logo

logo

logo

logo

logo

الحلول

حلول

subrogation - subrogation

 انقضاء الالتزام

انقضاء الالتزام

الحلول

محمود جلال حمزة

 

أولاً: مفهوم نظام الحلول وتعريفه:

1- مفهوم الحلول: يتم وفاء الدين استناداً إلى القواعد المقررة في القانون المدني السوري إما من المدين نفسه أو من نائبه أو من غير المدين ممن له مصلحة في الوفاء، أو من شخص آخر ليس له مصلحة في الوفاء، ويترتب على قيام غير المدين بوفاء الدين أن ينقضي الدين بالنسبة إلى الدائن، ويترتب دين جديد مصدره مستقل عن مصدر الدين القديم في مواجهة المدين ما لم يكن الموفي متبرعاً. وللموفي أن يرجع على المدين بقدر ما دفعه للدائن (المادة 323/1 م س) بدعوى شخصية هي دعوى الوكالة، أو دعوى الإثراء بلا سبب أو دعوى الفضالة حسب الأحوال، ولكن ذلك لا يقيه مزاحمة الدائنين الآخرين له، وما يستتبع ذلك من قسمة الغرماء إذا كان المدين معسراً؛ لعدم وجود تأمينات خاصة تضمن الوفاء، ويختلف أساس الدعوى الشخصية باختلاف علاقة الموفي بالمدين، فقد يكون أساسها الوكالة إذا كانت علاقة الموفي بالمدين تتضمن وكالة ضمنية في الوفاء، فيكون الموفي وكيلاً عن المدين. وقد يكون أساسها الفضالة إذا قام بالوفاء شخص ثالث من دون علم المدين، وقد يكون أساسها الإثراء بلا سبب إذا تم الوفاء على الرغم من معارضة المدين لهذا الوفاء. (عبد المنعم البدراوي، النظرية العامة للالتزامات، أحكام الالتزام، ج2، دار النهضة العربية، بيروت 1968، ف325، ص376، وسيشار إليه لاحقاً: البدراوي، أحكام. سليمان مرقس، الوافي في شرح القانون المدني -2- الالتزامات، المجلد الرابع، أحكام الالتزام، ط2، القاهرة 1992، ف329/ب، ص 690، وسيشار إليه لاحقاً مرقس، الوافي. مصطفى الزرقا، شرح القانون المدني السوري، نظرية الالتزام العامة -2- أحكام الالتزام في ذاته، ط1، مطبعة الحياة، 1964 دمشق. وفي هذا المعنى عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني المصري، نظرية الالتزام العامة، ج3، مكتبة النهضة المصرية، 1958، القاهرة، ف407، ص700، وسيشار إليه لاحقاً السنهوري، الوسيط. جميل الشرقاوي، النظرية العامة للالتزام، الكتاب الثاني، أحكام الالتزام، دار النهضة العربية 1992، ف93، ص295. وسيشار إليه لاحقاً الشرقاوي، أحكام، ف 89، ص 285.).

ويكون للموفي أيضاً دعوى الحلول، وهي الدعوى التي تكون للدائن نفسه قِبَل مدينه، فيحل عندئذٍ محل الدائن بكل ما يتعلق بها من خصائص وتأمينات وتوابع وصفات. (الزرقا، أحكام، ف 244، ص376) فيكون للموفي حلولياً جميع ما كان للدائن من حقوق تجاه المدين، ولذلك يكون من مصلحة الموفي الحلول محل الدائن في الدين القديم.

2- تعريف الحلول: على ضوء ما تقدم يمكن تعريف الحلول بأنه:

نوع من الوفاء يؤدي إلى استيفاء الدائن حقه مع حلول الموفي محله في رجوعه على المدين. أو هو نظام قانوني يستمر بمقتضاه الدين قائماً في علاقة الغير الموفي بالمدين؛ على الرغم من انقضائه في علاقة هذا الأخير بالدائن. (جلال العدوي، أحكام الالتزام، الدار الجامعية 1986، الإسكندرية، وسيشار إليه لاحقاً العدوي، أحكام. البدراوي، أحكام، ف 325، ص 377. ماجد الحلواني، نظرية الالتزام العامة، ج3، انقضاء الالتزام، مطبعة جامعة دمشق، 1960، دمشق، ف 93-94، وسيشار إليه لاحقاً الحلواني، انقضاء الالتزام).  

