logo

logo

العلوم الشرعية | بيت المال

بيت مال

bayt al-mal - baït al-mal

 بيت المال

بيت المال

نجدة خماش

نشأة بيت المال  ديوان بيت المال
موارد بيت المال التفرقة بين بيت المال الخاص وبيت المال العام
مصارف بيت مال المسلمين الصفة الإرثية وضمان المغارم
 

يعرِّف الماوردي بيت المال بأنه الجهة التي يفد إليها ما يرد الدولة أو ما يخرج منها مما يستحقه المسلمون من أموال سواء أكانت على شكل نقد أم أرض أم بناء أم معدن أم عروض تجارية، ولم يتعين مالكها بل تعينت جهتها، فإنَّ هذه الأموال تكون حقاً للمسلمين. كما أنّ أية أموال بمختلف أشكالها إذا وجب صرفها على المسلمين تكون هذه الأموال حقاً على بيت المال سواء صرفت بالفعل أم لم تصرف. فهذا بيت الأموال العامة وليس بيت المال الخاص للخليفة أو الأمير الذي اشتهر في العصر العباسي وما بعده.

أولاً: نشأة بيت المال

إن أول تعرض لبيت المال في المصادر كان في خلافة أبي بكر الصديق (11-13هـ) الذي جعل على بيت المال أبا عبيدة بن الجرّاح قبل أن يوجهه إلى بلاد الشام، ولكنّ بيت المال كان ولاشك موجوداً منذ عصر الرسول r بعد هجرته إلى المدينة، فالنبي بوصفه رئيس دولة كان عليه أن يأخذ الزكاة من ذهب وفضة وعروض تجارة وسوائم وزروع وثمار، وكل ذلك يقتضي وجود بيت مال تجبى إليه الزكاة، قال الله تعالى: )خُذْ مِنْ أمْوَالِهِم صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وتُزَكِّيهِمْ([التوبة 103] كما أنه بعد أن نزلت آية الجهاد كانت تجبى للرسول r خمس الغنائم، ويصرف هذا الخمس في المصارف التي حددتها الآية الكريمة في سورة [الأنفال 41] وبدأت الجزية وهي ضريبة الرأس تجبى في عهد الرسول r بعد أن نزل قوله تعالى في السنة التاسعة للهجرة : )قَاتِلوا الّذينَ لا يُؤْمِنُونَ باللهِ ولا بالْيَومِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ ورَسُولُهُ ولا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذينَ أُوتُوا الكِتَابَ حتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهْمْ صَاغِرون([التوبة29] ففرض الله بهذا النص الجزية على أهل الكتاب الذين بقوا على نصرانيتهم أو يهوديتهم من العرب وغير العرب. كما فرضت الجزية على المجوس بالسُّنّة، فقد قبل رسول الله r الجزية من أهل البحرين وكانوا مجوساً وأخذ الخليفة عمر بن الخطابt  م(13-23هـ) الجزية من المجوس بعد أن حدّث عبد الرحمن بن عوف عن النبي r أنه أخذها منهم وكان عمر قبل ذلك يقول: «ما أدري ما أصنع بالمجوس وليسوا من أهل الكتاب». وأجاز فقهاء المالكية أخذ الجزية من غير المسلمين المستوطنين في ديار المسلمين. وهكذا يبدو أنّ بيت المال كان موجوداً -وإن لم يعرف بهذا الاسم منذ عهد الرسول r، وكانت تجمع هذه الأموال في عهده إما في بيته، وإما في بيت بعض الصحابة، وربما في غرفة ملاصقة للمسجد - ولكنه في الغالب كان فارغاً؛ لأن النبي r كان يسارع إلى قسمة كل ما فيه.

وقد وجد منذ خلافة عمر بن الخطاب بيت مال مركزي في عاصمة الدولة وفروع في الأمصار الإسلامية، فكان عبد الله بن الأرقم على بيت المال في المدينة في خلافة عمر بن الخطاب وعثمان بن عفّان، وكان عبد الله بن مسعود على بيت المال في الكوفة. وفي خلافة عبد الملك بن مروان يرد ذكر لبيوت الأموال في دمشق بدلاً من تعبير بيت المال، مما يشير إلى أن عبد الملك ومن جاء بعده من الخلفاء قد جعلوا لكل نوع من المال يرد عليهم بيت مال خاصاً.

