logo

logo

logo

logo

logo

البيئة (تدهور-)

بييه (تدهور)

Enviromental Degradation -

البيئة (تدهور ـ)

 محمد عبيدو

المنظومات البيئية والتدهور البيئي أسباب التدهور البيئي
العتبات البيئية الآثار الصحية للتدهور البيئي
المرونة البيئية الآثار الاقتصادية للتدهور البيئي
مؤشرات التدهور البيئي مكافحة التدهور البيئي
 

التدهور البيئي environmental degradation هو تدني جودة البيئة نتيجة طرح الملوثات فيها أو سوء استخدام مواردها من أحياء وماء وهواء وتربة، وهو وصف للتغير التراجعي في البيئة ومنظوماتها البيئية (الإيكولوجية) بسبب استنزاف مواردها وتدمير موائلها وانقراض أحيائها بفعل النشاطات البشرية. ويُعد التدهور البيئي واحداً من أهم التهديدات التي تواجهها البشرية في هذا القرن؛ حيث ازدادت وتيرته ومداه على نحو ملحوظ منذ الثورة الصناعية. وقد خلص التقرير الأول لتقييم الألفية للنظم البيئية -في عام 2005 - إلى أن نحو 60% من المنظومات البيئية التي تم تقييمها تتعرض للتدهور، أو تُستخدم بصورة غير مستدامة، وربما يزداد تدهورها على نحو أكبر قبل انتصاف هذا القرن نتيجة تسارع الطلب على منتجاتها وخدماتها من غذاء ومياه عذبة وخشب وألياف ووقود، وكذلك بسبب التلوث المتزايد وتغير المناخ.

يأخذ التدهور البيئي أوجهاً مختلفة عند عدّ البيئة مجموعةً من المنظومات الطبيعية والاجتماعية والثقافية التي يعيش الإنسان والكائنات الأخرى فيها، إلا أن فهم ماهيته يحتاج إلى توضيح بعض المفاهيم المتعلقة بالعلاقة التبادلية بين المنظومات البيئية والنشاطات البشرية المؤثرة فيها.

المنظومات البيئية والتدهور البيئي

المنظومة البيئية نظام قائم على التفاعل بين مجتمع الكائنات الحية في منطقة معينة وبيئتها غير الحية. وتتسم المنظومات البيئية بالدينامية والمرونة والبطء في استجابتها للمؤثرات، وبوجود العتبات thresholds وحلقات التغذية الراجعة feedback loops. وتوفر المنظومات البيئية مجموعة واسعة من الفوائد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وتشمل أربع فئات أساسية هي:

1- الدعم support مثل تكوين التربة والمحافظة عليها، واحتضان دورة العناصر فيها.

2- التزويد provision مثل توفير الأغذية والأدوية والوقود، ومجموعة واسعة من المنتجات الخشبية ومنتجات أخرى بما في ذلك مواد البناء والمنتجات الورقية.

3- التنظيم regulation مثل تنقية المياه واستيعاب الفيضانات وتجديد المياه الجوفية وحماية الشواطئ، واحتجاز الرواسب والعناصر الغذائية وحماية التنوع البيولوجي، وتخليص الجو من ثنائي أُكسيد الكربون وإغنائه بالأكسجين.

4- الثقافة culture وتشمل الدعم المعنوي والترفيه والسياحي.

يقصد باضطراب المنظومات البيئية ecosystem disturbance -ولاسيما المرتبط منه بالنشاطات البشرية- التدهور البيئي عند الحديث عن العلاقة بين البيئة والتنمية، ويشمل منظومة إيكولوجية أو أكثر، وقد يمتد إلى مساحات واسعة من المحيط الحيوي. ويفضل استعمال لفظة الاضطراب عند الحديث عن الخلل في عمل منظومات بيئية محددة. ويستعمل مصطلح التدهور البيئي أيضاً لوصف التدني في جودة المنظومات البيئية وعناصر البيئة اللاأحيائية؛ فيقال تدهور البيئة البحرية، وتدهور نوعية الهواء والماء نتيجة تلوثهما، وتدهور الأراضي نتيجة سوء استعمالها؛ وهي موارد بيئية environmental resources متجددة وغير متجددة تستعمل سلعاً في التجارة المحلية والدولية. وحالياً صار استعمال مصطلح التدهور البيئي مرادفاً للاضطراب الإيكولوجي بل أكثر استعمالاً منه، ولاسيما عندما يقترن التدهور البيئي بسوء نوعية الموارد البيئية على نطاق واسع، وتدني قيم منتجاتها وخدماتها الاقتصادية.

