصف، فالمحاولة في الجنح في الجرائم العادية لا يعاقب عليها إلا بنص صريح في القانون. أما في المخالفات فلا يعاقب عليها إطلاقاً، حيث ساوى المشرع السوري في قانون مكافحة التهريب رقم /13/ لعام 1974 بين جريمة التهريب والشروع فيها من حيث العقوبة في المادة الأولى منه.

فالجريمة الضريبية الكاملة هي الجريمة التي تحقق فيها النتيجة الجرمية أي الجريمة التي تصبح فيها النتيجة الجرمية واقعة فعلاً كجريمة التهرب الضريبي كما في جريمة التهرب الجمركي التي تكتشف بعد تحقق النتيجة الجرمية وتضبط البضاعة المهربة بعد القيام بكل الأفعال المؤلفة للجريمة، أما الجريمة الناقصة فهي التي تكتشف عند محاولة القيام بعملية التهريب وقبل تحقق النتيجة الجرمية.

سابعاً- العقوبة في الجريمة الضريبية:

تتضمن التشريعات الضريبية عموماً جزاءات مقيدة للحرية وتتمثل في عقوبة الاعتقال والأشغال الشاقة المؤقتة والحبس، وعقوبة الغرامة وعقوبة المصادرة وعقوبة الإغلاق.

وقد شاع لدى الدولة التوسع في استخدام عقوبة الحبس من أجل قمع الجريمة الضريبية، ومثالاً على ذلك عاقبت المادة (8) من قانون مكافحة التهرب الضريبي رقم /25/ لعام 2003 في سورية على جريمة التهرب الضريبي بالحبس مدة شهر إضافة إلى غرامة مقدارها 200% من الضريبة والرسم المتهرب منه. وفي ذلك يمكن القول إنه إذا كانت المصلحة الضريبية تهدف من خلق هذه الجرائم لحمايتها من تهرب المكلفين من أداء الضريبة فالغاية من التجريم هو منع أي محاولة تقف في وجه تغذية الخزينة العامة من الضريبة، وبالتالي فإن هذه العقوبة - وإن كانت تردع المكلف أحياناً- قد تضر بالخزينة العامة؛ فحبس المكلف مرتكب الجريمة يعني في الواقع حبس مصدر تغذية هذه الخزينة من الأموال إضافة إلى أن هذا الحبس يكلف الدولة نفقات كثيرة، وبالتالي يتناقض مع الهدف من التجريم والمتمثل بحث المكلف على الوفاء بالتزاماته الضريبية في مواعيدها؛ لذلك من الأفضل الاستغناء عن عقوبة الحبس في الجريمة الضريبية والاستعاضة عنها بالغرامة المالية، فقد يكون تأثير هذه العقوبة في ردع المكلف أكبر من الحبس لأنها تتناقض مع أهداف المتهرب وتحقق فكرة النفعية لمصلحة الضريبة.

أما بالنسبة إلى عقوبة الغرامة - فعلى الرغم من أن أغلب الجرائم الضريبية ليست من الجنايات وهي في الغالب تدخل في عداد الجنح - فإن هذه الغرامة في تلك الجرائم عقوبة أصلية تكميلية إضافة إلى عقوبة الحبس أو الاعتقال أو الأشغال الشاقة، بعد أن كانت هذه العقوبة هي العقوبة الوحيدة لردع الجرائم الضريبية في السابق.

ومادام الهدف من الجريمة الضريبية هو التخلص من الدين الضريبي وهو يتمثل في مبلغ من المال، فمن الطبيعي أن يركز المشرع في المؤيد الجزائي على هذا العنصر المالي حتى يكون أبلغ في ردع الجاني وزجره، وهذه العقوبة هي الطريقة المثلى لإيلام الجاني، وهي إضافة إلى ذلك تتناسب مع قدرته على الدفع ولا تكون عائقاً له في مباشرة نشاطه كما في عقوبة الحبس، فيحقق المشرع منها هدفه وهو تغذية الخزينة الضريبية بالأموال من دون أن يحرمها من مصدرها الفعلي وهو المكلف، كما أنها لا تتعدى على جسم المكلف أو حريته أو تمس سمعته أو شرفه، وهي في الوقت عينه تحقق الردع العام والخاص، لذا يمكن اعتبارها أفضل عقوبة لمحاربة الجرائم الضريبية؛ لتناقضها مع الدافع إلى هذا النوع من الجرائم وهو الجشع والطمع والربح غير المشروع؛ ولأنها تمس إرادة الجاني الجشعة وتفوت عليه تحقيقه للهدف من ارتكاب الجريمة، فهي تنال الجاني في الهدف نفسه الذي دفعه إلى ارتكابها تنفيذاً للقاعدة الكلية القائلة إن الجزاء من جنس العمل.