ثانياً: موارد بيت المال

لما اتسعت الفتوحات في خلافة عمر بن الخطاب t وكثرت موارد بيت المال؛ صارت الأموال التي ترد عليه ثلاثة أصناف: الفيء، الخمس، الزكاة، وهي التي نزل بها الكتاب والسُنّة وهي أسماء مجملة يجمع كل واحد منها أنواعاً من المال:

أ- الفيء: أطلق الفقهاء الفيء على ما اجتبي من أموال أهل الذمة مما صولحوا عليه من جزية على رؤوسهم ومن خراج الأرض التي افتتحت عنوة، ثم أقرَّها عمر بن الخطاب في أيدي أصحابها مقابل الجزية على رؤوسهم والخراج على أرضهم. ومنها أرض الصلح التي منعها أهلها حتى صولحوا على خراج مسمى أو على مبلغ معين من المال، ومنه ما يأخذه العاشر من أموال أهل الذمة التي يمرون بها عليه لتجارتهم، ومنه ما يؤخذ من أهل الحرب إذا دخلوا بلاد الإسلام للتجارات.

وكان عمر بن الخطاب أول من عشّر أهل الحرب؛ حينما كاتبه قوم من أهل الحرب طالبين منه أن يسمح لهم بدخول أرض المسلمين بوصفهم تجاراً مقابل أن يدفعوا العشر، فشاور عمر أصحاب رسول الله r في ذلك فأشاروا إليه أن يفعل.

ب- الخمس: يشمل:

أولاً: خمس الغنيمة، وهو ما غلب عليه المسلمون بالقتال، والواجب في المغنم تخميسه ليوزع وفق قوله تعالى في سورة الأنفال )واعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِن شَيءٍ فأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَللرَّسُولِ وَلِذي القُرْبَى واليَتامَى والمَسَاكِينِ وابنِ السَّبِيلِ( [الأنفال41]، أما الباقي فيقسم بين المجاهدين الغانمين؛ إذ قال عمر بن الخطاب: «الغنيمة لمن شهد الوقعة».

ثانياً: خمس المعدن، فيرى أبو يوسف أن كل ما أصيب في المعادن من الذهب والفضة والنحاس والحديد والرصاص؛ فإن في ذلك الخمس.

ثالثاً: خمس ما يستخرج من البحر من حلية وعنبر، فالخمس يوضع مواضع الغنائم.

رابعاً: خمس الركاز، وهو دفين الجاهلية؛ أي الذهب والفضة الذي خلقه الله عز وجل في الأرض يوم خُلقت، ففيه أيضاً الخمس وأربعة أخماسه للذي أصابه.

جـ - الصدقة: هي زكاة أموال المسلمين من الذهب والورق (الفضة)، ومن المواشي وهي الإبل والبقر والغنم، ومن الحب والثمار، إضافة إلى ما يؤخذ من المسلمين من العشور، وربع العشر الذي يؤخذ من تجارتهم. وقد عُدّت أرض الحجاز وأرض اليمن وأرض العرب التي فتحها رسول الله r أرض عشر ولم يجعل على شيء منها خراجاً وإنما جعل العشر في السيح؛ ونصف العشر في الدالية لمؤونة الدالية والساقية. أما في خارج الجزيرة العربية فقد عُدّت الأراضي التي أسلم عليها أهلها والأراضي الموات التي أحياها المسلمون والأراضي التي رفضها أهلها فأقطعت للعرب؛ أراضي عشر.

ثالثاً: مصارف بيت مال المسلمين

1- وجوه إنفاق مال الفيء: كان من أهم وجوه صرف مال الفيء عطاء الجند وعطاء المسلمين اللذان كانا يسيران جنباً إلى جنب أيام عمر بن الخطاب؛ حين كان المسلمون كلهم جنداً، ولكن سرعان ما افترق هذان النوعان عن بعضهما حين زاد عدد المسلمين، وتوقفت حركة الفتوح، واختلف عدد الجند ومقدار عطائهم باختلاف الخلفاء والولاة وتبعاً للظروف السياسية والاقتصادية.

