logo

logo

logo

logo

logo

مبدأ توازن الموازنة

مبدا توازن موازنه

principle of a balanced budget - principe de budget équilibré



مبدأ توازن الموازنة

مبدأ توازن الموازنة

علي كنعان

مفهوم مبدأ توازن الموازنة  
التطور التاريخي لمبدأ توازن الموازنة مخاطر عدم التوازن
نظرية توازن الموازنة التوازن المالي أو التوازن الاقتصادي
 نقد نظرية توازن الموازنة مبدأ توازن الموازنة في سورية
 

قبل دراسة مبدأ توازن الموازنة لا بد من التفريق بين الموازنة والميزانية؛ لوجود خلط وعدم التمييز بين الموازنة العامة والميزانية، أو في بعض المراجع قد يعدّها بعضهم مصطلحاً واحداً.

الموازنة العامة: "هي خطة مالية سنوية تتضمن تقدير الإيرادات والنفقات للسنة القادمة، تعرض على السلطة التشريعية قبل بداية السنة المالية لإقرارها، وتسعى لتحقيق الأهداف الاقتصادية الاجتماعية والسياسية للدولة".

أما الميزانية: "فهي بيان ختامي فعلي للنفقات والإيرادات التي تحققت خلال السنة المنتهية، يظهر في هذا البيان المشاريع التي نفذتها الحكومة ويظهر الفائض أو العجز ومصادر التمويل (بالقروض أو الإصدار النقدي) والأهداف التي حققتها الميزانية اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً". استناداً إلى ذلك يبدو واضحاً أن الموازنة العامة خطة سنوية تضعها الدولة قبل بداية السنة المالية، وهي الأساس الذي تحاسب عليه السلطة التشريعية عند مناقشة الميزانية، وقد أطلق عليها القانون المالي الأساسي وصف الحساب لأنه يتبين ما تم تنفيذه والمشاريع التي عجزت الحكومة عن تنفيذها مع إيضاح الأسباب التي حالت دون التنفيذ.

أولاً ـ مفهوم مبدأ توازن الموازنة:

ظهر مفهوم توازن الموازنة في الأدبيات الاقتصادية على نحو واضح في القرن التاسع عشر في بريطانيا، لكن العرب المسلمين كانوا قد سبقوا بريطانيا وغيرها من الدول في دراسة هذا المبدأ وتحديد الأسس العلمية له منذ فجر الإسلام، ولكن قبل دراسة التطور التاريخي لهذا المبدأ لا بد من تحديد: ما المقصود بمبدأ توازن الموازنة، وما خصائصه؟

مبدأ توازن الموازنة: "هو تساوي إيرادات الدولة مع نفقاتها" أو بتعبير أدق وأوضح: "هو تساوي الإيرادات العامة (من الضرائب والرسوم وإيرادات أملاك الدولة) مع النفقات العامة (الجارية والاستثمارية) دون وجود العجز أو الفائض بما يؤدي لتحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للدولة".

واستناداً إلى هذا التعريف تكون خصائص توازن الموازنة:

1ـ تحقيق التوازن بين الإيرادات والنفقات، ولكي يتحقق هذا التوازن على الدولة أن تحدد أنواع الإيرادات والمبالغ القابلة للجباية ثم تحدد النفقات العامة على أساس الإيرادات المتوقعة.

2ـ تحديد مصادر الإيرادات العامة للدولة من الضرائب والرسوم وإيرادات أملاك الدولة وغيرها، ولا يجوز المبالغة في زيادة الإيرادات بهدف زيادة النفقات، وإنما الهدف تمويل النفقات العادية التي يستلزمها حسن سير المصالح العامة.

3ـ حصر النفقات العامة في المجالات الضرورية (الخدمات العامة ـ المجالات الاستثمارية)، وتخفيضها قدر الإمكان لكي تتم تغطيتها من قبل الإيرادات العامة.

4ـ تجنب وجود العجز أو الفائض لأن كليهما يعد انحرافاً ويؤثر في كفاءة الاقتصاد الوطني، وفي كفاءة استخدام الأموال في القطاع الخاص.

5ـ تحقيق الأهداف التي رسمتها الدولة مثل إشباع الحاجات الاجتماعية، وتحسين مستوى المعيشة، وضمان حسن سير المصالح الاقتصادية، وتمويل البرامج السياسية التي ترسمها الحكومة، وتحقيق الأمن الوطني وغيرها.

