logo

logo

القانون العام | الاستفتاء

استفتاء

referendum - référendum

 الاستفتاء

الاستفتاء

جميلة الشربجي

أولاً - ماهية الاستفتاء:

يعد الاستفتاء Referendum من أهم مظاهر الديمقراطية شبه المباشرة والتي هي نظام مزيج من الديمقراطية المباشرة والديمقراطية النيابية (التمثيلية)، وبالتالي فهو محاولة لتجاوز التطبيقات المتطرفة لكلٍ من الديمقراطية المباشرة والديمقراطية التمثيلية.

والفكرة الأساسية من وراء هذا النظام تقوم على أساس أنه إذا كان من المستحيل جمع الشعب في مكان واحد لممارسة الديمقراطية المباشرة؛ إلا أن من الممكن إعطاءه بعض الوسائل التي تمكنه من التدخل المباشر في بعض القضايا المهمة؛ بحيث يقوم الشعب بانتخاب برلمان يتولى نيابة عنه مهام الحكم والسيادة  - كما هو الحال في نظام الديمقراطية التمثيلية - ولكنه لا يترك كل شيء لهذا البرلمان المنتخب لينفرد به من دونه، وإنما يحتفظ الشعب لنفسه بحق التدخل ومشاركة البرلمان في بعض شؤون الحكم، وبالتالي تصبح صلاحية اتخاذ القرار موزعة بين البرلمان والحكومة من جهة، وبين الشعب من جهةٍ أخرى بوصفه سلطة رابعة إلى جوار السلطات الثلاث الأخرى التشريعية والتنفيذية والقضائية.

1- تعريفه: يُعدّ الاستفتاء من حيث المبدأ نوعاً من أنواع ممارسة الشعب للسلطة بطريقة ديمقراطية، وهو يعني الرجوع إلى جمهور الناخبين- بوصفهم أصحاب السيادة- لأخذ رأيهم أو قرارهم في موضوع معين يعرض عليهم، أو بمشروع قانون وافق عليه البرلمان بحيث لا ينفرد البرلمان بالرأي أو القرار، وبالتالي فإنه يُعدّ استثناءً على القاعدة السائدة في النظام البرلماني (النيابي) والتي تقضي باعتبار القانون نافذا واجب الاحترام بمجرد موافقة البرلمان عليه وإصداره من قبل رئيس الدولة.

2- أنواعه: ينقسم الاستفتاء إلى أقسام متعددة وفقاً للزاوية التي يُنظر إليه منها.

أ - من حيث الموضوع: يختلف الاستفتاء باختلاف الموضوعات التي يتناولها، وهو ينقسم إلى استفتاء دستوري واستفتاء تشريعي واستفتاء سياسي.

1- الاستفتاء الدستوري: وموضوعه دستوري، مقتضاه أخذ رأي الشعب عند وضع الدستور أو تعديله؛ بحيث لا يكون الدستور أو التعديل الدستوري نافذاً ومعمولاً به إلا من يوم إقرار الشعب له.

2- الاستفتاء التشريعي: وموضوعه إقرار القوانين العادية التي هي أصلاً من الاختصاص الطبيعي للبرلمان بحيث يتم استطلاع رأي الشعب في مشروع قانون عادي وضعه البرلمان، فإذا وافق عليه الشعب أصبح قانوناً تاماً ونافذاً، أما إذا لم يوافق عليه سقط وعُدّ مشروع القانون كأنه لم يكن.

3- الاستفتاء السياسي: وهو يتعلق بأخذ رأي الشعب في قضية سياسية معينة تتميز بأهميتها في الاختيارات الأساسية للدولة أو سياستها العامة.

ب - من حيث ميعاد إجرائه: ينقسم الاستفتاء إلى استفتاء سابق على القانون واستفتاء لاحق على القانون.

1- الاستفتاء السابق: ويكون بناء على مبادرة استشارية من جانب البرلمان، فقد يرى البرلمان قبل اتخاذ قانون مهم استطلاع رأي الشعب عن فكرة هذا القانون من حيث المبدأ وذلك قبل مناقشته وإصداره، فإذا أقر الشعب الفكرة صاغها البرلمان بعد ذلك الصياغة القانونية المناسبة.

