logo

logo

logo

logo

logo

نقل التقانة في القانون الدولي

نقل تقانه في قانون دولي

technology transfer in international law - transfert technologique dans le droit international

 نقل التقانة في القانون الدولي

نقل التقانة في القانون الدولي

وفاء فلحوط

أولاً ـ التكنولوجيا والتقانة:

التكنولوجيا: كلمة مركّبة ذات أصل يوناني، تنجم عن اتحاد كلمتي Techالتي ترجع إلى فعل قديم جداً؛ ويعني الفن أو الإتقان، التصنيع و Loges والتي تعني الدراسة العملية للفنون، وقد أصبحت تدل تلقائياً على كيفية الإنتاج أو وسيلته. وبالنتيجة ستعني التكنولوجيا لغوياً "الدراسة الرشيدة للفنون".

أمَّا باللغة الفرنسية Technologie فتعني الدراسة الفعلية للفنون وخاصة الصناعية منها، أو الدراسة الرشيدة للتقنيات أو علم أساليب الصناعة.

وفي اللغة الإنكليزية Technology تعني العلوم التطبيقية، في حين يعني Technique الأسلوب الفني أو البراعة الفنية.

أما في اللغة العربية: فكلمة التكنولوجيا ليس لها جذر عربي تردُّ إليه؛ ليمكن البحث عنها في جميع المعاجم العربية على اختلاف مسمياتها. لكن يمكن أن تلقى في التوجه إلى الجذر الثلاثي تقن، ومن ثم تعريب التكنولوجيا على أنها "تقنية" أو تقانة، وهي تعني "فن تطبيق العلم".

وثمة من يرى أنَّ هذا التعريب صحيح، ويذهب آخرون إلى أنَّ التكنولوجيا تنصرف إلى التطورات والابتكارات الكبرى، في حين تنصرف التقنية إلى الابتكارات الأقل أهمية مثيرين بذلك ـ على حد قول الأستاذ إيمانوئيل ـ فوضى لغوية غريبة؛ ذلك أنَّ المصطلحين السابقين يلتقيان فعلاً إلاَّ أنهما لا يشيران إلى المفهوم نفسه.

فالتكنولوجيا تشير إلى مجموعة من المعارف، أما التقنية فتشير إلى مجموعة من الأساليب.

وبمعنى أوضح: فإن العناصر المكونة للتكنولوجيا تشتمل على الجانب المادي "كالمعدات" والجانب الاستخدامي "طريقة العمل" ـ الجانب العلمي "المعرفة" ـ والجانب الابتكاري "القدرة على الإبداع والمهارة"، فإذا تحققت العناصر الثلاثة الأولى كانت التقنية أو "التكنيك".

ويختصر ما سبق قوله بمعادلة بسيطة قوامها الآتي:

التكنولوجيا = التقنية "التكنيك" + الجانب الابتكاري

وهذا ما يفسر تدرج مراحل ولادة التكنولوجيا على النحو الآتي: البداية دائماً تكون مع البحث "الوسيلة التي تضيف إلى مخزون المعرفة العلمية" ثم العلم "المعارف الموضوعية المتراكمة"، ويليه الفن "إدماج العلم في وسائل الإنتاج" ومن ثم الاختراع "خلق معارف جديدة" وأخيراً التجديد "تطبيق المعرفة الجديدة في عملية الإنتاج". ومن التحليل السابق يتبين أنَّ المراحل الثلاث الأولى هي ما تجسد التقنية، ويكون في المرحلتين الأخيرتين الجانب الإبداعي.

ـ والتكنولوجيا من وجهة نظر علمية تعني: "الجانب التطبيقي للعلم"، فإذا كان العلم يعني التساؤل حول معرفة لماذا؛ فإن التكنولوجيا تعني التساؤل حول معرفة "كيف؟". إذاً العلم "نتاجٌ فكري" أما التكنولوجيا فهي "نتاجٌ علمي"، وهذا ما يستوجب عدم الخلط بينهما؛ إذ تظلُّ المعارف العلمية معارف لذاتها تحمل في طياتها غاياتها، أما التكنولوجيا فهي معارف استهدافية إن صحَّ التعبير.

ـ وتعدّ التكنولوجيا من منظورٍ قانوني مالاً، وإن كان ذا طبيعة خاصة لكونه لا ينفد بالاستعمال إنما بالنسيان أو بظهور تكنولوجيا منافسة، لكنه حقيقة مالٌ اقتصادي؛ إذ تتوافر فيه الشروط المستلزمة من ضرورة منفعة المال من جهة، وندرته النسبية من جهة أخرى. فمن ناحية أولى: أي "المنفعة" فإنَّ التكنولوجيا وإن كانت معارف ومعلومات؛ لكنها ليست من قبيل المعارف العلمية المجردة، وإنما هي معارف إنتاجية؛ أي معارف نفعية لخلق صناعات جديدة، بل إنها تمثل ميزة تنافسية جادة وحاسمة.

أما من جهة الندرة النسبية فإنها متحققة، سواء أكانت التكنولوجيا معلنة "كبراءة الاختراع بعد فترة زمنية معيّنة"، أم كانت سرية "كالمعرفة الفنية التي يحتفظ مالكوها بها على شكل سري".

ومع تحقق سمتي المنفعة والندرة النسبية للتكنولوجيا تثبت قيمتها الاقتصادية، وهذا ما يفسر شيوع استخدام مصطلح "رأس المال التكنولوجي".

ويستوي أن تكون التكنولوجيا بحثية أو صناعية "إنتاج ـ طريقة عمل" إدارية أو خدمية بالمعنى الواسع "تسويق ـ إعلام ـ تنظيم" بحيث يعدُّ كل شكل ملموس مثل أجهزة ـ مواد خام ـ منتجات نصف مصنعة ـ براءات اختراع ـ طرق استخدام الآلة والأساليب ـ المهارة البشرية ـ طرق "توزيع ـ إدارة ـ تنظيم ـ تصميم الوحدات وإنشائها…" من المنتجات التكنولوجية، وعقودها تدعى عقود نقل التقنية، وليست عقود نقل التكنولوجيا. ونظراً لأن الدول النامية ـ بما فيها الدول العربية ـ لا تملك التكنولوجيا بالمعنى الدقيق للكلمة؛ فإنه غالباً ما يتم التعامل مع هذين النوعين من العقود على اعتبارهما نمطاً عقدياً واحداً رغم الفارق الكبير بينهما.

ثانياً ـ مفهوم نقل التقانة Technology transfer

1ـ تعريف نقل التقانة: بداية يمكن القول: إنَّ مصطلح نقل التقانة كان فيما مضى غائباً لمصلحة مصطلحاتٍ أخرى مثل التنازل عن التقانة أو الترخيص بها، ثم استخدمت تلك المصطلحات للدلالة فقط على التقانة المحمية بحقوق الملكية الصناعية، وتمَّ اقتراح مصطلحاتٍ أخرى مثل الاتصال والانتشار إلاَّ أنها لم تلق القبول المطلوب.

وشاع مصطلح نقل (التقانة) على صعيد الممارسة العملية على نحوٍ واضح.

والنقل لغوياً: يعني انتقال الأشخاص أو الأشياء من مكانٍ إلى آخر.

وقانونياً: يعني "إجراء الهدف منه، وهو نقل حق من شخصٍ إلى آخر"، كنقل الملكية، أما اقتصادياً: فيشير إلى "التغيير في اتجاهات الموارد".

وهذه المعاني ـ بما فيها المعنى القانوني ـ وإن كانت تصلح لبعض أنواع عقود نقل التقانة؛ فإنها لا تغطي مجمل تلك العقود، فعقد مثل عقد (التنازل عن براءة اختراع) يمكن أن يدرج تحت المعنى القانوني "من جهة نقل حق ملكية البراءة إلى المتلقي"، وعقد آخر مثل عقد (تقديم المساعدة التقنية) حيث يلتزم فيه المورد بالتدريب "القيام بالعمل" يغدو خارجاً عن مثل ذلك التصنيف.

ومن هنا لا يمكن تجزئة عبارة "نقل التقانة" كما فعل بعضهم حين عرف بداية النقل ثم انتقل إلى تعريف التقانة، إنما يجب تناول المصطلح ككل غير قابل للتجزئة.

2ـ مفهوم نقل التقانة من منظوري الدول المتقدمة والدول النامية: يختلف مفهوم نقل التقانة تبعاً لاختلاف النظرة إلى التقانة ذاتها.