إن هذه الخصائص لمبدأ توازن الموازنة توضح أن الهدف من التوازن هو ضمان سير المصالح العامة وعدم التأثير في القطاع الخاص من خلال زيادة حجم الاقتطاع الضريبي فتتأثر قدرته على الاستثمار وتشغيل العمال، وتكون الحكومة قد بذّرت هذه الأموال في مجالات خدمية لا تقدم شيئاً للاقتصاد الوطني.

ثانيا ًـ التطور التاريخي لمبدأ توازن الموازنة:

لم يظهر في تاريخ الحضارات القديمة أي أثر للموازنة العامة للدولة، وكانت خزينة الملك أو الامبراطور هي خزينة عامة وخاصة بآن واحد، وكانت إيراداتها من الضرائب والرسوم والحسبات إضافة إلى أملاك الملك الخاصة، وكان الإنفاق العام يقوم على أساس مبدأ السخرة أو من خزينة الملك. فالحضارات اليونانية والفارسية ومن بعدها الرومانية كانت تقوم على هذه الأعراف والتقاليد المالية، لكن الإسلام وما تلاه من حضارات قد طورت المفاهيم المالية وظهرت لديها مهنة المحاسبة وتنظيم المال (جباية وإنفاقاً) فكيف تجلى مبدأ التوازن؟

1ـ التوازن في الإسلام:

يعد بيت مال المسلمين أول خزينة عامة في التاريخ، وتعد عملية تنظيم المال في دواوين خاصة، مثل ديوان الزكاة ـ ديوان الخراج ـ ديوان الفيء أول محاولة لإعداد موازنة عامة للدولة.

لقد تأسس بيت مال المسلمين عام 14هـ/736م في زمن الخليفة عمر بن الخطاب، حيث حدد المتخصصون بأمور المال مصادر الإيرادات، واستناداً إلى ذلك حدد أمير المؤمنين أصول الصرف ومقداره أي حدد المرتبات للمهاجرين والأنصار وآل الرسول وزوجاته، وحدد رواتب الجند وما تبقى تم رصده للأعمال الإنشائية والعسكرية وغيرها، وظهر توازن الموازنة لأول مرة في التاريخ.

أما في زمن الدول العباسية فقد استقرت الأمور السياسية والعسكرية وظهرت الحركة العمرانية وتطورت المعارف والعلوم، ووجدت بيانات مالية أيام الخليفة المعتضد بالله عام 297هـ/814م توضح وجود موازنة سنوية وضعها الخليفة. وتم تفريغ هذه الموازنة إلى أشهر ثم إلى أيام، فقد بلغت موازنة المعتضد بالله في اليوم 7011 ديناراً، أما الموازنة السنوية فقد بلغت 2.520.000 دينار أي ما يعادل 55.440.000 درهم، وكانت الدولة تعمل بمبدأ توازن الموازنة.

2ـ التوازن في الفكر الاقتصادي:

لم تتحدث النظريات الاقتصادية في القرون الوسطى أو في عصر النهضة الأوربية عن مبدأ توازن الموازنة لأنه لم تظهر خزينة عامة ولم تظهر موازنة عامة، بل استمرت أوربا في ظل الحكم الملكي الإقطاعي بالدمج بين خزينة الملك والخزينة العامة حتى القرن التاسع عشر، وكانت التقديرات التي يقوم بها المخططون الماليون لا تتعدى سوى تقديرات لخزينة الملك.

يضاف إلى ذلك أن بريطانيا أول دولة قامت بالفصل بين خزينة الملك والخزينة العامة، وهي التي أعطت السلطة التشريعية صلاحية مناقشة الموازنة العامة وصلاحية إقرارها.

لم يتعرض الكتاب والمفكرون الاقتصاديون في المذهب التجاري لمبدأ توازن الموازنة، وإنما تحدثوا عن الضريبة الموحدة على الريع الصافي، وكانت الزراعة النشاط الإنتاجي الوحيد بحسب وجهة نظرهم الذي يقدم مادة جديدة للمجتمع. إلى أن جاء أصحاب المدرسة التقليدية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وتحدثوا عن هذا المبدأ الاقتصادي والمالي المهم في دراساتهم.