2- الاستفتاء اللاحق: ويكون بعد وضع مشروع القانون وإقراره بوساطة البرلمان؛ بحيث لا يصبح هذا المشروع قانوناً نافذاً وملزماً إلا بعد الموافقة عليه في الاستفتاء وإلا فلا يكون قانوناً نافذاً.

ج- من حيث مدى وجوب إجرائه قانوناً: ينقسم الاستفتاء إلى استفتاء إجباري واستفتاء اختياري.

1- الاستفتاء الإجباري: وهو الذي ينص الدستور على وجوب إجرائه قبل القيام بعمل معين وذلك بإلزام السلطة المختصة (تشريعية، تنفيذية) بأن تجري الاستفتاء على موضوع معين قبل نفاذه وهنا لا يكون للبرلمان أي خيار، ويكون عليه التزام إجراء الاستفتاء.

2- الاستفتاء الاختياري: ويعني أن يترك الدستور للسلطة المختصة حقَ تقدير إجراء الاستفتاء من عدمه وذلك على ضوء تقديرها للمصلحة العامة.

د- من حيث قوته القانونية الملزمة: ينقسم الاستفتاء إلى استفتاء ملزم واستفتاء غير ملزم أو استشاري.

وأساس التقسيم هنا ليس في الالتجاء إلى الاستفتاء ووجوب إجرائه؛ بل أساس التقسيم هنا هو مدى تقيد السلطة التي أجرت الاستفتاء بالرأي الذي أبداه الشعب في الاستفتاء أو عدم تقيدها به.

1- الاستفتاء الملزم: وهو الذي تكون نتيجته ملزمة للسلطة التي أجرته سواء أكانت تشريعية أم تنفيذية.

2- الاستفتاء غير الملزم (الاستشاري): فهو ذلك الاستفتاء الذي لا يلزم السلطة التي أجرته بنتيجته قانوناً، فيكون لها الحرية بالعمل بنتيجته أو عدم العمل بها.

على أن من غير المستساغ أن تخالف الحكومات الديمقراطية رأي الشعب حتى لو كان استشارياً، ومن ثم فإن هذا التقسيم يكاد يكون نظرياً محضاً.

ثانياً - الإطار الإجرائي للاستفتاء:

إن الطريقة العملية للمشاركة الشعبية بوساطة الاستفتاء تكون بتصويت جمهور الناخبين على المشروعات الدستورية أو التشريعية أو القضايا المهمة التي تطرح عليهم والتي يطلب إليهم أن يجيبوا عنها بإحدى كلمتين نعم أو لا، وذلك بتوجيه دعوة لهم من قبل السلطة المختصة، تتضمن المشروع المطروح والأسئلة الموجهة إلى جمهور الناخبين، وموعد إجرائه، ويُعدّ الاستفتاء مقرّاً إذا وافقت عليه الأكثرية المطلقة لمجموع أصوات المقترعين.

ولنجاح الاستفتاء ولتحقيقه غايته في التعرف إلى رأي الشعب الحقيقي يجب إحاطة عملية الاستفتاء بمناخ يتسم بالحرية والديمقراطية بحيث يتاح للمؤيدين والمعارضين فرصة إبداء آرائهم بكل حرية حول موضوع الاستفتاء.

أما غياب هذا المناخ فإنه يجعل الاستفتاء وسيلة صورية لتزوير الإرادة الشعبية، وإسباغ الطابع الديمقراطي المزيف على رغبات الدكتاتوريين (كان هتلر من أكثر الدكتاتوريين لجوءاً إلى الاستفتاءات الشعبية لتأييد نظامه النازي ولإظهار حكمه بمظهر الحكم الديمقراطي الشعبي).

ثالثاً - آثار الاستفتاء:

الاستفتاء هو الترجمة العملية للديمقراطية؛ إذ يسهم الشعب مباشرة في صوغ الكثير من المقررات المهمة التي تحكمه وبفضله:

1- تمارس مجالس الشعب صلاحياتها وهي تضع نصب أعينها حقوق الشعب الرقيب عليها، الأمر الذي يحد من استبدادها.