فمن منظور الدول المتقدمة: تعدّ التقانة مجرد سلعة؛ وعقود تداولها عقوداً تجارية بحتة، وبالتالي فإنَّ نقلها يتم بالنقل المادي.

أما من وجهة نظر الدول النامية: فالتقانة عنصر "أو محل له خصوصيته" وتعدُّ عقودها عقوداً تنموية، ونقلها لا يتم إلاَّ بالنقل الفعلي "تحقيق السيطرة والتمكن التكنولوجي".

وفي الحقيقة أن التقانة تملك وجهين متغايرين، هما:

التقانة بوصفها قيمة استعمال: فيما لو قام حائزها باستخدامها في إنتاجه الخاص.

التقانة بوصفها قيمة مبادلة: فيما لو قام حائزها باستغلالها وجني منفعتها الاقتصادية عن طريق نقلها إلى الغير.

فالاهتمام بنقل التقانة على أنها قيمة استعمال يؤدي إلى إثارة المطلب التكنولوجي للدول النامية، كالتأكد من السيطرة التكنولوجية، ويثير في الوقت نفسه مفهوم نقل التكنولوجيا بالمعنى الفني.

أما الاهتمام بنقل التقانة على أنها قيمة مبادلة فيؤدي إلى إثارة قضايا مغايرة أخرى مثل وضع السوق الدولي للتكنولوجيا، والاحتكار التكنولوجي؛ مما يثير معه مفهوم النقل بالمعنى الجغرافي كأي عملية استيراد وتصدير، وهذا النقل قد يلائم إلى درجة ما المتلقي صاحب الكفاءة التكنولوجية "كالنقل الذي يتم بين طرفين متقدمين تكنولوجياً".

وإذا ما تمَّ ترجيح وجه على آخر؛ فإنَّ ذلك سيظهر من خلال سياسة الدولة وتشريعاتها، كما سينعكس على مفاهيم أساسية كالضمان:

فلو اعتنقت الدولة (المفهوم المادي للنقل) فإن سياستها وتشريعاتها ستتجه إلى تنظيم العلاقات الناشئة من تملك التقانة وحيازتها، كمدى الحق المنقول ونطاقه، والعوض أو المقابل، أما إذا اعتنقت (المفهوم الفني) فإنَّ سياستها وتشريعاتها ستتجه إلى البحث عن الصيغ والعلاقات القانونية التي تنقل التكنولوجيا فعلياً أو تنظمها.

وينجم عن ذلك أنَّ الدولة في الحالة الأولى يمكن أن تتجه إلى تنظيم دخول "استيراد" التقانة إليها بالتشريع نفسه الناظم لدخول رؤوس الأموال الأجنبية، أما في الحالة الثانية فإنها تتجه إلى إفراد نصوص ـ إن لم يكن قوانين ـ خاصة بنقل التقانة.

كما أنَّ اختلاف النظرة إلى مفهوم نقل التكنولوجيا ينعكس بالضرورة على قضايا أساسية، أهمها الضمان.

فإذا تمَّ تبني نظرية النقل الفعلي: فإنَّ الضمان سيكون أوسع مدى وأعظم ثقلاً على المورد؛ إذ لا يكفي ضمان نقل الحق في استعمال التقانة، بل لا بُدَّ من ضمان نقل القدرة الفعلية في استعمالها.

أما في الحالة الثانية "أي النقل المادي" فلا يخرج مفهوم الضمان عما هو سائد في عقود البيع بالنسبة إلى عقود التنازل عن البراءة؛ أو عن مفهومه في عقد الإيجار بالنسبة إلى عقود التراخيص.

ثالثاً ـ مزايا نقل التقانة وأسباب المشكلة:

1ـ ميزات النقل: تسيطر على التقانة الملكية الخاصة للشركات متعددة الجنسية في غالبية حالات النقل، لذلك يظهر النقل خاضعاً لمقتضيات الربح الرأسمالي، إذ يبادر مورد التقانة للتصرف فيها بموجب استراتيجية المالك الذي لا يمنعه مانع من ممارسة حقوقه على ملكه، بما في ذلك نقل التقانة بقيود تفرغها من محتواها، وإنتاجها في إطار نظام احتكار القلة؛ مما يخلق منافسة جدية تنعكس سلباً على الطرف النامي المتلقي، الذي يدخل السوق التقانة ـ إن صحَّ القول بوجود مثل تلك الأسواق ـ دون أن يملك أي معلومات حول التقانة أو حول عناصرها؛ مما يترتب عليه هبوط واضح في موقفه التفاوضي بمواجهة حائزها.

وضمن تلك المعطيات السابقة تجد الدول النامية نفسها في حالة تبعية تقنية حيال المورد بموجب تقنية غير ملائمة أصلاً.

ويخطئ من يعتقد أن سبب التبعية هو التقنية غير الملائمة، إنما هذه الأخيرة ما هي إلاَّ نتاج طبيعي ومنطقي للأولى "أي التبعية". وتغدو العملية كلها مجرد تجارة تقنية أكثر منها نقلاً.

ولا ينال المتلقي من ذلك النقل إلاَّ قدرة الشركات "الموردة عموماً" على اختراق أسواقه مع إبقاء التكنولوجيا تحت سيطرتها الفعلية، كما تتمكن تلك الشركات من استغلال حقيقة أنَّ الأسواق المغلقة أمام المنتجات ستنفتح تدريجياً أمام التقانة.

حتى إن عملية نقل التقانة ضمن استراتيجية المورد تستخدم وسيلة لإطالة حياة دورة التقنية، إذ إنَّ ما تطرحه تلك المشروعات ما هو إلاَّ التقنية المستهلكة أو التي في طريقها إلى التقادم، وتحتفظ لنفسها بالتقنية المطورة والمتقدمة.

2ـ أسباب المشكلة: في الحقيقة إنَّ لمشكلات نقل التقانة أسباباً عديدة، ومنها مثلاً:

أ ـ حداثة المفهوم نسبياً: مع الاستمرار لفترة طويلة في الخلط ما بين نقل التكنولوجيا والاستثمار الدولي لرؤوس الأموال؛ وتوجيه الاهتمام لحماية الاستثمارات الأجنبية أكثر من التصدي وجهاً لوجه لقضية نقل التكنولوجيا، وخاصة على الصعيد التشريعي.

ب ـ افتقار مصادر البحث: مع الافتقار لتنظيمات قانونية وطنية أو دولية ناظمة لعمليات نقل التقنية (التكنولوجيا) حيث خضعت معظم تلك العمليات لآلية التعاقد مما يعني حرية الأطراف في تحديد النظام القانوني لنقل التكنولوجيا.

ومن جهة ثانية تبدو صعوبة الحصول على تلك العقود ذاتها؛ نظراً لغياب نظام تسجيل أو أي رقابة عليها، وحين الحصول عليها في كثير من الحالات فإنَّ التكنولوجيا هي واحدة من مكونات عملية مركبة تأخذ طابعاً تجارياً.

جـ ـ قصور النظر إلى ظاهرة نقل التقانة: إذ لا يمكن الحكم عليها من خلال آلياتها "العقد". فمنهم من حاول تحليل بعض العقود لتقرير صلاحيتها إلاَّ أنه لم يدرك أن صلاحيتها تقرر على المستوى التكنولوجي القومي، وليس على مستوى شروط العقد ذاته.

د ـ يبدو من الصعب عملياً نقل كل المعلومات المرتبطة بالتكنولوجيا، لذا يفضل قيام تعاون حقيقي ما بين الدول المتقدمة والنامية؛ أي اللجوء إلى عقود التعاون الصناعي والتقني أكثر من غيرها.

وبناءً على ما سبق يتوجب عدم الخلط ما بين الالتزام بنقل الحق نفسه والالتزام بنقل محل الحق.

فنقل الحق يقصد به عادة إزالة عقبة قانونية "استخدام اختراع ممن يحوز براءته". وهذا يلائم المتلقي من الدول "الأطراف" المتقدمة، أما نقل محل الحق فهو نقل التقانة (التكنولوجيا).

رابعاً ـ تعريف عقود نقل التقانة:

جاءت التجربة التاريخية للدول النامية في نقل التقانة عن طريق الاستثمار الدولي مخيبة لآمالها على نحوٍ كبير، إذ أسفرت إلى زيادة حدة التبعية التقنية دون الوصول إلى نقل حقيقي للتقانة؛ الأمر الذي دفع العديد منها للفصل بين عمليات الاستثمار المباشر وآليات نقل التقانة، فوضعت القيود على الأولى، وفتحت الأبواب أمام استقدام التقانة مباشرة عبر القناة العقدية.