ثالثاً ـ نظرية توازن الموازنة:

ظهرت هذه النظرية في الفكر الاقتصادي التقليدي وكان آدم سميث قد مهد السبيل لظهورها في كتابه "ثروة الأمم" الذي نشر عام 1776، وكان بمنزلة المرجع لأفكار المدرسة التقليدية التي أسس لها، وقد تحدث سميث في كتابه عن قواعد فرض الضرائب ومبادئه، وضرورة التوافق بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة.

قدم الاقتصاديون التقليديون أمثال آدم سميث ـ ديفيد ريكاردو ـ جون استيوارت ميل ـ جيمس ميل ـ جون باتسيت ساي وغيرهم بعض الأسس النظرية لمبدأ توازن الموازنة أهمها:

 1ـ يعد الإنفاق العام إنفاقاً عقيماً: لأنه يحول الأموال من الاستثمار في يد المنتجين إلى المؤسسات الحكومية التي تنفقه في المجالات الخدمية التي لا تدر دخلاً، لكنها ضرورية لسير المصالح العامة، لذلك عدها بعضهم (شراً لا بد منه).

وقد أسس هؤلاء لهذه الفكرة من خلال اعتقادهم أن الحكومة لا تقوم بالأعمال الإنتاجية ولا ينبغي لها القيام بهذه الأعمال لأن القطاع الخاص هو الذي يدخر ويستثمر وينتج فيؤدي بالاقتصاد للانتقال إلى حالة التشغيل الكامل. وعندما تزيد الدولة إنفاقها أو تزيد اقتطاع الضرائب فإن هذا يؤثر في حالة التشغيل ويؤدي إلى انخفاض العرض وظهور البطالة ومن ثم الركود الاقتصادي.

2ـ تعرقل المالية العامة تكوين رأس المال:

يسعى كل منتج إلى زيادة إنتاجه ومن ثم زيادة دخله فيزداد الادخار وبما أن أصحاب الدخول المرتفعة يزداد لديهم الميل الحدي للادخار لذلك سوف تتوجه غالبية هذه المدخرات للاستثمار، أي سوف يزداد الاستثمار، ويزداد معدل النمو ويزداد حجم التشغيل إلى أن يصل الاقتصاد إلى التشغيل الكامل للموارد الإنتاجية والعمالة، إن اقتطاع الضرائب بهدف تمويل الإنفاق العام سوف يؤثر في المدخرات لدى القطاع الخاص وسوف ينخفض حجم الاستثمار ومن ثم سيؤدي ذلك إلى نقص التشغيل. يرى التقليديون أن زيادة حجم الاستقطاع الضريبي بهدف تمويل الإنفاق العام سوف يؤثر في كفاءة استخدام الأموال في الاقتصاد الوطني ويؤثر في الإبداع لأنهم يعدون المنظم قائد عملية التقدم الاقتصادي وهو المبدع وهو الذي يعمل بأفكاره التي تقود الاقتصاد نحو النمو والتطور، أي إن العمل الخاص والقطاع الخاص هو الذي يقود الاقتصاد الوطني نحو النمو والتقدم ولا مكان في هذه النظرية لأي دور للدولة (القطاع العام) في هذا المجال.

وإذا أرادت الدولة الاقتطاع وتمويل الإنفاق العام فيمكن لها اللجوء إلى الضرائب غير المباشرة التي لا تؤثر في المنظمين وفي مدخراتهم التي تتوجه للاستثمار، ويروا أن تخفيض الضرائب أو الاعتماد على الضرائب غير المباشرة سوف يخفف من حجم الإنفاق العام ويساعد على تحقيق توازن الموازنة بدلاً من حصول العجز أو الفائض لأن كليهما يؤثر في الأموال والمدخرات الخاصة.

3ـ العجز أو الوفر في الموازنة يعد إخلالاً في التوازن المالي:

إن زيادة حجم النفقات العامة سوف يؤدي إلى حصول العجز في الموازنة العامة، لذلك يركز التقليديون على ضرورة تخفيض النفقات العامة، لأن عجز الموازنة سوف يدفع الحكومة إلى الاقتراض من القطاع الخاص أو اللجوء إلى الإصدار النقدي، وكلاهما سوف يؤثر في مستوى الأسعار ويؤدي إلى التضخم.

