logo

logo

logo

logo

logo

جبيل في العصور التاريخية

جبيل في عصور تاريخيه

-

 جبيل

جبيل

 جبيل في العصور التاريخية

الآثار والمكتشفات

 

 جبيل في العصور التاريخية

كانت جبيل في الألف الثالث ق.م من أهم مراكز صناعة المعادن في بلاد الشام، وخصوصاً في صناعة البرونز. أمّا المصدر الرئيس لخامات المعادن فهي مناجم في جنوب شرقي الأناضول وصلت إليها عبر المدن السورية، وعثر على معادن استخدمت في صناعة المجوهرات والحُلي وغيرها من الأدوات المعدنية.

شهدت المدينة نشاطاً اقتصادياً جعل منها مركزاً عالمياً للتجارة فكان لها علاقات مع كثير من مدن بلاد الشام والرافدين ومصر واليونان وغيرها، واستغلت جبيل ثروة البلاد الطبيعية وأهمها غابات الأرز والصنوبر والبلوط التي كانت تغطي الجبال المحيطة بها والتي كانت سبباً مهماً في قيام علاقات تجارية مميزة مع تلك الدول وخاصة مصر التي استوردت أخشاب جبيل لبناء المراكب والمقابر والأثاث الفاخر والنواويس وتماثيل الآلهة؛ فضلاً عن الراتنج المستخرج من هذه الأشجار، وكانت مادة أساسية من المواد التي استعملها المصريون في تحنيط موتاهم. كما صدّرت جبيل زيت الزيتون والصوف، وبالمقابل كانت سفنها تعود من مصر محملةً بالأواني والحُلي المصرية المصنوعة من الذهب والمرمر؛ فضلاً عن لفائف البردي والكتان والحبال والقمح والعدس.

صورة جوية لمدينة جبيل

حافظت جبيل على علاقاتها الوطيدة مع مصر خلال الجزء الأكبر من عصر الأسر الثالثة إلى السادسة (2686- ٢١٨١ق.م)، وما يؤكد ذلك إرسال مصر الهدايا إلى معابد جبيل، والكشف عن معبد بتأثيرات مصرية في المدينة، مما يوحي أيضاً بوجود جالية مصرية في المدينة لرعاية المصالح التجارية المشتركة. وبما أن ميناء جبيل كان في عصر الدولة القديمة أكبر ميناء تجاري تعاملت معه مصر فقد قام بدور الوسيط التجاري بين مصر وجزيرة كريت، كذلك استخدم مقراً للجالية المصرية، ولكن هذه العلاقات لم تستمر كما كانت عليه، فما لبثت أن ساءت في أعقاب الأسرة السادسة كما يتضح من خلال أحد النصوص العائدة إلى ذلك العصر والذي تضمّن أنّ خشب الأرز توقف استيراده من جبيل، ثم عادت العلاقات بين البلدين إلى سابق عهدها في عهد الدولة الوسطى، وأصبحت جبيل ومدن أخرى في المنطقة خاضعة لنفوذ المصريين. والدليل على ذلك أن أمير جبيل «باكير Bakir» اعترف بأنه «خادم ملك مصر»، كما أنّ فراعنة تلك الأسر أطلقوا لقب «النبيل الأمير» على الذي كان يمنح لحكام المدن المصرية على جبيل، كما أنّ أمراء جبيل كتبوا أسماءهم بالهيروغليفية المصرية واستخدموا أدوات الزّينة المصرية، كل ذلك يؤكد تغلغل النفوذ المصري في المدينة.

ميناء جبيل

وفي أثناء حكم الهيكسوس[ر] الذي استمر طوال 150عاماً انقطعت الأخبار عن علاقة جبيل بمصر، واستمر الأمر كذلك حتى خسارة الهيكسوس لمصر حينما خضعت جبيل والدويلات المجاورة لها للعديد من ملوك الأسرة الثامنة عشرة (١٥٧٠- ١٣٠٤ ق.م)، وبعدها أخذ النفوذ المصري في سورية بالتأرجح لينحسر عنها في عهد الأسرة الحادية والعشرين أمام النفوذ الحثي الذي ظهر في آسيا الصغرى في بداية الألف الثاني ق.م، وشمل أجزاء من شمالي سورية بدءاً من منتصف القرن السابع عشر ق.م. وقد تعاون حاكم أمورو عبدي عشيرتا مع الحثيين، وفي الوقت ذاته أظهر الولاء لمصر وقام بإخضاع المناطق المجاورة بحجة إعادة النفوذ المصري إليها، والحقيقة أنّ فرض سيطرته كان يمثل مطمعاً شخصياً له بهدف تثبيت النفوذ الحثي عليها، ولتفادي الوقوع تحت سيطرته قام أمراء المدن التي كانت تدين بالولاء لمصر- ومنهم «رب - هدّا» حاكم جبيل - بالاستنجاد بالملك المصري مراراً وتكراراً ليرسل لهم العون لكنّه لم يلبِّ طلبهم.