ومن جهتها لجأت الشركات متعددة الجنسية إلى استراتيجية تجزئة عملية الاستثمار إلى مكوناتها الرئيسية، وصياغتها في شكل سلسلة من الأداءات والخدمات وتقديمها في إطار عقدي.

وقد استُخدِم صطلاح "عقد نقل التقانة" على نحو متواتر إلى حد يحمل على اعتقاد وجود قالب قانوني معيّن تصبُّ فيه عملية نقل التقانة بكل خصوصيتها، وتجري بالتالي طبقاً لنظامٍ قانوني خاص متميز من سائر العقود الدولية الأخرى (على غرار عقد البيع الدولي مثلاً).

بيد أنه ـ وكما لاحظ الأستاذ جان شابيرا Jean Schapira ـ لا توجد في الأنظمة القانونية الوطنية أو في النظام القانوني الدولي أي صيغة اتفاقية موحدة يطلق عليها مصطلح "عقد نقل التقانة". إنما توجد سلسلة من تلك العقود ذات طبيعة متباينة، لِكُلٍّ منها شروطه المتميزة ونظامه القانوني الخاص والتي يكون من آثارها بصفة أساسية أو تبعية نقل المعارف التكنولوجية.

ويحدد النمط العقدي في رأي Schapira بحسب مضمون عملية النقل ذاتها، إذ يمكن التمييز بين مضامين ثلاثة، وهي:

نقل المعارف والمعلومات.

الخبرات والمهارات العملية.

المعلومات والخبرات مع الالتزام بنتائج نوعية وكمية محددة.

فإذا كان مضمون النقل قاصراً على المعلومات فقط؛ فإنَّ عقد الترخيص مثلاً هو النمط العقدي الملائم، أما إذا كان مضمونه الخبرات والمهارات؛ فإنَّ عقود المساعدة الفنية كالتدريب المهني هي الملائمة قانونياً، أمَّا المضمون الثالث (وهو حالة المتلقي من الدول النامية)؛ فإنَّ النمط العقدي المفرز سيكون من نوع مقارب للعقود المركّبة (كعقد تسليم مفتاح أو إنتاج في اليد أو في السوق).

وما سبق ذكره يفسر عدم قدرة وضع نماذج مسبّقة لمجمل تلك العقود، إذ لكل حالةٍ تفاصيلها وشروطها المرعية قبل تصميم العقد المقترح، ومما يزيد الوضع تعقيداً أنَّ تلك العقود تتشابك مع مختلف فروع القوانين الأخرى، بل قد لا تكون ـ رغم تنوعها ـ كعقود مستقلة بذاتها، إنما قد ترد أحكامها ضمن عقود أخرى (كعقود البيع، أو الإيجار، أو الشراكة، أو المقاولة…) وهذه حالات ليست بقليلة. بيد أنه لا يستلزم بالمقابل وجود ترابط حتمي ما بين تلك العقود وعقود نقل التقانة، فقد ترد مثلاً أحكام عقد نقل التقانة داخل عقد بيع (بيع المعدات والآلات)، وقد لا يتلازمان (كما في عقد بيع مواد أولية مثلاً).

ومع ذلك جاء تعريف عقود نقل التقانة (التكنولوجيا) في المدونة الدولية للسلوك بأنها: "ترتيبات بين الأطراف متضمنة نقل المعرفة المنهجية لصناعة منتج أو لتطبيق عملية أو لتقديم خدمة، ولا تمتد لتشمل الصفقات المتضمنة مجرد بيع أو تأجير للبضائع"، وقد عددت المادة (1ـ3) من هذه المدونة العقود التي تمثل عقود نقل التكنولوجيا بأنها عقود:

> نقل ملكية ـ بيع ـ ترخيص كل أشكال الملكية الصناعية (باستثناء العلامات والأسماء التجارية) ما لم تشكل جزءاً من صفقة نقل التكنولوجيا.

> التزويد بالمعرفة الفنية والخبرة التقنية.

> التزويد بالمعرفة التكنولوجية الضرورية لمشاريع تسليم المفتاح.

> التزويد بالمعرفة التكنولوجية الضرورية لاكتساب المواد الأولية والوسيطة أو كليهما واستخدامها.

> التزويد بالتسهيلات التكنولوجية الخاصة في اتفاقيات التعاون الصناعي والتقني.

أي إنها اشتملت على عقود نقل التقانة بالمعنى المادي والفني، أو بوصفها أداة للتبادل وأداة للسيطرة التكنولوجية معاً.

خامساً ـ بنية عقود نقل التقانة وخصائصها:

1 ـ بنية العقد: في معظم عقود نقل التقانة يتبع الأسلوب الأنجلوسكسوني في الصياغة؛ بحيث تأتي على النحو الآتي:

أ ـ يبدأ العقد بصفة عامة بعنوان الوثيقة (تحديد نوع التعاقد):

وهنا نميز بين فرضين: فإمَّا صيغة عقدية لنقل التقانة مستقلة؛ وإما أحكام عقد نقل تقانة داخلة أو معاصرة لعقد من نوع آخر.

ومثال الفرض الأول:

> عقد الاستشارة لمصلحة المعهد العالي للعلوم التطبيقية والتكنولوجيا 13/9/2001م

Contract of (consultant).

> اتفاقية مشاركة في التصنيع ونقل الخبرة "المعرفة الفنية" بين المؤسسة العامة للمواصلات السورية وشركة سامسونغ إلكترونيس المحدودة 30/11/1995م

Partnership agreement in manufacturing and know how transfer.

> اتفاقية ترخيص رئيسي بين شركة سورية وشركة إيركسون (سويدية) 9/4/1999م

Master license agreement.

وفي هذا الفرض أيضاً قد لا يأتي الذكر الصريح لنوع العقد رغم سهولة تصنيفه بعقود نقل التكنولوجيا؛ إذ يمكن استنتاج ذلك من خلال الالتزامات المدرجة في سياقه.

ومثاله:

> عقد تسليم مفتاح باليد Turn- key بين الجمهورية العربية السورية وشركة بابكوك ـ باو الألمانية الغربية 5/2/1981م.

> عقد تسليم مفتاح باليد ثقيل (بين سورية وشركة إيرانية) 15/1/2001م.

أمَّا الفرض الثاني: فأمثلته كثيرة، ومنها:

> عقد توريد (تلفزيونات) مرفقة بالوثائق الفنية والمساعدة التقنية اللازمة بين الشركة السورية سيرونيكس وشركة سامسونغ للإلكترونيات (الكورية).

> عقد إمداد بحواسب إلكترونية يرافقه "مساعدة تقنية" بين المعهد العالي للعلوم التطبيقية والتكنولوجيا و Delegation of the European Commission.

ب ـ المقدمة: وتنطوي المقدمة ـ رغم أنها ليست من مضمون العقد ـ على أهمية كبيرة من جهة إزالتها للغموض، كما قد يترتب عليها الأثر القانوني نفسه الذي ينشئه أي بند من بنود العقد، ومثال ذلك:

اتفاقية مشاركة تصنيع جاءت مقدمتها على النحو الآتي:

"تلبية لرغبة المؤسسة العامة للمواصلات السلكية واللاسلكية بإقامة صناعة محلية ونقل الخبرة لصناعة مقاسم بأحدث التقنيات…".

وهكذا يُلاحظ كيف لخصت المقدمة بعضاً من أهم التزامات الطرف المورد للتقانة بحيث يمكن الرجوع إليها فيما لو ثار خلاف حول مطابقة التقانة المنقولة لتلك الموصوفة في العقد؛ فتتم الاستعانة بها لإثبات أنَّ التقانة لا تطابق أحدث التقنيات المتعارف عليها عالمياً؛ (لأن النص جاء مطلقاً) وبالتالي تثور مسؤولية المورد.

جـ ـ غاية العقد: إنَّ غاية العقد ليست إلاَّ تشديداً على وصف العقد ذاته مع الإشارة إلى أهم التزامات أطرافه.

د ـ موضوع العقد: يقترب موضوع العقد من غايته نوعاً ما؛ إلاَّ أنه قد يتضمن تفصيلات أكثر أهمية، أو يمكن القول: يذهب الموضوع إلى مزيد من التحديد.

فمثلاً في عقد تسليم مفتاح باليد ثقيل (وزارة الري السورية مع شركة سابتا إيران)

جاءت غاية العقد (م2): بأن يقوم المتعهد بإنجاز جميع الأعمال الموضحة صراحة أو ضمناً في المخططات والمواصفات الفنية..

