ثقب اسود
Black hole -

الثقب الأسود

محمد خالد شاهين 

الثقوب السوداء قبل النظرية النسبية النشأة والتطور
الثقوب السوداء بعد النظرية النسبية رصد الثقوب السوداء
تصنيف الثقوب السوداء المشاريع العلمية ذات الصلة
خصائص الثقب الأسود الاكتشافات الحديثة
 

الثقب الأسود black hole هو حيّز من الفضاء تكون الثقالة (الجاذبية) gravity فيه قوية جداً إلى درجة أنه لا يسمح حتى للضوء بالهروب إذا ما مر قريباً منه بدرجة كافية. وهو كيان نظري توقعته معادلات النسبية العامة general relativity.

تُعدّ الثقوب السوداء بعض أكثر الأجسام التي يعثر عليها في الفضاء الخارجي outer space غرابة وتشويقاً.وبخلاف ما قد يوحي الاسم؛ لا يعد الثقب الأسود فضاءً فارغاً، بل هو كمية كبيرة من المادة مُرَزّمة packed في منطقة صغيرة للغاية. ويمكن تصوره كنجم كتلته أكبر من كتلة الشمس بعشرات المرات مضغوط في كرة يساوي قطرها تقريباً قطر مدينة نيويورك. وينجم عن ذلك حقل جاذبية قوي للغاية لا يسمح حتى للضوء بالفرار. وقد تمكنت أجهزة إدارة الطيران والفضاء الوطنية (ناسا) National Aeronautics and Space Administration (NASA) الأمريكية في أوائل القرن الحادي والعشرين من رسم صورة جديدة لهذه الأجسام الغريبة وأكثرها تشويقاً في الفضاء (الشكل 1).

الشكل (1) رسم فني للثقب الأسود الدجاجة  Cygnus X-1.

 

ومع أن هذا المصطلح لم يدخل علم الفلك حتى العام 1967 - وذلك من قبل عالم الفلك والفيزيائي الأمريكي جون أرتشيبالد ويلر John Archibald Wheeler من جامعة برينستون Princeton الأمريكية - فإن فكرة وجود جسم في الفضاء هائل الكتلة وكثيف لا يمكن للضوء الهروب منه كانت متداولة منذ قرون. ولعل الأكثر شهرة بينها تنبؤ نظرية النسبية العامة التي وضعها ألبرت أينشتاين Albert Einstein في العام 1916 بوجود مثل هذه الثقوب السوداء؛ إذ أظهرت النظرية النسبية العامة أنه عند موت نجم هائل فإنه يخلف وراءه نواة صغيرة عالية الكثافة، وإذا كانت كتلتها أكبر بثلاث مرات من كتلة الشمس فإن قوة الثقالة-كما تبين المعادلات- تسحق كل القوى الأخرى، وتنتج ثقباً أسود.

الثقوب السوداء قبل النظرية النسبية

في أوائل القرن الثامن عشر اقترح بعض العلماء أن جسماً فائق الكتلة supermassive قد يكون بإمكانه سحب الضوء إلى داخله. وكانت البصريات النيوتُنيّة Newtonian تعتمد النظرية الجسيمية corpuscular للضوء؛ أي تعامل الضوء كجسيمات particles. وقد نشرالفيزيائي وعالم الفلك البريطاني جون ميتشل John Michell في العام 1784 مقالة تنبأت بأن جسماً يعادل نصف قطره 500 ضعف نصف قطر الشمس، وله الكثافة ذاتها يملك سرعة هروب escape velocity من رتبة سرعة الضوء عند سطحه، ومن ثمَّ سيكون غير مرئي. وأهمل الاهتمام بهذه النظرية في مطلع القرن العشرين مع احتلال النظرية الموجية للضوء مكان الصدارة. وقد أشير إلى هذه الكيانات النظرية في الفيزياء الحديثة على ندرتها باسم النجوم السوداء dark stars لتمييزها من الثقوب السوداء الحقيقية.

الثقوب السوداء بعد النظرية النسبية

بُعيد أشهر من نشر أينشتايننظريته النسبية في عام 1916 وضع الفيزيائي والفلكي الألماني كارل شفارتزشيلد Karl Schwarzschild حلاً لمعادلة أينشتاين لكتلة كروية (يدعى قياس شفارتزشيلد)، وكانت له نتائج غير متوقعة. فالحد الذي يعبر عن نصف القطر كانت له سمة محيّرة؛ إذ بدا أنه من أجل قيمة معيّنة لنصف القطر يمكن أن يصير مقام هذا الحد إلى الصفر، وينجم عن ذلك نسف الحد رياضياً. ويعطىنصف القطر هذا - والذي يُطلق عليه اسم نصف قطر شفارتزشيلد - بالعلاقة (1).

حيث: G ثابت التجاذب العالمي، وM الكتلة، وc سرعة الضوء في الخلاء.

وقد ثبُت أن عمل شفارتزشيلد حيوي لفهم الثقوب السوداء.

تصنيف الثقوب السوداء

ثمة ثلاثة أنواع رئيسية من الثقوب السوداء هي: الثقوب السوداء النجمية stellar، والثقوب السوداء الفائقة الكتلة supermassive، والثقوب السوداء المتوسطة intermediate.

-       الثقوب السوداء النجمية

عندما يحترق نجم حتى نهاية وقوده يدخل في طور الانهيار collapsing. وإذا كان النجم صغيراً -أي إذا كان حجمه قريباً من ثلاثة أضعاف حجم الشمس- يصبح قلبه (نواته) الجديد نجماً نيوترونياً neutron star أو قزماً أبيض white dwarf. أما عندما ينهار نجم كبير كفاية فيتداعى على نفسه؛ ليشكل ثقباً أسود نجمياً.