أما إذا تحقق الوفر في الموازنة فإنه يشجع الحكومة على زيادة الإنفاق وزيادة حجم التبذير، الأمر الذي يؤثر في كفاءة الأموال وفعاليتها في القطاع الخاص، لذلك يروا ضرورة توخي الدقة والحذر عند إعداد الموازنة ولاسيما النفقات لأن زيادتها سوف تؤدي إلى زيادة الضرائب، وبالمقابل فإن زيادة الضرائب إلى أكثر من النفقات العامة سوف يحقق الوفر الذي يشجع بدوره على التبذير.

4ـ تؤثر المالية العامة في التوازن الاقتصادي:

إن زيادة حجم الإنفاق العام سوف يؤدي إلى ظهور العجز في الموازنة العامة، ويتوجب على الحكومة اللجوء إلى مصدرين لتمويل العجز:

أ ـ الاقتراض من الجمهور عن طريق زيادة سعر الفائدة الأمر الذي سيدفع الأفراد للاكتتاب بالقروض العامة؛ فينخفض حجم الادخار المعد للاستثمار وتتوجه المدخرات أي القروض العامة فيخفض حجم الاستثمار ويحصل الركود في الاقتصاد.

ب ـ إصدار النقود الإضافية لتمويل عجز الموازنة الأمر الذي يؤدي إلى زيادة كميات النقود فتخفض قيمتها فيرتفع المستوى العام للأسعار ويحصل التضخم.

إن حصول العجز في الموازنة يؤدي إلى التضخم أو الركود، أي سوف يحصل الاختلال بالتوازن الاقتصادي القائم بين الادخار والاستثمار، أو بين العرض والطلب وكلاهما يؤثر في المتغيرات الاقتصادية الكلية وفي فعاليتها وعلاقتها بعضها ببعض ويؤدي إلى ظهور الأمراض الاقتصادية.

رابعاً ـ نقد نظرية توازن الموازنة:

لقد تعرضت أفكار الاقتصاديين التقليديين بخصوص توازن الموازنة للعديد من الانتقادات؛ لأنها بنيت على مشاهدات وآراء ظهرت في بداية انطلاقة الاقتصاد الرأسمالي أي في مطلع القرن التاسع عشر، ولم تكن الآلة الصناعية قد وصلت إلى أوج تطورها، لذلك فإن هذه الأفكار كانت غير صائبة، لدرجة أنه يستحيل تطبيق مبدأ توازن الموازنة في تلك الظروف. استناداً إلى ذلك يلاحظ أن النظرية تعرضت للعديد من الانتقادات وأهمها:

لم يكن الادخار في بداية النهضة الصناعية كافياً لتمويل الاستثمار، وكثيراً ما كان المستثمر يعاني نقصَ الأموال، لذلك ركز التقليديون على ضرورة تخفيض الضرائب المباشرة على الرأسماليين بهدف توجيهها للاستثمار ومن ثم زيادة حجم الإنتاج.

أما في الظروف الراهنة فقد أصبحت المدخرات كافية، بل فائضة عن حاجة المستثمرين لذلك يجب زيادة الضرائب ولاسيما الضرائب المباشرة، ليس لتمويل الموازنة فحسب، بل لتحقيق العدالة الاجتماعية أيضاً، أي زال مبرر تخفيض الضرائب لدعم المستثمرين وتحقيق التوازن في الموازنة العامة.

نظر التقليديون إلى الإنفاق العام على أنه إنفاق عقيم ينبغي حصره في أضيق الحدود، وقد أثبتت التجارب العملية وآراء المدرسة الكينزية أن النفقات العامة تؤدي إلى زيادة الطلب الكلي في الاقتصاد، فإذا كان الإنتاج مرناً فإن زيادة الطلب سوف تؤدي إلى زيادة الإنتاج ومن ثم زيادة الدخول ورفع مستوى النمو الاقتصادي.

إضافة إلى ذلك تقوم الدولة بمشاريع القاعدة الأساسية وهي مشاريع ضرورية لمساعدة المنتجين وتشجيع الإنتاج، وتعطي آثاراً إيجابية في الإنتاج والمنتجين، فكيف نطلق عليها مقولة الإنفاق العقيم، أي لم يميز التقليديون بين النفقات الإدارية والنفقات الإنتاجية أو الاستثمارية.