في حين حدد موضوعه (م3): بأنه تقديم وتركيب تجهيزات كهربائية لمحطة تحويل…ك.ف مع خط نقل الطاقة الكهربائية ك.ف، مع تنفيذ الأعمال المدنية اللازمة لها…

ويلي ذلك بدء العقد بإدراج مواد وأحكام مختلفة ترتبط بشكل أو بآخر بالتزامات الأطراف المتعاقدة، وحالة الإخلال بتلك الالتزامات، وطرق تسوية المنازعات، والقوانين المختصة بنظرها.

2ـ الخصائص المميزة لعقود نقل التقانة إلى الدول النامية:

أ ـ اختلال التوازن التقني: في معرض عقود نقل التقانة بين شركة متعددة الجنسية، أو مورد أجنبي ذي قدرة تكنولوجية رفيعة مع دولة نامية؛ يظهر على نحو واضح ضمان بعض المزايا لمصلحة مقدم التقانة.

ويتجسد ذلك بمنح تخفيضات أو إعفاءات ضريبية، أو فرض قيود تشريعية (كشرط الثبات التشريعي) أو إدارية أو تقيدية عموماً على الدولة المتلقية. حيث يمكن استنتاجها من العقد ذاته أو من خلال الممارسات الواقعية الحية.

ورغم أن التوازن التكنولوجي غير قائم فعلاً ما بين طرفي العقد؛ فإنَّ اختلاله يختلف من عقد إلى آخر؛ إذ لا تحصل كل الدول النامية على التقانة ذاتها بالشروط نفسها، فهناك نوع من عدم المساواة ما بين البلدان المستقبلة ذاتها.

ب ـ عقد تنموي يتأثر بالسياسة: إن تأثر العقد بالعوامل السياسية يدل عليه ما قد يلجأ إليه أحد الأطراف من فسخ للعقد (بإرادته أو رغماً عنه) رغم تحقيق مصلحته الاقتصادية فيه؛ نظراً لتدخل العوامل السياسية، كعدم تنفيذ عقد إنشاء مصنع بين باكستان وشركة فرنسية نتيجةً للضغوطات السياسية.

جـ ـ عقد معقد: ذلك أنَّ الأطراف في عقود نقل التقانة [على النحو الذي نتناوله] غير متساوية في درجة التطور، فهي أطراف متعارضة بطبيعتها، وعقد نقل التقانة يحاول التفاعل مع تلك المصالح المتعارضة أصلاً، ومما يزيد من تعقيده تعدد الالتزامات فيه، وطول مدته نسبياً.

د ـ عقد نقل التقانة عقد طويل الأجل وذو طبيعة متطورة: وتختلف طول مدته بحسب موضوع العقد، بيد أنه يمكن القول عموماً: إن مدة العقد يجب أن تكون كافية لتحقيق موضوعه وسببه، ولما كان مطلب الدول النامية من مثل تلك العقود هو تحقيق التمكن التكنولوجي الحقيقي؛ فإن ذلك المطلب لا يتحقق بتلك السهولة، لذلك وتمشياً مع طول مدة العقد يمكن إدراج شروط تسمح بمراجعته أو تعديله وفقاً لتغير الظروف المحيطة بتنفيذه مما يعطيه طبيعة متغيرة.

هـ ـ عقد نقل التقانة عقد يقوم على الاعتبار الشخصي: فالدولة النامية بوصفها طرفاً متلقياً تبحث في الطرف المورد عن مدى تطوره التقني وملاءته المالية ورغبته في استثمار تقنياته المتطورة، ومدى جديته في تمكينها من السيطرة التكنولوجية، وقد تستعين لمعرفة ذلك بتجارب أو عقود سابقة لذلك المورد إما معها شخصياً وإما مع غيرها.

أما الطرف المورد فيتحقق من مدى مصداقية الدولة واحترامها لالتزاماتها التعاقدية، وكذلك مقدار تطور اليد العاملة فيها وقدراتها المالية وتشريعاتها المصرفية، وفيما لو كانت من الدول التي تغير كثيراً في تشريعاتها، أو تؤمم الشركات العاملة لديها.

سادساً ـ أهم النماذج العقدية لنقل التقانة:

أفرز الواقع العملي على نحو متلاحق ومستمر مجموعة كبيرة من عقود نقل التقانة حاول الكثيرون ترتيبها عبر مجموعات مترابطة ومنسقة، وكان غالبيتهم يذهب إلى إدراجها ضمن فئتين أساسيتين، ومستقلتين هما:

مجموعة عقود تداول التقانة، ومجموعة عقود نقل السيطرة التقنية.

بالنسبة إلى المجموعة الأولى فإنها تلك التي تقتصر على مجرد إحداث آثارٍ معيّنة في المجال التقني، وفي مقدمتها (عقد الترخيص الصناعي)، وكذلك (عقد تسليم مفتاح باليد).

كما ينتمي إلى هذه المجموعة ـ إلى حدٍ ما ـ ما اصطلح على تسميته (بعقد الفرانشيز).

أمَّا المجموعة الثانية: فهي التي تسعى إلى تمكين المتلقي من الاستيعاب الفعلي للتقانة المنقولة، ولعلَّ أقرب إليها أكثر من غيرها كُل من عقود التعاون التقني، وعقود الخدمات على تنوعها.

1ـ عقود تداول التقانة: ويعدُّ من أهمها عقد الترخيص.

والترخيص هو تعبير مشتق من الاصطلاح اللاتيني Licentio، ومعناه الحرية Liberty؛ أي حرية العمل والتصرف التي تضفي المشروعية على عملٍ ما، بحيث يغدو استعمال الحق محل الترخيص دون الحصول على الترخيص بذلك عملاً غير شرعي.

أمَّا عقد الترخيص فذهب الغالبية إلى تعريفه بأنه: "عقد يلتزم بموجبه صاحب حق ملكية صناعية (براءة اختراع ـ علامة تجارية ـ نموذج صناعي ـ اسم تجاري…) بأن يمنح شخصاً آخر الحق في الاستغلال لمدة معيّنة، في نظير مقابل معين".

أما عقد تسليم المفتاح فهو "عقد يلتزم من خلاله المقاول قِبل رب العمل بإتمام عمليات بناء المشروع وتوريد الآلات والأجهزة وتركيبها وتجريبها والإعداد للتشغيل، بالإضافة إلى تقديم المعونة الفنية حتى تمام تشغيل المصنع بكامل كفاءته وطاقته، مع تدريب العمال".

أما عقد المنتج في اليد فيعرف منظوراً إليه من خلال التزامات المورد بأنه: "العقد الذي يلتزم فيه الطرف الأجنبي بإقامة وحدة صناعية "بنظام تسليم مفتاح باليد"، بالإضافة إلى تقديم المساعدة الفنية لاستمرار إدارتها وتشغيلها، بما في ذلك تدريب العمال المحليين حتى يكتسبوا الخبرة اللازمة للحصول على الإنتاج المتفق عليه كماً ونوعاً".

وفيما يتعلق بعقد الفرانشيز كما أعاد الأمريكيون استعماله في مطلع القرن العشرين، فهو عقد ذو محل متماسك، تؤدي المعرفة الفنية فيه دوراً محورياً بالنسبة إلى العناصر الأخرى والتي هي المساعدة الفنية والعلامة التجارية و"الشعار".

أما التعريف النظامي للفرانشيز فهو في المادة الأولى من التدبير الإداري الفرنسي رقم (4087/88) والذي بدأ العمل به في 1/2/1989، حيث ذهب لاعتباره "الاتفاق الذي يعطي بموجبه مشروع ما (الفرانشيزور) مشروعاً آخر (الفرانشيزي) بنتيجة تبادل ومقاصة مالية حق استثمار مجموعة حقوق ملكية صناعية أو فكرية تتناول الماركات والأسماء التجارية، الشعارات، العلامات… المعرفة الفنية…".

عقود نقل السيطرة التقنية: ومنها عقد التعاون الصناعي الذي يستلزم مزيداً من العون والثقة المتبادلة، بحيث يلتزم بمقتضاه كل طرف ـ بغض النظر عن مستواه التكنولوجي ـ بأن يضع قدراته المادية والمالية والبشرية المتاحة في خدمة تحقيق أهداف متنوعة تحدد باتفاق العاقدين.

على ألا يقيد ذلك الهدف على نحوٍ استباقي وجازم، فقد يتعاون الأطراف لإنتاج منتجٍ ما، كما قد يصل نطاق التعاون بينهما إلى مجال البحث والتطوير بغرضِ تنمية قدرة الشريك الأضعف على الاستيعاب التقني.