ثانياً: الطبيعة القانونية للوفاء مع الحلول:

1- النظريات المختلفة في الطبيعة القانونية للحلول:

اختلفت الآراء حول طبيعة نظام الوفاء مع الحلول، فمن رأي يقول إن الوفاء الحلولي يقوم على أساس انقضاء الدين بالوفاء مع إضافة ملحقاته إلى دعوى الموفي استثناءً من القواعد، في حين يقول بعض آخر إن الوفاء مع الحلول ينقل الحق بتوابعه وخصائصه ودفوعه إلى الموفي كما في حوالة الحق، وهذا يعني أن ذمة المدين لم تبرأ، وأن الذي حصل هو أن الدائن قد تبدل، مما يصعب تفسير هذا النظام منطقياً، وفي هذا الرأي خلط بين الوفاء الحلولي وحوالة الحق. (الزرقا، أحكام، ف245، ص377. حلواني، انقضاء الالتزام ص129).

الرأي الراجح في الطبيعة القانونية للحلول يقول إن الوفاء مع الحلول ذو طبيعة مركبة، بمعنى أنه وفاء من جهة، وانتقال للحق من جهة أخرى، فهو وفاء للدين بالنسبة إلى الدائن؛ لأنه يستوفي حقه كاملاً، أما بالنسبة إلى المدين فإن الحق ينتقل من الدائن إلى الموفي، ولا ينقضي الدين بالنسبة إليه، بل تظل ذمته مشغولة بالدين لجهة الموفي، ويبقى ملزماً به، وهذه صورة من صور الاستخلاف، وهو الرأي الراجح في الفقه القانوني، وقد أيدته المذكرة الإيضاحية للقانون المدني المصري، (الزرقا، أحكام، ف245، ص277. البدراوي، أحكام، ف 335، ص380. الحلواني، انقضاء الالتزام، ص117، 132).

وجلّ ما في الأمر أن الدين في الحلول يبقى قائماً بعد الوفاء من دون أن يستبدل به دين جديد، ولا يعدّ هذا افتراضاً، بل هو حقيقة واقعة. (الحلواني، انقضاء الالتزام، ص133).

ثالثاً: المصادر الأساسية للحلول:

للحلول مصدران: إما أن يكون مصدره القانون، وإما أن يكون مصدره الاتفاق.

1- الحلول بقوة القانون:

وهو الحلول الذي يتم دون اتفاق مع المدين أو الدائن، وإنما يتم بقوة القانون، وقد ذكرت المادة (325 مدني سوري) حالاته على سبيل الحصر، وهي:

أ- الحالة الأولى: إذا كان الموفي ملزماً بالدين مع المدين، أو ملزماً بوفائه عنه، (المادة 325/أمدني سوري) فالموفي الملزم بالدين كالمدين المتضامن أو الشريك في الدين غير القابل للقسمة، وكان الدين موثقاً، وفي الدين كله كان له أن يرجع على المدينين المتضامنين معه كل بقدر نصيبه بالدين، ويحل محل الدائن بقوة القانون، ويستوفي حقه من المرهون أو من الكفيل كل الدين بعد طرح حصته منه، أما إذا كان الموفي ملزماً بوفاء الدين باعتباره كفيلاً للمدين؛ فإنه يرجع على المدين بكل ما دفع دون أن يطرح منه شيئاً؛ لأنه ليس مديناً، بل هو كفيل ليس أكثر، أو كما يقال: هو مدين عنه.