الاضطراب هو أي تغير طارئ في الخصائص الطبيعية لعنصر أو أكثر من عناصر البيئة يؤثر سلباً في كفاءة عمل المنظومة البيئية؛ ويقال عن منظومة بيئية إنها مضطربة إذا تعرضت عناصر بيئتها لأضرار ملحوظة. والاضطراب حدث مفاجئ يقضي على الكائنات الحية أو يزيلها، ويفتح الموقع أو يحرر موارده المثبّتة؛ بحيث يمكن أن تُستغلَّ من قبل أحياء أخرى. ويؤدي الاضطراب إلى تراجع قدرة المنظومات البيئية وإضعافها أو ربما فقدها لإمكان توفير المنتجات والخدمات في حالات الاضطراب الشديد. ولا شك في أن قدرة منظومة بيئية على تحمل الاضطراب يرتبط بعوامل عديدة مثل نوع الاضطراب واتساعه وشدته وتكرار حدوثه وعمر المنظومة وعدد أنواعها ووظيفتها وتركيبها وصحتها، إضافة إلى قدرتها على التكيف معه.

وهناك العديد من العوامل التي يمكن أن تتسبب في اضطراب المنظومات البيئية، يمكن تقسيمها إلى:

1- عوامل أحيائية كالرعي الجائر وانتشار الآفات والأمراض.

2- عوامل لا أحيائيه كالحرائق والاحتطاب الجائر وأعمال المقالع والمناجم وانهيارات الصخور والتربة. ويمثل البشر جزءاً ومستفيداً رئيساً من منتجات المنظومات البيئية وخدماتها على اختلاف أنواعها (الشكلان 1و2).

الشكل (1) الرعي الجائر وأثره في تدهور مراعي البادية السورية.
الشكل (2) أثر الحرائق في تدهور غابات الصنوبر في منطقة كسب في سورية.

العتبات البيئية

تتعدد النظريات والسياسات المعتمد عليها بشأن التدهور البيئي وماهيته؛ فهناك التدهور المحدود؛ وهو تعبير في السياسات البيئية يقضي بسماح تدهور المنظومات البيئية إلى مستوى لا يضر بالمورد البيئي أو بمعايير رفاهية الإنسان. ومن هذا المنطلق؛ عاد الحديث عن مصطلح إيكولوجي وربطه بسياسات البيئة، وهو العتبات الإيكولوجية؛ وهي نقاط حرجة تمثل انقلاباً قد يكون فجائياً أو متدرجاً؛ وقد يكون غير عكوس تُطلِق عنانه مؤثراتٌ طبيعية أو أنشطة بشرية. إلا أن هناك جدلاً كبيراً حول الدرجة أو المستوى الذي يمكن عنده ضمان عدم الوصول إلى العتبة الإيكولوجية التي يمكن بتجاوزها أن تنهار المنظومة البيئية؛ أو أن يحدث بتخطيها تغييرات مفاجئة في نوعية المنظومة وصفاتها. وعلى سبيل المثال؛ اختلف علماء البيئة وساستها حول مدى ارتفاع درجة الحرارة العالمي التي لا يجوز تخطيها للحيلولة دون حدوث تغيرات مناخية لا تستطع المكونات الأحيائية للمنظومات البيئية مواكبتها والتأقلم معها؛ فاختلف الساسة بين درجتين وأربع، إلى أن استقر الرأي على درجتين بالإجماع. ولا شك في أن في ذلك كثيراً من عدم اليقين نظراً لتعقيد المنظومات البيئية وصعوبة تحديد عتبات عمل أحيائها.

