ثابت هبل
Hubble constant -

ثابت هبل

موفق تقي الدين

إيجاد قيمة ثابت هبل

الدراسات الحديثة

 

ثابت هبل Hubble constant مقدار عددي يصف معدّل تمدد الكون، ويعبِّر عن تغيُّر سرعة ابتعاد مجرّة ما عن الأرض بتغيّر بعد المجرّة عنها. ويُنسب ثابت هبل إلى الفلكي الأمريكي إدوين بي هبل Edwin P. Hubble الذي وضع فيالعام 1929 قانون هبل Hubble law الذي يعطى بالعلاقة (1).

  

حيث: V   سرعة ابتعاد المجرّة، و dبعد المجرةعن الأرض، و Ho ثابت هبل.   

يُعدّ قانون هبل أول برهان تطبيقي لنظرية الانفجار الكبير big bang، التي سبق أن أعلنها البلجيكي جورج لوميتر Georges Lemaître  عام 1927، كما يتوافق ذلك ونظرية التضخم الأبدي للكون eternal inflation theory.

كانت قيمة الثابت Ho التي أعلنها هبل تساوي 500/كم/ثا/ميغا بارسيك؛ والبارسيك (pc) parsec - والمعروف أيضاً بالفرسخ الفضائي- هو الوحدة الشائعة لقياس المسافات بين الأرض والمجرات القريبة ويساوي 3.26 سنة ضوئية أي  1013×3.086 كيلومتر.وبعد وفاة هبل تابع تلميذه الفلكي آلان سانديج Allan Rex Sandage  أبحاثه، فأوصلته قياساته الجديدة إلى تخفيض قيمة ثابت هبل إلى  100 km / s / Mpc ثم خفضها بعد ذلك إلى 50 km / s / Mpc.

تغيّرت القيمة المُقدّرة لثابت هبل كثيراً مع تطور طرائق القياس في الفضاء وأدواته؛ إذ أعطت نتائج قياسات مقراب (تلسكوب Telescope) هبل الفضائي Hubble Space Telescope في العام 2001 القيمة . أما نتائج تحليل صور هبل التي أجريت باستخدام طريقة عدسات الجاذبية؛ فأعطت القيمة:. وأُعلنت في العام 2010 نتائج القياسات التي أجراها طوال خمس سنوات مسبار ويلكينسون لقياس لاتناحي (تباين الخواص) الموجات المِكروية Wilkinson Microwave Anisotropy Probe (WMAP)، وكانت قيمة ثابت هبل فيها تساوي أما وكالة الفضاء الأوربية ESA؛ فقد أطلقت في العام 2009  ماسح بلانك Planck Surveyor الفضائي، واستمرت مهمته أربع سنوات، توصل بعدها فريق العمل إلى وضع خريطة لقيم الخلفية الكونية للأمواج المكروية cosmic microwave background لكامل السماء، وأعلنت وكالة الفضاء الأوربية في 21 آذار/مارس 2013 نتائج بعثة بلانك Planck mission ومن بينها قيمة جديدة لثابت هبل  .

تعني قيمة ثابت هبل أن سرعة ابتعاد مجرّة ما تزداد بنحو 270000 كم/سا كلما ازداد بعدها3.26  سنة ضوئية. وإذا افتُرِض أن الأرض هي مركز الكون – وهو ما لا يتفق مع مبدأ كوبرنيكوس Copernicus - فإن أبعد مجرّة يمكن أن تُرصد من الأرض هي التي لم تتجاوز سرعتها سرعة الضوء، وهذا يعطي بتطبيق قانون هبل (العلاقة 1) أن بعدها عن مركز الكون يعطى بالعلاقة (2).

تُعرف هذه القيمة بنصف قطر كرة هبل، وتختلف قيمتها باختلاف دقّة تحديد قيمة ثابت هبل.

ولا يُفهم من ذلك أن قطر الكون مطابق لكرة هبل؛ لأن تلك المجرّة بعد أن أرسلت ضوءها إلى الأرض منذ ما يقارب 13 مليار سنة - وبناءً على قانون هبل - لم تبقَ في مكانها؛ ولكنها تحركت مبتعدة بسرعة متزايدة. وبالحساب العددي يكون بعدُها الحالي - أو ما يدعى ببعد الكون - يساوي تقريباً 42 مليار سنة ضوئية.