وكان ينفق من أموال الفيء على مصالح الدولة ، فيصرف منها على مشاريع الري وإقامة المنشآت؛ وشراء ملابس الجند وأسلحتهم؛ ودفع رواتب الولاة والقضاة والعمال والمواطنين على اختلاف مهامهم.

ولم يكن اهتمام الدولة موقوفاً على المسلمين وإنما كانت الدولة تنفق كذلك على من كبرت سنه من أهل الذمة وضعفت قوته؛ إذ كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة والي البصرة أن يجري على هؤلاء من بيت مال المسلمين، وذلك أنه بلغه أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب مرّ بشيخ من أهل الذمة يسأل على أبواب الناس فقال: «ما أنصفناك إن كنا قد أخذنا منك الجزية في شيبتك ثم ضيعناك في كبرك».

2- وجوه صرف الخمس: اختلف الناس بعد وفاة الرسول الكريم في مصير سهم الرسول وسهم ذوي القربى، ثم أجمعوا على صرف هذين السهمين في الكراع والسلاح. ويبدو حسب رواية يوردها ياقوت الحموي أنّ بعض العلماء كانوا يرون أن سبيل الخمس سبيل الفيء يكون حكمه للإمام إن رأى أن يجعله لمن سمّى الله جعله، وإن رأى من الأفضل للمسلمين والأوفر لحظهم أن يضعه في بيت مالهم لنائبة تنوء بهم ومصلحة تعن لهم مثل سد ثغر، وإعداد سلاح وخيل وأرزاق أهل الفيء من المقاتلين وغيرهم؛ فعل.

وورد في الجامع الصحيح للبخاري أن قول الله عزّ وجل )فإن لله خمسه وللرسول( يعني للرسول قسم ذلك، قال رسول الله r «إنما أنا قاسم وخازن والله يعطي». وقد جعل عمر بن عبد العزيز الخمس لمن سمّى الله، وعن عطاء بن السائب أنه بعث سهم الرسول وسهم ذوي القربى إلى بني هاشم.

3- وجوه صرف الصدقات: حدد الله سبحانه وتعالى وجوه صرف الصدقات في الآية الكريمة )إنَّمَا الصَّدَقاتُ للفُقَراءِ والمساكينِ والعاملينَ عَلَيْها والمُؤلَّفَةِ قُلُوبُهُم وفي الرِّقابِ والغارمينَ وَفي سبيلِ اللهِ وابن السبيلِ([التوبة 60] وللصدقة عمالها ولهم رزقهم من مال الصدقة على ألا يستغرق أكثر الصدقة، وقد عين الرسول منذ البدء عمالاً على الصدقات، على كل قبيلة أو قبيلتين عامل، وقاتل أبو بكر الصديقt مانعي الزكاة.

وتصرف صدقة كل ناحية في أهلها، ولا يجوز نقل صدقات بلد إلى غيره، إلاّ سهم سبيل الله في الغزاة فإنه ينقل إليهم لأنهم يسكنون الثغور في الأغلب.

وكان عمر بن عبد العزيز دقيقاً جداً في صرف أموال الصدقة في وجوهها، فقد وفد عليه - وهو في «خناصرة» - عاصم بن عمر بن قتادة وبشير بن محمد بن عبد الله في خلافته، فذكرا دَيناً عليهما، فقضى عن كل واحد منهما 400 دينار، فخرج الصك يُعطيان من صدقة قبيلة كلب مما عُزل في بيت المال. وكان ذلك العزل قُدم به، لم يوجد أحد منهم يُقضى عنه دين فأُدخل فضلُه بيتَ المال عزلاً لأن يُقضى به عن الدُّيّان، فهذا وجهه.

