logo

logo

logo

logo

logo

مبدأ ترشيد النفقات العامة

مبدا ترشيد نفقات عامه

principle of the rationalization of public expenditures - principe de la rationalisation des dépenses publiques

 مبدأ ترشيد النفقات العامة

مبدأ ترشيد النفقات العامة

يوسف شباط

مفهوم ترشيد الإنفاق ومراحل تطوره

أسس اختيار النفقة الرشيدة وتقويمها

الجدوى الاجتماعية للمشروعات العامة

 

أولاً ـ مفهوم ترشيد الإنفاق ومراحل تطوره:

إن مفهوم ترشيد الإنفاق هو اختيار أمثل للنفقة العامة، يحدد بدقة وفق منهج موضوعي ويهدف إلى بيان قدرة الوسائل الفنية على تحديد قيمة العائد في المجالات العامة، وهو يعني التركيز الأولي على بعض القطاعات، وبعض المشكلات الكبيرة ذات الأولوية، وإعداد استراتيجية على المدى المتوسط لاختيار النفقة الرشيدة.

إن الجهد الذي تبذله الإدارة يهدف إلى التلاؤم والتطوير ومواجهة المشكلات الحقيقية وفق مناهج ووسائل ملائمة، ويسعى إلى عقلنة الاختيارات المتعلقة بالموازنة، والبحث عن المنفعة القصوى من النفقات العامة، وتحقيق أهدافها في المجتمع.

لقد أصبح اختيار النفقة الأكثر أهمية المشكلة الرئيسة التي تعاني منها الدول في تخطيط ماليتها العامة واختيار نفقاتها، فالنفقات العامة تزداد بنسبة كبيرة تتخطى الناتج القومي الإجمالي، لذلك أصبح من الضروري العمل المبرمج لاختيار النفقة الضرورية ذات المردود الاجتماعي والاقتصادي الذي يؤثر إيجابياً في المجتمع، ويلبي حاجات المواطنين وازدهار الحياة الاقتصادية.

وهذا ما يؤكد ضرورة عقلنة هذه الخيارات، والاسترشاد بالأساليب العلمية المنطقية لاختيار النفقة الرشيدة والأكثر نفعاً. فليس المهم أن تنفق الدولة مبالغ كبيرة حتى تزدهر الحياة الاقتصادية، وإنما تنفق بصورة أكثر عقلانية؛ لذلك يجب أن تسترشد بأسلوب عقلاني أكثر منه تقليدي، واستقرائي أكثر منه قياسي، واقتصادي أكثر منه سياسي، ويتطلب هذا الأسلوب دراسة تخصيص الاعتمادات وفق ثلاث مراحل رئيسة:

تحديد أهداف كل إدارة أو هيئة عامة وفق جدول أفضليات، وتحقيق الوسائل المستخدمة لبلوغ هذه الأهداف، وتحديد كلفة كل وسيلة لتحقيق الأغراض المطلوبة خلال فترة زمنية معينة، واختيار الوسيلة الأفضل بشكل عقلاني.

وضع برنامج أو مشروع لكل هدف تنوي الدولة تحقيقه خلال فترة زمنية محددة.

توزيع هذا البرنامج أو المشروع على موازنة السنوات المختلفة إذا اقتضت الحاجة ذلك، أي: ترجمته إلى أرقام ترصد في الموازنة العامة على مدى السنوات المقبلة، وهذا يستدعي تغييراً في أساليب إعداد الموازنة العامة.

لقد اعتمدت فرنسا أسلوب ترشيد اختيارات الموازنة، وهو أسلوب مستمد أساساً من نظام استخدام التخطيط والبرامج ونظم التحليل، وقد برزت فكرة هذا الأسلوب لترشيد الإنفاق في فرنسا نتيجة للاعتبارات التالية:

إن الخصائص العامة للأساليب التقليدية لإعداد الموازنة لم تكن تساعد على اختيار البدائل المختلفة، حيث كانت تركز الأساليب التقليدية على القواعد المحاسبية، من دون اللجوء إلى التحليل الاقتصادي الذي يتم بوساطة الأساليب الفنية الحديثة التي تساعد على تحديد الإمكانات لخدمة العمل المستهدف، مع تقييم النتائج التي تسفر عنه.

إن الأسلوب القديم لإعداد الموازنة تم وضعه في ظروف كانت الموازنة العامة فيها لا تحقق إلا جزءاً بسيطاً من الدخل القومي، وقد كان واضعو الموازنة يحرصون على الحصول على إذن من البرلمان لتحصيل الإيرادات ودفع النفقات، وإجراء التوازن بين الإيرادات والنفقات من دون الدخول في مناقشة فاعلية الإنفاق، وهذا الأسلوب لم يعد ملائماً دور الدولة الجديد والمتغيرات الاقتصادية الجديدة والحاجات الاجتماعية المتنامية.

لقد أصبحت الحكومة لأسباب سياسية واجتماعية غير قادرة على رفع معدل الضرائب السائدة، مما يتطلب ضرورة إيجاد وسائل أفضل لتوزيع الدخل القومي وترشيد النفقات، والتركيز على المشروعات الأكثر فاعلية.

ظهور الحاجة إلى البحث عن وسائل حديثة لتطوير الإدارة واللجوء إلى الوسائل العلمية لاتخاذ القرار وزيادة كفاءة العاملين، مما يؤدي إلى تطوير الموازنة وزيادة النمو الاقتصادي.

ومن أجل كل الاعتبارات السابقة تم إدخال تعديلات على النظام الفرنسي القديم، وتطويره شاملاً خلال عام 1975، في أسلوب جديد هو أسلوب ترشيد اختيارات الموازنة لمسايرة التطور الكبير الذي طرأ على وظائف الدولة الحديثة.

ولقد كان الباعث الرئيسي لاستخدام أسلوب ترشيد اختيارات الموازنة نتيجة لرغبة الإدارة الحكومية وليس استجابة لضغوط سياسية.

مر مبدأ ترشيد النفقات العامة باستخدام الموازنة العامة للدولة بثلاث مراحل رئيسة تبعاً لمراحل تطور الموازنة، حيث تطور الترشيد من ترشيد مالي إلى ترشيد أداء فترشيد عن طريق التخطيط والبرمجة، ويمكن البحث في هذه المراحل بإيجاز وفقاً لما يلي:

1ـ ترشيد النفقات العامة عن طريق موازنة الرقابة (الترشيد المالي):

جرت الرقابة على الأموال العامة بأطوار متعددة، غير أنها لم تنل العناية الواجبة إلا بعد أن سادت الأنظمة الدستورية في كثير من الدول الحديثة، حيث قضت هذه الأنظمة بتخويل الهيئات النيابية في تلك الدول حق الرقابة على الأموال العامة، وجعلت لهذه الهيئات حق مناقشة الموازنة العامة وإقرارها، وقد كانت بريطانيا السباقة في هذا المجال، فقد استطاع مجلس العموم البريطاني في عام 1628 أن يحصل على ضرورة موافقة ممثلي الشعب على كل ضريبة قبل فرضها، وأصدرت وثيقة باسم وثيقة إعلان الحقوق ثم تبعتها الولايات المتحدة عام 1782 وفرنسا عام 1789، ثم تبعتها بقية الدول، وبهذا ظهرت الرقابة البرلمانية في العالم على الإيرادات أولاً، ثم على النفقات فيما بعد، ومنعت الحكام آنذاك من فرض أي ضريبة أو صرف أي نفقة من دون موافقة البرلمان.