ولتوضيح المفهوم تُعد التغيرات التي تحصل في التوندرا في القطب الشمالي مثالاً نموذجياً عن تجاوز العتبات الخاصة بمنظومة معينة وتبعاتها البيئية؛ حيث يؤدي ارتفاع درجات حرارة جو الأرض إلى تقصير فترة بقاء الثلوج، الأمر الذي يخفِّض من انعكاسية السطح، ممّا يتسبب في ازدياد امتصاص الطاقة الشمسية، وبالتالي ارتفاع درجات الحرارة المحلية التي تسرَّع بدورها من معدل ذوبان الثلوج ونشر مزيد من الدفء الذي يعزز من غزو الشجيرات إلى مناطق التوندرا، وتعمل الشجيرات بدورها على تخفيض الانعكاسية ممّا يزيد في الدفء وغزو المزيد من الشجيرات إلى التوندرا. فهي إذاً أحداث متسلسلة؛ حيث يوُلِّد تغير في عامل ما مجموعة أحداث متلاحقة الأثر؛ مما يحوِّل التوندرا في القطب الشمالي إلى أرض شجيرات، نجمت عن زيادة طفيفة نسبياً في درجة حرارة الجو.

كذلك الأمر يدفع تكرار الجفاف واستمراره الغطاء النباتي للمنظومة البيئية باتجاه حدود تحمله الفيزيولوجي للإجهاد المائي، وبالتالي تهيئة الظروف التي تبدأ معها الأنواع المتحملة للجفاف بغزو المنظومة البيئية على حساب الأنواع المُجهدة بفعل نقص الماء، وهذا يؤدي إلى تغير في تركيب المنظومة وسيادة أنواع جديدة أكثر تحملاً للجفاف. وينطبق الأمر ذاته على الأنواع الغريبة إذ يمكنها أن تغير تركيب المنظومات البيئية المحلية في كثير من المناطق؛ حيث أدى غزو نوع من قناديل البحر مثلاً للبحر الأسود إلى تدمير 26 سلالة من الأسماك عالية القيمة التجارية.

المرونة البيئية

تعني المرونة الإيكولوجية ecological resiliency قدرة المنظومة البيئية على تحمل المؤثرات بأقل الأضرار، وهي صفة ناتجة من مكونات المنظومة البيئية ذاتها؛ فثمة منظومات إيكولوجية تمتاز بقدرة حيوية عالية تمكنها من تحمل الضغوط واستعادة توازنها، ومنها ما يكون حساساً لمثل هذه التغيرات فتضمحل المنظومة وربما تزول. وتتحكم بالتوازن الإيكولوجي أساساً مجموعة من العوامل البيئية من مناخ وتربة وطبوغرافياً. ويأتي عنصرا الحرارة والأمطار في مقدمة العوامل المناخية التي تتحكم بانتشار الأحياء ونموها وإنتاجيتها وبالتالي مقدرتها الحيوية (البيولوجية). ويمكن القول أن لكل منظومة بيئية مقدرة حيوية، تتولد من التفاعل بين مكوناتها الأحيائية واللا أحيائية منتجات تعرف بالموارد البيئية التي تكون محدودة في كمياتها. وكلما كانت هذه العوامل أكثر ملاءمة كوَّنت الأحياء مجتمعات ذات علاقات وروابط معقدة فيما بينها ومع الوسط المحيط. ويزيد تعقيد هذه الروابط من الاستقرار والإبقاء على توازن المنظومة البيئية. وبالتالي فإن تبسيط المنظومات البيئية بإنقاص مساحاتها أو باختفاء بعض أنواعها يقود إلى إضعاف مرونتها وجعلها أكثر قابلية للتأثر vulnerable بفعل المؤثرات الخارجية. وتعتمد الأحياء بعضها على بعض في علاقة توصف بالآكل والمأكول ضمن شبكة غذائية مكونة من تشابك السلاسل الغذائية بعضها مع بعض، وبالتالي لا تتراكم الفضلات في المنظومة البيئية. فالفضلات المطروحة في منظومة بيئية مائية كجدول أو نهر؛ يُتخلص منها إن كانت في حدود قدرتها الاستيعابية. لذا يُقال إن النهر ينقي نفسه كل عشرة كيلومترات، إلا أن عملية التنقية هذه تكون منقوصة بازدياد كمية المخلفات بما يتجاوز المقدرة البيولوجية لأحياء النهر. كذلك الأمر، إنّ تجاوز الحمولة الرعوية لطاقة استيعاب المراعي يقود إلى اضطراب منظومتها البيئية وتدهور منتجاتها وربما تصحر المنظومة بكاملها.