ومع أن الثقوب السوداء التي تنجم عن انهيار النجوم الإفرادية صغيرة نسبياً، فإنها كثيفة dense للغاية. ومثل هذا الجسم يراكم ثلاثة أضعاف كتلة الشمس أو أكثر في حجم مدينة كبيرة. وينجم عن ذلك مقدار هائل من قوى الجذب تسحب الأجسام المحيطة بها. تلتهم الثقوب السوداء الغبار والغازات المنبثقة من المجرات القريبة، فتنمو حجومها. ويقدر العلماء وجود مئات ملايين الثقوب السوداء النجمية في مجرة درب التبانة Milky Way بمفردها (الشكل 2).

الشكل (2) صورة بالأشعة السينية لثقب أسود في مركز مجرة درب التبانة.

 

-       الثقوب السوداء الفائقة الكتلة

مع أن الثقوب السوداء الصغيرة تملأ الكون فإن الثقوب السوداء الهائلة الكتلة هي المسيطرة؛ إذ تبلغ كتلة الواحدة منها ملايين كتلة الشمس أو مليارات المرات منها، لكن نصف قطرها مماثل لنصف قطر أقرب نجم إلى الأرض. ويعتقد أن هذه الثقوب السوداء تقع في مركز كل مجرة على الأرجح بما في ذلك مجرة درب التبانة. ولا يدري العلماء بصورة قاطعة كيف تشكلت هذه الثقوب السوداء الكبيرة وتكاثرت. وبمجرد تشكلها تستطيع بسهولة جمع كتل الغبار والغازات التي حولها، وهي مواد متوفرة بكثرة في مراكز المجرات؛ مما يسمح لها بالنمو إلى حجوم ضخمة.

-       الثقوب السوداء المتوسطة

اعتقد العلماء فيما مضى أن الثقوب السوداء على نوعين فقط: ثقوب سوداء صغيرة الحجم، وثقوب سوداء كبيرة الحجم، إلا أن الأبحاث الأخيرة كشفت عن إمكان وجود ثقوب سوداء متوسطة الحجم  midsize يمكن أن تتشكل عند تصادم نجوم في عنقود نجمي cluster في تفاعل متسلسل chain reaction. ويمكن لعدد من تلك الثقوب السوداء المتوسطة التي تتشكل في المنطقة أن تتحد في مركز المجرة؛ لتشكل ثقباً أسود هائلاً.

وقد عثر علماء الفلك في عام 2013 بوساطة صفيفة المقاريب الطيفية النووية الفضائية Nuclear Spectroscopic Telescope Array (NuSTAR) والعائدة لوكالة ناسا على ما بدا أنهما ثقبان أسودان متوسطا الكتلة مختبئان في المجرة الحلزونية spiral galaxy ذات الرمز IC 342 (الشكل 3) والتي تُعرف أيضاً باسم كالدْوِل 5Caldwell 5. ويبذل العلماء جهوداً حثيثة لاكتشاف هذه الثقوب السوداء متوسطة الحجم.

الشكل (3) المجرة الحلزونية IC 342 والثقبان الأسودان المتوسطان.

خصائص الثقب الأسود

يُعدّ الجسم الذي تقع كامل كتلته M ضمن sr ثقباً أسود. ويطلق على  sr اسم أفق الحدث event horizon؛ لأن سرعة الهروب من جاذبية الثقب الأسود بدءاً من نصف قطر هذا الجسم هي سرعة الضوء. تسحب الثقوب السوداء الكتل إلى داخلها بفعل قوى الثقالة، ولا يمكن لأي كتلة تجذبها الفرار مطلقاً.

عندما يراقب Y جسماً X يهوي داخل ثقب أسود:

-       يَرصد Y تباطؤ ميقاتيات (ساعات) clocks  مثالياً، ثم يتوقف الزمن عندما يصل X إلى sr.

-       يَرصد Y ضوءاً من X ينزاح نحو الأحمر ليصل إلى اللانهاية عند sr، أي يصير X غير مرئي (ومع ذلك يمكن مشاهدة توقيت ميقاتيته).

-       يرصد Y خضوع Xلتغيير مهم على الرغم من أنه عند تجاوز X أفق الحدث سيكون من المستحيل له الهروب من جاذبية الثقب الأسود (حتى الضوء لا يمكنه الفرار عند أفق الحدث).

للثقوب السوداء ثلاث طبقات layers: الخارجية، وأفق الحدث، والداخلية المتفردة inner  singularity.

وأفق الحدث هو الحافة المحيطة بفتحة ( فوهة) mouth الثقب الأسود حيث يفقد الضوء قدرته على الهروب. فعندما يعبر جسيم ما particle أفق الحدث لا يمكنه الهروب. وتكون الثقالة ثابتة عند أفق الحدث.أفق الحدث

أما الطبقة الداخلية من الثقب الأسود - حيث تقع كتلته - فتعرف باسم الطبقة المتفردة، وهي نقطة وحيدة في الزمكان space-time تتركز فيها كتلة الثقب الأسود.