وعادة ما يفرض المشرع هذه الغرامة بين حدين أدنى وأقصى كفرضه الغرامة بين عشرة آلاف وعشرين ألف ليرة سورية في المادة (272) من قانون الجمارك السوري رقم /38/ لعام 2006، عن الكثير من الجرائم الجمركية التي منها تعويق موظفي الجمارك عن القيام بواجباتهم وعن ممارسة حقهم في التفتيش والتدقيق والمعاينة وعدم الامتثال إلى طلبهم بالوقوف أو توجيه الشتائم والتهديد والإهانة إليهم، أو فرضه الغرامة ما بين مئة ألف ومئتي ألف ليرة سورية عن مخالفة تحميل السفن والطائرات أو تفريغها أو سحب البضائع منها من دون ترخيص من دائرة الجمارك أو بغياب موظفيها أو خارج الساعات المحددة لذلك من قبلها أو تفريغها في غير الأماكن المخصصة لذلك.

كما قد درج في التشريع الضريبي على أن يردف بعقوبة الحبس أو الغرامة أو بهما معاً جزاء يعبر عنه بالزيادة بنسبة من الضريبة المتهرب من دفعها، فقد أردفت المادة (8) من قانون مكافحة التهرب الضريبي والاستعلام الضريبي السوري رقم /25/ لعام 2003 مع عقوبة الحبس عقوبة الغرامة بنسبة 200% من الضريبة أو الرسم محل التهرب.

فما هي الطبيعة القانونية لهذه الزيادة، وهل هي غرامة جزائية كما في الحالة السابقة أم هل هي تعويض مدني؟ فتحديد هذه الطبيعة له نتائج خطرة ومهمة فهي آن واحد:

أ- إن عُدت عقوبة جزائية فتكون المحكمة المختصة بالحكم بها هي المحاكم الجزائية، كما أنها لا تثبت إلا بحكم يصدر على المكلف في حال حياته، كما يجوز للقاضي أن يحكم بها من تلقاء نفسه، ويسوغ تحصيلها بالطرق المقررة لتحصيل الغرامات الجزائية كالإكراه البدني، ولا يكون للإدارة الضريبية حق امتياز في تحصيلها لأن هذا الحق يعطى له بالنسبة إلى الضرائب فقط.

ب- وإن عُدت هذه الزيادة تعويضاً مدنياً أو تكملة للضريبة فتختص بالنظر فيها المحكمة المختصة بالنزاعات الضريبية كمحكمة القضاء الإداري أو القضاء العادي بحسب الحال وليس القضاء الجزائي كما هو الحال في سورية، ولا تسقط إلا بسقوط الحق في الضريبة وأمكن مطالبة الورثة بها بعد وفاة المكلف، ولا يصح الحكم بها إلا إذا طالبت بها الإدارة الضريبية، وأمكن تحصيلها بالطرق ذاتها التي تحصّل فيها الضريبة الأصلية بحيث يكون للإدارة الضريبية حق امتياز في تحصيلها لهذه الزيادة تجاه المكلف على غيرها من ديونه.