أما عن عقود الخدمات فقد أفرز الواقع العملي عدداً كبيراً من الخدمات مثلت محلاً لجملة من العقود، وكان أهمها:

الخدمات التقنية: هي تلك المرتبطة بقضايا مثل تقييم طرق الإنتاج ونوعيته وتحسينها… والخدمات التجارية والتسويقية: وهي عادةً خدمات ما بعد البيع، ومثالها العقد المبرم بين كاسكو (شركة قطر للصلب) وشركة Tokyo- Boeki اليابانية بغرض تسويق منتجات الشركة الأولى. أما الخدمات الإدارية فهي في مجالي الإدارة والتنظيم، ومثالها العقد المبرم ما بين كاسكو وشركة Sobe Steel الكورية لإدارة الخدمات.

ويعد عقد البحث من أهم عقود الخدمات التقنية ويقصد به "الاتفاق الذي يتعهد بموجبه المورد بالقيام بدراساتٍ ذات طبيعية عقلية، وإجراء تجارب عملية ذات صلةٍ بمهارته"؛ على نحو يبرر قيامه على الاعتبار الشخصي، ويفسر تكييفه على أنه أحد عقود المقاولة الواردة على أعمالٍ ذهنية، الذي يتمتع فيه (الطرف المكلف بالبحث) بالاستقلال في تنفيذ مهامه.

سابعا ًـ الالتزامات الرئيسة في مجال نقل التقانة (التزامات المورد والتزامات المتلقي):

1ـ التزامات المورد: تتعدد في الحقيقة التزامات المورد مختلفةً تبعاً للنمط العقدي المنفذ، بيد أنه ثمة التزامات رئيسة تُصادف في مجمل العقود تنفرد بأهمية خاصة مقارنة بالالتزامات الأخرى، مثل التزامي نقل التقانة والضمان.

أ ـ التزام المورد بنقل التقانة: إذ على المورد أن ينقل فعلياً كل الوثائق والمعلومات والبيانات مع جميع الخدمات اللازمة لاستيعاب التقانة المتفق عليها.

كما يلتزم المورد بتقديم تقانة مميزة بمكوناتها تاركاً للمتلقي الخيار فيما لو أراد الاستغناء عن بعض عناصرها؛ نظراً لتوافرها محلياً، أو لإمكانية الحصول عليها من مصادر أخرى بشروط تكنولوجية ومالية أكثر تشجيعاً.

ب ـ التزام المورد بالضمان: حيث ارتبط مصطلح الضمان بداية بالمسؤولية المدنية بنوعيها "العقدية والتقصيرية"، وبقي ملازماً لفكرة الخطأ كأساس للمسؤولية. ومع الاعتراف لاحقاً بإمكانية قيام المسؤولية دون خطأ "استناداً إلى مفهوم الضرر"؛ أصبح من الممكن أن يتخذ الضمان من ذلك الأخير أساساً يرتكز عليه. ويتدرج معنى الضمان بين دلالة ضيقة تنصرف إلى نطاق عقدي معين "عقود المعاوضات" ـ ضمان الاستحقاق وضمان العيوب الخفية ـ وأخرى أكثر اتساعاً تشمل الالتزامات القانونية والعقدية، وتغطي فيما يخصُّ عقود نقل التقانة: كل أسلوب أو وسيلة قانونية لضمان سيطرة المتلقي على التقانة المنقولة؛ مما يمنحه معنىً اقتصادياً أكثر منه قانونياً.

التزامات المتلقي: ويعدّ من أهمها:

أ ـ التزام المتلقي بأداء المقابل: ينطوي المقابل في عقود نقل التقانة على أهمية خاصة، تحتم ضرورة التفاوض حوله على أسس من المساواة بين الأطراف والمنافع المتبادلة، كما تفترض تحديده أو على الأقل قابليته للتحديد، وهذا ما دفع سكرتارية الأنكتاد لتقديم لائحة إرشادية حول تقييم السعر.

وهذه الاعتبارات حملت المدونة الدولية على مراعاة ثلاثة عوامل رئيسة حين تعيين البدل، وهي:

> عدم الإجمال: بحيث يذكر ما يخص كل عنصر من عناصر التكنولوجيا على نحو مستقل.

> عدم المبالغة في تقديره.

> عدم التمييز بين مستوردٍ وآخر عند تماثل ظروف النقل.

وقد تمَّ التشديد على هذه الاعتبارات؛ نظراً لأهميتها من قبل جهات متعددة وفي ظل ظروفٍ مختلفة، ولعلَّ أهمها Decision 291 The commission of the Cartagena Agreement 1991 الذي اشترط أن تتضمن عقود استيراد التكنولوجيا فقرات تدل على… كلفة العقد لكل عنصر من عناصر التكنولوجيا المنقولة.

ويبدو أنَّ الغالبية العظمى من المشاكل المتعلقة بسعر التكنولوجيا تعزى إلى غياب السوق الحقيقية لها؛ وإلى حقيقة وجود بعض الممارسات التي لا تنتهي بأي شكل من الأشكال لمصالح المتلقي، كشرط إيزابيل Clause ISABEL الذي يذهب إلى اعتبار الثمن واجب السداد مهما حدث، أو الحصول من المتلقي على ضماناتٍ للدفع من قبيل الكمبيالات غير القابلة للإلغاء؛ بحيث يتم الوفاء بها في ميعاد استحقاقها، حتى لو وجد قبل الميعاد أو بعده نزاع حول كيفية تنفيذ المورد لالتزاماته.

ب ـ الالتزام بالمحافظة على سرية التقانة المنقولة: نظراً لأنَّ الضرر من إفشاء السرية غالباً لا يمكن إصلاحه؛ تكفل النصوص القانونية الناظمة لنقل التقانة الإشارة إلى التزام المتلقي بالمحافظة على سرية التقانة التي يحصل عليها مع سرية التحسينات التابعة لها، وتسأله عن تعويض الضرر الناجم عن إفشائها سواءً تمَّ ذلك في مرحلة التفاوض أم بعد إبرام العقد.

وثمة ضوابط متفق عليها ـ لدرجة مقبولة ـ حول اعتبار معلومات معيّنة كمعلومات سرية، ومثالها تلك التي لا يعرفها الطرف الآخر قبل التعاقد، وبناءً عليه يمكن اعتبارها معلومات سرية تلك التي يحصل عليها المتلقي من خلال تفتيش المصانع التجريبية أو الأجهزة الفنية لدى المورد، في حين لا تعدُّ كذلك المعلومات التي يحصل عليها في أثناء بحثه عن التكنولوجيا الملائمة عن طريق المكاتب الاستشارية.

ثامناً ـ المسؤولية ونظام الجزاءات:

1ـ المسؤولية المدنية في عقد نقل التقانة:

أ ـ المسؤولية العقدية في عقد نقل التقانة: يشترط لقيام المسؤولية العقدية ـ عموماً ـ في أي نمطٍ عقدي؛ الإخلال بالتزام واردٍ في عقد صحيح.

والمسؤولية العقدية في عقد نقل التقانة قد تجد سبيلها للوجود إمَّا نتيجة لإخلال أحد الأطراف بالتزاماته العقدية وإما من جراء الأشياء محل العقد كالمسؤولية عن الضرر الذي يلحق بأحد الأطراف من التقانة المنقولة أو أحد مستلزماتها، كما قد ترد تلك المسؤولية عن فعل الغير المكلف بتنفيذ الالتزام العقدي أو جزءاً منه.

ب ـ المسؤولية التقصيرية الناجمة عن عقد نقل التقانة: والمسؤولية التقصيرية إمَّا أن تقوم نتيجة الأعمال الشخصية لطرفي عقد نقل التقانة، وإما نتيجة لعمل الغير، وإما لفعل الأشياء.

ويميز "المسؤولية عن الأفعال الشخصية" ركن الخطأ، بيد أنَّ أهم ما يمكن ذكره في هذا السياق هو التوجه الفقهي والقضائي إلى عدم التفرقة في معرض تقرير مسؤولية بعض أشخاص المهن الفنية الخاصة ما بين الخطأ العادي والخطأ المهني، أو ما بين الخطأ الجسيم والخطأ اليسير.

أمَّا فيما يتعلق "بالمسؤولية عن عمل الغير" فسيعدُّ أيّ من المورد أو المتلقي ـ فيما لو كان متبوعاً ـ مسؤولاً عن الضرر الذي يحدثه تابعه بعمله غير المشروع، متى كان واقعاً منه في حالة تأدية وظيفته أو بسببها؛ على أن تقوم رابطة التبعية ـ حتى لو لم يكن المتبوع حراً في اختيار تابعيه ـ كلما توافرت له السلطة الفعلية في الرقابة والتوجيه.