2- يتحقق التوازن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية؛ إذ يقوم الشعب بدور المحكِّم بين هاتين السلطتين.

3- يحقق الاستقرار للحكومة بوصفه يمكن الشعب من التعبير عن إرادته بطريقة سلمية  من دون حاجة إلى الالتجاء إلى حل المجلس النيابي أو إلى حركة ثورية كانقلاب أو ثورة.

4- يشعر المواطنون بسلطتهم واستقلالهم في مواجهة الأحزاب السياسية، فيدلون بأصواتهم بمصداقية انطلاقاً من واقع حاجاتهم من دون حاجة إلى التزام عقيدة حزب معين.

5- يرقى الشعب إلى مستوى إنساني رفيع نتيجة احترام رغباته وإراداته بوصفه صاحب السيادة، فينتقل بفكرة السيادة من إطارها النظري الصوري إلى الإطار العملي التطبيقي.

رابعاً - الانتقادات الموجهة للاستفتاء:

لم ينجُ هذا النظام من الانتقادات التي وضحها الفقهاء فهو:

1- يقلل من شأن الحكومة المنبثقة عن التمثيل النيابي، وهو ما ذهب إليه مؤرخ علم القانون آديمار إيسمن Esmein.

2- يتسم بالطابع المحافظ بحسب رأي العلامة موريس دوڤرجيه Duverger، فغالبية مشروعات الإصلاح - في سويسرا على سبيل المثال - اصطدمت عند الاستفتاء عليها بحرص الناخبين على الأوضاع التي ألفوها فكان مصيرها الرفض.

3- يغلب على الاستفتاء في كثير من الأحيان مفهوم التصديق الشعبي؛ إذ يطلب من الشعب طرح الثقة بشخص معين، فينقاد الناخبون إلى التصويت بحسب مشاعرهم تجاه هذا الشخص صاحب المشروع وليس بحسب مضمون المشروع.

والتاريخ حافل بالأمثلة على حالات انحراف الاستفتاء إلى مفهوم التصديق الشعبي، ففي عام 1799 وعندما دعي الشعب الفرنسي إلى الاستفتاء على الانقلاب الذي تزعمه نابليون وعلى مشروع الدستور الذي وضعه والمعروف بدستور العام الثامن للثورة؛ كان التصويت إيجابياً وبأغلبية ساحقة مراعاةً لشخص نابليون صاحب الاستفتاء، وقد أدرك هذا الأخير، الغُنم الذي يمكن أن يجره له هذا الشكل من الاستفتاء، فأعاد الكرة عام 1802 لينال الموافقة على تنصيبه قنصلاً مدى الحياة، ثم عام 1804 لإعلان الامبراطورية وتنصيب نفسه امبراطوراً عليها، وفي عام 1815 - بعد إبحاره من مقره في جزيرة إلبه Elbe واستيلائه على الحكم ثانية - أجرى استفتاءً حول تعديل الدستور لتعزيز سلطته. واقتفى خطواته ابن أخيه نابليون الثالث إثر الانقلاب الذي أجراه عام 1851، ثم عام 1852 لتنصيب نفسه امبراطوراً، وكذلك عام 1870 من أجل دعم مركزه تجاه المعارضة.

والانحرافات التي رافقت هذه الاستفتاءات أفقدت الثقة إلى حد كبير بهذا النظام، الأمر الذي استتبع العزوف عنه.

4- لا تسبق الاستفتاء مناقشات كافية تتيح دراسة المسائل المطروحة دراسة عميقة هادئة، كما هو الأمر في المجالس النيابية حيث تجرى المناقشات الواسعة ويتضح الصواب، الأمر الذي يجعل حكم الشعب في هذه الحالة حكماً سطحياً.

5- كثرة دعوة المواطنين إلى إبداء رأيهم تضيع وقتهم وتدفعهم إلى الملل والتخلف عن الحضور لإبداء الرأي، فالسلاح الذي يكثر إشهاره تقل هيبته، هذا فضلاً عمّا يترتب على ذلك من مشقة كبيرة ونفقات باهظة.