ويتوافق ما سبق ونظرية الانفجار الكبير التي يُبنى عليها التقدير الحالي لعمر الكون بنحو 13.7 مليار سنة؛ إذ يمكن بحساب تقريبي الاستنتاج من العلاقة (1) أن ثابت هبل تُقدّر بمقلوب الزمن t الذي هو عمر الكون؛ أي إن عمر الكون t هو مقلوب قيمة ثابت هبل كما هو معطى بالعلاقة (3).

إيجاد قيمة ثابت هبل

يظهر من العلاقة (1) أنه يلزم لحساب ثابت هبل قياس السرعة والمسافة، وهي من المقادير الفيزيائية البسيطة التعيين من حيث المبدأ، ولكن قياس بُعد جسم فضائي وسرعته أمر غاية في التعقيد، ولعلّ من أشهر طرائق هذا القياس ما يلي:

1.    مراقبة نجم قيفاوي متغيِّرvariable Cepheid(أحد نجوم كوكبة قيفاوس): تمكن هبل في العام 1923 باستخدام مرصد جبل مونت ويلسون Mount Wilson Observatory (الشكل 1) من رصد عدد من نجوم كوكبة قيفاوس، وبالتحديد النجم القيفاوي المتغير؛ وهو نجم يتغير قدره الظاهريapparent magnitude  دورياً، (القدر الظاهري هو قياس سطوع  brightness الجرم السماوي كما يُرى بالعين المجردة من الأرض)، وأثبت أن تلك النجوم لا تنتمي إلى مجرّة درب التبانة Milky Way galaxy، وإنما تقع عند الحافة الخارجية لكوكبة المرأة المسلسلة Andromeda constellation M31 التي قدّر أنها تبعد عن الأرض نحو 2.25 مليون سنة ضوئية، كذلك رصد نجوماً قيفاويّة في سديم كوكبة المثلث triangulum M33 في NGC6882، وتمكن من قياس تغيّر قدرها الظاهري وتحديد دور تغير سطوعها وحساب قدرها المطلق absolute magnitude (القدر المطلق هو سطوع النجم على بعد 10 بارسيك عن المراقب).

الشكل (1) مقراب مرصد مونت ويلسون الذي استخدمه هبل لرصد المجرّات.

 

تزداد صعوبة رصد نجوم قيفاوس مع التغيّرات التي تطرأ على الغلاف الجوي الأرضي، ومع تغيرات كثافة الغبار الفضائي الذي يُنقِص من قيمة القدر الظاهري للنجم، ويسبب أخطاء في نتائج القياس، أو يُنقص من دقة هذه الطريقة. لذلك استُخدم فيما بعد مقراب هبل الفضائي الذي يُعطي قيماً لا تتأثر بالمجال الجوي الأرضي وذات تباين يزيد 10 مرات على القيم السابقة، كما يمكنه التوغل في أعماق الفضاء إلى مسافات تزيد 1000 ضعفعلى المراصد الأرضية. ولما كان القدر الظاهري لنجم يتناسب عكساً مع مربع بُعده عن نقطة القياس؛ فيمكن حساب بعد هذا النجم من نسبة قدره المطلق إلى قدره الظاهري، ثم حساب سرعة ابتعاد النجم من تغير بُعده مع الزمن.

2.    رصد نجم مستعر فائق supernova: على الرغم من دقة نتائج طريقة رصد نجوم قيفاوس فإنها تبقى محدودة الفائدة للأبعاد التي تزيد على 20 ميغا بارسيك؛ لأن سطوع تلك النجوم يُصبح غير كافٍ للقياس الدقيق، ويستعاض منها رصد تخافت سطوع النجم المستعر الفائق المصنّف من النوع Ia، الذي يؤدي انفجاره إلى سطوع كامل مجرّته، ويمكن برصده والمقارنة بمعدّل السطوع لكامل المجرّة قياس أبعاد كونية كبيرة نسبياً، تُقدَّر بمئات الميغا بارسيك.

3.    رصد سرعة دوران مجرّة حلزونية spiral galaxy: يمكن قياس انزياح خطوط طيف ذرات الهدروجين في المجرّة من قياس سرعة دوران المجرّة الحلزونية، وهو مقدار مرتبط بسطوعها وفقاً لعلاقة تولّي – فيشر Tully-Fisher relation وغير مرتبط ببعدها عن الأرض. وبهذه الطريقة جرى قياس سرعة دوران مئات المجرّات ومقارنتها مع مقدار خفوت المجرّة بكاملها أو سطوعها، ثم حساب بُعدها.