إن وجود النفقات التحويلية (وهي مساعدات اجتماعية للفقراء والمحتاجين) سوف يزيد الطلب ويشجع على الاستهلاك وهذا ما يريده المستثمرون، فكيف ننظر لهذه النفقات على أنها عقيمة. وظهرت آثارها الإيجابية في الاقتصاد من جهة، وأصبحت ضرورية للعدالة الاجتماعية من جهة أخرى، أي أكدت هذه الأفكار بطلان أسس النظرية الاقتصادية التقليدية في مجال ضرورات الحفاظ على مبدأ التوازن المالي.

إذا توافرت المدخرات وكانت تفوق حاجة المستثمرين هذا يعني (بطالة في التوظيف)، فإذا كانت الدولة بحاجة إلى هذه الأموال، وقامت باستثمارها في مجالات إنتاجية أو خدمية سوف تدر لأصحابها دخولاً (سعر الفائدة)، وسوف تؤدي إلى تشجيع الإنتاج والمنتجين عن طريق زيادة الطلب الكلي، ويمكن أن تجنب الاقتصاد الدخول في حالة الركود، لأنه إذا تعطلت المدخرات هذا يعني وجود حالة التشاؤم وسوف يدخل الاقتصاد في الركود، فالاستثمار الحكومي لهذه المدخرات سوف يدفع الاقتصاد بالاتجاه المعاكس للحفاظ على حالة التوازن.

إن زيادة الإنفاق العام تتزايد مع تزايد عدد السكان والحاجة إلى مزيد من الخدمات والمساعدات وزيادة البنى التحتية وتحسين ظروف البيئة والمعيشة، وهذا ما ساد منذ الحرب العالمية الثانية حتى الوقت الحاضر، فلو أن الدولة خفضت إنفاقها لحصلت الكوارث والأمراض التي تفتك بالبشرية، وظهر التراجع بدلاً من التقدم الاقتصادي والاجتماعي.

إذا طبقت الدولة مبدأ توازن الموازنة بأي ثمن فإنه يتوجب عليها في فترات الركود زيادة الضرائب لكي تحقق هذا التوازن، وفي فترات الرواج تخفيض الضرائب، لكن القاعدة العامة ووجهة نظر المدرسة الكينزية أكدا ضرورة قيام الدولة بزيادة الضرائب في فترات الرواج لمكافحة التضخم من جهة، ولأن المنتج لا يشعر بثقل هذه الضريبة من جهة ثانية. أما في حالات الركود فلا يستطيع المنتجون تحمل الضرائب، فإذا زادت الدولة الضرائب عليهم فإنهم سوف يتركون الفرع الإنتاجي مما يؤدي إلى زيادة الركود أو تعمقه ليتحول إلى الكساد.

إن هذه الأفكار تعبر عن صدق التحليل المالي والاقتصادي الذي جاء به معارضو النظرية التقليدية وأثبتوا قدرة تحليلهم على ظهور الآثار الإيجابية في قطاعات الاقتصاد الوطني وفروعه، وزوال الآثار التي نادى بها أو توقعها التقليديون، فالأفكار الكينزية في فترة الحرب العالمية الثانية وما تلاها استطاعت أن تزيد الإنتاج وتزيد الاستهلاك مما يؤدي إلى سرعة تصريف الإنتاج ومن ثم تسريع عمليات إعادة الإنتاج وانتقال الاقتصاد إلى الرواج المستمر، بدلاً من حصول دورات اقتصادية متتالية (ركودـ رواج).

ويرجع السبب بذلك إلى عدم توازن الموازنة، وليس لتوازنها، لأن تدخل الدولة لا يكون إلا من خلال موازنتها، أي تستطيع تخفيف الآثار السلبية عندما تزيد إنفاقها العام، وعندما تستخدم الضرائب التي أصبحت من أهم الأدوات المالية والاستثمارية في الظروف الراهنة.

خامساً ـ مخاطر عدم التوازن:

تم التناول في الفقرة السابقة الانتقادات التي تعرضت لها نظرية التوازن من خلال أفكار المدرسة الكينزية، والتحليل الاقتصادي الحديث، لكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام: هل يكون عدم التوازن أفضل من التوازن؟ وما مخاطر عدم التوازن؟

طبعاً لكل نظرية اقتصادية أو اجتماعية إيجابياتها وسلبياتها، ولكل نظرية أو فكرة إمكانية التطبيق، أو مخاطر تخفف من آثارها الإيجابية.