خامساً - موضوعات محظور طرحها في الاستفتاء:

مع أن الاستفتاء في مفهومه يتطلب الرجوع إلى الشعب في موضوع معين بغية استظهار رأيه فيه تحقيقاً لإشراك الشعب في الحكم؛ فإن هناك موضوعات لا يجوز طرحها في استفتاء، إما لأن طبيعتها تأبى ذلك وإما لأن المشرع الدستوري ينص على هذا الحظر.

ومن هذه الموضوعات: المسائل المتعلقة بالمعتقدات الدينية والمسائل التي تستلزم تشريعاً على وجه السرعة، والموضوعات التي تختص الهيئات القضائية بالفصل فيها والأمور المتعلقة باتخاذ تدابير للمحافظة على الأمن العام أو النظام العام؛ ويدخل ضمن هذه الموضوعات المسائل ذات الصبغة الفقهية أو الفنية البحتة والميزانية.

وعموماً يجب أن يكون الاستفتاء منصباً على موضوع واحد يتسم بالبساطة والتحديد؛ مقتصراً على المسائل العامة التي تهم الشعب في مجموعه لمساسها بحياته ومستقبله، والتي يسهل عليه فهمها وإدراكها والتعبير عن رأيه بشأنها.

سادساً - تطبيقات الاستفتاء:

تحفل الساحة السياسية بتطبيقات كثيرة للاستفتاء في كثير من الدول:

1- في سويسرا: ظهر الاستفتاء في سويسرا منذ القرن الخامس عشر إذ مارسته بعض الأقاليم السويسرية (الكانتونات)، وكان أول إقليم مارسه هو الڤاليه Valais ثم الغريزون Grisons، فكانت الجمعية العمومية للإقليم تسن تدابير مؤقتة على أن يستشار فيها الشعب، فإذا أقرها أصبحت قانوناً، ولما عمّ هذا الأسلوب الأقاليم الأخرى أخذت هذه الاستشارة اسم الاستفتاء الشعبي.

وعلى الصعيد الاتحادي يوجب الدستور السويسري إخضاع التعديلات الدستورية التي يقرها البرلمان للاستفتاء، وعموماً فإن جميع دساتير الاتحاد السويسري بدءاً من عام 1798 حتى الآن لم توضع إلا بعد طرحها على الاستفتاء ولم يخرج عن هذه القاعدة إلا دستور عام 1801؛ إذ تضع الحكومة الخطوط العريضة للإصلاحات الدستورية المقترحة في كل بطاقة استفتاء وعلى المقترع أن يصوت بـ نعم أو لا.

آخر استفتاء جرى عام 1989 حين صوت نحو مليوني سويسري على اقتراح بإلغاء الجيش الوطني، ولكن هذا الاقتراح لم يدخل حيز التطبيق نتيجة معارضته من أكثر من 60% من المقترعين.

2- في الولايات المتحدة الأمريكية: ظهر الاستفتاء الدستوري أولاً في ولاية ماستشوستس Massachusetts وانتقل منها إلى دساتير باقي الولايات.

وفي مجال التشريعات العادية لم يكن للاستفتاء في الولايات المتحدة وجود إلا في حالات محددة ونادرة، وظل الأمر كذلك إلى أوائل القرن العشرين إذ طبّقت الكثير من الولايات الأعضاء الاستفتاء الشعبي في جميع القوانين، متى طلب ذلك عدد معين من الناخبين يختلف من ولاية إلى ولاية، يراوح بين 5% و8% من عدد الناخبين ويطلق على هذا النوع من الاستفتاء اسم «الاستفتاء التشريعي العام» referendum législatif  général وتطبق هذه النظرية على نطاق كبير في الولايات المتحدة الأمريكية الأعضاء؛ حيث تستطيع مجموعة من المواطنين أن تقدم اقتراحاً بتشريع قانون ما أمام الناخبين مباشرة، تقرر بشأنه الاستفتاء.

وقد يقدم الفرد أو الجماعة التماساً أو اقتراحاً، وإذا أُيّد الالتماس من قبل مجموعة من الناخبين يُجرى الاستفتاء.

وعموماً تستخدم هذه المبادرات أساساً على الصعيد المحلي في الولايات الأعضاء من دون الصعيد الاتحادي.