4.    التمييز بين النجوم في المجرّات الإهليلجية elliptical galaxies: ترتبط مقدرة التمييز بين نجوم المجرّة ببُعدها عن الراصد في شروط موحدة للرصد لجميع المجرات الخاضعة للقياس؛ إذ تزداد صعوبة التمييز بينها كلما ابتعدت المجرّة عن الراصد.

5.    حساب سرعة مجرّة بطريقة الانزياح نحو الأحمر redshift: تزداد القيمة المقيسة لطول موجة الضوء الصادر عن الأجرام الفضائية أو المجرّات نتيجةً لتمدد الكون وابتعادها عن نقطة القياس، ويخضع طيف الضوء الصادر عنها إلى إزاحة نحو اللون الأحمر (الشكل 2)، وذلك بطريقة تشبه أثر دوبلر Doppler effect؛ ولكن انزياح دوبلر هنا غير حقيقي، وإنما ينجم عن تمدد الكون من الوقت الذي انبعث فيه الضوء إلى لحظة قياسه، ولو أن الأجرام الفضائية أو المجرّات كانت تقترب نحو الأرض؛ لكانت إزاحة طيفها نحو اللون الأزرق blue shift .

الشكل (2) انزياح خطوط الطيف نحو الأحمر أو نحو الأزرق.

 

فمثلاً يظهر في الشكل (3) انزياح واضح لطيف امتصاص الكلسيوم المتأين للمجرّة NGC 1357نحو الأحمر؛ إذ يشاهد الخط الطيفي عند الطول الموجي بدلاً من الطول الموجي المرجعي في ذرة الكلسيوم ، وكذلك الحال للخط الطيفي الذي يبدو مُزاحاً نحو الأحمر بطول موجي أكبر من قيمته المرجعية 

 

الشكل (3) انزياح طيف المجرّة NGC 1357نحو الأحمر.

 

يُفسَّر انزياح الخط الطيفي نحو الأحمر وفقاً لأثر دوبلر بأن الجسم المُصدِر لذلك الضوء يتحرك مبتعداً عن الأرض. تساعد طريقة الانزياح نحو الأحمر على حساب السرعة Vللنجم أو المجرّة المُصدِرة للضوء المدروس اعتماداً على العلاقة (4)؛ حيث  C سرعة الضوء في الخلاء والتي تقدّر ب.
 

6.    طريقة تقريبية لقياس بعد مجرّة: يمكن بطريقة بسيطة تحديد بُعد مجرّة؛ كأن تُلتقط صورة للمجرّة، ثم تُقاس أبعادها على الصورة بالمسطرة الميليمترية (الشكل 4)، وتقارب بأبعاد مجرّات أخرى جرى تصويرها بالشروط نفسها، ثم استقراء بعدها عن الأرض بيانياً (الشكل 5)، وذلك بفرض أن المجرّات المتشابهة الشكل لها أحجام متساوية. 

الشكل (4) صورة المجرّة NGC 2903.

 

الشكل (5) العلاقة بين بُعد المجرّة وقطرها على الصورة.

 

إن قياس بُعد مجرّة أو جرم فضائي أو سرعتهما ليس أمراً بسيطاً، وتُعَدّ قياسات سطوع المجرّات طرائق نسبية لتحديد البعد؛ إذ يجب معايرتها مع قيم الرصد لنجوم قيفاوية التي يعدّها الفلكيون قيماً مرجعية لقياس الأبعاد الفلكية، كما يُشترط في القياس ألا تتجاوز الحركات الشاذة للمجرّة المعنيّة -والناجمة عن تآثرها بالمجرّات الأخرى- 10% من مجمل حركة تمدد الكون. إذ إنه من المعروف أن المجرّات تتآثر ثقالياً بعضها مع بعض تآثراً شديد التعقيد؛ مما يؤثّر في مجمل حركتها التي لا يمكن ضبطها وقياسها بدقة وهي تبعد عن الأرض آلاف السنين الضوئية أو ملايينها. ولعل أبسط مثال على ذلك مجرّة المرأة المسلسلة التي تتجاذب ثقالياً مع مجرّة درب التبّانة، وتتحرك بسرعة كبيرة نحوها، ومن المتوقع أن يحصل التصادم بين المجرتين بعد ما يزيد على مليوني سنة؛ في حين تتحرك المجرّات الأخرى مبتعدةً عن الأرض وكأن الأرض في مركز الانفجار الكبير.