وتشغل "المسؤولية عن الأشياء" حيزاً لا بأس به من نطاق صفقات نقل التقانة، وتنظم غالبية القوانين الوطنية مسؤولية حارس الأشياء بحيث تشمل:

> مسؤولية حارس البناء: بحيث يعدُّ حارس البناء ـ (كالمجمع الصناعي المتفق على إنشائه في معرض عقد تسليم مفتاح أو إنتاج، أو المختبر اللازم لإجراء البحوث في معرض تنفيذ عقد البحث والتطوير) ولو لم يكن مالكاً له ـ مسؤولاً عما يحدثه انهدامه من ضرر.

> مسؤولية حارس الآلات: تنعقد بموجب النصوص القانونية مسؤولية كل من يتولى حراسة آلات ميكانيكية أو أشياء تتطلب حراستها عناية خاصة، عما تحدثه تلك الأشياء من ضرر، ما لم يثبت نسبة الضرر لسبب أجنبي لا يد له فيه..

2ـ نظام الجزاءات:

أ ـ الدفع بعدم التنفيذ: يجوز للأطراف ـ تطبيقاً للقواعد العامة فيما لو كان مانع تنفيذ عقد نقل التقانة مؤقتا ًـ اللجوء إلى تدابير مؤقتة احتياطية كالدفع بعدم التنفيذ، أو وقف تنفيذ العقد.

بيد أنه يُلقى انعكاس هذه الوسيلة في نطاق عقود نقل التقانة مختلفاً أحياناً عما هو متعارف عليه في القواعد العامة حيث تأخذ عادة شكل "احتجاز الضمان"، أو فيما لو أصدر المورد تعليماته للبنك المعتمد من قبل الأطراف بعدم الوفاء للمتلقي بسبب امتناع الأخير عن تنفيذ التزامه بخصوص الثمن، أو كما لو امتنع المتلقي عن دفع الثمن استناداً إلى عدم تنفيذ المورد لالتزامه بنقل التقانة.

ب ـ التنفيذ العيني: وهو جزاء يذهب إلى إلزام المدين بإعادة الحال إلى ما كانت عليه، وذلك بمنحه مهلة كافية لتدارك الوضع أو تصحيحه، وقد يكون ذلك المدين هو المتلقي، بيد أنه غالباً ما يثور طلب التنفيذ العيني لمعالجة أوجه النقص التي ظهرت من خلال تنفيذ المورد لالتزاماته، كما لو أخفقت التجارب التي أجراها المتلقي بمعرفة الخبراء الفنيين بعد التسليم، أو ثبت عدم مطابقة عناصر محل العقد لما تمَّ الاتفاق عليه بعد فترةٍ من بدء استغلال التكنولوجيا المنقولة، أو أصبحت تلك التكنولوجيا أقل فعالية، أو ظهر عموماً أي عيب في التصميم أو في الأجهزة أو في خبرة عمال المورد حال دون تحقيق النتيجة المطلوبة، فإذا لم يقم المورد بمعالجة هذا الوضع خلال مدة الإصلاح؛ كان للمتلقي طلب الفسخ أو التعويض.

جـ ـ التعويض: التعويض طبقاً للقواعد العامة إمَّا أن يقدرمن قبل القضاء فيسمى "التعويض القضائي"، وإما أن يحدد بموجب نص القانون، أو يذهب المتعاقدون إلى تحديده فيسمى حينها بالتعويض الاتفاقي.

والتعويض شأنه شأن الجزاءات الأخرى إمَّا أن يرد نتيجةً لعدم التنفيذ؛ وإما أن يرد في مَعرض التنفيذ السيئ، بيد أنه كثيراً ما يثور بصدد التأخر في التنفيذ، لذا ينص العقد عادة على أسلوب تحديد تعويض التأخير، بحيث لا يلتزم الدائن بإثبات الضرر ما لم يتفق المتعاقدان على خلاف ذلك.

د ـ الفسخ: ويعدُّ الفسخ عموماً جزاء غير مرغوبٍ فيه نظراً للنتائج الخطيرة المترتبة عليه، لذلك يرد غالباً كجزاءٍ استثنائي يلجأ إليه بوصفه سبيلاً أخيراً بسبب وجود "مخالفة جوهرية" أو خرق أساسي للعقد. ولا تعرّف الأطراف عملياً تلك المخالفة على وجه الدقة والتحديد بقدر ما تشير إليها على اعتبارها أي إخلال بالتنفيذ قد يلحق بالدائن ضرراً كبيراً يفوت عليه جوهر منفعة العقد، وكثيراً ما تُصادف في عقود نقل التقانة مجموعة من الأمثلة المذكورة للدلالة على تلك المخالفات.

تاسعاً ـ طرق تسوية المنازعات والقانون الواجب التطبيق:

فيما يتعلق بمسألة الاختصاص القضائي أو طرق تسوية المنازعات لم يكن هناك أي خلاف فقهي أو قضائي أو تشريعي حول ضرورة انتهاج الطرق الودية بداية، كما أن القضاء التحكيمي نفسه كثيراً ما فضل اللجوء في معرض منازعات هذه العقود إلى الخبراء للاستعانة بهم في حسم المسائل الفنية المتصلة بموضوع النزاع.

بيد أن الخلاف قد ظهر حقيقةً على مستوى تنازع اختصاص القضاء العادي مع القضاء التحكيمي إن صحَّ التعبير حيث انقسم الفقه في هذا الصدد إلى اتجاهين متناقضين، أحدهما مثّل موقف الدول النامية والداعي إلى منح الاختصاص القضائي للقضاء الوطني، والآخر عكَسَ موقف الدول المتقدمة الذي ذهب إلى تغليب قضاء التحكيم.

وجاءت النصوص التشريعية لتكرس ما آل إليه فقه تلك الدول، فمقابل تشجيع تشريعات الدول المتقدمة اللجوء إلى التحكيم رفضت بعض الدول النامية بموجب تشريعاتها قبول العقد فيما لو استبعد قضاءها الوطني محيلاً الاختصاص إلى محاكم دولة ثانية أو إلى قضاء التحكيم، وجاء مثال هذا الرفض الصريح في نصوص (القانون الهندي للاستثمار).

وبلت بعضها الآخر اللجوء إلى التحكيم فيما لو رفض المورد الاحتكام أمام قضائها الوطني على أن يتم ذلك ضمن شروط وإجراءات محددة.

وقد فسَّر القضاء من جانبه النصوص التشريعية السابقة على نحو يخدم الاتجاهين الفقهي والتشريعي السائدين في الدول المعنية.

أما فيما يتعلق بمسألة القانون الواجب التطبيق والتي تعدّ من أكثر المشاكل المتعلقة بعقد نقل التقانة أهمية، وأقلها حظاً في الوصول إلى تسوية شبه مرضية على المستوى الدولي؛ فقد ظهرت حقيقة من خلال تعارض رغبات الأطراف المتعاقدة حول تحديد القواعد القانونية التي تحكم العقد، حيث رجح الطرف المتلقي ـ وهو عادة دولة من الدول النامية ـ تطبيق قانونه الوطني، أو على الأقل أي قانون وطني آخر له علاقة مباشرة ومؤثرة بالعقد.

في الوقت الذي رأى فيه الطرف المورد تطبيق مبادئ تخرج عن إطار هذه القوانين الضيقة بذريعة جمودها وعدم ملاءمتها لحكم الروابط العقدية الحديثة نسبياً بما في ذلك عقد نقل التقانة؛ مما يمكن تحقيقه بإحالة النزاع إلى قضاء التحكيم، خاصة لو تمت الإشارة إلى تلك المبادئ باعتبارها قانون إرادة الأطراف.

أما بالنسبة إلى موقف القضاء من مسألة تحديد الاختصاص التشريعي، فقد ذهب القضاء الدولي في بعض أحكامه (حكم محكمة العدل الدولية في قضية القروض الصربية البرازيلية لعام 1929) إلى تأسيس العقود التي لا تكون بين الدول بوصفها كذلك (مما ينطبق على عقود نقل التقانة أو التكنولوجيا) على أحد القوانين الوطنية للدول، بيد أن بعضاً من أحكام القضاء الداخلي (حكم محكمة النقض الفرنسية الصادر في النزاع الفرنسي السعودي لعام 1974) قد استبعدت القانون الوطني ـ للدول النامية على وجه الخصوص ـ بحجة عدم ملاءمتها، ثم منحت أولوية التطبيق لقوانينها الوطنية، كما قبلت في غالبيتها تأسيس العقد على قواعد خارجة عن نطاق النظم القانونية الوطنية، كقواعد التجار وأعرافهم، وذلك بدليل موقفها المتسامح في معرض تنفيذ أحكام المحكمين رغم علمها السابق بقيامها على تلك القواعد والأعراف.