وقد تمثل ترشيد النفقات العامة بوضع نظام مناسب للرقابة على النفقات العامة يهدف إلى إقامة نظام مترابط للرقابة على الإنفاق، والتأكد من أن هذه النفقات قد صرفت في الأوجه المخصصة لها في الموازنة العامة للدولة من دون أي تلاعب أو إسراف في استخدام الأموال العامة عن طريق فرض رقابة مركزية على المصروفات، والقضاء على كل مظاهر الانحراف والتبذير من خلال إحكام الرقابة على الوزارات والإدارات والمؤسسات العامة. وهذا الأسلوب يحد من الاختلاس وتبديد الأموال، كما يساعد على تطبيق مبدأ المحاسبة.

لذلك يمكن القول: إن الترشيد في هذه المرحلة كان يتم عن طريق التركيز على الاعتبارات المالية فحسب، من خلال مراقبة أوجه الصرف، والتأكد من عدم تجاوز الاعتمادات المحددة في الموازنة العامة. والهدف منها هو فحص حسابات الحكومة، ومستندات الصرف والتحصيل، فترشيد الإنفاق العام هنا لا يهتم بالأعمال التي تقوم بها الحكومة، ولا تكاليف الخدمات، أو دراسة الجدوى الاقتصادية من النفقة، وإنما يهدف إلى التأكد من أن النفقات قد تمت في حدود الاعتمادات المقررة في الموازنة، لذا وصفت هذه المرحلة بالترشيد المالي.

 2ـ ترشيد النفقات العامة عن طريق موازنة البرامج والأداء:

ظهرت فكرة موازنة البرامج والأداء أول مرة في الولايات المتحدة في عام 1913 في مدينة نيويورك، وفي عام 1934 أعدت وزارة الزراعة الأمريكية موازنتها على أساس المشروعات والأنشطة، ثم تلتها هيئة وادي التنسي التي أعدت ميزانيتها على أساس البرامج والإنجازات، ثم انتشر نظام إعداد الموازنات على أساس البرامج في وزارة الدفاع الأمريكية.

وقد أوصت لجنة هوفر الخاصة بإصلاح الجهاز الحكومي في أمريكا في تقريرها الصادر عام 1949 بتعديل فكرة الموازنة الاتحادية كلها لتقوم على أساس البرامج في وزارة الدفاع الأمريكية.

وفي عام 1950 صدر نظام قانون المحاسبة والميزانية الذي نص فيه على تبويب الموازنة على أساس المهام والأنشطة.

وفي عام 1955 أوصت لجنة هوفر الثانية بما أوصت به اللجنة الأولى، غير أنها استخدمت في تقريرها اصطلاح موازنة البرامج، وقد ألقى ذلك الضوء على موازنة البرامج والأداء، فأصدرت الأمم المتحدة كتيباً عن موازنة البرامج والأداء سنة 1965.

لذا يمكن القول إن ترشيد الإنفاق العام عن طريق موازنة البرامج والأداء يتم من خلال:

أ ـ توضيح ما تم إنجازه من البرامج والمشروعات العائدة للسنة المالية السابقة مع بيان كلفة المشروع.

ب ـ تحديد المسؤول عن أداء العمل، ومدى مساهمته في تنفيذ البرامج؛ مما يساعد على تحسين الأداء.

ج ـ اكتشاف العديد من معدلات قياس تكلفة العمل.

لذلك تعطي موازنة البرامج والأداء صورة مالية واضحة عن الإيرادات والنفقات، مما أدى إلى اعتماد مبدأ التبويب الوظيفي للنفقات العامة وسهولة قياس تكلفة الأنشطة والإنجازات وتحقيق الاستخدام الأمثل للموارد المالية، وتحقيق الخطط الطموحة للتنمية من خلال التركيز على المقابل الذي يعود من الإنفاق بدلاً من الإنفاق نفسه، فأصبح الترشيد يتم عن طريق الربط بين تكاليف الخدمة أو العمل من جانب وعائد هذه التكاليف من جانب آخر، وبذلك تم الانتقال إلى المرحلة الثانية لتطور مبدأ ترشيد النفقات العامة التي تعتمد على البرامج والأداء أي النتائج التي تحققها النفقات العامة.

3ـ ترشيد النفقات العامة عن طريق موازنة التخطيط والبرمجة:

نشأت موازنة التخطيط والبرمجة أول ما نشأت على أنها نظام من أنظمة الإدارة في وزارة الدفاع الأمريكية التي كان يتولاها آنذاك روبرت فالنمار؛ الذي عين فيما بعد مراقباً عاماً للحسابات في عام 1961.

ويقوم النظام الجديد على التحليل الكمي والمقارنة بين المشروعات من حيث كفايتها وفعاليتها وآثارها العامة في المجتمع، كما يقوم على الربط بين التخطيط العسكري الذي يغطي سنوات متعددة ونظام موازنة السنة الواحدة، ويتم ذلك من منطلق أن معرفة حجم التكلفة يحدد الاحتياجات اللازمة من الموارد البشرية والمالية مدة خمس سنين قادمة.

وقد جرت عدة محاولات لتحليل أنظمة التسليح المختلفة، ومدى فعاليتها، وآثارها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وتقوم هذه الطريقة على عناصر ثلاثة، هي: التخطيط، والبرمجة، والموازنة.

وتهتم موازنة التخطيط والبرمجة بالأهداف المراد تحقيقها، أما وسائل تحقيق تلك الأهداف فلا تهتم بها موازنة التخطيط والبرمجة، فالنفقات العامة يتم تبويبها على أساس الأهداف التي تهدف الحكومة إلى تحقيقها، أما البرامج والأنشطة فهي وسائل لتحقيق تلك الأهداف.

يلاحظ هنا أن موازنة التخطيط والبرمجة تحدد مهمتها في ضوء الأهداف المراد تحقيقها من دون الارتباط بقاعدة مدة محددة كنقطة للبدء تنطلق منها.

مما تقدم يمكن القول إن موازنة التخطيط والبرمجة هي الأداة التي بوساطتها يمكن تحويل بيانات الموازنة من بيانات تخطيطية إلى بيانات إدارية وبالعكس، وتمتد إلى الفترة التي تتحقق فيها الأهداف بغَضِّ النظر عن مبدأ سنوية الموازنة.