3- في فرنسا: اتبعت فرنسا أسلوب الاستفتاء الدستوري في عدة دساتير منها دستور (1940) - الذي وضع مشروعه الماريشال بيتان - لجنوبي فرنسا والذي لم تتمكن الجيوش الألمانية من احتلاله، ثم دستور (1946) الذي جرى الاستفتاء عليه عقب الحرب العالمية الثانية والذي قضى بأن تطرح على الاستفتاء أيضاً مشروعات تعديله إذا كانت الجمعيتان (الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ) قد أقرتاها بأغلبية ضعيفة.

وأخيراً فقد رسخ دستور الجمهورية الخامسة (1958) المطبق حالياً مبدأ الاستفتاء الإلزامي في المادة (89) منه على كل تعديل له تقترحه وتقره الجمعيتان بالأغلبية المطلقة، إلا أنه أجاز عدم اللجوء إلى هذا الاستفتاء إذا كانت الحكومة هي صاحبة مشروع التعديل ثم عرضته على الجمعيتين؛ إذ يكون لرئيس الجمهورية في هذه الحالة أن يطلب إلى الجمعيتين الاجتماع بهيئة مؤتمر Congès لمناقشته، فإذا حاز المشروع أغلبية ثلاثة أخماس الأصوات المدلى بها في هذا المؤتمر عُدَّ نهائياً ونافذاً من دون حاجة إلى عرضه على الاستفتاء الشعبي.

كما تطبق فرنسا في دستورها الحالي مبدأ الاستفتاء الاختياري استناداً إلى المادة /11/ من الدستور والتي تجيز لرئيس الجمهورية - في فترة انعقاد البرلمان وبناءً على اقتراح تقدمه الحكومة أو بناءً على اقتراح مشترك من مجلسي البرلمان - أن يعرض على الاستفتاء الشعبي كل مشروع قانون يتناول تنظيم السلطات العامة أو تصديق اتفاقية خاصة بالجامعة الفرنسية أو معاهدة من شأنها أن تؤثر في عمل المؤسسات شريطة ألا تكون متعارضة مع الدستور.

وقد استخدم الجنرال ديغول صلاحيات هذه المادة مرتين لتعديل الدستور أولهما: عام 1962 لجهة تعديل طريقة انتخاب رئيس الجمهورية، بحيث لم يعد البرلمان طرفاً في عملية اختيار الرئيس وإنما أصبح الرئيس منتخباً من قبل الشعب مباشرة.

وثانيهما: عام 1969 لإصلاح نظام مجلس الشيوخ والتقسيم الإقليمي.

وقد لجأ الجنرال إلى هذه المادة على الرغم من معارضة المجلس الدستوري والبرلمان واللذين كانت وجهة نظرهما تقضي بضرورة اللجوء إلى المادة (89) بدلاً من المادة (11)، إلا أن الجنرال ديغول تذرّع بأن موضوع الاستفتاء يتعلق بتنظيم السلطات العامة، متهرباً بذلك من موافقة البرلمان على عملية التعديل وذلك على الرغم من النقد الذي وجّه إليه باغتصاب الدستور.

وتجب الإشارة هنا إلى أنه يجري التمييز في فرنسا خصوصاً بين الاستفتاء الشعبي referendum والاستفتاء الشخصي Plébiscite، فيكون الاستفتاء شعبياً إذا كان الموضوع المطروح له طابع شعبي حيث يعرض على الشعب لأخذ رأيه فيه بالموافقة أو عدمها.

وهذه التفرقة هنا هي تفرقة سياسية وليست قانونية وذلك أنه من الناحية العملية تبدو عملية الفصل بين نوعي الاستفتاء في غاية الصعوبة؛ إذ في كثير من الأحيان يرتبط الاستفتاء على النص بالاستفتاء على الشخص وخير مثال على ذلك الاستفتاء الذي نظمه الجنرال ديغول عام 1969حول تعديل مجلس الشيوخ، حيث ربط الجنرال ديغول إقرار التعديل ببقائه في السلطة وخلق ذلك نوعاً من التهديد أو الابتزاز بفعل التصويت السلبي للفرنسيين، الأمر الذي اضطر ديغول إلى الاستقالة من الحكم والعمل السياسي كلية.

