logo

logo

logo

logo

logo

دارا (موقع-)

دارا (موقع)

Ain Dara (Site-) - Ain Dara (Emplacement-)

 

دارا (موقع -)

الأعمال الأثرية ووصف المدينة

 تأسيس المدينة

الأحداث التاريخية وإعادة البناء

 

 

تقع آثار دارا Dara على بعد 18 كم إلى الشمال الغربي من نصيبين في محافظة ماردين حالياً في تركيا، وعلى بعد 7 كم من الحدود الإيرانية المطلة على سهول بلاد الرافدين الشمالية، وشمال الطريق السريع الحديث نصيبين- ماردين، ويحيط بالموقع سلسلة من الحصون المؤرخة في العصرين الروماني والبيزنطي. تنتشر بقايا الموقع بالقرب من قرية أوغوز Oguz، في منطقة محمية طبيعياً تتوفر ضمنها المياه والغابات، وهذا الموقع الاستراتيجي ووفرة المياه في دارا دونت في ملاحظات القوات العسكرية البريطانية التي كانت في المكان عام 1903م؛ وهو العام الذي حصل فيه جفاف في مصادر المياه، فكانت دارا نقطة السقي الوحيدة للقوات العسكرية في ذلك الوقت.

- الأعمال الأثرية ووصف المدينة:

اقتصرت الأعمال الأولى في الموقع على وصف موجز للبقايا المعمارية الظاهرة إلى جانب توثيقها، وإنجاز أول مخطط طبوغرافي للموقع من قبل الألماني بروسير C. Preusser الذي نشر نتائج أعماله في عام 1911م بعنوان الآثار المعمارية في شمال بلاد الرافدين. وعلى الرغم أن الموقع كان معروفاً خلال السنوات اللاحقة؛ فإن أعمال التنقيب لم تبدأ ضمنه حتى عام ١٩٨٦ م من قبل الألماني أهونباي M. Ahunbay وفريقه بالتعاون مع الجانب التركي، وقد أظهرت نتائج الأعمال الكثير من المكتشفات واللقى الأثرية التي تعود في جزء منها إلى العصر الروماني المـتأخر وفي أغلبها إلى العصر البيزنطي، وتمثلت البقايا المكتشفة بمعسكرات للجند ومسرح في الهواء الطلق ومنازل منحوتة ضمن الصخر ولوحات فسيفساء مؤرخة في القرن 6م، إلى جانب مدينة الموتى (المدافن) التي نحتت ضمن السفوح الجبلية بأعداد كبيرة جداً.

مخطط طبوغرافي لموقع دارا

بنيت المدينة على ثلاثة تلال فوق أعلاها توضعت القلعة، وهذا الأمر جعلها تأخذ مخططاً غير منتظم تماشياً مع الطبيعة الجغرافية، وتمتد البقايا الأثرية على مساحة 1,5 كم2، يحيط بها سور بطول 4كم، وتبلغ سماكة جدرانه 3م، ويضم مجموعة من الأبراج الدائرية والمربعة؛ ولاسيما في الجهة الشمالية حيث تتوضع البوابة الرئيسية. تجتاز المدينة قناة مائية من الشمال إلى الجنوب، وهي فرع من نهر كورديس Cordes حُفرت خلال عهد الامبراطور جوستنيانوس[ر] Justinianus ( 527- 565م) إلى جانب العديد من الخزانات المنحوتة ضمن الصخر بهدف تجميع مياه الأمطار. وفي الجهة الغربية من المدينة خارج الأسوار ثمة المئات من المدافن المنحوتة ضمن السفوح الصخرية، وهي في أغلبها مؤرخة في العصر البيزنطي، وتمتد بقايا المقالع الحجرية لمسافات بعيدة من الشمال باتجاه الجنوب.