رابعاً: ديوان بيت المال

كانت دواوين الخراج في العهد الراشدي والأموي مسؤولة عن الواردات والنفقات وعن إرسال الجباة لجباية الجزية والخراج، وكان يسجل في ديوان الخراج كل ما يرد من أموال الفيء، وكانت هذه الأموال تودع في بيت المال، ثم صار لبيت المال في العصر العباسي ديوان عُرف بديوان بيت المال يشرف على ما كان يرد على بيت المال في العاصمة من الأموال، وما كان يخرج منه في وجوه النفقات والإطلاقات، ويثبت في سجلاته جميع أصول أموال الدولة، ويفرد لكل صنف سجل خاص به، وأفرد لكل صنف من أصناف الواردات خزائن أو دواوين فرعية خاصة لحفظها وضبطها، وهي كما يأتي:

1- ديوان الخزانة: وظيفة هذا الديوان الإشراف على ما يتعلق بصنف الأموال النقدية والأقمشة.

2- ديوان الإهراء: ويشرف على ما كان يرد من الغلال على بيت المال.

3- ديوان خزائن السلاح: وكانت مهمته الإشراف على ما كان يرد على بيت المال من السلاح والذخائر وما يستنفد منها.

وشمل ديوان بيت المال -إضافة إلى هذه الدواوين الفرعية الثلاثة- المجالس الإدارية الضرورية لتسيير أعماله كالإنشاء والتحرير والنسخ، وكان الغرض من وجوده هو محاسبة صاحب بيت المال على ما يرد عليه من الأموال وما يخرج من ذلك في وجوه النفقات والإطلاقات. وقد نظمت أمور هذا الديوان بدقة بحيث كانت جميع الكتب الصادرة إلى الدواوين والتي تتعلق بالنواحي المالية تمر عليه قبل أن تصل إلى تلك الدواوين حيث يجري تثبيتها فيه، وكذلك الأمر مع الكتب التي توجهها الدواوين إلى صاحب بيت المال والتي تتعلق بالأمور المالية، وبذلك يكون اختصاص هذا الديوان جامعاً للنظر في الأمرين ومحاسباً على الأصول والنفقات. وإذا ما حصل خلاف بين أصحاب دواوين الأصول والنفقات وبين ما يقدمه صاحب بيت المال من خُلاصة الحساب الشهري للمصروفات (الختمة)؛ أحال الوزير الأمر إلى متولي ديوان بيت المال ليدرس الخلاف الحاصل ويعطي التوجيه بشأنه إلى الوزير في ضوء ما ثبت من نسخ الكتب الصادرة من صاحب بيت المال والواردة عليه من الدواوين الأخرى.

وكان لصاحب ديوان بيت المال علامة أو ختم يؤشر بها على الكتب والصكوك والإطلاقات، يتفقدها الوزير أو من ينوب عنه ويراعونها، ويطالبون بها بصفة شرط لقبولهم تلك الكتب. وقد كان تحفظهم هذا ضرورياً لئلا يحصل تلاعب من الناحية المالية أولاً، ولكي يتأكدوا من أنها قد جرى تأشيرها في ديوان بيت المال من أجل ضبط الحسابات فيه؛ وعدم إفساح المجال لاختلال أمر هذا الديوان؛ ولتكامل العمل فيه.

وهكذا فإن ديوان بيت المال كان إذا روعيت أعماله واستوفيت تعليماته؛ يسهل عمل الوزير في موازنة الدخل والمصروفات، تلك الموازنة التي كانت تأخذ قسطاً من أوقات الوزراء وجهدهم.

خامساً: التفرقة بين بيت المال الخاص وبيت المال العام

بدءاً من الثلث الثاني من القرن الثالث الهجري يستطيع الباحث أن يميز بوضوح بين بيتين للمال في الدولة العباسية: بيت المال الخاص، وبيت المال العام أي خزانة مال الدولة، ولعل سبب التمييز بين هذين البيتين يرجع بالدرجة الأولى إلى سيطرة الأتراك وسيادتهم وتحكمهم في شؤون الدولة المالية من جهة، وإلى رغبة الخلفاء في ضمان وجود أموالهم الخاصة بهم وحفظها من عبث الأتراك.