إن عدم توازن الموازنة (عجز الموازنة) ينطوي على مجموعة من المخاطر أهمها:

إن تمويل عجز الموازنة عن طريق الإصدار النقدي يؤدي في حالة التشغيل غير الكامل إلى زيادة الطلب وتشغيل عوامل الإنتاج المعطلة (الأرض ـ العمل ـ رأس المال)، أي يصل الاقتصاد لمرحلة التشغيل الكامل ويحصل التضخم على نحو أسرع من الأحوال العادية، حالة التوازن بين نمو العرض ونمو الطلب.

إن تمويل عجز الموازنة عن طريق الإصدار النقدي في حالة التشغيل الكامل سوف يؤدي إلى التضخم المفرط، أي ترتفع الأسعار بمعدلات تفوق معدلات نمو الإنتاج إلى ضعفين أو ثلاثة أضعاف. ويطلق الاقتصاديون على هذا النوع من التضخم (التضخم المخرب).

يؤدي تمويل عجز الموازنة عن طريق القروض أو الإصدار النقدي إلى خلق خلل هيكلي في الاقتصاد، فالقطاعات التي تستطيع رفع الأسعار كالتجارة والخدمات تزداد فوائدها، في حين أن الصناعة والزراعة لا تستطيع رفع الأسعار مما يؤدي إلى تضخم قطاع التجارة والخدمات وتراجع أهمية العمل المنتج وتراجع حجمه في الناتج المحلي الإجمالي فينتقل الاقتصاد من اقتصاد إنتاجي صناعي متقدم إلى اقتصاد خدمي أكثر عرضة للمخاطر.

إن هذه الآثار ربما لا تتطابق بين بلد متخلف وبلد متقدم لأن الآثار الضارة تتزايد في الدول النامية لما يؤثر في نتائج التنمية الاقتصادية والاجتماعية وفي عدالة التوزيع، فيظهر الغنى الفاحش ويزداد الفقر المدقع وتزول الطبقة الوسطى في الدول النامية مما يؤثر في حجم الطلب الكلي من جهة، وفي مستوى التطور وحركة الإنتاج العلمي والتطور الثقافي من جهة ثانية، وتظهر هجرة الأدمغة؛ لذلك لا بد من الحذر في استخدام نظرية العجز.

سادساً ـ التوازن المالي أو التوازن الاقتصادي:

إذا أريد مقارنة التوازن المالي بالتوازن الاقتصادي فلا بد من العودة إلى المفاهيم والمصطلحات.

فالتوازن المالي: "هو مواجهة الإيرادات للنفقات المحتملة دون حدوث الفائض أو العجز، أي يجب أن تكون النفقات بما أمكن من الإيرادات وخاصة الضرائب".

التوازن الاقتصادي: "هو مجموعة التناسبات بين المتغيرات الاقتصادية الكلية التي تؤدي لاستقرار المستوى العام للأسعار وزيادة معدل النمو الاقتصادي".

من هذا التعريف يلاحظ أن التوازن المالي هو أحد جوانب التوازن الاقتصادي، وعنصر فاعل في تحقيق هذا التوازن، ومن ثم لا يمكن الفصل بين هذين النوعين، أو لا يمكن اعتماد التوازن المالي بغض النظر عن الآثار الاقتصادية لهذا التوازن، وبالمقابل لا يمكن الاتجاه نحو تحقيق التوازن الاقتصادي من دون البحث في الآثار الناجمة عن تراجع عنصر المال، وللتعرف إلى العلاقة بينهما يورد التحليل التالي:

1ـ الأخذ بالتوازن المالي من دون النظر للتوازن الاقتصادي:

إن اعتماد الحكومة مبدأ التوازن المالي سوف يقودها إلى تخفيض الإنفاق العام إلى المستوى الذي تتساوى مع الضرائب، ومن شروط هذا التوازن تخفيض حجم الضرائب المباشرة وزيادة حجم الضرائب غير المباشرة لأنها قابلة للزيادة والنقصان بحسب رغبة الحكومة. إن هذه الفرضية سوف تؤدي إلى النتائج التالية:

أ ـ انخفاض حجم الطلب الكلي نظراً لانخفاض حجم الطلب الحكومي الذي يعد جزءاً مهماً من الطلب الكلي مما يؤدي إلى دخول الاقتصاد في حالة الركود.