وبموجب قوانين الميكانيك التقليدي classical mechanics لا يمكن لشيء أن يهرب من ثقب أسود. بيد أن الأمور تختلف قليلاً عند أخذ الميكانيك الكمومي quantum mechanicsفي الحسبان. ينص الميكانيك الكمومي على أن لكل جسيم جسيماً مضاداً antiparticle، وهو جسيم له الكتلة نفسها، إنما شحنته الكهربائية معاكسة opposite. وعندما يلتقيان يمكن للثنائي جسيم – مضاد جسيم إبادة أحدهما الآخر.

وإذا ما أُنشئ ثنائي جسيم – مضاد جسيم أبعد بقليل من متناول أفق الحدث لثقب أسود فمن الممكن أن يسحب أحدهما إلى داخل الثقب الأسود ذاته، وأن يقذف الآخر. وينجم عن ذلك تناقص أفق الحدث للثقب الأسود؛ وبذلك يمكن للثقوب السوداء أن تتداعى decay، وهي عملية process مرفوضة في الميكانيك التقليدي.

النشأة والتطور

يتشكل الثقب الأسود عندما يخضع نجم ذو كتلة كافية لتداعي الثقالة  gravitational collapse مع انضغاط كامل كتلته أو معظمها في منطقة صغيرة كفاية في الفضاء؛ مما يتسبب بانحناء زمكاني space-time لانهائي عند تلك النقطة التي يطلق عليها اسم المتفردة singularity، وهي نقطة لامتناهية الكثافة في مركز الثقب الأسود. لا تسمح هذه الانحناءات الزمكانية الهائلة لأي شيء – ولا حتى للضوء – بالهروب من أفق الحدث أو حدود borders الثقب الأسود (الشكل 4).

الشكل (4) المنطقة الشاذة وأفق الحدث لثقب أسود.

 

تتشكل غالبية الثقوب السوداء من بقايا نجم كبير مات في انفجار مستعر أعظم supernova، في حين تتحول النجوم الصغرى إلى نجوم نيوترونية كثيفة ليست ضخمة بما فيه الكفاية لاصطياد الضوء. وإذا كانت الكتلة الكلية للنجم كبيرة كفاية – قرابة ثلاثة أضعاف كتلة الشمس – يمكن البرهان نظرياً على أنه ليس بمقدور أي قوة منع النجم من التداعي collapsing بفعل تأثير الثقالة. ومع تداعي النجم يحدث أمر غريب، وهو أنه عندما يدنو سطح نجم من السطح التخيلي الذي يدعى أفق الحدث يتباطأ الزمن على النجم بالنسبة إلى الزمن الذي يحافظ عليه المراقبون من بعد. وحين يصل السطح إلى أفق الحدث يتوقف الزمن، ويتوقف النجم عن التداعي؛ ليصبح جسماً متداعياً مجمداً.    

يمكن أن تنتج الثقوب السوداء الكبيرة من تصادمات نجمية stellar collisions. إذ تمكن المقراب سويفت Swift العائد لوكالة ناسا NASA (أُطلق في العشرين من تشرين الثاني/نوفمبر 2004) بُعيد إطلاقه من رصد ومضات الضوء الخاطفة fleeting flashes of lightوالقوية، والتي تُعرف برشقات bursts أشعة غاما gamma ray. وتمكن كل من المقراب تشاندرا Chandra والمقراب هبل Hubble العائدين لناسا من جمع المعطيات عن الحدث "الشفق" afterglow، وقادت المراقبات المنفذة بوساطة المقرابين علماء الفلك إلى الاستنتاج أنه قد تحدث انفجارات قوية بفعل اصطدام ثقب أسود بنجم نيوتروني ينجم عنها ثقب أسود آخر.

رصد الثقوب السوداء

يمكن دراسة هذه العملية السماوية من على سطح الأرض. وثمة مراصد عديدة منتشرة عبر أرجاء المعمورة تمتلك مقاريب قوية يمكنها رؤية ما يحدث في عمق الكون، بيد أن للمقاريب الفضائية مزايا عديدة. فالغلاف الجوي حول الأرض يتداخل مع الإشارات القادمة من الفضاء، ويغير سماتها المميزة characteristics. ومن ثمَّ فإن ما تستقبله أجهزة القياس على سطح الأرض هي إشارات مشوبة، يتوجب تصحيحها لتحسين الدقة. في حين أن المرصد الفضائي يستقبل الإشارات صافية؛ مما يجعل قراءات أجهزة القياس أكثر دقة.

ولأن المفترض أن لا شيء يهرب من قبضة الثقب الأسود فإن هذا الجذب القوي يطرح مشكلة عويصة فيما يخص رصد الثقوب السوداء؛ إذ ليس بمقدور العلماء رؤية تلك الثقوب بالطريقة التي يرون فيها النجوم والأجسام الأخرى في الفضاء. ولا يمكن لهم رصد الثقوب السوداء بوساطة المقاريب التي تكشف الأشعة السينية X-rays، أو بالأشكال الأخرى من الإشعاع الكهرطيسي.

بيد أنه بالإمكان الاستدلال على وجود الثقوب السوداء ودراستها بكشف آثارها على مواد أخرى قريبة منها. فإذا مر ثقب أسود مثلاً عبر سحابة من مادة بينجمية interstellar matter فسوف يجتذب تلك المادة إلى داخله بموجب عملية تسمى التنامي accretion. وقد تحدث عملية شبيهة بها إذا مر نجم ما بالقرب من ثقب أسود. ففي هذه الحالة يمكن للثقب الأسود أن يمزق النجم ويسحبه نحو الداخل. ومع تسارع المادة المجتذبة attracted وارتفاع حرارتها فإنها تُصدرأشعة سينية في الفضاء. وقد قدمت الدراسات الحديثة أدلة على أن الثقوب السوداء لها آثار مثيرة على جوارها، كإصدار رشقات قوية من أشعة غاما، والتهام devouring النجوم القريبة، وتحفيز spurring نمو نجوم جديدة في بعض المناطق، وإبطاء نموها في مناطق أخرى.

