توالد بكري (عذري)
Parthenogenesis -

التوالد البِكري

                                                                                   أميرة أومري

أنماط التوالد البكري الطبيعي

الآلية الخلوية للتوالد البكري

الاختلافات الصبغية

التوالد البكري الاصطناعي

التوالد البكري مقابل التوالد الجنسي

 

التوالد البِكري parthenogenesis بيولوجياً هو ولادة العذراء virgin birth، فالأصل اليوناني للتعبير هو parthenos بمعنى عذراء وgignesthai بمعنى الولادة، لذا يُسَمّيه بعض الباحثين "التوالد العُذري"، ويُقصَد به إنتاج أفراد كاملة الوظائف من خلية بيضية لم تُخصَب (تُلَقّح) سلفاً.

كان أول من استخدم مصطلح التوالد البكري عام  1849البيولوجي ريتشارد أُوين Richard Owen، ولكن من اكتشفه هو البيولوجي شارل بونّيهCharles Bonnet  في القرن الثامن عشر في حشرات المن.

يُعَدّ التوالد البكري استراتيجية تطورية مستمرة تلجأ إليها بعض الكائنات الحية للحفاظ على المجموعة. يحدث عندما تتنامى الأعراس الأنثوية، وتتحول إلى أفراد جديدة من دون إخصاب fertilization من قِبَل الأعراس الذكرية؛ ممّا يشير إلى أنه شكل من أشكال التكاثر اللاجنسيasexual reproduction  أي في غياب التزاوج أو الإخصاب، ولكنه يُعرف أكثر على أنه شكل غير تام من التكاثر الجنسيsexual reproduction  الذي يتم بتفعيل بيضة أنثوية وتناميها، وهي تُعَدّ خلية إنجابية متخصصة، ومن ثمّ يُعَدُّ التوالد البكري شكلاً من أشكال التكاثر الجنسي لامتلاك بعض الأفراد إمكان إنتاج خلايا بيضية لها القدرة على التنامي الجنيني وإعطاء فرد كامل من دون تدخل النطاف.

تجدر الإشارة إلى أن بعض الباحثين العرب يُعَرِّفون التوالد البكري بأنه نوع من التكاثر اللاجنسي استناداً إلى ترجمة المصطلحasexual reproduction  غير أن هذا المصطلح لا يعني التكاثر اللاجنسي فقط؛ إنما يعني أيضاً تكاثراً لا تزاوجياً، ويحدث من دون إلقاح؛ ومن ثمّ يفضل كثيرٌ من الباحثين استعمال مصطلح تكاثر وحيد الجنس  unisexual reproductionإشارةً إلى التوالد البكري، ومصطلح التكاثر ثنائي الجنس bisexual reproduction  إشارةً إلى التوالد الجنسي.

لوحظ التوالد البكري في عدد من الحيوانات الدنيا، فهو سمة أساسية للدوارات (الدولابيات) Rotifera، كما يلاحظ في بعض الأفاعي والأسماك وفي السحالي الاستوائية monitor lizard، لكن هذه الظاهرة نادرة الحدوث بين النباتات، حيث يُطلق عليه تعبير إثمار بكري parthenocarpy.

أنماط التوالد البكري الطبيعي

يُميز في التوالد البكري:

 1– التوالد البكري المتباعد sporadic parthenogenesis: وهو يحدث من وقت إلى آخر؛ إذ يلجأ إليه الكائن الحي وقت الحاجة مثل فراشة دودة القز Bombyx mori  وجنس الوامِئَة الضوئية Chironomus من رتبة ثنائيات الأجنحة Diptera (الشكل 1).

الشكل (1)

 

2– التوالد البكري المستمر continuous parthenogenesis: وهو يتكرر في كل جيل، ويُقسَم إلى نمطين اثنين:

أ – توالد بكري إلزاميobligatory parthenogenesis : يحدث عندما لا يكون في مقدور الخلية البيضية أن تُخصَب، وتتوالد كل الأجيال في بعض الأنواع بِكرِيّاً فقط باستمرار مُكَوَّنَة عادةً من الإناث فقط؛ ومن ثمّ لا تستطيع أن تتوالد جنسياً من جديد على الإطلاق، كما في الأنواع الحيوانية التابعة لفصيلة بديلّويداBdelloidea  (شعبة الدوارات) التي تتوالد بكرياً بالكامل، ولم يُعرَف لها ذكور، فالإناث هي الجنس  sexالوحيد في هذه المجموعة الحيوانية؛ لأنه لا يحدث عندها انقسامٌ منصفٌ، وتكون بيوضها مضاعفة الصيغة الصبغية diploid  أي لديها العدد الكامل من الصبغيات، وتُنتِج أفراداً جديدة من دون مساهمة صبغيات من النطفة؛ الأمر الذي يُعَدُّ توالداً بكرياً مضاعفَ الصيغة الصبغية.