ب ـ إن انخفاض حجم الإنفاق الحكومي سوف يخفض الطلب الحكومي على السلع والخدمات فينخفض حجم الطلب الكلي الأمر الذي يؤدي إلى حدوث الركود.

ج ـ إن النظرية التقليدية بأن العرض يخلق الطلب الموازي له أصبحت نظرية في ذمة التاريخ لأن زيادة العرض من دون زيادة الطلب أصبحت مستحيلة، فالطلب احتل المرتبة الأولى والعرض أصبح تابعاً له.

إن عدم قدرة الطلب على الزيادة لا تؤدي إلى زيادة العرض ويحصل الاختلال مما يؤدي إلى الركود.

إن اعتماد التوازن المالي فترة معينة سوف يقود الاقتصاد الوطني إلى حالة الركود الاقتصادي، أي سوف يختل التوازن الاقتصادي وسوف يختل نظام الأسعار وتحصل الفوضى الاقتصادية والاضطرابات.

2ـ الأخذ بالتوازن الاقتصادي:

بما أن التوازن الاقتصادي يتحقق من خلال التوازن بين العرض والطلب والأجور والأسعار، والادخار والاستثمار والإنتاج والاستهلاك، والاستيراد والتصدير وغيرها من المتغيرات، فإن الاقتصاد سوف ينتقل من رواج إلى رواج حتى إذا كان الوضع المالي متوازناً أو غير متوازن؛ لأن المتغيرات الاقتصادية تتوازن وتنمو. وهنا يجب النظر إلى التوازن المالي خلال الدورة الاقتصادية، وهذا ما تحدث عنه كل من جون ماينارد كينز، وهانس وليرنر، وعدّوا أن التوازن الاقتصادي إذا حقق التوازن المالي خلال الدورة الاقتصادية فهو أفضل من التوازن المالي السنوي من دون التوازن الاقتصادي للأسباب التالية:

أ ـ يحقق التوازن الاقتصادي التشغيل الكامل مما يؤدي إلى تشغيل العمال وزوال البطالة واستثمار الموارد المحلية ومن ثم زيادة معدل النمو الاقتصادي.

ب ـ إذا بلغ الاقتصاد مرحلة التشغيل الكامل فإن زيادة الدخول تؤدي إلى زيادة الضرائب، فالعجز المالي الذي تحقق خلال سنتين أو ثلاث سنوات يمكن تغطيته من خلال الفائض المتحقق في السنوات التالية.

ج ـ أما اعتماد التوازن المالي بمفرده بغض النظر عن التوازن الاقتصادي فإنه لن يؤدي إلى الآثار الإيجابية المطلوبة، أي سوف تزداد الآثار السلبية تدريجياً إلى أن يصل الاقتصاد إلى الركود.

تبقى السياسة المالية إحدى أهم أدوات السياسة الاقتصادية التي من خلالها يتم تحفيز الاقتصاد وزيادة معدل النمو الاقتصادي، أما استخدام المالية لذاتها فإنه لن يؤدي إلى التحفيز أو زيادة معدل النمو الاقتصادي، بل يحقق التوازن المالي فقط مما يؤدي بعدها إلى الدخول في مرحلة الركود الاقتصادي.

سابعاً ـ مبدأ توازن الموازنة في سورية:

بعد الاطلاع على مبدأ توازن الموازنة في الفكر الاقتصادي، وعلى الآثار الناجمة عن كل فكرة في إطار التوازن وعدم التوازن أصبح ممكناً الاطلاع على هذا المبدأ في سورية.

عرف المشرع السوري الموازنة العامة للدولة بـ:

"هي خطة مالية أساسية سنوية لتنفيذ الخطة الاقتصادية بما يحقق أهداف هذه الخطة ويتفق مع بنيانها العام التفصيلي".

فالموازنة العامة السورية بهذا المفهوم أقرب إلى التعريف القانوني منه إلى التعريف الاقتصادي؛ لأنه يعدها خطة مالية تسهم في تنفيذ خطة اقتصادية، ويغيب عن هذا التعريف الإيرادات والنفقات، والتوازن المالي، ومصادر تمويل العجز في حال حصوله.