من ناحية أخرى يعتمد العلماء على تحري الإشعاع الصادر نتيجة جذب الغبار والغازات إلى داخل هذه الكيانات العالية الكثافة. ويمكن للثقوب السوداء الهائلة - التي تقبع في مركز مجرة - أن تجد نفسها مكفّنة shrouded بالغبار والغازات الكثيفة؛ مما قد يمنع الانبعاثات الدليلية. ففي بعض الأحيان لدى انجذاب المادة نحو ثقب أسود فإنها ترتد عن أفق الحدث، وتقذف خارجاً عوضاً من جرها إلى الهوة maw.

وعند ذلك تنشأ تدفقات من الجسيمات ساطعة تنطلق بسرعات قريبة من السرعة النسبية near-relativistic، أي قيمتها جزء مهم من سرعة الضوء في الخلاء. ومع أن الثقب الأسود يبقى غير مرئي فإنه يمكن رؤية هذه التدفقات القوية من مسافات بعيدة.

ثمة ثقوب سوداء هائلة تعادل ملايين المرات كتلة الشمس، تقع في بؤر غالبية المجرات الكبيرة بما في ذلك مجرة درب التبانة التي تنتمي إليها الأرض. وفي واحد بالمئة تقريباً من هذه المجرات يشع الثقب الأسود الضخم طاقة تبلغ مليارات المرات الطاقة التي تبثها الشمس، ويمكن لهذه الانبعاثات أن تتغير تغيراً غير قابل للتنبؤ بسلالم زمنية تراوح بين دقائق وسنوات. ويطلق علماء الفلك على هذه المجرات اسم المجرات النشطة.

وقد تمكن علماء الفلك في تشرين الثاني/نوفمبر 2015 - باستخدام المعطيات المحصلة بوساطة مقراب الفضاء فيرمي بأشعة غاما Fermi Gamma-ray Space Telescope (FGST)، الذي أطلقته ناسا في عام 2008 بالتعاون مع وزارة الطاقة الأمريكية ومجموعة من الوكالات الحكومية في فرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان والسويد - من اكتشاف مؤشرات تغيرات دورية في سطوع brightness مجرة توصف بالنشطة، يدعم انبعاثاتها ثقب أسود ضخم. وإذا ما تأكد ذلك فسوف يكون هذا الاكتشاف أول كشف لانبعاث دوري لأشعة غاما من مجرة أمده سنوات؛ مما قد يقدم رؤى جديدة لماهية العمليات الفيزيائية بالقرب من ثقب أسود.   

وقد صرح مدير فريق مقراب "فيرمي" في مركز المعطيات العلمية العائد لوكالة الفضاء الإيطالية Italian Space Agency في روما بدلائل على تغيّرٍ مدته سنتان تقريباً في أشعة غاما الصادرة عن مجرة تُعرف بالرمز PG1553+113  بفضل التنقيب في المعطيات التي جرى الحصول عليها بوساطة مقراب الفتحة الكبيرة (لات) على متن مركبة الفضاء فيرمي Fermi’s Large Area Telescope (LAT) على مر سنوات عديدة.

وقد تبيّن أن أكثر من نصف منابع أشعة غاما المرصودة بذلك المقراب هي مجرات نشطة تسمى بلازار blazar، مثل PG1553+113 (الشكل 5). ومع تساقط المادة نحو ثقبها الأسود الهائل تهرب جزيئات تحت ذرية  particles  subatomic بسرعة تقارب سرعة الضوء على طول زوج من التدفقات pair of jets باتجاهات متعاكسة. وما يجعل من مجرات البلازار مشعّة للغاية هو توجه أحد التدفقات الجزيئية مباشرة نحو الراصد.

الشكل (5) انبعاث أشعة غاما من البلازار PG1553+113

 

وقد قام الباحثون - مدفوعين بإمكان حدوث تغيرات دورية في أشعة غاما - بفحص معطيات متعددة الأطوال الموجية multiwavelength لعقد من الزمن. واشتملت على مراقبات من مرصد تيورلا Tuorla في فنلندا، ومرصد ليك Lick في كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية، ومرصد مسح السماء كاتالينا Catalina بالقرب من توسون Tucson في أريزونا بالولايات المتحدة الأمريكية، إضافةً إلى المعطيات البصرية وبالأشعة السينيةمن مركبة الفضاء سويفت العائدة لناسا. كما درس فريق العلماء أيضاً نتائج مراقبات المرصد الراديوي أوينز فالي Owens Valley Radio Observatory بالقرب من بيشوب Bishop في كاليفورنيا، الذي قام برصد PG1553+113 كل عدة أسابيع منذ عام 2008 بوصفه جزءاً من برنامج مراقبة للبلازار قيد التنفيذ لدعم المهمة فيرمي.