- تأسيس المدينة:

طرحت عدة فرضيات حول تأسيس المدينة، ومن هذه الفرضيات أنها بنيت في عهد الملك داريوس[ر] Darius، وربطوا اسم المدينة دارا باسم داريوس، بيد أن أغلب الباحثين رفضوا قبول هذه الفرضية، ورأى بعضهم أن تأسيس المدينة يعود إلى أوائل القرن 4م، وذلك خلال عهد كونستانتيوس الثاني Constantius II ( 337- 361م)، وهي الفترة نفسها التي بنيت فيها مدينة آميدا Amida (ديار بكر حالياً). بيد أن هذه الفرضية أيضاً لم تحظَ بقبول في الوسط العلمي، مع أن الأعمال الأثرية التي تجري في الموقع أظهرت وجود بقايا مؤرخة في العصر الروماني المتأخر علماً أن الموقع لم ينقب منه سوى جزء بسيط حتى الآن، وربما تأتي أعمال التنقيب في المستقبل بمعلومات جديدة من شأنها أن تلقي الضوء على أقدم فترات الاستيطان فيه.

منظر عام لآثار دارا

في الواقع يجمع أغلب الباحثين أن دارا تأسست على يد الامبراطور أنستاسيوس Anastasius ( 491- 518 م)، وذلك خلال الحروب التي كان يخوضها عام 502 - 506 م ضد الفرس، ونظراً لقسوة تلك الحروب وعدم وجود قاعدة عسكرية قوية في المنطقة في وجه الفرس قرر بناء دارا، وعمد إلى جلب عمال من كل أنحاء بلاد الرافدين، واختار مكان المدينة على ثلاثة تلال، و بنى القلعة فوق أعلاها، كما أمر ببناء خزانات لتجميع المياه وحمامات، وقد أطلق على المدينة تسمية أنستاسيُبوليس Anastasiopolis أي مدينة أنستاسيوس، وغدت مقراً للقائد العسكري في بلاد الرافدين. خلال عهد جوستنيانوس طرأ على المدينة العديد من التغييرات نتيجة لأعمال البناء الجديدة التي أمر بها الامبراطور. ومن هذه الفترة هناك عدة مصادر تاريخية تصف المدينة وجميع الأبنية التي تم تجديدها أو بناؤها، ومن أهم هذه المصادر كتاب الأبنية De Aedificis للمؤرخ بروكوبيوس[ر]Procopius ( 500- 565م) الذي يصف فيه جميع أعمال الامبراطور جوستنيانوس؛ ومن بينها مدينة دارا، وقد أطلق الباحثون على هذه المرحلة إعادة البناء على الرغم من أن هناك بعض المصادر التي عدّت دارا مدينة جديدة تأسست على يد جوستنيانوس. كذلك هناك مصدر سرياني للمؤرخ زكريا الميتيليني يصف الكثير من الأحداث التي عاشها خلال القرن السادس الميلادي، ومن بينها أحداث مدينة دارا.

منظر عام لمدينة دارا الأثرية

- الأحداث التاريخية وإعادة البناء:

استولى الفرس في العام 503 م على آميدا، وبذلك خسر الروم البيزنطيون قاعدة مهمة لهم في شمال بلاد الرافدين، وقد قدّر الروم أهمية بناء قاعدة لهم في المنطقة خصوصاً في وجه نصيبين؛ الأمر الذي دفع القائد العسكري لطرح الفكرة على الامبراطور أنستاسيوس الذي وجه في عام 505 م للبدء ببناء دارا؛ لتكون قاعدة وحصناً لجيشه في مواجهة الفرس. وقد أشار المؤرخ السرياني زكريا الميتيليني إلى أن بناء دارا بدأ في نهاية عام 505م، واستمر مدة ثلاثة أعوام تقريباً، ويصف أبنيتها مثل الحمامات العامة وخزانات المياه وكذلك الكنائس. وقد ظهرت لاحقاً أهمية موقع المدينة وتحصيناتها خلال الحرب الفارسية الأولى والحصار الذي فرضه الفرس عليها في عهد جوستنيانوس، بيد أن محاولتهم باءت بالإخفاق، وانهزم الفرس، وذلك عام 530م، كذلك خلال الحرب الفارسية الثانية وخصوصاً خلال حملة عام 540 م، وبعد أن سقطت أنطاكية بيد الفرس بقيت دارا تقاوم وحدها الحصار، وفي سنة 573م سقطت المدينة للمرة الأولى بيد الفرس، وبقيت تحت سيطرتهم إلى أن استطاع البيزنطيون استعادتها عن طريق اتفاقية في عام 591م مع الملك كسرى الثاني بعد تقديم الدعم له لاسترجاع عرشه المغتصب. عاد الجيش الفارسي بعد ثلاثة عشر عاماً، وحاصر المدينة مدة ثمانية عشر شهراً حتّى تمكن من دخولها، ودمر أجزاء كبيرة من أسوراها ومبانيها، لتعود مرّة أخرى وتصبح بيد البيزنطيين خلال عهد هرقل Heraclius في عام 620م، وبقيت على هذا الحال حتى دخلها العرب المسلمون عام 18هـ/639م.

مدافن دارا

تتطابق المعلومات السابقة في الكثير من التفاصيل مع ما ذكره المؤرخ بروكوبيوس الذي وصف جميع أعمال الامبراطور جوستنيانوس؛ ومنها دارا، وهو يؤكد أن المدينة تأسست على يد أنستاسيوس وأن الأعمال التي قام بها خلفه تمثلت بدايةً بإعادة بناء الأسوار والأبراج، ويذكر بروكوبيوس أنها كانت منخفضة وفي حالة تصدع وانهيار، وهذا ما دعاه إلى زيادة ارتفاع الأسوار لتصل إلى نحو ثلاثين قدماً (٩م)، كما أضاف أبراجاً دائرية ضمن جدار السور ومداخل المدينة، وحفر الآبار وخزانات للمياه، كذلك استقدم جوستنيانوس مهندسين عمدوا إلى تحويل مجرى نهر كورديس نحو المدينة من خلال حفرهم لقناة تجتاز المدينة، كما تم بناء ثكنات للحامية العسكرية، وأعاد ترميم الكنائس ولاسيما الكنيسة الكبرى التي بنيت خلال عهد أنستاسيوس، وهنالك الكثير من التفاصيل التي يأتي على ذكرها بروكوبيوس خصوصاً المعارك والتقنيات التي تم استخدامها من قبل الجيش البيزنطي والجيش الفارسي.

خزانات المياه في دارا

وأخيراً تجدر الإشارة إلى أن بعض الباحثين يذكرون وجود بعض النقاط غير الدقيقة في وصف بروكوبيوس لدارا، وذلك لكونه غادر المدينة بعد العام ٥٣٠م، واعتمد لاحقاً في وصفه على مشاهدات بعض الأشخاص الذين قابلهم فيما بعد.

بقيت دارا بعد دخول العرب المسلمين قائمة مع تراجع أهميتها العسكرية إلى أن هجرت في القرن ١٤ م، ومايزال هناك الكثير من الغموض عن تاريخ منشآت المدينة. وإن أعمال التنقيب التي ماتزال مستمرة من شأنها أن تقدم إيضاحات جديدة في المستقبل.

همّام شريف سعد

مراجع للاستزادة:

- B. Croke, J. Crow, Procopius on Dara, Journal of Roman Studies, vol. 73, 1983, pp. 143-159.

- O. Nicholson, Two notes on Dara, AJA, vol. 89, 1985, pp. 663-671.

- R.Phenix, The Chronicle of Pseudo-Zachariah Rhetor, Liverpool, 2001.


التصنيف : العصور التاريخية
المجلد: المجلد السابع
رقم الصفحة ضمن المجلد : 0
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 485
الكل : 31414798
اليوم : 8289