وأخيراً طبق هذا الاستفتاء في فرنسا، حول مصير جزيرة (نيوكلدونيا) في المحيط الهادئ، حيث طرح رئيس الجمهورية على الاستفتاء مشروع قانون يتضمن أحكاماً تنظيمية وإعدادية لتقرير مصير الجزيرة واقترن هذا الاستفتاء بالموافقة في 6/11/1988.

4- في جمهورية مصر العربية: ظهر مبدأ الاستفتاء بدءاً من دستور (1956) والذي لم ينفذ إلا بناءً على استفتاء شعبي، ويمكن اعتبار الاستفتاء الذي أجري بشأن هذا الدستور نوعاً من أنواع الاستفتاء الذي يطلق عليه في فرنسا اسم الاستفتاء الشخصي، ذلك أن الاستفتاء جرى على الدستور وعلى شخص رئيس الجمهورية آنذاك الرئيس جمال عبد الناصر.

ولم يخرج دستور (1971) المطبق حالياً عن هذه القاعدة؛ إذ طرح في استفتاء شعبي وتضمن في العديد من مواده الإشارة إلى هذا المبدأ حيث سمح في المادة (74): «لرئيس الجمهورية إذا قام خطر يهدد الوحدة الوطنية أو سلامة الوطن أو يعوق مؤسسات الدولة عن أداء دورها الدستوري أن يتخذ الإجراءات السريعة لمواجهة هذا الخطر، فيوجه بياناً إلى الشعب ويجري الاستفتاء على ما اتخذه من إجراءات خلال ستين يوماً من اتخاذها».

واستناداً إلى هذه المادة أصدر الرئيس أنور السادات القانون رقم 2 لسنة 1977 والذي عُدّ قانوناً استثنائياً مقيداً للحريات وظل هدفاً للنقد حتى تم إلغاؤه عام 1983.

وفي المادة (97) نص الدستور على أنه «لا يجوز لرئيس الجمهورية حل مجلس الشعب إلا عند الضرورة القصوى وبعد استفتاء الشعب».

والمادة (189) والتي نصت على أنه «لكلٍ من رئيس الجمهورية ومجلس الشعب طلب تعديل مادة أو أكثر من مواد الدستور، فإذا وافق على التعديل ثلثا أعضاء المجلس عرض على الشعب لاستفتائه في شأنه».

وطبقاً لأحكام هذه المادة تم تعديل المواد 1-2-4-5-77 من الدستور وأضيف إلى الدستور باب جديد قضى بإنشاء مجلس الشورى.

5-  في الجمهورية العربية السورية: أول استفتاء جرى في 4/6/1949 إثر الانقلاب الذي قام به حسني الزعيم حينما دعا الشعب إلى بيان موافقته على انتخاب رئيس الجمهورية من الشعب مباشرة وعلى أن يخول وضع دستور جديد يعرض على الاستفتاء، وأعقبه بعد يومين المرسوم التشريعي (111) متضمناً الأسئلة التي تطرح في ذلك الاستفتاء والذي جرى فعلاً في 25/6/1949، وأجيب عن الأسئلة بالموافقة بما يشبه الإجماع. وفي 13/8/1949 أطاح انقلاب سامي الحناوي بذلك الدستور وانتخب جمعية وضعت دستوراً جديداً أعلن في 5/9/1950 ثم ألغي في 29/11/1956 وحل محله دستور جديد أقر باستفتاء شعبي.

أما الدستور النافذ حالياً فقد وضع من قبل مجلس الشعب بعد أن تم تكليفه إعداد مشروع الدستور الدائم للجمهورية العربية السورية شرط ألا يكون هذا المشروع نافذاً إلا بعد موافقة الشعب عليه .

وفي 20/2/1973 أقر مجلس الشعب مشروع الدستور وعرضه على الشعب لاستفتائه فيه بتاريخ 12/3/1973 وتمت الموافقة عليه بأغلبية ساحقة، علماً أن تعديل هذا الدستور لا يحتاج إلى الاستفتاء وإنما أعطي حق تعديله لمجلس الشعب شريطة إقراره بأغلبية ثلاثة أرباع أعضائه واقترانه بموافقة رئيس الجمهورية (م149).