يتحقق اتزان المنظومات البيئية بفعل عمليات التنظيم داخل المجتمعات الأحيائية عن طريق التغذية الراجعة والتنظيم الذاتي لجماعات الكائنات الحية في المنظومة البيئية والعلاقات المتبادلة بينها. وتعد سلامة دورتي المادة والطاقة في المنظومات البيئية أساساً لسلامة المنظومة البيئية.

وعندما يزيد استهلاك الموارد البيئية بما يتجاوز طاقتها على التجدد، يقع العجز البيئي وتدخل المنظومة البيئية طور التدهور. ومن المسلّم به أن التمادي في استنزاف المنظومات البيئية قد وصل إلى نسبة عجز بيئي عالمي قدرها 30%، أي إن سكان الكرة الأرضية بحاجة إلى ثلث كوكب آخر بحجم الأرض لتلبية احتياجات البشر بمعدل استهلاكهم الحالي.

لا تُعد التغيرات الدورية التي تطرأ على المكوِّن الأحيائي للمنظومات البيئية تدهوراً بيئياً؛ بل تبدلات دورية سببها تأثير العوامل اللا أحيائية، وقد تكون هذه التبدلات طفيفة أو عميقة في تأثيرها؛ إلا أن المكون الأحيائي يعيد تنظيم نفسه من جديد محاولاً العودة إلى نقطة التوازن، وبالتالي يمكن القول إن المنظومات البيئية في حالة دائمة من التبدل. إلا أنه عندما يكون الضرر كبيراً في بنية المكون الأحيائي وعمله يقال إن المنظومة البيئية بدأت بالتدهور أو تدهورت؛ حيث تكون قد فقدت جزءاً من مساحتها أو مكوِّناً أساسياً من مكوناتها كما في حالات انجراف التربة، وما يحدث للغابات في حالة الأعاصير والفيضانات والحرائق المستعرة (الشكل 3).

الشكل (3) مظاهر التدهور البيئي في ترب البادية السورية.

مؤشرات التدهور البيئي

تتمثل مؤشرات التدهور البيئي في التذبذب في كميات الأمطار، وتدهور الغطاء النباتي كمَّاً ونوعاً، وتدني خصوبة التربة، إضافة إلى اختفاء أنواع وأعداد كبيرة من الحيوانات البرية. وعلى سبيل المثال يشير تقرير تقييم الألفية للنُظُم البيئية إلى أن نحو 35% من أشجار القرم و20% من الشعاب المرجانية؛ قد فُقدت منذ العام 1980. كما يستخدم السكان في بعض مناطق البحر المتوسط وشمالي إفريقيا 120% من موارد المياه المتجددة بالاعتماد على المياه الجوفية الأحفورية. ودمر الصيد الجائر ربع مخزون الثروة السمكية في البيئات البحرية للكرة الأرضية. وازدادت معدلات انقراض الكائنات الحية الآن أكثر بألف مرة من متوسطها خلال التاريخ. ويعتقد أن ما بين 10-30% من الفقاريات البرية مهددة بالانقراض الآن، كما أن نحو 12% من طيور العالم و25% من الثدييات و32% من البرمائيات مهددة بالانقراض.

يُستدل على تدهور المنظومات البيئية من خلال معايير ومؤشرات، فعلى سبيل المثال؛ من المعايير الحيوية التي تعتمدها وكالة حماية البيئة الأمريكية للدلالة على تدهور الشعاب المرجانية؛ التلوث بالبراز البشري، ويقاس بكمية نظير النتروجين في خلايا الكائنات المرجانية. كذلك يعد فقد الأنواع وبالتالي تغير بنية المجتمع ووجود الأنواع الغازية والاستعاضة عن الأنواع الأصلية؛ مؤشرات لتدهور المنظومات البيئية للشعاب المرجانية. وفي البيئات البرية يكثر- بعد الحرائق المتكررة- انتشار الأنواع المتحملة للنار خضرية التكاثر، وتلك ذات الريزومات في المواقع المحترقة، وتقل الأنواع الحساسة لها، كما يكثر انتشار الأنواع أليفة الضوء والأنواع العشبية المتحملة للجفاف في المواقع المحترقة.