من جانب آخر حدث منذ مليارات السنين اضطراب كبير في منطقة بالقرب من ثقب أسود ضخم في مركز المجرة 3C 279. وقد وصلت نبضة الضوء العالي الطاقة الناجمة عن هذا الحدث أخيراً إلى الأرض في الرابع عشر من حزيران/يونيو 2015؛ ملهبة الكواشف على متن مقراب الفضاء بأشعة غاما فيرمي العائد لإدارة الطيران والفضاء الوطنية (ناسا) وسواتل satellites أخرى. وقام علماء الفلك في أرجاء المعمورة بتوجيه أجهزة القياس نحو المجرة لرصد هذا التوهج القصير غير المسبوق بمزيد من التفصيل. وقد وصف الحدث أحد العلماء الإيطاليين في فريق فيرمي بأن المجرة 3C 279 كانت في أحد الأيام إحدى المجرات النشطة الكثيرة المرصودة، وفي اليوم اللاحق كانت أسطع الأشياء في سماء أشعة غاما gamma-ray sky.

فالمنبع المثابر الأكثر سطوعاً في سماء أشعة غاما هو النجم النابض pulsar فيلا Vela، وهو يبعد قرابة 1000 سنة ضوئية عن الأرض. أما 3C 279 فيبعد ملايين المرات أكثر من فيلا، ولكن في أثناء هذا التوهج غدا أربع مرات أكثر سطوعاً من فيلا. وهذا يعني تحرير كم هائل من الطاقة، لا يمكن أن يستمر طويلاً. وخفتت المجرة إلى مستويات أشعة غاما الطبيعية في الثامن عشر من حزيران/يونيو من عام 2015.

التحديات والقضايا المفتوحة

يصعب إجراء رصد مباشر للثقوب السوداء، لكن التنبؤات طابقت بآثارها المراقبات. وقد وجد علماء الفلك في آب/أغسطس من العام 2015 بوساطة مقراب الفضاء هبل Hubble أن ماركاريان 231 (إم أر كيه 231) Markarian 231 (Mrk 231) - وهي أقرب مجرة إلى الأرض - تستضيف كوازار (منبع راديوي شبيه بالنجم) quasar، يدعمها ثقبان أسودان مركزيان يدوران أحدهما حول الآخر بقوة. 

وتقترح نتائج المراقبات أن الكوازارات - وهي النوى اللامعة cores brilliant للمجرات النشطة - قد تستضيف ثقبين أسودين هائلين مركزيين يدور أحدهما حول الآخر نتيجة اندماج مجرتين. ويولِّد ثنائي الثقب الأسود - الشبيه بثنائي تزلج دوراني whirling skaters - كميات هائلة من الطاقة تجعل نواة المجرة المضيفة تفوق سطوعاً (لمعاناً) لمعانا)ً مليارات النجوم القاطنة في المجرة والتي حددها العلماء على أنها كوازارات.

وثمة نظريات بديلة - مثل الأجسام ذات الغلاف المغنطيسي الأبدي التداعي Magnetospheric Eternally Collapsing Objects (MECOs) - لشرح المراقبات. ويتفادى معظم هذه النظريات التفرد الزمكاني في مركز الثقب الأسود، لكن الغالبية العظمى من العلماء تعتقد أن الثقوب السوداء هي التمثيل الفيزيائي الأكثر أرجحية للظواهر التي تحدث.

لا يمكن للفيزياء وصف ما يجري داخل ثقب أسود؛ ففي داخل الثقب الأسود تنهار النظريات الراهنة، كما تتعارض النسبية العامة general relativity مع الميكانيك الكمومي quantum mechanics مشكِّلة ما يسمى بالتفرد أو النقطة التي تعطي المعادلات عندها قيماً لامتناهية.

وتحاول بعض نظريات الفيزياء الحديثة ردم الفجوة بين النسبية العامة والميكانيك الكمومي لفهم ما يحدث فعلياً داخل أكثر الأجسام كثافة في الكون. وقد طبق العلماء مؤخراً نظرية الثقالة الكموميةالحلقية loop quantum gravity على حالة الثقوب السوداء، ووجدوا أن المكان والزمان داخل هذه الأجسام قد يكونان مقوسين بإفراط extremely curved لكن الثقالةليست لانهائية كما تتنبأ النسبية العامة. وتلك أول مرّة يقوم فيها العلماء بتطبيق نظرية الثقالة الكموميةالحلقية كاملة على الثقوب السوداء، وجاءت النتائج مشجعة. بيد أنه لم تكتمل الصورة بعد عن تفاصيل ما يحدث.

فالثقب الأسود ينشأ عندما ينفد من نجم هائل الوقود اللازم من أجل الاندماج النووي فينطوي على نفسه بفعل جاذبيته الذاتية. وتُقذف طبقاته الخارجية، وتتداعى نواته على ذاتها نتيجة ازدياد قوة الثقالةحتى يتكثف ما تبقى من كتلته في حجم صغير للغاية. وطبقاً للنسبية العامة فإن هذا الحجم هو نقطة مفردة single point في الزمكان space-time، وكثافته كبيرة بصورة لامتناهية يُطلق عليها اسم النقطة المتفردة.

 لكن معظم العلماء يعتقدون أن هذه النقاط المتفردة لا توجد حقيقة، وإنما هي دلالة على أن المعادلات أخفقت في وصف الواقع بدقة. وتبدو الثقالة الكمومية الحلقية تحسيناً للنسبية العامة في وصف الثقوب السوداء؛ لأنها لا تنتج متفردات.

تقوم الفكرة على مفهوم التكمية quantization الذي يقسم كياناً ما entity إلى قطع منفصلة. ففي حين ينص الميكانيك الكمومي على أن الذرات توجد في حالات مكماة ومنفصلة تفترض الثقالة الكمومية الحلقية أن الزمكان نفسه مكوّن من بتات (قطع صغيرة) منفصلة على شكل حلقات وحيدة البعد one-dimensional بالغة الصغر؛ أي إن كتلة البناء الرئيسية هي حلقة أو شبكة من الحلقات.