كذلك فإن كامل الأنواع في بعض أنواع من السحالي ذات الذيل السوطيwhiptail lizards  إناث فقط (الشكل  2).

الشكل (2)

 

ب – توالد بكري دوري cyclic parthenogenesis: يحدث عند تعاقب الأجيال البكرية مع الأجيال الجنسية، وتُنتج الأنواع الحيوانية التي تنتمي إلى هذا النمط بيوضاً قادرةً على الإلقاح، في حين تكون بيوض أخرى لا تستطيع، وكل حيوان بكري دوري له مسار تنام خاص به، ويقرر أو ينظم أيضاً كيف ومتى يتم وضع كل نمط من البيوض وما هو نمط الكائن لكل بيضة سوف تتطور إليه.

تكون الأجيال المتوالدة بكريّاً بكاملها من الإناث. أما في حالة الأجيال المتوالدة جنسياً فكل الذكور والإناث الجنسية هي من دون أب.

عند الدوارات أحادية المنسل monogonous rotifers مثلاً - حيث تتعاقب الأشكال الجنسية مع الأشكال البكرية - تفقس البيضة الساكنة في الربيع عن أنثى تضع بيوضاً بكرية من دون إلقاح مضاعفة الصيغة الصبغية، وهي بيوض كبيرة ذات قشرة رقيقة، وفي آخر السلسلة تضع هذه الإناث بيوضاً صغيرة يفقس بعضها عن ذكور أحادية الصيغة الصبغية، يجب أن تُلَقِّح بيوضاً أخرى أحادية الصيغة الصبغية لتُنتِج من جديد بيوضاً ساكنة مُلقَّحَة، تدعى أيضاً بيوضاً شتوية تكون مقاومة للجفاف وتغيرات درجات الحرارة، تفقس هذه البيوض في الربيع التالي؛ لتعطي من جديد إناثاً بكرية مضاعفة الصيغة الصبغية، وهكذا تعيد دورة الحياة (الشكل 3).

 

الشكل (3) دورة حياة الدوارات (روتيفيرا) – توالد بكري دوري.

 

يحدث هذا التعاقب عادة لدى النحل ومتفرعات القرون Cladocera من صف القشريات (الشكل 4).

الشكل (4) دورة حياة برغوث الماء (توالد بكري دوري).

 

يعد هذا الأمر مدهشاً على المستوى الخلوي، لحدوث التحكم في الانقسام المنصف لدى الأنثى. هناك إذاً ذخيرة جينية تسبب الاختلاف التوالدي.

3– توالد بكري اختياريfacultative parthenogenesis : يحدث هذا النوع من التوالد البكري عندما تستطيع الخلية البيضية أن تتطور وتنمو سواء مع الإلقاح أو من دونه، تستطيع هذه البيوض أن تناوب التوالد الجنسي مع التوالد البكري، الأمر الذي يخضع في بعض الأحيان لبيئة تلك الأنواع، كما لدى حشرات المَنّ Aphids، مثل حشرات مَنّ البازلاء Pea aphids (الشكل  5)، حيث تخضع للتوالد الجنسي مرّة واحدة فقط في الخريف، وتخضع للتوالد البكري من أوائل الربيع إلى الصيف؛ الأمر الذي يُعَدُّ أيضاً توالداً بكرياً دورياً أو تغاير الأجيال heterogony، كما أن الظروف البيئية (أيام قصيرة وطقس بارد) تَحُثّ مَنّ البازلاء على التوالد الجنسي.

الشكل (5) دورة حياة حشرات المنّ.

 

يُشاهد التوالد البكري الاختياري في الوَرْل Komodo dragon (الجنس Varanus komodoensis) وهومن العظايا lizards؛ إذ يستطيع هذا الحيوان الاختيار بين التوالد الجنسي الاعتيادي وبين التوالد البكري، ويعتمد ذلك على وجود الشريك، فعندما عُزِلَت إناث هذه الحيوانات عن ذكورها؛ أنتجت ذريةً بكرية (الشكل 6).

الشكل ( 6) التوالد البكري الاختياري عند  الوَرْل.   