إن الحسابات الدقيقة لثابت هبل ولعمر الكون تأخذ بالحسبان أن الكون ليس فراغاً، وإنما تشغل المادة والمادة المظلمةdark matter  30% فقط من حجمه، ويشغل ما يسمى "الطاقة المظلمة" dark energy 70% الباقية، وهي طاقة ما زالت مجهولة الهوية، ويُعتقد أنها هي التي تعمل على توسع الكون.

وما زال الفلكيون دائبين على أبحاثهم لإيجاد قيم جديدة لثابت هبل يرونها أكثر دقةً مما توصلوا إليه؛ سواء باستعمال تلسكوب هبل الفضائي لمراقبة نجوم متغيّرة السطوع (نجوم قيفاوية) أم باستعمال أدوات الرصد والقياس الفضائي وطرائقهما الأخرى.

الدراسات الحديثة

تمكن فريق من الفلكيين العاملين في مرصد دبليو إم كيك W. M. Keck Observatory بجزيرة هاواي في الخامس من كانون الأول 2025 من إجراء قياسات مستقلة لسرعة توسع الكون (ثابت هبل) وهو القياس الأكثر دقة حتى تاريخه. وقد أُجري القياس باستعمال المعطيات المجمعة من عدة مقاريب أرضية وفضائية هي مصور الوب الكوني لمرصد كيك Keck Observatory’s Cosmic Web Imager (KCWI)، والمقراب الفضائي جيمس وب James Webb Space Telescope (JWST) العائد لإدارة الفضاء والطيران الفضائية (ناسا)، والمقراب الفضائي هبل Hubble Space Telescope (HST)، والمقراب الكبير جداً Very Large Telescope (VLT)، والمرصد الجنوبي الأوربي European Southern Observatory (ESO). ووجد الباحثون أن معدل توسع الكون الحالي والمعروف باسم ثابت هبل لا يطابق القيم المتنبأ بها من قياسات للكون عندما كان أصغر عمراً. فسبر الكون في مراحله الأولى (وهي الطريقة الأولى لقياس ثابت هبل) والذي أجري باستعمال نماذج كونية للحصول بصورة غير مباشرة على معدل التوسع الحالي رجحت معدل توسع قدره تقريباً 67 كم/ثا/ميغا بارسيك، في حين أن سبر الكون في مراحله المتأخرة (القريبة) والذي يقيس الكون المحلي كما هو اليوم يرجح معدل توسع قدره تقريباً 73 كم/ثا/ميغا بارسيك. وهذه النتيجة تعزز ما يطلق عليه العلماء توتر هبل Hubble tension، وهو اختلاف كوني cosmic disagreement قد يشير إلى فيزياء جديدة تحكم الكون. وقد حققت القياسات التي أجراها فريق العلماء دقة precision قدرها 4.5% وهو إنجاز استثنائي؛ إلا أنه غير كافٍ لتأكيد التفاوت discrepancy بصورة قطعية، والذي يحتاج إلى إجراء دراسات مستقبلية لتحسين هذه القيمة لتصل إلى 1.5%

مراجع للاستزادة:

- J. Baggott, Discordance: The Troubled History of the Hubble Constant, Oxford University Press, 2025.

- S. Dodelson, Fabian Schmidt, Modern Cosmology, Elsevier, 2024.

- E. Di Valentino, D. Brout, The Hubble Constant Tension, Springer, 2024.

- D. Huterer, A Course in Cosmology From Theory to Practice, Cambridge University Press, 2023.

 


- التصنيف : تقانات الفضاء والفلك - النوع : تقانات الفضاء والفلك - المجلد : المجلد الحادي عشر، طبعة 2026، دمشق مشاركة :

بحث ضمن الموسوعة

من نحن ؟

الموسوعة إحدى المنارات التي يستهدي بها الطامحون إلى تثقيف العقل، والراغبون في الخروج من ظلمات الجهل الموسوعة وسيلة لا غنى عنها لاستقصاء المعارف وتحصيلها، ولاستجلاء غوامض المصطلحات ودقائق العلوم وحقائق المسميات وموسوعتنا العربية تضع بين يديك المادة العلمية الوافية معزَّزة بالخرائط والجداول والبيانات والمعادلات والأشكال والرسوم والصور الملونة التي تم تنضيدها وإخراجها وطبعها بأحدث الوسائل والأجهزة. تصدرها: هيئة عامة ذات طابع علمي وثقافي، ترتبط بوزير الثقافة تأسست عام 1981 ومركزها دمشق 1