المشاريع العلمية ذات الصلة

تعكف ثلاثة مقاريب مدارية تعمل في مجال الأشعة السينية X-ray على مراقبة الثقب الأسود الهائل في مركز مجرة درب التبانة وذلك منذ عقد ونصف لرصد سلوكه. وهذه المقاريب هي تشاندرا وسويفت العائدان لإدارة الفضاء والطيران الوطنية (ناسا)، وإكس إم إم نيوتن XMM-Newton العائد لوكالة الفضاء الأوربية (إيزا) European Space Agency (ESA). وكشفت حملة المراقبة الطويلة هذه عن بعض التغيرات الجديدة في أنماط الثقب الأسود الذي تبلغ كتلته أربعة ملايين كتلة شمسية، والذي يُعرف باسم النجم الرامي أيه Sagittarius A* (Sagittarius A-star) (الشكل 6)، ويقع على الحدود بين كوكبة الرامي Sagittarius وكوكبة العقرب Scorpius. والكتلة الشمسية هي وحدة كتلة قياسية تستخدم للدلالة على كتل النجوم الأخرى، وكذلك العناقيد clusters والسدم nebulae والمجرات galaxies.

الشكل (6) الثقب الأسود Sagittarius A* في مركز مجرة درب التبانة. 

وإبان عام 2014 أظهر الثقب الأسود - الهادئ عادة – زيادة في مستويات توهج الأشعة السينية عن المعدل النموذجي. وتزامنت هذه الزيادة في التوهج مع مرور جسم غريب أُطلق عليه جي 2G2 بالقرب من النجم الرامي أيه. وقد لاحق العلماء الجسم جي 2 لسنوات معتقدين بداية أنه سحابة موسعة من الغاز والغبار. بيد أنه وبعد مروره بالقرب من النجم الرامي أيه أواخر عام 2013 لم يتغير مظهره كثيراً باستثناء استطالته بفعل جاذبية الثقب الأسود. وقادت تلك المراقبات إلى نظريات جديدة نصت على أن الجسم جي 2 ليس سحابة، بل نجم أو شفع من النجوم ضمن شرنقة cocoon غبارية موسعة. 

وفي مهمة أخرى أظهر كل من مقراب إكس إم إم نيوتن XMM-Newton telescope وصفيفة المقاريب الطيفية النووية (نوستار) العائدة لناسا أن رياحاً عنيفة من ثقب أسود هائل تعصف نحو الخارج في جميع الاتجاهات. وهي ظاهرة كانت متوقعة، ولكن كان من الصعب إثباتها. وقدم هذا الاكتشاف لعلماء الفلك أولى فرص قياس شدة هذه الرياح الفائقة السرعة؛ لإثبات أنها قوية بما فيه الكفاية لكبح قدرة المجرة المضيفة على صنع نجوم جديدة. إذ قام المقرابان بصورة متزامنة بمراقبة الثقب الأسود شديد التألق بي دي إس 456PDS 456 (الشكل 7) في عدة مناسبات منفصلة إبان عامي 2013 و2014. وقد تمم المقرابان الفضائيان أحدهما الآخر بمراقبة أجزاء مختلفة من طيف الأشعة السينية: فتولى إكس إم إم نيوتن مراقبة الإشعاعات منخفضة الطاقة، في حين تولى نوستار مراقبة الإشعاعات عالية الطاقة.

الشكل (7) الثقب الأسود الهائل.PDS456  

 

وأطلقت منظمة البحث الفضائي الهندية (إيزرو) Indian Space Research Organization (ISRO) في الثامن والعشرين من أيلول/سبتمبر 2015 أول مقراب فضائي هندي متعدد الأطوال الموجية multi wavelength مخصص لدراسة الظواهر الكونية، وأطلق عليه اسم أستروسات Astrosat. يحمل أستروسات خمس حمولات مفيدة بما فيها مقراب التصوير بالأشعة فوق البنفسجية (يوفيت) Ultraviolet Imaging Telescope (UVIT)، الذي يوصف بأنه النسخة الهندية من المقراب هبل. وتُسخر جميع الحمولات المفيدة وأجهزة القياس على متن أستروسات من أجل مراقبة العمليات السماوية. وتهدف المهمة إلى الحصول على معطيات تساعد على فهم أفضل للكون.

وبعد أقل من ثلاثة أشهر على إطلاق أستروسات أبدت ناسا رغبتها بالتعاون مع مهمة أستروسات لرصد الأجسام الفلكية ولاسيما المنابع العابرة transient sources، كالثقوب السوداء بصورة مشتركة مع مقرابيها نوستار وسويفت ومرصد عائد لها في هاواي Hawai بالولايات المتحدة الأمريكية. ويحمل أستروسات عداداً تناسبياً بالأشعة السينية كبير الفتحة (لاكسبيسي) Large Area X-ray Proportional Counter (LAXPC)، وهو أكثر الكواشف حساسية على متن أستروسات. وبما أن لهذا الكاشف سطحاً فعالاً يبلغ 4-5 أضعاف السطح الفعال للكاشف الذي تستخدمه مهمة مستكشف التوقيت بالأشعة السينية روسّي (ركستي) Rossi X-ray Timing Explorer (RXTE)؛ فمن المرجح أن يقوم بكشف منابع عابرة جديدة، مثل المنظومات الثنائية binary system للنجوم النيوترونية، والثقوب السوداء على مساحة كبيرة داخل مركز المجرة.