 

يخضع التوالد البكري الاختياري إلى عدة عوامل، منها العامل الجغرافي، أي توزع النوع الحيواني جغرافياً، فقد وجد الباحث فاندل Vandel عام  1928أن هناك مجموعات حيوانية تتوالد بكرياً عند وجودها في المناطق المرتفعة، ففي خطوط العرض العالية لا تهدر الحيوانات الوقت من أجل إنتاج الذكور؛ مما يسمح بالمزيد من إنشاء مواطن جديدة متطرفة بعيدة، لذا سُمي بالتوالد البكري الجغرافي  geographical parthenogenesisمثل الدودة من النوعSchmidtea polychroa ، وهو نوع أوربي من المهتزات Turbellaria من الديدان المنبسطة يعيش في جنوب جبال الألب، ويتوالد حصراً توالداً جنسياً، لكنه يتوالد بكرياً عند وجوده في مكان آخر.

يحدث الأمر كذلك عند العقرب (الشكل 7) التي تعيش في السافانا، لكن اقتصر مسكنها اليوم تقريباً على الأماكن التي يكون فيها الإنسان، حيث أصبحت السافانا الطبيعية أماكن للزراعة والرعي. إن الموطن الأصلي لهذا النوع من العقارب في أشجار النخيل المعزولة ضمن السافانا الواسعة، وهذا الموطن يتوافق مع مفهوم التوالد البكري الانعزالي، وإن فرص استعمار الموائل النائية المعزولة أكبر في حال كان للعقرب المستعمِرة القدرة على التوالد من دون شريك من الجنس الآخر؛ لأن حاجة وصول كلا الجنسين إلى المكان نفسه وفي الوقت نفسه لم تعد ضرورية.

الشكل (7) أنثى العقرب Tityus serrulatus المتوالدة بكرياً مع صغارها.

 

كذلك الأمر بالنسبة إلى الأنواع المعزولة في حديقة بيئية حيوانية، مثل سمكة القرش التي تتوالد بكرياً وتعطي إناثاً عند غياب الشريك الآخر للحفاظ على بقاء النوع.

الآلية الخلوية للتوالد البكري

قام الكثير من العلماء بتصنيف التوالد البكري في ثلاث فئات:

 1– توالد بكري ذكوري (إنتاج ذكور)arrhenotoky parthenogenesis : يؤدي إلى إنتاج ذكور من دون آباء مثل نحل العسل من رتبة غشائيات الأجنحة Hymenoptera. إن ملكة النحل مسؤولة عن وضع البيوض، كما أنها تخزن النطاف في كيس ليُتاح لها أن تُلَقِّح بعضها بيوضاً لاحقاً، وبذلك تُلَقَّح بعض البيوض، ولا يُلَقَّح بعضها الآخر. تتطور البيوض الملقحة، وتعطي شَغّالات إناثاً مضاعفة الصيغة الصبغية، في حين تتطور البيوض غير الملقحة؛ لتعطي ذكوراً أحادية الصيغة الصبغية haploid. فالتناسل هو من حصة الملكة، والذكور محجوزة للتزاوج مع الملكة تموت بعد ذلك. غير أن أكثر ما أثار فضول العلماء هي كيفية إعطاء البيوض غير الملقحة هذه ذكوراً، فالفائدة التي تعود من إنتاج الذكور بكرياً هي التخلص من الحمولة الجينية عند الذكور. وفي النظام المضاعف - الأحاديhaplodiploid  من النظام الصبغي الذي يستخدمه النحل، تؤدي كل العوامل الجينية والبيئية دوراً في تحديد الجنس (الشكل8). يُطَبِّق هذا النظام أيضاً النمل ants والدبور wasps.

الشكل (8) تحديد الجنس لدى نحل العسل بالنظام المضاعف - الأحادي الصيغة الصبغية.

 

2– توالد بكري أنثويthelytoky parthenogenesis : يشتمل هذا النوع من التوالد على إنتاج إناث من دون آباء، فالذكور نادرة الوجود، وتُعَدُّ عادة غير وظيفية فيما يتعلق بالإنجاب. يحدث مثل هذا التوالد لدى بعض أفراد رتبة غشائيات الأجنحة، فثمة سلالات من نحل الرأسCape bee  (نوع من النحل يكثر في جنوب إفريقيا) تعطي إناثاً مضاعفة الصيغة الصبغية من بيوض غير ملقحة تقضي على جينوم الأب paternal genome. في حالة هذا النحلتُحَدِّد الملكة ما إذا كانت البيوض مضاعفة الصيغة الصبغية أو  أحاديتها، كذلك تعطي بيوضُ بعض أنواع النمل إناثاً من دون إلقاح ولا تُلفى ذكور بين المجموعات الأنثوية المتوالدة بكرياً. كما تخضع الشغالات من النمل لتوالد بكري أنثوي بغياب الملكة، وسبب ذلك مثير للاهتمام، وهو تحديد الجنس.