وهذا النظام يستخدم جميع الوسائل والأساليب الفنية (حساب التفاضل والتكامل، ونظم التحليل والتنبؤ، والتنظيم، وطرق العمل…إلخ)، ويهدف إلى إنجاز السياسات العامة بكفاءة في المستويات الحكومية المختلفة.

ويمكن القول إن الترشيد التخطيطي هو الحل المناسب لمشكلة ترشيد الإنفاق العام، وتوفير أسباب الكفاءة في الجهاز الحكومي، وذلك بفضل ما يتضمنه النظام من ربط النفقات في مختلف البرامج والمشروعات الحكومية، وذلك بما يعود منها على المجتمع، وبما تحققه من نتائج اجتماعية، وهذا يتطلب تطوراً مماثلاً في أساليب إعداد الموازنة تبعاً لذلك.

ثانياً ـ أسس اختيار النفقة الرشيدة وتقويمها:

1ـ أسس اختيار النفقة الرشيدة:

تتحدد هذه الأسس في فئتين أساسيتين: فئة ذات طبيعة تقنية، وفئة ذات طبيعة اجتماعية وإدارية.

أ ـ الفئة ذات الطبيعة التقنية:

وهذه الفئة تهدف إلى توسيع مجال تطبيق التقنيات التقليدية للمساعدة على اختيار النفقة، وجعلها أكثر تطوراً لاستخدام الوسائل الحديثة في المشروعات والمؤسسات؛ لمعرفة النظم وملاءمتها للقطاع العام، ويمكن تصنيف هذه الفئة في ثلاثة مستويات تصاعدية:

المستوى الأول: بدائي يحتوي على مجموع الأعمال التي تتمم العمل الجاري في المشروعات، أو برامج الأساس، أو الإدارة الجارية.

المستوى الثاني: يتعلق بالسياسات المطبقة على المدى المتوسط من قبل السلطات الحكومية على مستوى القطاع العام والبرامج المعتمدة لوضعها موضع التنفيذ، كالسياسات الاقتصادية والاجتماعية، وبرامج القطاعات المختلفة.

المستوى الثالث: يتعلق بالاختيارات الإجمالية التي تهم مباشرة مصلحة الجماعة الوطنية كالخيارات الاقتصادية الكبيرة.

إن التقنيات المهيأة للمساعدة على عملية الاختيار مالياً تتمثل على نحو أساسي في المستوى الأول، ولكن برزت تطورات مهمة بدأت تأخذ دورها بفضل الأدوات والوسائل الحديثة، مثل التحليل المتعدد المعايير، والتمييز الدقيق، وريع العوائد، وإنشاء أنظمة للنماذج المتلاحقة.

ب ـ الفئة ذات الطبيعة الاجتماعية والإدارية:

لقد أدت التطورات السابقة ـ إضافة إلى التقنيات التقليدية ـ إلى تنظيم العمل، وتطوير مناهج الإدارة، من خلال الأهداف والتحليلات الإجمالية على مستوى الشركة التجارية، مستندة إلى وسائل المعلوماتية المبرمجة.

وقد ساهمت هذه الوسائل ـ مباشرة ـ في الدول المتقدمة في تطوير نظام توجيه النشاط العام، وتحقيق فعالية العمل.

إن مختلف التطورات التي حدثت في الجوانب الآنفة الذكر قد أدت إلى إحداث تحولات في تطور المرافق الفعلية في مواجهة الإدارة:

على مستوى التخطيط: حيث كان يعد هذا التخطيط مركزياً، يفتقد إلى المرونة.

على مستوى الموازنة العامة للدولة التي لم تكن تترجم بوضوح وعلى نحو كافٍ الاتجاهات المحددة للإدارة المالية.

على المستوى الاعتيادي والمألوف: إذ إن الإدارة لم تكن دائماً مستريحة ومستقلة في مواجهة أزمات القطاع العام، وفي هذا المجال ظهر إصلاح فرض نفسه وهو ذو منشأ سياسي، ويتمثل في إيجاد طرق حديثة تبنت اختيار النفقة الرشيدة، تشجيعاً لإصلاح القطاع العام الذي يعد أفضل خدمة عامة ويطابق الاتجاهات الديمقراطية.

وفي البلاد المتطورة والمنفتحة على الخارج لا يكفي التنظيم الإداري الموروث عن الماضي، ولا قواعد العمل المحددة بالقانون لجعل الإدارة ملائمة وفعالة. وإنما النتائج الحاصلة فعلاً هي التي تسمح بالحكم على هذه الإدارة، ومدى اتصافها بالمرونة، ومدى مطابقة الفعل لإرادة المسؤولين ومسؤولية العمال.

ففي فرنسا مثلاً تبنت بعض المرافق العامة بنجاح مناهج وطرقاً جديدة، ويمكن أن يذكر من هذه المرافق ما يلي:

ـ مرفق الكهرباء: فيما يتعلق بمجمل سياسة مرفق الكهرباء بالتطور والتنمية.

ـ مرفق الدفاع الوطني: فيما يتعلق بتوجيه نشاط البحث العسكري.

ـ مرفق التجهيزات: فيما يتعلق باختيار أعمال البنية التحتية وبرمجتها.

لقد اعتمدت الحكومة الفرنسية في بداية عام 1968ـ عندما أطلقت شعار عقلنة الخيارات المتعلقة بالموازنة ـ منهج التصنيف من حيث وجود معايير متعددة، وهو منهج يهدف إلى ترتيب الموضوعات التي جرى تقديرها بحسب وجهات نظر مختلفة، من دون إرجاع كل واحدة من وجهات النظر إلى وحدة مشتركة.

إن عقلنة الخيارات تعني بهذا المعنى تبيين الإدارة على نحو إرادي وتدريجي لقرارات كل مستوى من مستويات المسؤولية، وفي هذه الحالة فإن كل مرحلة من الإجراءات المتتابعة تعد أساسية لتماسك مجموع المراحل، بحيث تظهر بشكل حلقات متصلة، تستجيب لعدة تصورات بسيطة، تضع تقنيات وإجراءات محددة موضع التنفيذ. وفي هذا الإطار فإن اختيار النفقة الرشيدة يخضع للمراحل التالية:

المرحلة الأولى: مرحلة جرد الوضع أو مرحلة الدراسة، حيث إن الخطوة الأولى في التحليل يجب أن تنطلق من وصف المميزات الرئيسة للوضع الموجود.

المرحلة الثانية: هي بحث الأهداف ووسائل العمل وتوضيحها، وهذه المرحلة هي مرحلة التحليل، وتحديد الأهداف المتبعة والاختيارات الممكنة، إذ إن المفاهيم الأساسية المرتبطة بهذه المرحلة هي مفاهيم متعلقة بالأهداف والبرامج والنتائج.

المرحلة الثالثة: هي وضع البرامج والموازنات موضع التنفيذ، من خلال الموازنة بين فريق التحليل وفريق المسؤولين.