من جهة أخرى اختارت وكالة الفضاء الأوربية ESAمشروع مرصد الأشعة السينية أثينا Athena X-ray observatory، وكلمة أثينا اختصار لأوائل حروف المصطلح الإنكليزي (المقراب المتقدم لفيزياء الفلك العالي الطاقة Advanced Telescope for High-Energy Astrophysics)، وذلك ضمن برنامجها "الرؤية الكونية 2015-2025"، بوصفه ثاني مهمة علمية رئيسية لها بعد مهمة مستكشف الأقمار الجليدية للمشتري (جويس) Jupiter Icy Moons Explorer (JUICE)التي اعتمدت في أيار/مايو 2012، والتي أُطلقت في الرابع عشر من نيسان/أبريل عام 2023 من بوابة الفضاء الأوربية في كورو Kourou بجزيرة غويانا الفرنسية French Guiana على متن الصاروخ أريان 5Ariane 5، ويفترض أن تصل مركبة الفضاء التي تزن 6.2 أطنان إلى كوكب المشتري في العام 2031.

وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2023 صادقت هيئة البرامج العلمية Science Programme Committee (SPC) في وكالة الفضاء الأوربية على نسخة معدلة النطاق من المرصد أثينا، أُطلق عليها مسمى نيوأثينا NewAthena. والمهمة حالياً في مرحلة الدراسة، وعندما يكتمل تصميم المهمة وتحديد التكلفة ستعرض على الهيئة مطلع عام 2027 لتبنيها، لتبدأ بعدها أعمال التصنيع. ومن المفترض إطلاق مركبة الفضاء في العام 2037 على متن الصاروخ أريان 6.4Ariane 6.4. وسيكون المرصد نيوأثينا أكبر مرصد أشعة سينية جرى بناؤه. وسيتقصى بعض أكثر الظواهر نشاطاً وتشويقاً في الكون، بضبط accuracy وعمق غير مسبوقين؛ لذا من المتوقع أن يكون لهذه المهمة أثر ثوري في  كل جانب من جوانب الفيزياء الفلكية: الكواكب والكواكب الخارجية exoplanets، والأجسام المتراصة compact(مثل النجوم النترونية والثقوب السوداء النجمية) في مجرتنا، وانفجارات المستعرات العظمى ومخلفاتها remnants، والنجوم النشطة. وستتصدى المهمة لأسئلة رئيسية في الفيزياء الفلكية، ومنها: كيف تتجمع المادة العادية في بنى (مثل المجرات ومجموعات المجرات، وعناقيد clusters المجرات) التي تشاهد في الوقت الراهن ولماذا؟ وكيف تنمو الثقوب السوداء وتتشكل بيئاتها، وكذلك التطور الكوني للمجرات التي تستضيفها؟  ولفهم هذه الأسئلة يتوجب:

- رسم خرائط الغازات الساخنة في الكون (في الفضاء بين المجرات والعناقيد ومجموعات المجرات) لتحديد خصائصها الفيزيائية وتطورها.

- اكتشاف الثقوب السوداء فائقة الكتلة المتنامية التي بدأت في الكون بمراحله الأولى، وبيان كيفية جريان المادة والطاقة داخل هذه المنظومات وخارجها.

وسيجري إطلاق المهمة نيوأثينا إلى مدار هالو  Halo حول نقطة لاغرانج الأولى Lagrange point 1 (L1) بين الشمس والأرض. وتقع هذه النقطة على بعد 1.5 مليون كم داخل مدار الأرض حول الشمس. والنقطة L1 هي ذات الأهمية المباشرة الأعلى من بين نقاط لاغرانج، والتي اكتشفها عالم الرياضيات الفرنسي- الإيطالي جوزيف لويس لاغرانج Joseph Louis Lagrangeعندما توصل إلى حل رياضي لمسألة الأجسام الثلاثة العامة في عام 1772. ونقاط لاغرانج هذه هي مواقع في الفضاء يكون فيها سحب الثقالةبفعل كتلتين كبيرتين مساوياً للقوة الثقاليةاللازمة لجسم صغير للحركة حولهما؛ لذا يمكن لمركبة الفضاء استعمالها للتحليق (الحوم) rover. وثمة خمس نقاط خاصة يمكن لكتلة صغيرة عندها أن تدور في نمط ثابت حول كتلتين أكبر. ومن بين نقاط لاغرانج الخمس (الشكل 8) ثلاث غير مستقرات، واثنتان مستقرتان، ويرمز إلى النقاط غير المستقرة بالرموز L1 وL2 وL3، وهي تقع على الخط الواصل بين الكتلتين الكبيرتين. أما النقطتان المستقرتان فيرمز إليهما بالرمزين L4 وL5.

الشكل (8) نقاط لاغرانج.

الاكتشافات الحديثة

اكتشف فريق من الفلكيين العاملين في مركز هارفرد - سميثونيان الفيزياء الفلكية Harvard–Smithsonian Center for Astrophysicsفي أيلول/سبتمبر من العام 2025 وباستعمال مرصد الأشعة السينية تشاندرا العائد لناسا ثقباً أسود  أُطلق عليه ،RACS J0320-35له معدل نمو من أسرع المعدلات المسجلة حتى ذلك التاريخ. وقد يساعد هذا الاكتشاف على تفسير كيف يمكن لبعض الثقوب السوداء بلوغ كتل هائلة enormous بسرعة كبيرة نسبياً بعد الانفجار العظيم. ويزن هذا الثقب الأسود قرابة مليارات (بلايين) المرات كتلة الشمس، ويقع على بعد 12.8 مليار سنة ضوئية عن الأرض، أي إن الفلكيين يرونه بعد 920 مليون سنة فقط من بدء الكون. وهو يصدر أشعة سينية أكثر من أي ثقب أسود جرت مشاهدته في المليار سنة الأولى من عمر الكون.