 3– توالد بكري ثَنوي (إنتاج ذكور وإناث) deuterotoky parthenogenesis : يشتمل على إنتاج كل من الذكور والإناث من إناث غير متزاوجة مع ذكور. لا يختلف هذا النوع من التوالد عن التوالد البكري الأنثوي سوى أن الذكور فيه أكثر شيوعاً، ويصعب في حالات أخرى التمييز بين الاثنين.

الاختلافات الصبغية

ثمة أيضاً اختلافات صبغية chromosomal differences في الأنماط المختلفة للتوالد البكري. تخضع بعض الأنواع لتوالد بكري أحادي الصيغة الصبغية، حيث تنشأ ذريةٌ من بيوضٍ أحادية الصيغة الصبغية بعد الاختزال الصبغي الذي يحدث بالفعل، وتتحول إلى أفراد أحادية الصيغة الصبغية، ويُشاهَد هذا في ذكر نحل العسل.

هناك أنواع أخرى تخضع لتوالد بكري مضاعف الصيغة الصبغية، يحدث وفقاً لآليات مختلفة:

أ – في التوالد البكري التَّعَرُّسي الذاتي automictic parthenogenesis : يحدث اختزال الصبغيات بالطريقة الاعتيادية، ويستمر مع العدد الصبغي المضاعف عن طريق اندماج نواتين أحاديتي الصيغة الصبغية.

ب – في التوالد البكري اللاتَعَرُّسيapomictic parthenogenesis : حيث لا يحدث اختزال للصبغيات، ولا يحدث أيضاً اندماجنووي؛ومن ثم لا يحدث - في هذه الحالة- انقسام مُنَصِّف خلال تشكل الأعراس الأنثوية؛ ولا يحدث من ثمّ أي تخفيض لصبغيات الأعراس الأنثوية، وبذلك يتم الحفاظ على العدد المضاعف للصيغة الصبغية.

بالنتيجة: كلا الآليتين المذكورتين تعطي أفراداً مضاعفة الصيغة الصبغية diploid individuals. لكن يكمن الفرق بينهما في أنه في الحالة الأولى تدخل البيوض مرحلة الانقسام المنصف، والفائدة التي تحصل عليها البيوض بدخولها الانقسام المنصف وخضوعها للتوالد البكري التعرسي الذاتي؛ هي الفصل بين المورثات وحدوث العبور والانخفاض الصبغي، وانتهاءً بزيادة في الاختلاف الجيني. وفي الحالة الثانية، فإن البيوض لا تدخل مرحلة الانقسام المنصف.

هناك أنواع من الديدان الخيطية Nematoda  تعيش في التربة، ومعروف أن التوالد البكري لديها هو تَكَوُّنٌ أنثوي gynogenesis، لا تندمج فيه النطافُ في البيوض أحادية الصيغة الصبغية، لكنها لكي تبدأ بالتنامي الجنيني؛ تقوم فقط بتفعيلها، وتعطي نتيجةً لذلك إناثاً أحادية الصيغة الصبغية haploid females.

التوالد البكري الاصطناعي

يحدث عند إخضاع الخلية البيضية - والتي لا تقوم عادة بالتوالد البكري طبيعياً - إلى عوامل خاصة تجعلها فعّالة، هذه العوامل تقوم مقام النطفة، وتبدأ الخلية البيضية عندئذٍ بالتقسم، وتكون الجنين.

في حال التحفيز اصطناعياً، يمكن للتوالد البكري أن يكون غير مكتمل، حيث يموت الجنين قبل اكتماله، أو أن يكون التوالد البكري مكتملاً يعطي جنيناً كاملاً.

العوامل المحفزة للتوالد البكري الاصطناعي artificial parthenogenesis هي عديدة، قد تكون موادّ كيميائيةً مثل كلورات البوتاسيوم والصوديوم والكلسيوم، أو حموضاً عضوية، أو ماء البحر مرتفع التركيز أو منخفض التركيز أو عوامل أخرى ميكانيكية أو حرارية أو كهربائية، كل هذه العوامل تحاكي أو تقلد دور النطفة، لكن معظم الأجنة لا تعيش طويلاً، أو أغلبها مشوهة.