أما عن موقف القضاء التحكيمي فقد كان أكثر وضوحاً في الإعراب عن ميله إلى التحرر من القوانين الوطنية ـ خاصة لو كان أحد أطراف النزاع دولة نامية متلقية للتقانة أو مضيفة للاستثمار ـ لدرجة حملت على الاعتقاد بثبات المنهج التحكيمي في مثل هذه الظروف.

أما بالنسبة إلى موقف التشريعات من هذه المسألة؛ فيمكن القول عموماً: إن تشريعات الدول المتقدمة المتعلقة بعمليات نقل التقانة (التكنولوجيا) قد جاءت لحماية بعض مصالحها، كحماية حرية المنافسة مثلاً، ذلك أن ما تريده تلك الدول من عقود نقل التقانة للدول النامية يمكنها الحصول عليه من خلال شروط العقد نفسه؛ نظراً لأنها الطرف الأقوى تكنولوجياً، ومن هنا تصبح مسألة التشريع من أحد أهم المستلزمات الرئيسة التي تُعنى بها الدول النامية أكثر من سواها؛ ولاسيما أن غالبيتها ـ بما في ذلك الدول العربية ـ ما زالت تخضع هذه العقود إلى قواعد تنازع القوانين التي تشير عادة إلى تطبيق قانون الإرادة باعتباره ضابطاً أصيلاً (كالمادة 20 من القانون المدني السوري مثلاً)، رغم أن بعضها (كالقانون المصري رقم 17 لعام 1999) قد تمكن فعلاً من إفراد قواعد خاصة بهذه العقود، أوجب من خلالها تطبيق القانون الوطني، مع اعتبار أي اتفاق يذهب إلى خلاف ذلك اتفاقاً باطلاً.

ومن هنا تستلزم السياسة التنموية من الدول النامية المتلقية للتقانة توحيد جهودها على المستوى الإقليمي بغرض صياغة قواعد مشتركة تنظم عمليات نقل التقانة إليها، مع تصدي سلطاتها التشريعية المحلية لمهمة صياغة قوانين خاصة بنقل التقانة (التكنولوجيا)، وانطلاقاً من تجارب بعض الدول النامية ـ كدول أمريكا اللاتينية ـ والتي تصدت من خلالها لهذه المسألة، ومن غياب النصوص القانونية الخاصة بعمليات نقل التقانة في الجمهورية العربية السورية والتي اكتفت بمجموعة من القواعد غير المترابطة والمتناثرة في عدة قوانين؛ تصبح مسألة صياغة قانون سوري خاص بعمليات نقل التقانة (التكنولوجيا) من المسائل الجديرة بالاهتمام.

عاشراً ـ الجهود الدولية في مجال نقل التقانة:

1ـ الجهود الدولية: زخرت الساحة الدولية قديماً وحديثاً بعددٍ هائل من المعاهدات والأدلة والأنشطة والمؤتمرات والقرارات الخاصة بنقل التقانة والتي تولتها أقسام وهيئات متخصصة في الحقل التكنولوجي، وكان من أهمها:

ـ اتفاقية باريس المؤرخة في 20 آذار/مارس 1883 لحماية الملكية الصناعية والتي جاءت واحدة من مجموعة اتفاقيات متعددة ذات الصلة بحقوق الملكية الصناعية على اعتبار هذه الأخيرة محلاً لبعض عقود نقل التقانة، كعقد ترخيص براءة الاختراع.

وقد طالبت الدول النامية بتعديل تلك الاتفاقية استناداً إلى المبدأ الذي جاءت به اتفاقية المعاهدات من ضرورة تقييد أي تسوية جديدة لمصلحة كل المعنيين.

وبعد الحرب العالمية الثانية ظهرت محاولة لمنع الاحتكارات الدولية مع ميثاق هاڤانا لعام 1946 الذي لم تتسنَّ له الفرصة لوضعه موضع التطبيق.

وفي عام 1948 تمَّ تسليط الضوء فعلاً على معوقات التجارة والتنمية الدولية وخاصة في الدول النامية، ولقد أسفرت الجهود الدولية إلى ظهور العديد من الاتفاقيات، وكان منها الاتفاقية الدولية للتعرفة الجمركية لعام 1948، ومن ثم إنشاء المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة: ECOSOC عام 1953 والذي تقدم بأول مشروع لاتفاقية دولية ضد احتكار المنشآت (على الصعيد الدولي)، بيد أن مساهمة الأمم المتحدة لم تكن لتقتصر على مجلسها الاقتصادي والاجتماعي فحسب؛ بل تعدتها إلى مجموعة كبيرة من هيئاتها أو المؤسسات الأخرى ذات الصلة؛ إذ استندت إلى ميثاقها ذاته لتعزيز عوامل التطور والتقدم الاقتصادي ودعم التعاون الثقافي والتعليمي (م55 ـ الميثاق)، كما اعتمدت على الهيئات المهتمة بنقل التقانة مثل اليونسكو والبنك الدولي للإنشاء والتنمية، وعلى تلك الهيئات الأكثر اهتماماً، كمنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (اليونيدو)، والمنظمة العالمية للملكية الفكرية (الويبو)، ومؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأنكتاد):

أ ـ اليونسكو: (منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم) إذ ثمة أنشطة متميزة لليونسكو UNESCO وخاصة في المنطقة العربية، حيث تستهدف تحسين التبادل الدولي للمعلومات التكنولوجية بين الدول الأعضاء.

ب ـ البنك الدولي للإنشاء والتنمية: حيث يسهم على نحوٍ غير مباشر بالفعاليات التكنولوجية من خلال معوناته المالية، ففي عام 1985 مثلاً قام بتمويل 32% من كلفة مشاريع كُلٍّ من الهند والبرازيل.

جـ ـ الويبو WIPO (المنظمة العالمية للملكية الفكرية): تمارس الويبو أنشطة فعّالة في مجال الملكية الفكرية ونقل التكنولوجيا عموماً، على أنّ أهم ما قامت به يتمثل في إصدارها "دليل النواحي القانونية لمفاوضة وإعداد تراخيص الملكية الصناعية واتفاقات نقل التكنولوجيا المناسبة لاحتياجات الدول النامية". وقد أُعدَّ هذا الدليل لمساعدة الدول النامية في أثناء التفاوض مع الأطراف الموردة للتكنولوجيا خصوصاً.

ومن الجهود الجديرة بالذكر لتلك المنظمة إنشاؤها لمركز الويبو للتحكيم والوساطة في عام 1994 لتسوية منازعات عقود التراخيص التكنولوجية الدولية.

د ـ اليونيدو UNIDO (منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية): أنشئت هذه المنظمة عام 1965 تحت ضغط الدول النامية، ومن أهم ما قامت به اليونيدو كان:

> إعداد خلاصة وافية لثمانين عينة من عقود نقل التكنولوجيا لمساعدة الدول النامية على الاقتناء التكنولوجي.

ومع ظهور حركات التحرر والاستقلال وارتفاع عدد أعضاء الأمم المتحدة (عام 1960) بدأ تأثير الدول النامية يزداد تدريجياً؛ مما دفع بالجمعية العامة إلى لفت الانتباه إلى خطورة الفجوة التكنولوجية ما بين تلك الدول والدول المتقدمة، وكان من مظاهر اهتمامها بهذا الموضوع أن عدّت السنوات ما بين (1960ـ 1970) بمنزلة عقد الأمم المتحدة للتنمية.

وتمَّ إدراج موضوع نقل التقانة في جدول أعمال الجمعية العامة للمرة الأولى في عام 1961 بناءً على طلب برازيلي.

وفي تموز/يوليو 1962 عقد مؤتمر القاهرة والذي مثَّل أول تجمع للدول النامية حيث ناضلت من خلاله لإنشاء جهازٍ متخصص بقضايا التنمية في إطار الأمم المتحدة (U.N.).

وكان من نتائج انعقاد مؤتمر الأمم المتحدة (الأنكتاد) في 1964 المطالبة بدراسة إمكانية تطويع تشريع خاص بنقل التكنولوجيا بما يتفق مع احتياجات الدول المتخلفة صناعياً.