ب- الحالة الثانية: إذا كان الموفي دائناً، ووفى دائناً آخر مقدماً عليه بما له من تأمين عيني، ولو لم يكن للموفي أي تأمين (المادة 325/ب مدني سوري)، كأن يكون للمدين دائنان، أحدهما دينه موثق برهن تأميني، ودين الثاني غير موثق، فأوفى الثاني الدائن الأول لمصلحة يحققها، فإنه يحل محله مع ما كان للأول من تأمينات بقوة القانون. (الزرقا، أحكام، ف 248، ص382-383).

ويشترط في هذه الحالة شرطان:

q أولهما أن يكون الموفي دائناً للمدين نفسه.

q وثانيهما أن يكون الموفى له متقدماً في التأمينات عن الموفي، (السنهوري، الوسيط، ف 378، ص660).

بيد أن الحلول القانوني يمتنع لو قام الدائن الأول بوفاء الدين للدائن الثاني؛ ليوقف إجراءات التنفيذ على العين المرهونة التي يباشرها الدائن المتأخر متسرعاً في ذلك. (العدوي، أحكام، ف428، ص 313).

ج- الحالة الثالثة: إذا كان الموفي قد اشترى عقاراً ودفع ثمنه وفاء لدائنين خصص العقار لضمان حقوقهم (المادة 325  مدني سوري). هذه الحالة تسمى «الوفاء من حائز العقار المرهون»: إذا اشترى شخص عقاراً ودفع ثمنه وفاء لدائن خصص هذا العقار ضماناً لدينه، وكان هذا الأخير قد باشر بإجراءات التنفيذ على العقار بما له من مزية التتبع، وعلى الرغم من انتقال ملكية العقار من المدين الراهن إلى المشتري؛ فإن مشتري العقار يجد أن مصلحته تقضي بوفاء دين الدائن المرتهن ليخلص له العقار فيحل بذلك محل الدائن المرتهن، ويستفيد من التأمينات التي خصصت له لضمان دينه، وهذا يعني أن مالك العقار الذي اشتراه يكون مالكاً ودائناً مرتهناً للعقار الذي اشتراه في الوقت ذاته، وهو ما يبدو غريباً نظرياً، ولكن فائدته تتبدى؛ عندما يكون العقار مثقلاً برهون متعددة لدائنين مرتهنين متعددين، وكان ثمن العقار لا يكفي للوفاء بالديون المتعددة، فيلجأ حائز العقار إلى دفع ثمن العقار إلى الدائن المرتهن المتقدم على الدائنين الآخرين، ويحل محله وينال مرتبته متقدماً على الدائنين التالين، فإذا حاولوا العمل على التنفيذ ليضمنوا حقوقهم؛ برز الحائز متقدماً عليهم لحلوله محل الدائن الأول.

وتبدو فائدة هذه الحالة عندما يعمد إلى ذلك الدائن المرتهن المتأخر في المرتبة وخاصة إذا وجد أن ثمن العقار لا يكفي لسداد ديون الدائنين المرتهنين جميعاً، فيقوم بالوفاء للدائن المرتهن الأول ويحل محله في رتبته في الرهن، ويتقدم بذلك على الدائنين المرتهنين المتأخرين، كما يفيد حلول المشتري الموفي عندما يفي بما يزيد عما يلتزم به من الثمن، فيكون له حق الرجوع على البائع بالزيادة حالاً محل الدائن.

د- الحالة الرابعة: إذا وجد نص قانوني خاص يقرر للموفي حق الحلول (المادة 325/د، مدني سوري). هناك حالات نص عليها القانون تخول الموفي حق الحلول، من ذلك حلول المؤمن محل المؤمن له في المادة (737) مدني سوري، بما دفعه من تعويض عن الحريق، ونصوص أخرى في قانون التجارة.