يُستعمل دليل الأداء البيئي environmental performance index الذي طُوِّر في جامعة ييل Yale University مؤشراً غير مباشر للعلاقة بين البيئة والتنمية، وهو يدل على مدى كفاية الأداء في تقليل تأثير الإجهاد البيئي في رفاهية الإنسان، وتحفيز حيوية المنظومة البيئية، والإدارة الجيدة للموارد الطبيعية. ويُذكر وفقاً لهذا المؤشر لعام 2012 أن النيجر وأنغولا وسيراليون وموريتانيا وبوركينا فاسو واليمن من بين البلدان ذات الأداء البيئي المنخفض جداً، في حين تعد أيسلندا والسويد من بين الدول الأفضل في أدائها البيئي، وتُراوِح بقية دول العالم بين هاتين المجموعتين.

يمكن قياس مدى استخدام مجتمع أو دولة ما للطبيعة أو الأثر البيئي المتولد من استعمال الموارد بمؤشر البصمة البيئية ecological footprint. يوضِّح هذا المؤشر مستوى استدامة نمط عيش سكان دولة بعينها وتأثيرهم في كوكب الأرض. ويتم معرفة ذلك من خلال مقارنة الطلب على الموارد البيئية نسبة للقدرة الاستيعابية للنظم البيئية، وهي مساحة الأراضي والبحار المنتجة لاحتياجات دولة ما من الموارد الطبيعية، والمستوعبة لمخلفات سكانها في الوقت نفسه مقدرة بالهكتار/الفرد. وتدل أيضاً على المساحة اللازمة لإنتاج جميع الموارد التي يستهلكها عدد من السكان واستيعاب النفايات الصادرة عنهم. تسمى البلدان التي تكون بصمتها البيئية أكبر من مقدرتها البيولوجية مدينة بيئياً أو ذات عجز بيئي ecological deficit؛ في حين تسمى البلدان التي تزيد قدرات منظوماتها البيئية على بصمتها البيئية دائنة بيئياً. والقدرة الحيوية هي مقدار الحيز الحيوي المنتج والمتاح للاستخدام البشري، ويذكر تقرير البصمة البيئية لعام 2012 أن لسكان دولة قطر أعلى بصمة إيكولوجية في العالم 11.7، في حين دول الاتحاد الأوربي 4.7، ويحتاج سكان الولايات المتحدة الأمريكية إلى أكثر من أربعة أضعاف مساحة الولايات المتحدة نفسها لتلبية احتياجاتهم وتصريف مخلفاتهم، في حين لا تتعدى احتياجات الدول الإفريقية والهند وباكستان مساحة دولهم، وتقدر البصمة البيئية لسكان العالم بنحو 2.7 هـ/فرد علماً أن المقدرة الحيوية للأرض 1.8 هكتار/الفرد وبالتالي هناك عجز بيئي يقدر بنحو 0.9 هـ/فرد.

أسباب التدهور البيئي

ينتج التدهور البيئي بسبب جملة تفاعلات دينامية تشترك فيها العوامل الاجتماعية والاقتصادية والأنشطة المؤسسية والتقانية. وتكمن جذور التغيرات البيئية في العديد من العوامل بما فيها النمو الاقتصادي والتزايد السكاني وديناميته والتوسع العمراني وتكثيف الزراعة، وتنامي استخدام الطاقة والنقل والفقر الذي لا يزال مشكلة في جذور مشاكل بيئية عدة.

لقد تسارع التدهور البيئي في العقود الأخيرة، ويمثل التصحر سلسلة متتالية من تدهور المنظومات البيئية ولاسيما الهشة منها بما يتجاوز العتبات التي لا يمكن لمنظومة إيكولوجية هشة أساساً أن تستعيد نفسها بعدها إلا بمدخلات خارجية. وعلى سبيل المثال؛ إن أكثر من 80% من المناطق الجافة في إقليم البحر المتوسط متأثر بالتصحر. كما تعاني المياه الساحلية للبحر المتوسط تلوثاً بحرياً وبرياً، ويعود ما نسبته 80% من التلوث إلى مصادر برية؛ حيث ينقل نحو 80 نهراً أحمالاً ثقيلة من التلوث إلى البحر (الشكل4 ).

الشكل (4) تلوث الشواطئ البحرية بالنفايات البلدية.