تراجع النفوذ المصري في عهد أمنحوتب الرابع أخناتون ( ١٣٧٢- ١٣٥٤ق.م)، وبقي الأمر كذلك حتى الأسرة التاسعة عشرة حين عادت جبيل إلى السيطرة المصرية على يد سيتي الأول (١٣٠٦-١٢٩٠ق.م) الذي استرد جزءاً كبيراً من ممتلكاته. وبقيت جبيل تابعة لمصر تحت حكم «رعمسيس الثاني (١٢٧٩-١٢١٢ ق.م) فقد وجدت أوانٍ تحمل اسمه في مقبرة أحيرام [ر] الذي نُقش على تابوته مناظر تحاكي النقوش المصرية، أما اسمه فنُقش بالفينيقية. وبعد انهيار الأسرة العشرين انقسمت مصر فخرجت جبيل عن نطاق النفوذ المصري، وأصبحت تشعر بقوتها وعظمتها واستقلالها، ولم تعد تأبه بمصر.

تابوت أحيرام في متحف بيروت
معبد المسلات المصرية في جبيل

ومع بداية القرن الثاني عشر ق.م اجتاحت ساحل البحر المتوسط الشرقي جماعات غريبة دعيت «شعوب البحر» دمّرت العديد من المدن الفينيقية مثل أوغاريت وصيدا وصور، ثم استقلت دويلات المدن بعد انتهاء هذه المرحلة ولكن اقتصر وجودها على الساحل، وتم إنشاء أسواق جديدة ومدن فينيقية جديدة مثل قرطاجة.

وخلال الأعوام ١١١٢-١٠٧٤ق.م - وبسبب غنى الساحل السوري الذي لفت أنظار الآشوريين- قام تجلات- بلاصر الأول باجتياح شمالي سورية بهدف الحصول على أخشاب الأرز، فقامت جبيل وصيدا وصور بدفع جزية له. كما حصل شلمنصر الثالث (٨٥٨-٨٢٤ ق.م) على جزية من هذه المدن مقابل ضمان استقلالها السياسي والاقتصادي النسبي. أمّا تجلات - بلاصر الثالث (745-727 ق.م) فقد قام بإعادة تنظيم جيشه، وباشر الضغط على سورية، ومنع فينيقا من التجارة مع مصر. وعلى الرغم من السيطرة الآشورية فإنّ المدن الفينيقية - ومنها جبيل- كانت تدار من قبل حكام محليين.

بعد سقوط الامبراطورية الآشورية تابعت الامبراطورية البابلية الجديدة السيطرة على فينقيا، ثم خضعت للسيطرة الفارسية عام 500ق.م، ودمجت جبيل بمرزبانية من الامبراطورية الفارسية، وحكم المرزبان من صيدا، أمّا المدن الأخرى فقد احتفظت بملوكها. عرفت جبيل في هذه المرحلة فترة تجدد اقتصادي، واهتمت بالعمارة العسكرية والدينية، كما ساهمت في بناء سفن الأسطول الفارسي في أثناء الحروب الميدية. خلال تلك العصور التاريخية المتعاقبة تم تعرف أسماء عدد من الملوك الذين اعتلوا عرش جبيل منهم رب - هدّا وأحيرام وإيتّو بعل و »أبي بعل» وإيلي بعل وشيبيت بعل.

-الآثار والمكتشفات:

تعاقبت الطبقات السكنية وتحولت المدينة مع مرور الزمن إلى تل ترابي بلغ ارتفاعه نحو اثني عشر متراً، أُنشِئت فوقه المنازل وانتشرت البساتين في أرجائه. وفي عام 1860 قام الفرنسي إرنست رينان Ernest Renan بزيارة المدينة وأجرى فيها بعض الاستكشافات والحفريات المحدودة، بيد أن التنقيب المنتظم والبحث الجدّي عن الآثار لم يتم إلا في نهاية الحرب العالمية الأولى عندما قام عالم العاديات المصرية بيار مونتيه Pierre Montet بين عامي 1921-1924م بإجراء حفريات واسعة ساعدته على إبراز التواصل الحضاري بين جبيل ومصر الفرعونية. وبين ١٩٢٦ و١٩٧٣م تسلّم إدارة الحفريات في الموقع الآثاري الفرنسي موريس دونان Maurice Dunand الذي قاد ٤٢ حملة تنقيب، أجريت أولاها أيام الاحتلال الفرنسي، أمّا بقية الحملات فكانت بإشراف المديرية العامة للآثار في لبنان التي تولت استكشاف الموقع. وقد كشفت التنقيبات عن آثار تعود إلى عصور مختلفة، وأهم ما كشف في الموقع عدد من المعابد منها:

أجزاء من نقوش تابوت أحيرام

1- المعبد الكبير: يأخذ مخططه شكل حرف L اللاتيني، ويعود تاريخه إلى الألف الثالث قبل الميلاد (نحو2700ق.م). شيد من قبل المصريين تكريماً للإله رشف Resheph إله الحرب، وقد تعرض لحريق دمره في العهد الأموري في نهاية الألف الثالث ق.م.