تبنى هذا الدستور مبدأ الديمقراطية التمثيلية فقد يتولى مجلس الشعب المنتخب إدارة الدولة وقيادتها نيابة عن المواطنين، فيما عدا المادة (112) منه التي أخذت بمبدأ الديمقراطية شبه المباشرة عندما أعطت لرئيس الجمهورية الحق بتقدير اللجوء إلى الاستفتاء الشعبي حسب ما يراه ملائماً على أن يلتزم نتيجة الاستفتاء، حيث نصت المادة على أن «لرئيس الجمهورية أن يستفتي الشعب في القضايا الهامة التي تتصل بمصالح البلاد العليا وتكون نتيجة الاستفتاء ملزمة ونافذة من تاريخ إعلانها وينشرها رئيس الجمهورية».

وجعل الدستور للقوانين الاستفتائية التي تنال موافقة الشعب امتيازاً على القوانين التي تصدر عن مجلس الشعب؛ بأن حصنها وجعلها في منأى عن الطعن بعدم دستوريتها أمام المحكمة الدستورية العليا، وتكون نافذة من تاريخ إعلانها باعتبارها تعبيراً مباشراً عن السيادة الشعبية.

وأخيراً فإن هذا الدستور أوجب اللجوء إلى الاستفتاء في عملية اختيار رئيس الدولة، فلم يترك الأمر لمجلس الشعب وحده بل تطلب أن يتم ذلك باتباع المراحل التالية:

l اقتراح من القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي بتسمية المرشح للرئاسة.

l موافقة مجلس الشعب على الاقتراح بالأغلبية.

l عرض اسم المرشح على المواطنين لاستفتائهم فيه.

ويُعدّ المرشح ناجحاً بحصوله على الأكثرية المطلقة لمجموع أصوات المقترعين.

مراجع للاستزادة:

- محمد أحمد فتح الباب، النظم السياسية (دار النهضة العربية، القاهرة 2000).

- محمد مرغني خيري، الوجيز في النظم السياسية (مطابع جامعة حلوان، 1989).

- نبيل الظواهرة الصائغ، الأحكام الدستورية للبلاد العربية (منشورات دار الجامعة، بيروت، بلا تاريخ).

- دستور الجمهورية العربية السورية الصادر عام 1973.

- جمال النعماني، الاستفتاء، منشور في الموسوعة العربية، المجلد الثاني، صادر عن هيئة الموسوعة العربية، الجمهورية العربية السورية، الطبعة الأولى، 2000).

- BURDEAU, Droit constitutionnel et institutions politiques, (L.G.D.J, 1977).

- VEDEL, Manuel élémentaire de droit constitutionnel- (1949).




التصنيف : القانون العام
النوع : القانون العام
المجلد الأول: الإباحة والتحريم ـ البصمة الوراثية
رقم الصفحة ضمن المجلد : 208
مستقل

البحوث الأكثر قراءة

للحصول على اخبار الموسوعة

عدد الزوار حاليا : 1
الكل : 7629106
اليوم : 1082

الخيار

 الخيار الخيار أحمد الحسن تعريف الخيار (بوجه عام) أهمية الخيار عدد الخيارات، وبيان حكمها طرق إسقاط خيار الشرط تعريف الخيار (بوجه عام): الخيار لغة: الخيار اسم مشتق من (الاختيار) وهو الاصطفاء والانتقاء، والفعل منهما (اختار). وقول القائل: أنت بالخيار، معناه اختر ما شئت.وخيره بين الشيئين معناه: فوّض إليه اختيار أحدهما. والخيار في البيع هو اصطفاء خير الأمرين إمضاء البيع أو فسخه. الخيار اصطلاحاً: الخيار في الاصطلاح الفقهي له تعاريف كثيرة، إلا أنها في الغالب تناولت هذا اللفظ مقروناً بلفظ آخر لأنواع الخيارات دون أن يقصد بالتعريف الخيار عموماً. ويمكن من تعاريف...

المزيد »