في الحقيقة والواقع هذه الزيادة هي تعويض مقدر من قبل المشرع مقدماً ومن الواجب الحكم به، وتصبح ديناً لإدارة الضريبة بمجرد ارتكاب الجريمة الضريبية، ولا يطلب من الإدارة الضريبية إقامة الدليل على ما أصابها من ضرر نتيجة للجريمة الضريبية حتى يُحكم بهذه الزيادة. فالضرر هنا يفترضه المشرع، كما أنه لا تخصم مدة الحبس الاحتياطي من مقدار هذه الزيادة لأنها ليست غرامة جزائية، كما أنه لا يجوز الحكم بوقف تنفيذها. وتعد هذه الزيادة تعويضاً من نوع خاص يأخذ بعض أحكام التعويض المدني وبعض أحكام الغرامة الجزائية، إلا أن المشرع يصرح أحياناً بالنسبة إلى هذه الزيادة بأنها تعويض مدني، وبالتالي تأخذ حكم التعويض المدني كما هو الحال في المادة (249) من قانون الجمارك السوري رقم /38/ لعام 2006، عندما عد الغرامات الجمركية والمصادرات المنصوص عليها فيه تعويضاً مدنياً لإدارة الجمارك.

أما فيما عدا ذلك من العقوبات سواء بالنسبة للمصادرة أم الإغلاق فليس لها أي أحكام خاصة بها في الجرائم الضريبية تميزها من الجرائم العادية.

ولا بد من التنويه إلى أن الجزاءات الضريبية البحتة (الغرامة - الزيادة) تخرج عن نطاق القاضي الجزائي، ويمكن أن تفرض من جانب الإدارة الضريبية مباشرة تحت رقابة القاضي المختص بالنظر في النزاعات الضريبية، ومع ذلك فإن هذه الجزاءات تطبق عليها الضمانات الدستورية التالية:

1- مبدأ عدم رجعية العقوبات: فالراجح أن هذا المبدأ يسري على الجزاءات الضريبية البحتة، وبالمقابل فإن التضييق من نطاق تطبيق ميزة أو حافز ضريبي بأثر رجعي يعد جائزاً لأن النص التشريعي لا يفرض جزاء في هذه الحالة ولكن يحدد من الناحية الزمنية آثار التخفيض الضريبي، كما أن المزايا والحوافز الضريبية لا تعدّ حقوقاً مكتسبة لا يجوز المساس بها، بل هي مجرد عنصر من عناصر السياسة الضريبية للدولة في وقت معين، ويجوز لها العدول عنها متى شاءت وفقاً لمصلحتها العامة.

- لابد من التنويه هنا أن مبدأ سريان القانون الأصلح للمتهم يسري على الجزاءات الضريبية البحتة وهذا ما أصدره مجلس الدولة الفرنسي من رأي في 5/4/1996، إذ كانت المسألة المعروضة للبحث على المجلس هي بيان ما إذا كان التطبيق الفوري للقانون الأصلح يمكن أن يسري أيضاً على النـزاعات الخاصة بزيادة الضريبة بسبب سوء النية، وقد أجاب المجلس عن هذا التساؤل بالإيجاب مستنداً في ذلك إلى نص المادة (8) من إعلان حقوق الإنسان والمواطن الصادر في 1789 وضرورة العقوبة التي تنص على أنه لا يجوز للقانون أن يتضمن إلا العقوبات الضرورية.

2- مبدأ تناسب العقوبة: لا بد للعقوبة الضريبية أن تتناسب مع الجريمة، وإن كان المشرع هو الذي يملك تقدير مسألة تناسب العقوبة مع الجريمة إلا أن القاضي الدستوري له أن يقرر عدم دستورية النص التشريعي إذا تضمن عدم تناسب ظاهر بين العقوبة والجريمة، وقد أكد ذلك حكم المحكمة الدستورية العليا المصرية في القضية رقم /33/ الصادر في 3 شباط/فبراير 1996 إذ قال:

«لا يجوز أن تعمد الدولة كذلك استيفاء لمصلحتها في اقتضاء دين الضريبة إلى تقرير جزاء الإخلال بها، يكون مجاوزاً بمداه وتعدده الحدود المنطقية التي يقتضيها صون مصلحتها الضريبية، وإلا كان هذا الجزاء غلواً أو إفراطاً، منافياً بصورة ظاهرة لضوابط الاعتدال واقعاً عملاً، وبالضرورة وراء نطاق العدالة الاجتماعية لينحلَّ مضمونها بما ينافي القيود التي فرضها الدستور في مجال النظام الضريبي».