2- الحلول الاتفاقي:

يتحقق الحلول الاتفاقي بإحدى صورتين: إما بالاتفاق مع المدين، أو بالاتفاق مع الدائن:

أ- الحلول الاتفاقي مع المدين: قد يترتب على المدين دين بشروط أو بفوائد كبيرة، يحل الوفاء به من دون أن يستطيع ذلك، فيعمد إلى الاقتراض من الغير للوفاء بالدين الحال، ويمنح مقرضه فرصة الحلول محل الدائن الذي استوفى دينه حتى لو كان ذلك من دون رضاء الدائن. وبهذا الشكل يكون للمدين مصلحة في استبدال دائنه مع بقاء أوضاع الديون كما هي.

وقد اشترطت المادة (327 مدني سوري) على جواز تغيير دائن بدائن شريطتين منعاً للتواطؤ، هما:

1- أن يذكر في عقد القرض أنه مخصص للوفاء بالدين، بمعنى أن القرض قد حصل ليفي به المدين دائنه، ويحصل المقرض على جميع الحقوق التي كانت للدائن الأول.

2- أن يكون سند القرض وورقة المخالصة متعاصرين وثابتي التاريخ، وأن يصرح في ورقة المخالصة أن وفاء الدين كان من القرض الذي أقرضه الدائن الجديد.

ب- الحلول الاتفاقي مع الدائن: قد يستوفي الدائن حقه من شخص غير المدين، ويتفق معه على أن يحل هذا الغير محله، ولو كان ذلك دون رضاء المدين، عندئذٍ تنتقل خصائص الدين التي كان الدائن يتمتع بها إلى من أوفى الدين، أي الدائن الجديد (المادة 326 مدني سوري). ويشترط لكي يتم الوفاء صحيحاً ألا يتأخر الاتفاق بين الموفي والدائن الأول عن وقت الوفاء، وألا يقتصر الاتفاق بين الموفي والدائن على وفاء حقه؛ بل يتضمن حلول الموفي محله في الحق، ويكون الاتفاقان في مخالصة واحدة. ويجوز أن يحصل الوفاء أولاً ثم يليه الاتفاق على الحلول. (السنهوري، الوسيط، ف383، ص 678 وما يليها).

ومهما يكن من أمر فإن المخالصة التي تتضمن الاتفاق على الحلول حتى تكون نافذة يجب أن تكون ثابتة التاريخ يقيناً وتسمى «المخالصة مع الحلول»؛ وذلك للتمسك به في مواجهة الغير للاحتجاج عليهم به وفقاً لقواعد الإثبات.

رابعاً: الآثار التي تترتب على الوفاء مع الحلول والقيود التي ترد عليه:

1- الآثار التي تترتب على الحلول: يترتب على الحلول، سواء أكان حلولاً قانونياً أم كان حلولاً اتفاقياً، الآثار التالية:

أ- حلول الموفي عن المدين محل الدائن الموفى له: يحل الموفي محل الدائن في ذات الحق بكل ما يتصف به من خصائص وما يوثقه من تأمينات وما عليه من دفوع (المادة 328 مدني سوري). فإذا كان الحق مضموناً بتأمينات عينية بقيت هذه التأمينات ضامنة حقوق الموفي. فإن كان التأمين عقاراً وجب التقيد بإجراءات التسجيل بالإشارة إلى حلول الموفي محل الدائن المرتهن. كما يكون من حق الموفي حلولياً الحصول على الفوائد المترتبة لمصلحة الدائن الأصلي، كما له في الدعوى التي كان للدائن الأصلي اللجوء إليها في سبيل استيفاء دينه. فلو كان الدين ثمن شيء اشتراه المدين؛ فإن الموفي يحل محل البائع في استيفاء الثمن وما له من امتيازات على المبيع، وله إن لم يستوفِ حقه من المدين أن يطلب فسخ البيع واستعادة المبيع من المشتري. (الحلواني، انقضاء الالتزام، ص 118. الشرقاوي، أحكام، ف93، ص295).