أول من أوضح حالة التوالد البكري الاصطناعي هو جاكس لوب Jacques Loeb  عام  1990 بوخز بيوض الضفدع غير الملقحة بإبرة، فوجدها تنامَت في بعض الحالات بصورة طبيعية، في حين حفّز العالم غريغوري بينكوسGregory Pincus  بيوض الأرانب على التوالد البكري، وذلك عن طريق تغيرات درجات الحرارة وأيضاً ببعض العوامل الكيميائية، كما تمكن ماثيو كوفمانMathew Kaufman  ومعاونوه من إحداث التوالد البكري عند الفأر (الشكل 9)، ووصل التنامي الجنيني حتى مرحلة برعم الأطراف الأمامية، ولم يَسِر التنامي أبعد من ذلك. لم ينجح التوالد البكري الاصطناعي لدى الإنسان، ولم يُبَلَّغ عن ذلك.

الشكل (9) التوالد البكري الاصطناعي.

التوالد البكري مقابل التوالد الجنسي

يكمن الفرق على المستوى الخلوي بين التوالد البكري والتوالد الجنسي في أنه في التوالد الجنسي يحدث الانقسام المُنَصِّف ودمج الأعراس الذكرية والأنثوية، أما في التوالد البكري فيتم تبديل الانقسام المنصف بوجود مجموعة واحدة فقط من الصبغيات التي يتم نقلها بطريقة غير عشوائية.

جذور المشكلة في التوالد البكري لدى الفقاريات هي في البيوض أحادية الصيغة الصبغية غير الفعّالة (من دون فائدة). فالخلية البيضية إما أن تبقى مضاعفة الصيغة الصبغية بعد خضوعها للانقسام المنصف؛ وإما أن تكون - بطريقة ما- قادرة على أن تصبح مضاعفة الصيغة الصبغية بذاتها itself من جديد، يتحقق ذلك بعدة طرائق:

1– أبسط طريقة هي وقف حدوث الانقسام المنصف، وهذه تدعى "التوالد البكري اللاتعرسي" apomixy، عندئذٍ تنتج الخلية البيضية فقط عن طريق الانقسام الخيطي mitosis متجاهلةً إعادة جمع الصبغيات وعزلها؛ مما يؤدي إلى نسخ مطابقة للدنا.

 2– هناك طريقة أخرى هي تضاعف عدد الصبغيات قبل حدوث الانقسام المنصف -ومن ثم عند تنصيف العدد الصبغي- فإن النتيجة بقاء الخلية البيضية مضاعفة الصيغة الصبغية مُنتِجَةً نسخاً مطابقةً للدنابسبب إعادة جمع الصبغيات أو عزلها؛ والتي تجري بين الصبغيات المتماثلة نفسها، ولا يلفى واحد غريب.

3– أكثر الطرائق شيوعاً هي الحفاظ على مستوى الصيغة الصبغية المضاعفة، وهذا ما يسمى التوالد البكري التعرسيautomixis  (إعراس ذاتي). وهذا يحصل عند حدوث الانقسام المنصف، والناتج هو خلية بيضية أحادية الصيغة الصبغية، وتصبح مضاعفة الصيغة الصبغية عند اندماجها في أحد الأجسام القطبية الناتجة، من الواضح أن هذه الطريقة لا تنتج أنسالاً متطابقةً (الشكل 10).

الشكل (10) الفرق بين التوالد البكري التعرسي واللا تعرسي.

 

إن التوالد الجنسي هو أكثر مثالية للبيئات، حيث هناك وفرة في التفاعلات الحيوية، مثلاً لا يُلفى فعلياً التوالد البكري في المناطق الاستوائية والمناطق المدارية؛ لأن هناك حاجة إلى الاختلاف الجيني من أجل البقاء، في حين يُلفى في القطب المتجمد العديد من الأنواع المتوالدة بكرياً، وذلك - ببساطة شديدة - لأن التزاوج يتطلب الكثير من الطاقة. وأكبر مشكلة تواجه الفقاريات هي كيفية تفعيل الخلية البيضية بعد توقفها عادةً في مرحلة الانقسام المنصف الثاني في الطور الاستوائي من الدورة الخلوية، وهي تحتاج إلى النطفة؛ لكي تتفعّل، وفي الحقيقة لا يُوَرَّث المُرَيكِز centriole، ويجب أن يُبنَى من جديد؛ الأمر الذي يُعد عاملاً مقيداً. إن نظام تحديد الجنس مهم جداً، ويتطلب التوالد البكري نسبةَ جنسٍ منحازة إلى إناث على نحو كبير.