المرحلة الرابعة: وهي وضع القرار، واتخاذ إجراءات التنفيذ، فالقرار هنا يأخذ شكل خطة استراتيجية وبرامج لعدة سنوات، وفي هذه المرحلة تطرح مشكلات التطبيق في المجال العملي الإداري.

المرحلة الخامسة: وهي إدارة النتائج، وضبطها، وإعادة التقييم، وتصحيح البرامج.

2ـ مدى تقويم عملية اختيار النفقة الرشيدة:

إن عملية اختيار النفقة الأصلح هي إدارة الاستعمال المنظم لمجموعة المناهج الحديثة لتحضير القرارات، فاختيار النفقة الرشيدة ليست وصفة سحرية تقدم فجأة حلولاً أفضل وغير قابلة للنقاش إلى المسؤولين السياسيين والإداريين، وإنما يجب أن يؤدي إلى تحديد المنهج واستقبال المعلومات، ومن ثم دراسة الجدوى منها، وأخيراً الترجمة الفعلية للقرارات، ومع ذلك فإن اختيار النفقة الرشيدة قد أدخلت فيه تغييرات ملموسة، وخاصة على مستوى الإدارة واستقبال المعلومات.

إن الترشيد يعني هنا نقل مساهمات الإدارة وتنظيم أنظمة المعلومات من خلال اللجوء التدريجي إلى المعلوماتية، وقيام الإدارة بوضع لوحات، وإعداد مؤشرات النتائج التي تنجزها مجموعات متعددة الاختصاصات، مستعملة مجموع تقنيات الوصف والإسقاط، والنماذج، والتقييم، ومراقبة الأبحاث من قبل المسؤولين أنفسهم بحسب تقويم زمني مرتبط بإجراءات القرار.

إن نتائج إدخال اختيار النفقة الرشيدة قد ظهرت من خلال تطور الخطط التي تم إنجازها والتي ساعد على إنجاحها الالتزام الواضح والمستمر للمسؤولين في تطبيقها.

وقد واجهت عملية اختيار النفقة الرشيدة صعوبات كثيرة أهمها كون الإدارة فقيرة نسبياً بالكوادر التي تملك الكفاءة العلمية، وهذا لا يمكن أن يحل إلا من خلال جهد مركز ومنظم ومن خلال التدريب الإضافي في الجامعة والإدارة على السواء.

إن جهود الإدارة العصرية في معظم الدول المتقدمة أخذت تنصب على تطوير جهود الإدارة والتلاؤم مع الظروف المحيطة، ومعالجة المشكلات المتفاقمة في القطاعات الإدارية والاقتصادية.

وهذه الجهود تهدف من وراء ذلك إلى إعداد استراتيجية حقيقة لمعالجة المشكلات الراهنة والمتوقعة لاختيار النفقة الرشيدة، وتطبيقها في السياسات المالية والإدارية للدولة. وفي سبيل ذلك فإن جميع مستويات الإدارة يتم تجنيدها لخدمة هذه الاستراتيجية التي هي خطة مستقبلية للإنفاق، ومن أجل تحقيق هذه الأهداف يجب أن تؤخذ في الحسبان المقترحات التالية:

الاستمرار بنهج التعددية الاقتصادية من أجل تحقيق أهداف التنمية الشاملة، وتأمين مستلزمات النهوض الاجتماعي والاقتصادي.

الاختيار الوظيفي بين النفقات المختلفة: إن هذا الاختيار يعد من أهم التوجهات المتعلقة بتنمية الناتج القومي. فهناك صلة وثيقة بين مستلزمات الإنتاج والخدمات الأساسية وبين المشروعات الإنتاجية التي تعطي ناتجاً سريعاً، وفي هذا المجال فإن عنصر الزمن يؤثر مباشرة في اتخاذ القرار، فهناك مشروعات يستلزم بناؤها فترة طويلة ومشروعات تتطلب فترات قصيرة، وهناك مشروعات تعطي عائداً سريعاً وأخرى تتأخر عوائدها الإنتاجية.

وفي هذا الإطار ينبغي العمل على زيادة الطاقة الإنتاجية في المجتمع والتركيز على المشروعات الاستثمارية، وإعطاء الأولوية في الموازنة والخطة لزيادة الإنتاج وتطويره، وتحسين نوعيته، وضرورة الابتعاد قدر الإمكان عن الاستهلاك المتمثل بالخدمات، على اعتبار أن هذه الخدمات ستتسع مساحتها ونوعيتها كلما ازداد الإنتاج وتعاظمت الواردات، مما يتطلب ضغط النفقات الحكومية وتوزيعها في منحيين أساسيين:

المنحى الأول الإنتاجي: الذي يؤدي إلى زيادة الإنتاج والدخل القومي، وبناء القاعدة الاقتصادية التي من شأنها توفير المال اللازم لإقامة مشروعات جديدة تتيح المجال لتشغيل اليد العاملة الجديدة، وتدعم الاقتصاد الوطني.

المنحى الخدمي الضروري الذي يلبي الحاجات الأساسية للمواطنين، ويحتل المرتبة الثانية من حيث الأهمية بعد قطاع الإنتاج.

على الدولة أن تتريث في اعتماد النفقات العامة وتقريرها، إذ يصعب في الكثير من المجالات تخفيض هذه النفقات بعد تقريرها، ويكون من الأجدى أن تعيد النظر دورياً بدراسة الإنفاق الحكومي بوساطة لجان متخصصة تشارك فيها المنظمات الشعبية والنقابات المهنية والجهات الرقابية المختلفة لدراسة واقع الإنفاق العام، وتقويم نتائجه الاجتماعية والاقتصادية لمكافحة التبذير والإسراف، وتعزيز سياسة ترشيد الإنفاق العام، والوصول إلى الأهداف المنشودة.

ضرورة العمل بين فترة وأخرى على القيام بإصلاح دوري شامل وإعادة النظر في تنظيم الإدارة الحكومية على أسس علمية وتنظيم المعلومات، واعتماد التقنيات الحديثة، وتحديث القوانين المالية والإدارية، وتطوير طريقة اتخاذ القرارات عن طريق تطوير أسلوب اختيار النفقة الذي يجب أن يكون على أساس علمي عقلاني ومنطقي أكثر منه تقليدي.

ثالثاً ـ الجدوى الاجتماعية للمشروعات العامة:

إن أهم المبادئ والنظريات التي ترمي إلى بيان الطريق لتحقيق أقصى نفع للمجتمع تتحدد في مبدأ المنفعة القصوى للمجتمع التي يتحقق من خلالها الحد الأمثل للإنفاق.