ب- ما دام الموفي يحل محل الدائن في استيفاء الدين من المدين؛ فإنه بمقابل ذلك يحل محل الدائن في الدفوع التي قد يستعملها المدين تجاه دائنه، كأن يدفع ببطلان الدين، أو قابليته للإبطال، أو غير ذلك من الدفوع. فللمدين أن يتمسك بهذه الدفوع تجاه من حل محل الدائن الأصلي (موفي الدين)، أو يتمسك بأنه قد أوفى الدين إلى دائنه، أو أي سبب آخر كاتحاد الذمتين أو التقادم، أو المقاصة. فللمدين أن يتمسك بهذه الدفوع في مواجهة موفي الدين.

2- القيود التي ترد على الوفاء مع الحلول: يرد على الوفاء مع الحلول القيود التالية:

أ- ليس للمدين في الحلول أن يتمسك بنقصان أهلية الدائن في مواجهة الموفي؛ ذلك لأن المدين ليس له أن يسدد الدين للدائن ناقص الأهلية؛ لأنه سيكون ملزماً بالوفاء مرة ثانية لو هلك محل الوفاء أو ضاع في يد ناقص الأهلية.

ب- قد يجد الموفي من مصلحته في مطالبة المدين بما أوفاه ألاّ يرجع عليه بدعوى الحلول، بل يرى أن من مصلحته أن يرجع عليه بدعواه الشخصية كدعوى الوكالة أو الفضالة، أو دعوى الإثراء بلا سبب. فإذا كانت دعوى الدائن الأصلية قد أوشكت على التقادم، وكانت دعوى الموفي الشخصية لم تتقادم بعد (لأن دعوى الدائن تتقادم ابتداء من يوم استحقاق الدين، في حين لا يبدأ تقادم دعوى الموفي الشخصية إلا من يوم وفاء الدين) فمصلحة الموفي عندئذٍ تقتضي أن يتمسك بدعواه الشخصية دون دعوى الحلول. (الحلواني، انقضاء الالتزام، ص20. الشرقاوي، أحكام، ف93، ص295).

وعلى الرغم مما تقدم فإن رجوع الموفي بدعوى الحلول على المدين يمتاز عن رجوعه عليه بالدعوى الشخصية في أنه برجوعه على المدين بدعوى الحلول يرجع بحق الدائن بكل صفاته وتوابعه، فإن كان الحق مضموناً بتأمينات عينية؛ بقيت هذه التأمينات ضامنة حقوق الموفي، كما تحتسب له الفوائد التي كانت للدائن على النحو الذي ذُكر سابقاً.

ج- ولعل تساؤلاً يطرح نفسه في الحديث عن الوفاء مع الحلول، هو: ماذا لو كان الوفاء بجزء من الدين، أو لو كان الموفي مديناً متضامناً مع المدين بالدين؟ هذه التساؤلات الإجابة عليها فيما يلي:

1- حصول الوفاء بجزء من الدين: قد لا يقوم الموفي بسداد كل الدين، بل قد يقوم بسداد جزء منه للدائن فيحل الموفي محل الدائن بالجزء الذي وفّاه عندما يرجع على المدين، ولا يضار الدائن من حلول الموفي بجزء من الدين محله في استيفاء حقه، بل يظل الدائن متقدماً على الموفي فيما بقي له من الدين، ما لم يكن هناك اتفاق يقضي بغير ذلك (المادة 329 مدني سوري). فإذا كان الوفاء من شخصين من الغير فإنهما يحلان محل الدائن في استيفاء الدين حتى لو كان أحدهما قد قام بالوفاء قبل الثاني، وفي تاريخ مختلف، فيكون لكل منهما المرتبة ذاتها، ويقتسمان الدين بينهما قسمة غرماء (المادة 329/2 مدني سوري). وهذه قيود ترد على قاعدة الوفاء مع الحلول، ولكن المسألة تدق عندما يقوم الغير بإيفاء جزء من الدين، وفي الوقت ذاته ينزل الدائن عما بقي له في ذمة المدين، فيحل الموفي محل الدائن بالجزء الذي أوفاه فقط، ولا يحل محله في كل الدين.