هناك ميزة للأنواع المتوالدة بكرياً تميزها من نظرائها المتوالدة جنسياً، هي:

أ – لا تحتاج إلى صرف طاقة في البحث عن شريك للقيام بعملية التزاوج.

ب – لكل فرد القدرة على إعادة إنتاج الذرية من دون هدر طاقة على الذكور عامة.

من ناحية أخرى فإن التوالد الجنسي هو النمط الأكثر شيوعاً بين الحيوانات؛ لأنه يُوَفِّر ميزات حقيقية للكائن الحي من أجل التعويض من زيادة الطاقة المطلوبة لإنتاج الذكور.

من ميزات التوالد الجنسي التنوع الجينيgenetic diversity  الناتج من اتحاد الأعراس الذكرية والأنثوية، وهذه التغيرات المتزايدة في الأنواع المتوالدة جنسياً تسمح دائماً لمزايا الانتقاء المختلفة بين الأفراد بالبقاء على قيد الحياة على المدى الطويل، في المقابل فإن التوالد البكري يمكن أن يُعَدُّ معزولاً وراثياً وذُرِّيّاً؛ مما يقلل فرص البقاء على قيد الحياة على المدى الطويل في بيئة متغيرة.

يسمح التوالد الجنسي بالتعديل الوراثي، كما يسمح باندماج سريع للطفرات المفيدة، وكان الباحث مولر أول من اقترح أن التوالد الجنسي يُعَجِّل حدوثَ التطور للمجموعة الحيوانية نفسها أكثر من الفرد المفرد. وفي بيئات مثل الغابات المطيرة، حيث التنافس شديد للغاية؛ فإن التوالد الجنسي ليس مفيداً فقط؛ بل ضروري. وتكون معظم الحيوانات المتوالدة بكرياً في الموائل النائية معزولة عن أقرانها المتوالدة جنسياً، والسبب الرئيسي للتوزع الانعزالي للأنواع المتوالدة بكرياً هو قدرة الأفراد المنفردة على العثور على مستعمرات من دون عضوية الشريك الآخر. وعلى افتراض أن الأنواع المتوالدة بكرياً هي مستعمرات متفوقة، وتطورت في عزلة بعيدة عن أقرانها المتوالدة جنسياً؛ حينئذٍ لا يظهر التنافس لاعباً أساسياً في تطورها. يفيد التوالد البكري أيضاً  فقط في بيئات خاصة، وقد لا تكون تطورياً قديمة جداً، وتُعدّ طريقاً مسدودةً تطورياً ( الشكل11 ).

الشكل (11) التوالد البكري مقابل التوالد الجنسي لدى سمك القرش shark.

 

مراجع للاستزادة:

 – أميرة أومري، علم الحياة الحيوانية  2، التكاثر وعلم الجنين، منشورات جامعة دمشق،  2005.

-     R. E. Blackwelder, The Diversity of Animal Reproduction,CRC Press 2018.

-     W. Mueller, et al., Development and Reproduction in Humans and Animal Model Species, Springer, 2015.

-     E. F. Phillips, A Review Of Parthenogenesis,Legare Street Press 2022.

 


- التصنيف : علم الحياة (البيولوجيا) - النوع : علم الحياة (البيولوجيا) - المجلد : المجلد العاشر، طبعة 2025، دمشق مشاركة :

بحث ضمن الموسوعة

من نحن ؟

الموسوعة إحدى المنارات التي يستهدي بها الطامحون إلى تثقيف العقل، والراغبون في الخروج من ظلمات الجهل الموسوعة وسيلة لا غنى عنها لاستقصاء المعارف وتحصيلها، ولاستجلاء غوامض المصطلحات ودقائق العلوم وحقائق المسميات وموسوعتنا العربية تضع بين يديك المادة العلمية الوافية معزَّزة بالخرائط والجداول والبيانات والمعادلات والأشكال والرسوم والصور الملونة التي تم تنضيدها وإخراجها وطبعها بأحدث الوسائل والأجهزة. تصدرها: هيئة عامة ذات طابع علمي وثقافي، ترتبط بوزير الثقافة تأسست عام 1981 ومركزها دمشق 1