ويتحقق المستوى الأمثل للمجتمع من مجموع المستويات الفردية، ويسمح هذا المبدأ نظرياً بتحديد حجم الإنفاق العام، وذلك بالتوسع بالإنفاق إلى الحد الذي لا تتجاوز فيه الأضرار الحدية المترتبة على الضرائب المنافع المترتبة على تقديم الخدمة الممولة بهذه الضرائب، وكذلك فإن هذا المبدأ يبرر فرض الضرائب بنسبة أعلى على الأفراد الذين يعود عليهم نفع أكثر من مشروع معين، إلا أن هذا المبدأ تكتنفه بعض الصعوبات العملية:

يتعذر على متخذي القرار استكشاف تقديرات الأفراد للمنافع العامة، وبيان حجم الإنفاق، وكيفية توزيعه.

إن هذا المبدأ معيب من الناحية النظرية، فهو يعد الضريبة مقابل الخدمات التي يحصل عليها الأفراد؛ مما يتطلب توازناً على مستوى الفرد بين المنافع التي يحصل عليها نتيجة النفقات العامة والضرائب التي يتحملها.

إن هذا المبدأ يتجاهل طبيعة الظاهرة المالية؛ باعتبار أن مركز النشاط المالي هو الدولة لا الأفراد.

إن هذا المبدأ يعدّ أن هدف المالية العامة هو تقديم الخدمات العامة فقط، في حين أن للمالية العامة أهدافاً متعددة قد يصطدم تحقيقها بتطبيق هذا المبدأ، لأن المستفيدين من النفقات الاجتماعية هم أقل الأفراد مساهمة في التكاليف العامة.

وذهب آخرون إلى القول بمبدأ آخر هو أن الإنفاق الأمثل يتحقق بتساوي المنفعة الحدية في كل وجه من أوجه الإنفاق مع التكلفة الحدية الاجتماعية، ويقصد بالمنافع الحدية الاجتماعية مقدار الكسب الذي يعود على المجتمع نتيجة النشاط الحكومي، أما التكلفة الحدية فإنها تبين مقدار ما ضحى به إنتاج القطاع الخاص نتيجة قيام الدولة بنشاطها، ويؤدي تطبيق المبدأ الجديد إلى ضرورة تساوي المنافع الحدية الاجتماعية في الأنشطة الحكومية المختلفة من ناحية، وإلى ضرورة تحقيق كل إنفاق لمنفعة مساوية على الأقل لمقدار ما ضحى به القطاع الخاص من إنتاج نتيجة قيام الدولة بالنشاط.

إلا أنه في عدد كبير من المجالات قد يكون من العسير تطبيق المبدأ الجديد تطبيقاً حسابياً دقيقاً لصعوبة قياس المنافع الحدية الاجتماعية بصورة دقيقة، وعلى الرغم من كل ذلك فإن هذا المبدأ سليم في ذاته للأسباب التالية:

إمكان توافر البيانات في عدد من الأنشطة لتقدير المنافع والتكاليف كإنشاء الخزانات والسدود، وفي نطاق نفقات الدفاع وغيرها.

وضوح أهمية بعض النفقات في إشباع الحاجات العامة للمجتمع بالنسبة لبعض الحاجات الأخرى.

تناقص المنفعة الحدية الاجتماعية مع زيادة التوسع في الإنفاق، إذ تتعرض النفقات العامة لقانون تناقص المنفعة بعد حدّ معين بطريقة تؤدي إلى أن تصبح المنافع الناجمة عن تزايد التوسع في إنفاق مهم أقل في درجتها من المنافع الناجمة عن إنفاق محدود في نشاط أقل أهمية.

1ـ القواعد الأساسية التي يمكن أن يسترشد بها لتحقيق الجدوى الاجتماعية للمشروعات العامة:

القاعدة الأولى: أن يكون الإنفاق رشيداً (قاعدة تحقيق أكبر قدر ممكن من المنافع):

إن أحد عناصر النفقة العامة هو أن يقصد بها تحقيق نفع عام، ومن ثم فإن أحد ضوابط هذه النفقة تحقيق أكبر قدر ممكن من المنافع. وهذه المنفعة يجب أن يختلف مفهومها عن المفهوم الضيق للمنفعة عند الأفراد، فالدولة يمكنها أن توجه أموالها في شكل إعانات اجتماعية للعاطلين عن العمل، أو بقصد إعادة توزيع الدخول والثروات، أو بقصد زيادة الإنتاج وتحسين جودته، وعلى هذا فإن مبدأ المنفعة يتحقق إذا توجه الإنفاق العام إلى إشباع الحاجات العامة. ومن أجل أن تحقق الدولة بإنفاقها العام أكبر قدر ممكن من المنافع، فإن هذا يوجب على الدولة أن تنظر في مقدار حاجة المجتمع إلى مختلف المشاريع، وأن تجري بينها مفاضلة على أساس ما يحققه كل منها من منفعة جماعية، ومن ثم تقرر كمية الإنفاق على كل من هذه المشاريع وتوقيته.

كما يتعين على الدولة أن تراعي في إنفاقها الوضع الجغرافي للبلاد، ومن ثم فإن الدولة وهي بصدد تحقيق أكبر قدر ممكن من المنافع من نفقاتها العامة تقسم هذه النفقات على نحو يراعي حاجات المحافظات، والأماكن المختلفة.

ويتصل بموضوع تحقيق أكبر قدر ممكن من المنافع موازنة النفقات العامة بالنسبة لمختلف الطبقات الاجتماعية؛ فإنها يجب أن توجه نفقاتها العامة على نحو تستفيد منها تلك الطبقة على حساب غيرها من الطبقات الاجتماعية الأخرى.

ولا شك أن المخطط هو الذي يقوم بهذه الموازنة بين الأوجه المختلفة للنفقات العامة على ضوء الأهداف الموضوعة في الخطة، والمخطط ـ وهو يقوم بهذه الموازنة ـ يقرر ترتيب تنفيذ المشاريع التي تحقق له أهداف الخطة، وهذا الترتيب تحدده التركيبة الطبقية لأفراد المجتمع والإيديولوجية السياسية والاقتصادية للدولة. إلا أن قاعدة تحقيق أكبر قدر ممكن من المنافع قاعدة تكتنفها بعض الصعوبات المتمثلة في مدى توافر الإحصائيات الدقيقة، ومدى تحقق التنبؤات المتعلقة بالتكلفة والمنافع، وكيفية تقدير الآثار غير المباشرة الناجمة عن إقامة المشروع، وكذلك دقة اختيار سعر الخصم لحساب المنافع والتكاليف المستقبلية بالقيمة الحاضرة.

وعلى الرغم من هذه الصعوبات يمكن اعتماد هذه القاعدة والاسترشاد بها في تقرير بعض الخدمات والتوسع فيها، وإن التغلب على هذه الصعوبات التي تعترض تطبيق هذه القاعدة يتم من خلال معالجة كل خدمة على حدة، وتقدير الحاجات والمنافع بصورة تقريبية مع الأخذ في الحسبان طبيعة الخدمة وهدفها، وضرورة تشجيع الجهود في هذا المجال لتحقيق سياسة الترشيد في اختيار النفقات.