وبالنظر إلى ظروف اعتماد هذا التعريف يمكن القول: إن هذا التعريف تمت صياغته في بداية مرحلة التوجه الاشتراكي، أي يصبح من غير المهم البحث في مصادر الإيرادات والنفقات، بل إنجاز المشاريع والاستثمارات هو أقرب إلى الواقع، لأن الدولة تسعى إلى استكمال مشاريع البنية التحتية وإقامة مصانع القطاع العام، وتشغيل العمال وتصنيع المواد الأولية والسلع الزراعية، وفي مثل هذه الظروف يكون التوازن الاقتصادي أهم من التوازن المالي.

إلا أن التنفيذ العملي للموازنة العامة للدولة في سورية منذ عام 1963 حتى عام 1991 أوضح وجود عجز في الموازنة العامة، وقد تراوح هذا العجز بين 10ـ 25% من حجم النفقات العامة، وكانت مصادر التمويل:

> المساعدات العربية التي قدمتها الدول العربية لدعم الموقف الدفاعي لها.

> الإصدار النقدي، وخاصة في الثمانينيات من القرن الماضي.

وفي إطار توازن الموازنة لم يظهر في سورية خلال الفترة منذ عام 1963ـ1991 أي أثر للتوازن المالي، لكن الدولة عندما شجعت القطاع الخاص على إقامة شركات الاستثمار في المجال الخدمي والإنتاجي قامت بتخفيض إنفاقها العام، فظهر الفائض بدلاً من العجز منذ عام 1991ـ 2000، أي لم يظهر التوازن، بل كانت الإيرادات تتجاوز النفقات وبما أن الدولة قد خفضت النفقات، فقد ظهر الوفر مما أدخل سورية في حالة من الكساد. ومنذ عام 2000 حتى الوقت الحاضر عاد العجز ليتصدر الوضع المالي وخاصة بعد عام 2005.

إن مفهوم التوازن المالي لم يظهر في سورية حتى الآن للأسباب التالية:

إن عقيدة الدولة الاقتصادية تعتمد على دور متميز للدولة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

لم تستكمل الحكومات المتعاقبة إنجاز مشاريع البنى التحتية التي يحتاج إليها الاقتصاد السوري حتى الآن.

اعتماد الدولة على القطاع العام الصناعي في تصنيع موادها الأولية.

حصر بعض الأنشطة الصناعية أو الزراعية بالقطاع العام الأمر الذي يدفع الحكومة للإنفاق على هذه الأنشطة ومن ثم يزداد الإنفاق العام.

شجعت الدولة القطاع الخاص، ولكن مقابل الإعفاءات الضريبية التي تزيد العجز بدلاً من تحقيق التوازن المالي.

إن مفهوم التوازن المالي عسير التطبيق في الدول النامية وخاصة التي تسعى إلى تطوير اقتصادها، وهو أقرب للتطبيق والتحقق في بلد متقدم قد استكمل بناء القاعدة الأساسية وجميع خدمات الرفاهية للمجتمع.

 

مراجع للاستزادة:

 

ـ علي كنعان، اقتصاديات المال السياستين المالية والنقدية (دار الحسنين، دمشق 1997).

ـ علي كنعان، المالية العامة والإصلاح المالي في سورية (دار الرضا، دمشق 2003).

ـ عبد المطلب عبد الحميد، اقتصاديات المالية العامة (الدار الجامعية، القاهرة 2005).

ـ محمود نيربي، الاقتصاد المالي (جامعة حلب، 1981).

ـ كمال غالي، الاقتصاد المالي (جامعة دمشق، 1968).

ـ عبد الكريم صادق بركات، الاقتصاد المالي (الدار الجامعية، القاهرة 1980).

ـ عبد المنعم فوزي، المالية العامة والسياسة المالية (دار النهضة العربية، بيروت 1972).

ـ زينب عوض الله، مبادئ المالية العامة (الدار الجامعية، الإسكندرية 1998).


التصنيف : القانون المالي
النوع : القانون المالي
المجلد: المجلد السابع: المحكمة الجنائية الدولية _ ولاية المظالم في الإسلام
رقم الصفحة ضمن المجلد : 299
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 40
الكل : 11017841
اليوم : 6578