ورغم إخفاق عقد التنمية الأول فقد صدر في أعقابه قرار الجمعية العمومية (2626/25) في 1970 محدداً السنوات 1970ـ 1980 عقداً ثانياً للتنمية.

وعندما نادت مجموعة دول عدم الانحياز في مؤتمرها المنعقد بالجزائر عام 1973 بضرورة إعادة النظر في النظام الاقتصادي العالمي تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة هذه الفكرة، وأصدرت قراريها رقم (3201) و(3202) عام 1974 (بشأن إعلان نظام اقتصادي دولي جديد).

وأهم ما جاء في ذلك النظام العمل على بذل كل الجهود لصياغة "تقنين دولي للسلوك في مجال نقل التكنولوجيا".

وقد نجح الأنكتاد فعلاً في دورته الرابعة المنعقدة في نيروبي ـ بكينيا بتاريخ 3 أيار/مايو 1976 في تقديم "مشروع تقنين السلوك الدولي في مجال نقل التكنولوجيا" للمناقشة في تلك الدورة، وفي 1976ـ 1978 تمَّ تشكيل مجموعة من الخبراء لصياغة هذا التقنين.

وفي عام 1979 أيضاً عقدت الأمم المتحدة مؤتمرها من أجل التنمية في ڤيينا بالنمسا، وقد شارك فيه 142 دولة، منها 21 دولة عربية (بما فيها الجمهورية العربية السورية).

وانتهى المؤتمر بإصدار برنامج عمل يشدّد على ضرورة ضمان وصول التكنولوجيا إلى الدول النامية من دون شروط وبأجور رمزية، وعلى أن تتحرر صفقاتها من طابعها التجاري.

وفي أعقاب اتفاقيات الجات تمت مواجهة عنيفة بين الدول المتقدمة والدول النامية؛ إذ أصرت الأولى على إدراج موضوع الملكية الفكرية ضمن موضوعات تحرير التجارة الدولية لتأمين النقل الحقيقي للتقانة من قبل مشروعاتها المالكة، في حين شدّدت الدول النامية على ضرورة استبعاد موضوع (الملكية الفكرية) من مفاوضات الجات.

وخلال عامي 1995ـ 1996 قدم الأنكتاد تقارير مهمة تتعلق بتحاشي الآثار السلبية لآليات نقل التقانة إلى الدول النامية.

وقد تمَّ التشديد مجدداً في أحد تقارير الأمين العام للأمم المتحدة على ضرورة تنظيم المسائل القانونية المتعلقة بنقل التكنولوجيا على نحوٍ عادلٍ ومنصف؛ وذلك انطلاقاً من اعتبار التكنولوجيا "تراثاً مشتركاً للبشرية".

الجهود الإقليمية: ويمكن أن نستعرض في نطاق الجهود الإقليمية جهود المجموعات التالية:

أ ـ على صعيد دول أوربا الشرقية (سابقاً): صاغت تلك الدول ـ من خلال المنظمة التي شكلتها في العام الأول من ميلادها 1949ـ ما يعرف (بمبدأ صوفيا) الذي يستلزم التنازل عن براءات الاختراع والترخيص باستغلالها أو الأسرار الصناعية أو المعلومات الفنية والوثائق المتعلقة بها بين مجموع الدول الأعضاء من دون مقابل.

ب ـ على صعيد الدول الإفريقية: فقد قامت بعض الدول في 13كانون الأول/ديسمبر 1962 بإبرام اتفاق بناءً على اقتراح منظمة "الإفروملجاش" لوضع تشريع موحد لحماية حقوق الملكية الصناعية في الدول الأعضاء كافة.

ج ــ على صعيد دول أمريكا الجنوبية: تمَّ توقيع Pacte Andin أي ميثاق الإندين.

وينطوي هذا الميثاق على خصوصية واضحة؛ لكونه حافزاً لصدور قوانين أخرى في بعض الدول كالمكسيك والأرجنتين والبرازيل والفيليبين وغيرها…

وكان من أهم بنوده:

إلغاء الرسوم الجمركية بين دول المجموعة.

تأميم الشركات التي يساهم فيها رأس المال الأجنبي تدريجياً.

تحديد قواعد تسير عليها الشركات متعددة الجنسيات في دول الميثاق.

د ـ على صعيد الدول العربية: عُقِدَ الملتقى العربي الأول للملكية الصناعية في القاهرة في تاريخ 3/7/1969 تم خلاله التوصية بإنشاء مكتب عربي مشترك لحقوق الملكية الفكرية، وتكررت تلك التوصيات حتى مؤتمر بغداد لنقل التكنولوجيا 1977.

3ـ الجهود الوطنية: وتتجسد تلك الجهود فيما تتخذه الدول من إجراءات (سياسات ـ قوانين ـ لوائح) تعدّ بمجموعها جزءاً من استراتيجيتها التقنية الوطنية.

وثمة دول تنظر إلى التقانة على أنها قيمة مبادلة أكثر منها قيمة استعمال، لذلك آثرت تنظيمها بالتشريعات نفسها الناظمة لدخول رؤوس الأموال الأجنبية.

بينما تنبه مشرعون آخرون ـ وهم بذلك على صواب ـ إلى الطبيعة الخاصة للعنصر التقني مغلّبين فيه قيمة الاستعمال على قيمة المبادلة؛ مما يعني ضرورة وضع قوانين خاصة بالتقانة جنباً إلى جنب تشريعات الاستثمارات المالية، وللأمانة فقد كان المشرع الفرنسي من السباقين إلى تلك المبادرة؛ إذ أصدر قانوناً لتنظيم المعاملات المالية مع الأجانب؛ ومرسوماً /عام 1967/ لتعريف الاستثمار المباشر، ثم ألحقهما بمرسومٍ خاص بالتنازل عن حقوق الملكية الصناعية وتقديم المساعدات العلمية والفنية.

ثم قام بعد ذلك العديد من الدول بإصدار قوانين (أو مراسيم وأوامر) خاصة بنقل التكنولوجيا، ويعدُّ في مقدمتها كلٍ من البرازيل والهند والمكسيك.

أمَّا عن المحاولات التشريعية الوطنية على صعيد الدول العربية فقد صدر مؤخراً قانون التجارة المصري رقم 17/1999 متضمناً فصلاً خاصاً بعنوان نقل التكنولوجيا (المادة 72 حتى 87).

 

مراجع للاستزادة:

 

ـ إبراهيم سيد أحمد، عقد نقل التكنولوجيا فقهاً وقضاءً (المكتب الجامعي الحديث، الطبعة الأولى، الإسكندرية 2004).

ـ أنس السيد عطيه سليمان، الضمانات القانونية لنقل التكنولوجيا إلى الدول النامية والمشروعات التابعة لها ـ دراسة في الإطار القانوني للنظام التكنولوجي الدولي السائد (دار النهضة العربية، القاهرة 1996).

ـ جلال وفاء محمدين، الإطار القانوني لنقل التكنولوجيا في ظل الجهود الدولية وأحكام نقل التكنولوجيا في قانون التجارة الجديد (دار الجامعة الجديدة، الاسكندرية 2001).

ـ حسام محمد عيسى، نقل التكنولوجيا ـ دراسة في الآليات القانونية للتبعية الدولية (دار المستقبل العربي، الطبعة الأولى، القاهرة 1987).

ـ صالح بن بكر الطيار، العقود الدولية لنقل التكنولوجيا (مركز الدراسات العربي الأوربي، دار بلال، الطبعة الثانية بيروت 1999).

ـ محسن شفيق، نقل التكنولوجيا من الناحية القانونية (مركز البحوث والدراسات القانونية والتدريب المهني القانوني، مطبعة جامعة القاهرة والكتاب الجامعي، 1984م).

ـ محمود الكيلاني، عقود التجارة الدولية في مجال نقل التكنولوجيا Know-How "دراسة تطبيقية" ـ عقد نقل التكنولوجيا ـ عقد المساعدة الفنية ـ عقد تسليم مفتاح ـ عقد تسليم إنتاج ـ عقد البحث (1988).

ـ نصيرة بوجمعة سعدى، عقد نقل التكنولوجيا في مجال التبادل الدولي (ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر 1992م).

ـ يوسف عبد الهادي خليل الأكيابي، النظام القانوني لعقود نقل التكنولوجيا في مجال القانون الدولي الخاص (1989).


التصنيف : القانون الدولي
النوع : القانون الدولي
المجلد: المجلد السابع: المحكمة الجنائية الدولية _ ولاية المظالم في الإسلام
رقم الصفحة ضمن المجلد : 487
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 90
الكل : 12586789
اليوم : 3169