وعلى ذلك فإن الاستثمارات ليست هدفاً في  ذاتها، ولكنها أداة لرفع مستوى المعيشة وزيادة الدخل؛ مما يتطلب دراستها والمقارنة بينها لاختيار أكثرها نفعاً للمجتمع، وبيان معايير تفضيل المشروعات، وما تمثله من قيمة للاقتصاد الوطني. ويتم ذلك وفق معايير خاصة لمعرفة فوائد المشروع وتحديدها، ومن هذه المعايير:

أ ـ معيار كثافة استخدام عنصر من عناصر الإنتاج.

ب ـ معيار حجم المشروع، فلكل من المشروعات الكبيرة والصغيرة مزايا ومساوئ.

ج ـ معيار توفير العملات الأجنبية.

د ـ معيار الربح التجاري.

هـ ـ معيار العائد الاجتماعي للمشروع.

والسؤال الذي يمكن طرحه هنا: هل الدولة ملزمة باعتماد هذه المعايير؟

في الواقع أن هذه المعايير ليست ملزمة للدولة، فقد يوجد تعارض بين الأهداف الاقتصادية المختلفة كالتعارض بين الاقتصاد في الإنفاق ومعالجة وضع اقتصادي معين، فالظروف الاقتصادية والاجتماعية هي التي تحدد المعايير الأكثر جدوى لاختيار المشاريع، وكلما كان المشروع يحقق أكثر من هدف من الأهداف السابق ذكرها كان أكثر جدوى من الناحنيتن الاقتصادية والاجتماعية.

فمثلاً في فترة الكساد تكون النفقات الأكثر ملاءمة للمعايير الاقتصادية قليلة التأثير الآني، في حين تكون النفقات الأكثر تكلفة سريعة المفعول، مما يدفع إلى تفضيلها. كما قد يوجد تعارض أحياناً بين الهدف الاقتصادي والهدف الاجتماعي، فبناء مدرسة في مكان ما لا يحكم عليه بتكاليفه الاقتصادية فقط؛ إذ إن الهدف الاجتماعي لهذا المشروع له أهمية كبرى في رفع مستوى التعليم في منطقة بناء المدرسة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الإعانات والمنح الاقتصادية التي تخضع لفلسفة اجتماعية أكثر من خضوعها للمنطق الاقتصادي.

وقد يكون هناك أيضاً تعارض بين المنطق الاقتصادي والمنطق السياسي للكثير من النفقات.

فمثلاً للاختيار بين برنامجين للتنمية يحققان نفعاً اجتماعياً متساوياً يتم الاختيار بينهما نتيجة قرار سياسي.

من ذلك كله يتضح أن هذه المعايير ليست ملزمة للدولة، ولكن تنحصر فائدتها في تحليل فوائد المشروع، مع الأخذ في الحسبان طبيعة المشروعات، وجدواها الاجتماعية والاقتصادية، وعدم الفصل بين الأهداف الاقتصادية للدولة والأهداف السياسية التي ترمي إلى تحقيق المنافع العامة للمجتمع.

كما أن هذه المعايير قابلة للقياس بصورة تقريبية لكونها عوامل كمية، خاصة إذا ما توافرت الإحصائيات والبيانات اللازمة عن المشاريع المختلفة.

ـ القاعدة الثانية: الاقتصاد في الإنفاق والعمل على زيادة إنتاجيته:

يجب على السلطات القائمة بالإنفاق العام أن تقوم بهذا الإنفاق مع تجنب التبذير فيه، ومن ثم فإنه يجب ألا تنفق أي مبلغ إلا لمبرر، وأن تسيَّر المرافق العامة بأقل التكاليف، ذلك أن النفقات العامة مبررة فيما تحققه من منفعة اجتماعية، ولا يتصور تحقيق هذه المنفعة إذا كان الإنفاق العام تبذيرياً، ولعل أول من نادى بقاعدة الاقتصاد في الإنفاق العام هو "ساي SAY" الذي أخضع الاستهلاك العام ـ مثله في ذلك مثل الاستهلاك الخاص ـ لمبدأ الوفر، وطالب بأن يكون الإنفاق في حدود ما يجب إنفاقه، وأن تدفع الإدارة ثمن الأشياء في حدود قيمتها.

وتظهر أهمية قاعدة الاقتصاد في الإنفاق العام إذا تمت ملاحظة أن القائمين على هذا الإنفاق ـ وهم يتصرفون في أموال لا تخصهم ـ يتصرفون في مبالغ ضخمة تغري على البذخ والتبذير، ومن مظاهر التبذير زيادة عدد الموظفين والمستخدمين عن الحد اللازم، ووضع كل من هؤلاء في غير مكانه المناسب، والمبالغة في تقدير المبالغ اللازمة لإنشاء بعض المشروعات العامة، والاهتمام بالزخارف في الدوائر الحكومية.

وفي الدول المتخلفة اقتصادياً يتبين أن الإنفاق العام يتجه للتبذير بفعل أثر المحاكاة.

وتبذير الأموال العامة يؤدي إلى إضعاف الثقة في مالية الدولة، كما أنه يسمح للمتهربين من الضرائب بتبرير فكرة تهربهم منها.

وتطبيق قاعدة الاقتصاد في النفقات العامة لا تعني التقتير في هذه النفقات ـ فالتقتير مذموم نظراً لأنه يعني الشح في الإنفاق حتى على المسائل التي يحقق فيها الإنفاق منفعة اجتماعية كبيرة ـ إنما تعني أن يكون الإنفاق على جوهر الموضوع بكميات كبيرة تناسبه، كما يعني تجنب الإنفاق على هوامش الموضوع إلا بقدر.

وتطبيق قاعدة الاقتصاد يتطلب تضافر جهود مختلفة، ومن هذه الجهود:

أ ـ رقابة الرأي العام: فهذه الرقابة كفيلة بالكشف عن بعض مواطن التبذير.

ب ـ الرقابة الإدارية والبرلمانية: وهذه الرقابة تقوم بدور فعال في كشف التبذير، ومعاقبة من قام به.

ج ـ الجهاز الإداري الكفء: ذلك أن الرقابة الإدارية وحدها لا تكفي؛ لأنها لا تستطيع أن تضبط جهازاً إدارياً قليل الكفاءة، ولا شك أن الدول المتخلفة اقتصادياً يسود فيها وجود الأجهزة الإدارية القليلة الكفاءة.

إذاً يتعين على الحكومات مراعاة الاقتصاد في إنفاقها، ويقصد بهذه المراعاة حسن التدبير، والابتعاد عن التبذير، والسعي إلى تحقيق أكبر عائد ممكن بأقل نفقة ممكنة.