إن الاستنزاف بالمفهوم العلمي يعني استغلال الموارد الطبيعية إلى درجة النفاد، بحيث يكون معدل الفاقد من هذا المورد أكبر من معدل المتجدد أو الوارد إليه، وهذا ما يحدث في حالة الغابات مثلاً، حيث يتم قطع الأشجار بسرعة أكبر بكثير من معدل النمو السنوي؛ ممّا يؤدي إلى زوال هذه الغابات، وما يترتب على ذلك من مشاكل بيئية عديدة كالتصحر وانجراف التربة.

الآثار الصحية للتدهور البيئي

هناك علاقة وطيدة بين المنظومات البيئية ورفاهية الإنسان؛ فهي إضافة إلى منتجاتها وخدماتها فإنها تؤدي دوراً بالغ الأهمية في مجالي الوقاية من الأمراض والمحافظة على الصحة العامة للبشر؛ فكثير من الأمراض التي تصيب الإنسان نشأ أساساً في عالم الحيوان، والتغيّرات التي تحدث في مواطن الحيوانات من نواقل الأمراض أو مستودعاتها قد تؤثّر في صحة الإنسان إيجابياً أحياناً و سلبياً أحياناً أخرى. وهناك اعتقاد -على سبيل المثال- بأنّ فيروس نيباه Nipah virus نشأ بعد أن دفعت نيران استصلاح الغابات في إندونيسيا بالخفافيش الحاملة له إلى ماليزيا، حيث أصاب الفيروس الخنازير التي تُربّى في المزارع بأعداد كبيرة، وانتقل منها إلى البشر. كما أن صحة البشر مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بصحة المنظومات البيئية التي تلبّي الكثير من احتياجاتهم الأساسية؛ فعلى سبيل المثال يُعدُّ تدهور مصايد الأسماك والمنظومات البيئية الزراعية من العوامل المُسبِّبة لسوء التغذية التي تصيب نحو 800 مليون نسمة في جميع أرجاء العالم. وتودي الأمراض المنقولة بالمياه بحياة 3.2 مليون شخص في العام، ما يمثّل 6% تقريباً من مجموع الوفيات التي تحدث سنوياً على الصعيد العالمي. ويشير تقرير منظمة الصحة العالمية إلى أن التدهور البيئي المتمثل في تلوث الماء والهواء والتربة يتسبب في نحو 40% من معدلات الوفيات في العالم. كما يؤدي استعمال الأخشاب والأحطاب كوقود إلى تلوث الهواء في الأماكن المغلقة، والذي يشكل نحو 3% من عبء المرض العالمي، ويُعد أحد الأسباب الرئيسة الكامنة وراء حدوث الأمراض التنفسية؛ إذ يستخدم معظم سكان العالم هذا الوقود لطهي الطعام والتدفئة.

الآثار الاقتصادية للتدهور البيئي

قُدِّرت تكلفة التدهور البيئي السنوي للنشاطات البشرية عام 2008 بنحو11% من الناتج الإجمالي العالمي أي ما يعادل 6.6 تريليون من الدولارات الأمريكية. وتبلغ التكلفة في البلاد العربية نحو 95 مليار دولار أمريكي سنوياً أو ما يعادل 5% من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2010 للدول العربية مجتمعة. ويذكر تقرير البنك الدولي لعام 2011 أن كلفة التدهور البيئي في لبنان تفوق 800 مليون دولار أميركي سنوياً، أي 3.7% من الناتج المحلي العام، و4.3% من الناتج المحلي في الباكستان. ومن المتوقع وفقاً لتقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام 2011 أن استمرار التدهور البيئي من دون ضوابط سيؤدي إلى ارتفاع في أسعار المواد الغذائية بنسبة 50% وتبديد الجهود الرامية إلى إتاحة الحصول على خدمات الطاقة والمياه وخدمات الصرف الصحي لمليارات الأشخاص خاصة في دول العالم النامي. ووفقاً لتكهنات التقرير يُتوقع أن ينخفض متوسط دليل التنمية البشرية بحلول عام 2050 -بعد حساب تأثير ارتفاع درجة الحرارة العالمي في إنتاج الغذاء والتلوَّث-
بنسبة 12-15% في جنوب آسيا وجنوبي الصحراء الإفريقية الكبرى عما سيبلغه في ظل الأحوال العادية. كما يمكن للتدهور البيئي أن يبدّد جهوداً بُذلت طوال عقود لتحسين حصول المجتمعات الفقيرة جداً على إمدادات المياه والكهرباء وخدمات الصرف الصحي.