2- إذا كان الموفي مديناً متضامناً مع المدين بالدين أو كان شريكاً في دين غير قابل للتجزئة؛ كان للموفي الرجوع على المدينين معه كل بقدر نصيبه في الدين، ويحل الموفي بحكم القانون محل الدائن قبل الكفيل، أو على العين المرهونة؛ إذا كان هناك كفيل أو عين مرهونة بكل ما دفع بعد أن يستبعد نصيبه هو في الدين. (مرقس، الوافي، ف 367/أ، ص760-761 وما بعدهما. الشرقاوي، أحكام، ص298).

وتجدر الإشارة إلى أن الكفيل الذي يقوم بالوفاء على الرغم من أنه ليس مديناً مع المدين؛ فإنه يعود على المدين بكامل حقه على خلاف المدين المتضامن، فيرجع على المدينين الآخرين بعد استنزال نصيبه في الدين.

وللمدين إذا وفى ديناً غير قابل للقسمة حق الرجوع على المدينين الباقين كل بقدر حصته في الدين؛ إلا إذا تبين من الظروف خلاف ذلك (المادة 301/2 مدني سوري)، أما إذا كان الكفلاء متضامنين ووفى أحدهم الدين عند حلوله فلهذا الدائن أن يرجع على كل من الباقين بحصته في الدين وبنصيبه في نصيب المعسر منهم (المادة 762 مدني سوري).

خامساً: الموازنة بين الوفاء مع الحلول وحوالة الحق: (نقاط التشابه ونقاط الافتراق)

1- نقاط التشابه بين الوفاء مع الحلول وحوالة الحق: يتشابه الوفاء مع الحلول وحوالة الحق في أن الموفي في الحوالة يحل محل الدائن بكل حقوقه وما يتصف به من صفات (تجاري، مدني، منتجاً للفوائد…)، وما يضمن هذه الحقوق من تأمينات وما يلحقها من توابع، وما يرد عليها من دفوع؛ من بطلان أو انقضاء أو تقادم. وهذه النتائج كلها تترتب حين ينتقل الحق من المحيل إلى المحال إليه.

2- نقاط الافتراق بين الوفاء مع الحلول وحوالة الحق: يفترق نظام الوفاء مع الحلول وحوالة الحق في الفروق التالية:

أ- إن نظام الوفاء مع الحلول يهدف في غالب الأحيان إلى مد يد العون والمساعدة لقريب أو صديق معسر ريثما يستطيع المدين توفير ما يقيل عسرته، فيعيد إلى الموفي ما أوفاه، فالوفاء مع الحلول وفاء بكل معنى الكلمة. وتفترق حوالة الحق بأنها اشتراء المحال إليه الحق من الدائن بثمن أقل ليحقق لنفسه الفائدة. بيد أن هذه الفوارق بين نظامي الوفاء الحلولي وحوالة الحق يمكن تصنيفها في الصنوف التالية:

1- من حيث شرائط الانعقاد: الوفاء مع الحلول قد يتم بالاتفاق مع الدائن ولو لم يرضَ المدين، وقد يتم بالاتفاق مع المدين على الرغم من معارضة الدائن على النحو الذي ذكر سابقاً، ويمكن أن يتم بقوة القانون (السنهوري، الوسيط، ف407، ص706)، أما حوالة الحق فإنها تنعقد بحصول اتفاق بين الدائن المحيل وبين المحال إليه. وهذا يعني أن حوالة الحق تتطلب موافقة الدائن، ولكي تصبح نافذة في حق المدين وحق الغير لا بد من رضاء المدين أو إعلانه عنها. في حين يكون الوفاء مع الحلول نافذاً في مواجهة المدين ومواجهة الغير، هذا ويمكن أن يكون محل حوالة الحق ديناً حالاً أو مؤجلاً، ولا يكون في الوفاء الحلولي إلا إذا تم الاتفاق على غير ذلك.

وخلاصة القول أن الوفاء مع الحلول له مصدران، هما: الاتفاق أو القانون، أما حوالة الحق فمصدرها الاتفاق.