ويزود هذا الثقب الأسود بالطاقة ما يطلق عليه العلماء اسم كوازار، وهو جسم شديد النصوع يفوق نصوع مجموع المجرات. وجرى اكتشاف هذا الكوازار بعد تحليل مراقبات تم  الحصول عليها في العام 2023 بوساطة مرصد الأشعة السينية تشاندرا. إذ كشفت الأشعة السينية أن هذا الثقب الأسود ينمو بمعدل يفوق الحدود الطبيعية لهذه الأجسام.     

وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2025 كشف الفلكيون عن استعمالهم للمقراب الفضائي جيمس ويب James Webb Space Telescope (JWST) لاكتشاف ثقب أسود فائق الكتلة سريع النمو يتغذى بشراهة في الكون الناشئ infant universe. ويقع هذا الثقب الأسود -الذي وُجد بعد 750 مليون سنة فقط من الانفجار الكبير- في قلب المجرة CANUCS-LRD-z8.6، التي يطلق عليها مجرة النقطة الحمراء الصغيرة. والنقاط الحمراء الصغيرة هي صنف من الأجسام الصغيرة والمضيئة والبالغة البعد التي يقوم المقراب الفضائي جيمس ويب باكتشافها بصورة اعتيادية منذ بدء أعمال المراقبة في العام 2022. ويعد هذا الاكتشاف تحدياً للفهم السائد للثقوب السوداء وتشكيل المجرات للكون في مراحله الأولى، ويفتح أبواب بحث جديدة عن كيف أتت هذه الأجسام للوجود. 

وفي شباط/فبراير من العام 2026 قدم الفلكيون باستعمال المرصد الفضائي جيمس ويب ملاحظات observations رئيسية عن تعرّف موت نجمي نادر تظهر نجماً عظيم الكتلة massive وهو يتردى collapses مباشرة إلى ثقب أسود من دون انفجاره كمستعر أعظم قبل ذلك. ووقع هذا الحدث في مجرة المرأة المسلسلة Andromeda galaxy، وهذه الملاحظات تدعم بقوة مسار تشكل  الثقوب السوداء الذي لطالما قدم نظرية لكن نادراً ما جرى تأكيدها. والجسم الذي أطلق عليه M31-2014-DS1 كان نجماً عملاقاً فائقاً supergiant يقع على بعد يقارب 2.5 مليون سنة ضوئية عن الأرض داخل مجرة المرأة المسلسلة. وكانت كتلة النجم عند تشكله قرابة 13 مرة كتلة الشمس، وعلى مدى حياته تعرض لرياح نجمية قوية نزعت منه معظم كتلته، وأبقت له مع نهاية مدة حياته كتلة تقارب خمس مرات كتلة الشمس فقط. وكشفت المراقبات من المسبار الفضائي مستكشف مسح الأشعة تحت الحمراء واسع الحقل للأجسام القريبة من الأرض (نيو وايز) Near-Earth Objects Wide-field Infrared Survey Explorer (NEOWISE) العائد لناسا NASA أن النجم قد سطع تدريجياً في مجال الأشعة تحت الحمراء عدة سنوات قبل أن يخفت بصورة كبيرة ويختفي عن الأنظار. وبخلاف ما يحدث مع مستعر أعظم نموذجي لم يظهر هذا الحدث أي دليل على انفجار خارجي قوي؛ وإنما ترك خلفه غلافاً من الغبار، وتوهجاً تحت أحمر باهتاً.

مراجع للاستزادة:

-  C. Byrnes, G. Franciolini, et al., M. Sasaki, Primordial Black Holes, Springer 2024.

- J. Enander, Facing Infinity: Black Holes and Our Place on Earth, The Experiment 2025.

- A. Gianopoulos, Hubble Focus: Black Holes – Into the Vortex, NASA 2025.

- M. Ruhrländer, Ascent to the Einstein Equations: Spacetime, Gravitational Waves, Black Holes and More, Springer 2026.

- M.A. Sedda, et al., Black Holes in the Era of Gravitational-Wave Astronomy, Elsevier 2024.

- J. Trefil, S. Satyapal, Supermassive: Black Holes at the Beginning and End of the Universe, Smithsonian Institution 2025.

 


- التصنيف : تقانات الفضاء والفلك - النوع : تقانات الفضاء والفلك - المجلد : المجلد الحادي عشر، طبعة 2026، دمشق مشاركة :

بحث ضمن الموسوعة

من نحن ؟

الموسوعة إحدى المنارات التي يستهدي بها الطامحون إلى تثقيف العقل، والراغبون في الخروج من ظلمات الجهل الموسوعة وسيلة لا غنى عنها لاستقصاء المعارف وتحصيلها، ولاستجلاء غوامض المصطلحات ودقائق العلوم وحقائق المسميات وموسوعتنا العربية تضع بين يديك المادة العلمية الوافية معزَّزة بالخرائط والجداول والبيانات والمعادلات والأشكال والرسوم والصور الملونة التي تم تنضيدها وإخراجها وطبعها بأحدث الوسائل والأجهزة. تصدرها: هيئة عامة ذات طابع علمي وثقافي، ترتبط بوزير الثقافة تأسست عام 1981 ومركزها دمشق 1