هذا ويقدر تقرير برنامج الأمم المتحدة جيو5 (GEO-5) الصادر عام 2012 الأضرار الاقتصادية السنوية الناجمة عن تغير المناخ بنحو 1-2% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وأن تكلفة التكيف الساحلي معه تقدر ما بين 26-89 مليار دولار بحلول منتصف القرن الحالي وذلك بحسب منسوب الارتفاع، ويضيف التقرير؛ أنه تم تسجيل المزيد من التدهور في موارد المياه الجوفية منذ عام 2000، كما شهد العقدان الماضيان تدهوراً غير مسبوق في المخزونات السمكية العالمية. وزاد عدد المناطق الساحلية الميّتة على نحو كبير خلال السنوات الأخيرة، فمن بين 169 منطقة ساحلية ميتة على مستوى العالم؛ لا تتعافى سوى 13 منها، في حين تعاني 415 منطقة ساحلية عدم جودة التغذية.

مكافحة التدهور البيئي

كان للتدهور البيئي دور أساسي في تدهور مجتمعات بأكملها وانهيارها، ومن بينها مجتمعات في أهوار العراق منذ سبعة آلاف عام، ومجتمعات جزيرة إيستر وهي جزء من التشيلي، والنورس في غرينلاند خلال الألفية المنصرمة. كما أن تكاليف التدهور البيئي بينية الأجيال؛ فهي تمتد من جيل إلى آخر. ويقوِّض التدهور البيئي التنمية المستدامة باعتبار البيئة ركناً من أركانها، كما يهدد رفاهية الإنسان لارتباطه بمشاكله الصحية. ولا بد من العمل على السياسات التي تستهدف محركات التدهور البيئي وأسبابه مثل النمو السكاني والتوسع الحضري وأنماط الاستهلاك غير المستدام والطاقة والنقل التي تعتمد على الوقود الأحفوري.

اعتُمدت سياسات واستراتيجيات على المستوى الدولي للحد من التدهور البيئي ومكافحته؛ كان من أهمها اتفاقيات قمة الأرض earth summit التي عقدت في ريو دي جانيرو عام 1992. وتلخِّص النقاط التالية بعضاً من الإجراءات للحد من التدهور البيئي على المستوى الوطني:

1- إنشاء المحاكم البيئية لضمان السرعة والعدالة في فض المنازعات البيئية وقضايا تلوث البيئة.

2- تشجيع المنتجات صديقة البيئة بوضع معايير صارمة للمنتجات بحيث تتوافق مع معايير الإنتاج الأنظف والاقتصاد الأخضر.

3- استعمال البنزين الخالي من الرصاص في محركات الاحتراق الداخلي للتخفيف من تلوث البيئة بالرصاص.

4- حظر المبيدات الضارة والمواد الكيمياوية الخطرة لتحل محلها المبيدات الحيوية الآمنة.

5- الإدارة المتكاملة للنفايات بحيث يمكن الاستفادة من جميع أنواع النفايات واعتماد مبدأ التدوير.

6- تشجيع الشركات على تبني مبدأ المسؤولية الاجتماعية والبيئية من خلال آليات التأمين وتطبيق مبدأ الملوث يدفع.

7- التحول إلى الاقتصاد الأخضر بالاعتماد التدريجي على الطاقات البديلة النظيفة كالطاقة الشمسية، والرياح، والحرارة، وغيرها.

مراجع للاستزادة:

- M. Fisher, Environmental Biology, Open Oregon Education resources 2018.

- T. Ghorpade, Environmental Ecology, Sahyadri publications 2018.

- Sh. Dinar, Beyond Resource Wars: Scarcity, Environmental Degradation, and International Cooperation. MIT Press, 2011.

- UNEP. Global Environment Outlook (GEO-5). United Nations Environment Programme, 2012.

- Shenkar, Environment, Shankar IAS Academy 2019.

- M. Soundarapandian, Environment, Degradation and Rural Poverty, Discovery Publishing House, 2005.


التصنيف : علوم البيئة والتنوع الحيوي
النوع : علوم البيئة والتنوع الحيوي
المجلد: المجلد السادس
رقم الصفحة ضمن المجلد : 0
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 1041
الكل : 43827665
اليوم : 111060