2- معبد المسلات المصرية: بُني في نحو 1600 ق.م فوق أنقاض المعبد الكبير. قام علماء الآثار بنقله إلى مكان آخر ليتمكنوا من التنقيب في الطبقات الأقدم، وهو معبد فريد من نوعه محاط بسور ويدخل إليه عبر فناء واسع تتوسطه كتله حجرية مستطيلة الشكل حيث عبد الإله، (من المرجح أنه كرس للإله رشف). وحول هذا الحجر نصبت عدة مسلات مشابهة لشكل المسلات المصرية، ووضعت في المعبد من قبل المتعبدين الذين كانوا يودون مرافقة الإله في الخلود، ومن هنا جاء اسم المعبد الذي يضم أيضاً عدداً من المنشآت المخصصة لممارسة الطقوس والشعائر الدينية.

3- معبد بعلات جبيل Ba`alat Gebal: بني عام 2700 ق.م، وهو من أهم معابد المدينة. شمل مجمع المعبد بركة مقدسة ومعبداً يشرف على البحر المتوسط كُرّس لـ بعلات جبيل (سيدة جبيل)، الإلهة الحامية للمدينة، والتي عُدّت أيضاً الإلهة الحامية لربابنة السفن؛ فضلاً عن تأثيرها في الخصوبة والحماية في أثناء الحرب. وتشير الدلائل الأثرية إلى أن قدماء المصريين عدّوها مظهراً من مظاهر الإلهة حتحور Hathor، لذلك تلقى المعبد الهدايا من الفراعنة.

أبجدية جبيل
تماثيل برونزية - معبد المسلات المصرية
تابوت أحيرام: الكتابات الفينيقية

كما تم الكشف عن مقابر ملكية تعود إلى الألف الثاني ق.م، وموقعها بجوار القصر الملكي الذي لم يبقَ من آثاره شيء يذكر، وهي على شكل مصاطب تمّ الكشف عن تسع منها، وقد وجدت بمجموعتين:

١- المجموعة الشمالية الغربية: وهي مكوّنة من خمسة أضرحة معاصرة لحكم الأسرة الثانية عشرة في مصر. احتوى الضريح الأول منها على ناووس يعود إلى الملك أبي شمو Abi-Shemou. فيه العظام والجرار والمجوهرات، واحتوى الضريح الثاني على تابوت من الخشب يعود إلى الملك أب شمو أبي Ab-Shemou-Abi؛ وجدت فيه علبة حُلي ومجوهرات، وكان الضريح الثالث فارغاً ليس فيه شيء يحدد هويته، أما الضريح الرابع من هذه المجموعة فقد احتوى على ناووس حجري يعود إلى الملك «مدجيد-تيبيت- اوتيف» Medjed-tebit-iotef ، وهو اسم مصري، ووجد في الضريح الخامس ثلاثة نواويس؛ اثنان منهما خاليان من الزّخارف، أمّا الثالث فقد تميز بزخارفه وهو يعود إلى الملك أحيرام، كما احتوى على العديد من كسر الأواني؛ واحدة منها تحمل اسم رمسيس الثاني. ويعدّ ناووس أحيرام من أهم مكتشفات المدينة على الإطلاق، حيث يجسد الفن في مدينة جبيل، ويعود إلى القرن١٣ قبل الميلاد، وقد أُعيد استخدامه في بداية القرن العاشر قبل الميلاد، وإلى ذلك التاريخ تعود نقوشه وكتاباته التي يحملها على جوانبه كافة؛ والتي دونت بأبجدية مؤلفة من اثنين وعشرين حرفاً ساكناً، وهي الأبجدية الفينيقية التي استخدمتها معظم شعوب العالم القديم لكتابة لغاتها المختلفة.

تمثال برونز مذهب - معبد المسلات المصرية قلادة الملك أب شمو أبي من الذهب وأحجار نصف كريمة -
المقابر الملكية
فأس من الذهب - معبد المسلات المصرية

٢- المجموعة الجنوبية الشرقية: تبعد عن شاطئ البحر ٥٠م، وهي مكوّنة من أربعة أضرحة تظهر تشابهاً كبيراً مع أضرحة المجموعة الأولى وخصوصاً قبر أحيرام، وقد أُرّخت هذه الأضرحة ما بين القرن ١٨-١٣ ق.م. واحتوى القبران السابع والثامن على ناووسين لم يتم العثور داخلهما على أيّ شيء من مصر؛ وذلك لانعدام العلاقات بين جبيل ومصر في أثناء حكم الهيكسوس.

وفاء الجوابرة

 

التصنيف : العصور التاريخية
المجلد: المجلد الرابع
رقم الصفحة ضمن المجلد :
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 476
الكل : 31415292
اليوم : 8783