2- من حيث الآثار: للموفي مع الحلول دعويان، هما: دعوى الحق، والدعوى الشخصية التي يكون مصدرها الوكالة أو الفضالة أو الإثراء بلا سبب. في حين ليس للمحال إليه في دعوى حوالة الحق إلا دعوى واحدة هي دعوى الحق الذي انتقل إليه، ولا يكون قادراً على الوصول إلى حقه إلا بهذه الدعوى. (السنهوري، الوسيط، ف408، ص 707).

3- وتفترق حوالة الحق عن الوفاء مع الحلول من حيث طبيعة كل منهما، فحوالة الحق بيع أو اشتراء طلباً للربح وسعياً وراءه، وتقوم غالباً على المضاربة. (الزرقا، أحكام، ف251، ص389)، في حين يختلف عنها الوفاء الحلولي بأنه وفاء للدين يقوم به الموفي محل المدين نفسه.

4- وتفترقان من حيث الأثر: فلو اشترى شخص جزءاً من الحق وأراد الرجوع على المدين؛ فليس له أن يتقدم على المحيل أو يتأخر عنه، بل يكونان في مرتبة واحدة. ويتقاسمان المال بينهما قسمة غرماء. أما في الوفاء الحلولي فلو قام الموفي بالمطالبة بحقه بدعوى الحلول، وتقدم الدائن الأصلي يريد استيفاء دينه، يقدم الدائن على الموفي بحيث لا يستطيع الموفي من استيفاء حقه إلا بعد أن يستوفي الدائن ما له في ذمة المدين.

5- من حيث الضمان: في حوالة الحق يضمن الدائن وجود الحق وقت الحوالة إذا كانت الحوالة بعوض، فإذا أثبت المدين في مواجهة المحال إليه الحق؛ عدم وجود هذا الحق، فليس للمحال إليه الحق أن يرجع على الدائن بدعوى الضمان مطالباً إياه بقيمة الحق كله، ولا يطالبه بالنفقات والتعويض عن الخسارة التي لحقت به. غير أن هذه القاعدة ليست من النظام العام، فيستطيع المحيل والمحال إليه أن يتفقا على خلافها.

أما في الوفاء مع الحلول فلا يضمن الدائن الدين، فإذا أثبت المدين عدم وجود الدين لا يرجع الموفي على الدائن بالضمان، إلا أنه يستطيع أن يعود على الدائن بدعوى دفع غير المستحق طبقاً للقواعد العامة (الحلواني، انقضاء الالتزام، ص137،. الزرقا، أحكام، ف251، ص389).

مراجع للاستزادة:

- جلال العدوي، أحكام الالتزام (الدار الجامعية، الإسكندرية 6891).

- جميل الشرقاوي، النظرية العامة للالتزام، الكتاب الثاني، أحكام الالتزام (دار النهضة العربية، 1992).

- سليمان مرقس، الوافي في شرح القانون المدني -2- الالتزامات، المجلد الرابع، أحكام الالتزام، ط2 (القاهرة 1992).

- عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني المصري، نظرية الالتزام العامة، ج3 (مكتبة النهضة المصرية،  القاهرة 8591).

- عبد المنعم البدراوي، النظرية العامة للالتزامات، أحكام الالتزام، ج2 (دار النهضة العربية، بيروت 1968).

- ماجد الحلواني، نظرية الالتزام العامة، ج3، انقضاء الالتزام (مطبعة جامعة دمشق، دمشق 0691).

- مصطفى الزرقا، شرح القانون المدني السوري، نظرية الالتزام العامة -2- أحكام الالتزام في ذاته، ط1(مطبعة الحياة، دمشق 1964).


التصنيف : القانون الخاص
النوع : القانون الخاص
المجلد: المجلد الأول: الإباحة والتحريم ـ البصمة الوراثية
رقم الصفحة ضمن المجلد : 473
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 65
الكل : 12586952
اليوم : 3332