- كما أن مبدأ تناسب العقوبة مع الجريمة لا يقتصر فقط على المؤيدات الضريبية الجزائية، ولكنه يشمل أيضاً المؤيدات (الجزاءات) الإدارية البحتة وذلك على غرار مبدأ عدم رجعية العقوبات.

3- مبدأ عدم الجمع بين العقوبات: ويعني هذا المبدأ في المجال الضريبي عدم الجمع بين العقوبات الجزائية، وهو لا يطبق في حالة الجمع بين العقوبات الجزائية والجزاءات الإدارية، أي إنه يجوز الجمع بين العقوبات الجزائية والجزاءات الإدارية في الجريمة نفسها في المجال الضريبي، بل إن هذا من الشائع جداً في التشريعات الضريبية عموماً لضمان نفاذ القاعدة الضريبية.

- إذ يقتصر تطبيق هذا المبدأ في المجال الضريبي على تأكيد أمرين هما:

أ - عدم جواز معاقبة الشخص أكثر من مرة عن فعل واحد.

ب- جواز توقيع عقوبة جزائية وعقوبة إدارية عن فعل واحد عندما يؤلف هذا الفعل جريمة جزائية وجريمة تأديبية في آن واحد.

- كما لابد من التنويه إلى أن هذا المبدأ يطبق أيضاً على الجزاءات الضريبية البحتة، فاتجاه القضاء الدستوري الفرنسي والمصري يقرر صراحة أن المخالفة الواحدة لا يمكن أن تؤدي إلا إلى جزاء إداري واحد.

4- مبدأ احترام حقوق الدفاع: تخضع الإجراءات القضائية أمام قاضي الضريبة لمبدأ المواجهة الذي يُعد متفرعاً عن مبدأ احترام حقوق الدفاع، فإذا كانت الإدارة لها الحق أن تلجأ إلى التقدير الجزافي أو التلقائي أو المقطوع في فرض الضريبة فمن واجبها أن تحيط المكلف أمام قاضي الضريبة بالطريقة أو الأسلوب أو الأسس التي اعتمدتها في تقدير الأرباح غير الواردة في إقراره الضريبي، أما فيما يتعلق بتطبيق مبدأ حقوق الدفاع في مجال الجزاءات الضريبية البحتة فإن مجلس الدولة الفرنسي قرر أن مبدأ المواجهة غير قابل للتطبيق في مجال الجزاءات المالية الضريبية البحتة؛ وذلك لعدم وجود إرادة صريحة من المشرع لتقرير هذا الحق على هذا النوع من الجزاءات الضريبية.

مراجع للاستزادة:

- هشام محمد البدري، النص الضريبي بين التفسير الإداري والتفسير التشريعي (دار المعارف، الإسكندرية 2005).

- عبد الحميد الشواربي، التجريم والعقاب في الضريبة على الاستهلاك (المكتب العربي الحديث، الإسكندرية 1991).

- إدوارد جرس بشاي، التجريم الضريبي المصري (شركة دار إلياس العصرية، القاهرة 1981).

- محمد محمد عبد اللطيف، الضمانات الدستورية في المجال الضريبي، دراسة مقارنة بين مصر والكويت وفرنسا (مطبوعات جامعة الكويت، 1999).

- شفيق طعمة وأديب استانبولي، التشريعات الجمركية وقانون التهريب وقانون العقوبات الاقتصادية مع الأحكام القضائية الصادرة عن محكمة النقض السورية حتى 1995 (دمشق 1996).

- قانون الجمارك السوري رقم /38/ لعام 2006.

- قانون ضريبة الدخل رقم /24/ لعام 2003.

- قانون الاستعلام الضريبي ومكافحة التهرب الضريبي رقم /25/ لعام 2003.

- قانون العقوبات السوري رقم /148/ لعام 1949.

 


التصنيف : القانون المالي
النوع : القانون المالي
المجلد: المجلد الثالث: الجرف القاري ــ الرسم والنماذج الصناعية
رقم الصفحة ضمن المجلد : 40
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 53
الكل : 11018017
اليوم : 6754