فتبذير الأموال العامة هو ضياع لها، ويضعف من استخدامها في نواحٍ أكثر نفعاً. ويتطلب تحقيق الوفر في الإنفاق، ورفع إنتاجيته معرفة بجميع تكاليف الإنتاج ومقداره، وقد تظهر بعض الصعوبات في تحديد معيار التكلفة، ولكن يمكن الوصول إلى هذا المعيار ببعض التحليل والتعمق، فيمكن مثلاً معرفة إنتاجية مدرسة بنسبة عدد التلاميذ إلى ما تتكلفة المدرسة.

وهذا المعيار يسمح بقياس إنتاجية الخدمة التي تقدمها المدرسة، إضافة إلى معرفة نسبة الناجحين في المدرسة، ومقدار التحصيل العلمي للطلبة، وتحقيق هذه المدرسة لهدفها المتمثل في نشر التعليم والمعارف، وهذا يتطلب تعمقاً أكبر لاختيار المعيار السليم والدقيق.

وكذلك فإن السعي إلى تحقيق الوفر في الإنفاق يستلزم بحث الفرص البديلة وتكاليفها؛ لاختيار أقلها تكلفة لتحقيق الهدف.

إن البحث في زيادة إنتاجية الإنفاق العام يتعذر فصله عن الإصلاح الإداري، إذ إن ضياع جزء غير قليل من الأموال يرجع إلى ضعف كفاية الجهاز الإداري، والإسراف في النفقات، وزيادة تكاليف الخدمات. ويستلزم الحد من هذا الضياع القيام بالإصلاح الإداري، وتنظيم الإدارة الحكومية من خلال التقليل من العمليات الروتينية، وتحديث القوانين، إضافة إلى التقسيم الوظيفي للموازنة العامة، مما يمكن من تحليل النشاط الحكومي، وبيان تطوره، وكذلك ينبغي النظر إلى تكلفة البرامج في عدد من السنين، واختيار معايير محددة لتقييم الأداء.

ـ القاعدة الثالثة: الترخيص المسبق:

تخضع النفقة لإذن سابق من الجهة المختصة لأنها تتضمن مبالغ كبيرة تخصص لإشباع الحاجات العامة، وهذا الإذن قد يختص بتقريره البرلمان على النطاق المركزي، أو الهيئات المحلية ضمن حدود اختصاصها الزماني والمكاني.

فلا بد لصرف النفقة العامة من أن يكون هناك إجازة مسبقة بالإنفاق، فلا يجوز أن ينفق مال عام ما لم يأذن بذلك المجلس التشريعي، أو المجلس المحلي على مستوى الوحدات الإدارية، وذلك تأييداً لحق الشعب في مراقبة الإنفاق.

وتعد قاعدة الترخيص مظهراً من مظاهر الاختلاف بين النفقات العامة والنفقات الخاصة، ذلك أن النفقات العامة هي وحدها التي تخضع لقاعدة الإذن السابق من البرلمان، أو من الهيئات المحلية المختصة، ويتم الحصول على هذا الترخيص وفق إجراءات معينة، أما النفقة الخاصة فلا يتطلب صرفها سوى قيام من يملك حق الإنفاق بالصرف، من دون أن يحتاج إلى إذن مسبق، وهذه القاعدة مهمة جداً في الحفاظ على الأموال العامة من الهدر والتبذير والإسراف، عن طريق رقابة ممثلي الأمة، وإطلاعهم على أوجه الصرف.

مما تقدم يمكن القول: إن وضع ضوابط دقيقة للإنفاق العام يساهم إلى حد كبير في ترشيده عن طريق اختيار النفقة الأصلح والأكثر عقلانية بأسلوب علمي ومنطقي، يساعد على توفير المال العام، وحمايته من جهة، وتوجيهه نحو المشروعات الاستثمارية التي تحقق أكبر قدر ممكن من المنفعة من جهة ثانية، والاستغناء عن النفقات غير الضرورية، أو الحد منها ما أمكن؛ لتحقيق عملية التنمية الاقتصادية الشاملة.

2ـ نظام تحليل التكلفة والعائد أداة لدراسة الجدوى الاجتماعية، ووسيلة لترشيد الإنفاق، وتحقيق التنمية الشاملة:

أ ـ مفهوم نظام التكلفة والعائد:

يعد نظام تحليل التكلفة والعائد الأداة الأساسية والمهمة من أدوات عقلنة النفقة وترشيدها بأسلوب علمي ومنطقي سليم، وبالتالي يساهم في دفع عجلة التنمية الاقتصادية والتطور.

المقصود بنظام تحليل التكلفة والعائد:

تتعدد تعريفات هذا النظام، ولكن كل هذه التعريفات تدور حول فكرة طريقة اختيار المشروع الأفضل بين عدد من المشروعات على أساس الأهداف المحددة وآثارها الاقتصادية والاجتماعية على أكثر من مدى.

ومن ذلك يتبين أن نظام تحليل التكلفة والعائد هو الوسيلة أو الأداة التي تضمن الاستخدام الأمثل للموارد المتاحة، وتحويلها إلى طاقات إنتاجية كبيرة، وتحقيق عملية التنمية الاقتصادية الشاملة بتوجيه الاقتصاد، والتأثير في بنيانه عن طريق وضع الخطط الخمسية، وتنفيذ المشروعات الصناعية والزراعية، واستثمار الثروات الطبيعية، وتوزيعها على الاستخدامات المتعددة توزيعاً يحقق زيادة في الموارد الاقتصادية، ويزيد من القدرة الإنتاجية والدخل القومي، ويزيد من مستوى معيشة المواطنين، ووضع برامج التنمية، وضمان الاستقرار الاقتصادي، وإدارة المرافق الحيوية.

ووفق هذا المفهوم يعد هذا النظام الأداة المثلى لترشيد الإنفاق العام، ويهدف إلى حماية الأموال العامة، ويضمن الاستخدام الأمثل لها، ويحول دون الإساءة إليها، كما أن هذا النظام يساعد على نحو ملموس على تحقيق عملية التنمية الاقتصادية الشاملة، عن طريق التركيز على نشاطات البنية التحتية، كالمواصلات والطرق والاتصالات والطاقة والتعليم المهني والاهتمام بالصحة العامة، ودعم القطاع الصناعي، وتشجيعه عن طريق التسهيلات الائتمانية، والإعفاءات، والحوافز الضريبية.

ولعل أبرز المحاور التي ترتكز عليها عملية التنمية هي:

(1) ـ مواصلة الجهود الرامية إلى ترشيد الإنفاق العام الحكومي، والتحكم في مسار الإنفاق الإنمائي، وحصره في حدود تناسب مستلزمات المحافظة على النشاط الاقتصادي، في حدود توافر الموارد المالية المحلية.

(2) ـ تحديد الأهداف التي ترمي إليها عملية التنمية الاقتصادية، وتكون دقة الأهداف أكبر كلما أمكن تحويلها إلى مقاييس كمية، كالأرقام والأحجام والأعداد.

(3) ـ تحديد الأولويات في التنفيذ بحسب الأهمية: إن وضع تصور شامل لخطة التنمية يساعد على ترتيب محتوياتها من البرامج والمشروعات بحسب الأولويات في التنفيذ؛ وفقاً لبرنامج زمني معين، وعلى شكل معين أيضاً.

(4) ـ تحديد الوسائل اللازمة لتحقيق عملية التنمية الاقتصادية.

ب ـ  خصائص نظام تحليل التكلفة والعائد:

(1) ـ نظام تحليل التكلفة والعائد هو أداة لترشيد الإنفاق العام، وطريقة لتخصيص النفقات العامة، ومن ثم الموارد المحدودة، وهو لا يتعدى أن يكون تحليلاً اقتصادياً لقرارات الإنفاق العام، ولكنه ذو صبغة معينة، حيث لا يهتم مثلاً بأثر الإنفاق العام في مستوى العمالة، أو التضخم، أو ميزان المدفوعات، أو النمو الاقتصادي، ولكنه يعالج قضايا تشابه قضايا الإنفاق الفردي، فهو إذاً يدخل في نطاق تحليلات الاقتصاد الجزئي، وليس الكلي.

(2) ـ تتمثل الخاصية الأساسية لنظام تحليل التكلفة والعائد في أنه نظام يقيس التكلفة والعائد من وجهة نظر المجتمع كله، وليس من وجهة نظر فرد، أو جهة معينة.

لذلك يهتم نظام تحليل التكلفة والعائد بما إذا كانت المصلحة الاجتماعية تستلزم تخصيص اعتمادات معينة لإقامة مشروع، أو لا تستلزم ذلك، وإذا استلزمت المصلحة العامة تخصيص مثل هذا الاعتماد فإنه يجب اختيار المشروعات التي تحقق أقصى عائد اجتماعي ممكن.

(3) ـ نظام تحليل التكلفة والعائد هو أداة للربط بين الأهداف القومية وبين تقييم المشروعات واختيارها، حيث يؤدي دوراً مزدوجاً، فهو يهدف من جهة إلى تحقيق المصلحة العامة للمجتمع، وهو أداة لترشيد القرارات الاستثمارية من جهة ثانية.

(4) ـ إن نظام تحليل التكلفة والعائد يستخدم عند المقارنة بين المشروعات المختلفة، واختيار أفضلها، وهذا يتفق مع فكرة الموازنة الوظيفية التي تبني تقدير الموازنة العامة على أساس البرنامج أوالمشروع الذي هو فعالية أووظيفة، وهو الغاية الأساسية من رصد الاعتمادات، وتقدر اعتمادات الوزارة أوالإدارة العامة على أساس تكلفة المشروع التي تقوم بتنفيذها والبرامج، أو المشروع هو تنفيذ عمل خلال فترة من الزمن يعكس السياسة الاقتصادية والاجتماعية للحكومة. وضرورة تسويغ تقديرات الموازنة بمعطيات دقيقة قدر الإمكان، ومبنية عل أساس النتائـج المحققة في العام السابق، وتخصص الاعتمادات على أساس كلفة ما تم تنفيذه فعلاً.

ويتم إعداد الموازنة الوظيفية على أساس المشروع وضرورته، وتبيان كلفته لتحديد الاعتمادات، وكلفة المشروع موضوع فني ومعروف بصورة مسبقة فلا يناقش على صعيد الاعتمادات، وإنما يناقش من حيث ضرورة المشروع، وعند إقرار مشروع معين ترصد الاعتمادات اللازمة له، وهكذا تصبح النفقة العامة أكثر عقلانيـة في مبدأ الموازنة الوظيفية.

مما تقدم يتبين أن الإنفاق المتزايد يتطلب ضرورة الأخذ بمبدأ ترشيد النفقات العامة وعقلنتها في ضوء الأولويات الوطنية والقومية، والحاجات الأساسية للشعب، وما يتطلبه ذلك من وجود الإدارة العامة ذات الكفاءات البشرية العالية، والتفكير الواعي السليم، وتحليل الأمور إلى أبسط معطياتها، واختيار الأولويات في الخدمات وسياسة الإنفاق، ووضع السياسات والبرامج المناسبة لاستغلال جميع الموارد الطبيعية المتاحة على الوجه الأمثل، وتحويلها إلى طاقات إنتاجية من أجل دفع عملية التطور والنمو في البلاد النامية التي تسير على طريق التنمية الاقتصادية، ووضع الخطط الكفيلة بتلبية الخدمات الأساسية، وإشباع الحاجات العامة على أساس الاستجابة لمصالح الشعب، وللقضايا القومية والوطنية.

 

مراجع للاستزادة:

 

ـ يوسف شباط، المالية العامة والتشريع المالي ج1 (مديرية الكتب والمطبوعات، ط3، 2009).

ـ عصام بشور،  المالية العامة والتشريع المالي (مطبعة جامعة دمشق، 1988).

ـ يوسف شباط، «عقلنة الخيارات المتعلقة بالموازنة»، مجلة الحقوق الصادرة عن مجلس النشر العلمي، جامعة الكويت، السنة الحادية والعشرون، العدد الثاني 1997.

ـ سيد أحمد البواب، قياس كفاءة المصالح الحكومية في تقديم الخدمات العامة عن طريق أسلوب ميزانية الأداء (معهد التخطيط القومي، مذكرة رقم 759 ، القاهرة 1962).

ـ محمد أحمد الرزاز، «رؤية المستقبل ـ دور الضرائب في تمويل الإنفاق العام في البلدان الآخذة بالنمو مع التطبيق على مصر»، مجلة القانون والاقتصاد، عدد خاص بمناسبة العيد المئوي لكلية الحقوق جامعة القاهرة، 1983.

ـ محمد حامد إبراهيم، «برمجة الموازنة العامة للدولة»، مجلة المنظمة العربية للعلوم الإدارية، عدد نيسان، القاهرة 1977.

- PH HUET et J. BRAVO; L’experience française la R.C.B. (P.U.F 1973).

W. BUADRIUART et R. POINSARD, 20 années de réformes budgétaires, essai d’un bilan international (Institut international, des sciences administratives, Broxelles 1982).

- P. ANDRE, Finances publiques (Masson 1988).

- U.N, A Manaul For Economic and Functional Classification of Government Transactions (New York 1958).

- KIPPATRICK: Classification and Measurement of Public Expenditure (The American Academy of Political and Social Science 1936).

- U.N, A Manaul For Program and Performance Budgeting (1965).

- P.D. HENDERSON, “Investment Criteria For Public Enterprises”, in Public Enterprises (Penguin Books 1971).


التصنيف : القانون المالي
النوع : القانون المالي
المجلد: المجلد السادس: علم الفقه ــ المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان
رقم الصفحة ضمن المجلد : 449
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 45
الكل : 11018237
اليوم : 6974