كان بيت المال الخاص تحت السيطرة المباشرة للخليفة، واختص هذا البيت بتسلّم واردات ضياع الخليفة وأملاكه، وما كان يأمر بإيداعه فيه من واردات أخرى. ففي سنة 279هـ/892م – مثلاً - قام المعتضد بإجراءات تمكن عن طريقها من توفير نحو ألف دينار سنوياً (957.920) من أموال ديوان النفقات، ورسم أن يحمل هذا الموفّر إلى وزيره مؤنس ليجعله في بيت المال الخاص.

ويتصرف الخليفة في بيت المال هذا بالإنفاق منه لأغراضه الخاصة وما يأمر به كنفقات الموسم ونفقات الأبنية والمرمّات والحوادث والرسل الواردين والفداء وغزوات الصوائف. وقد كان يحدث أن يتصرف الوزير بموافقة الخليفة في أموال بيت المال الخاص عند الحاجة، فقد كان هذا البيت خير سند لخزينة الدولة في أوقات الأزمات، ومثال على هذا ما حصل عند مجابهة الدولة العباسية لثورة الزنج؛ إذ وجهت جميع الواردات من دون تمييز إلى معسكر الموفق بالمدينة التي أسماها «الموفقية»، وعندما تمَّ القضاء على فتنة ابن المعتز واستقر المقتدر في منصب الخلافة (295-320هـ)؛ فوّض الأمور إلى أبي الحسن بن الفرات، فما زال الوزير أبو الحسن ينفق الأموال من بيت المال الخاص ويبذر تبذيراً حتى أتلفها، وعندما اشتدت المطالبات وشغب الجند في عهد الوزير الخاقاني؛ اضطر إلى الاقتراض من بيت المال الخاص مبلغ 70 ألف دينار (70000) مما أغضب المقتدر الذي أجبره على الاستقالة.

أما إدارة بيت المال العام (خزانة الدولة) فكانت تدار عادة من قبل صاحب الديوان الذي كان على صلة بالوزير الذي كانت الأموال تصل إلى بيت المال عن طريقه، وكان إصدار الأوامر إلى صاحب الديوان بالصرف يقتصر على الخليفة والوزير، وعليه فإنَّ طبيعة إجراءات الوزير المالية كانت تؤثر في عمل صاحب الديوان مباشرة، فقد ارتبكت أعمال هذا الديوان مثلاً في وزارة الخاقاني الأولى؛ لأنه ربما وردت رسائل بحمول وكتب فيها سفاتج (حوالة) بمال؛ فكانت أياماً لا تُفضّ. وكان من الطبيعي أن يجري تبديل صاحب ديوان بيت المال عند عزل الوزير واستوزار غيره؛ لأن طبيعة الأمور كانت تتطلب ثقة متبادلة بين صاحب هذا الديوان والوزير إضافة إلى الكفاءة التي كان يشترط توافرها فيه.

وفي الأندلس كان يشرف على الخزانة العامة أحد كبار الموظفين ويعرف باسم «خازن المال»، ومقر هذه الخزانة القصر وتودع فيه الأموال التي تجبى من المدن والقرى، ومن أهم هذه الأموال: التركات التي يموت أصحابها من دون أن يتركوا وارثاً، والضرائب المفروضة على الأسواق، والرسوم الجمركية التي تفرض على السفن، والخراج والجزية والأعشار.

أما مفهوم بيت المال - كما كان يُسمى في الأندلس - فإن موارده اقتصرت على ما يرد عليه من الأحباس (الأوقاف)، وكان مقرّ بيت المال هذا في المقصورة في المسجد الكبير بقرطبة. ويتولى هذا البيت صيانة المنشآت الدينية، ودفع رواتب موظفي المساجد، وتوزيع الصدقات. ويشرف عليه قاضي القضاة ونوابه في الأقاليم برعاية الخليفة، وكان بإمكان القاضي أن يأمر بأخذ سلفة من الخزينة العامة لتنظيم حملة عسكرية أو لاستعادة حصن في ثغور دار الإسلام.

وفي العهد العثماني كان التمييز دقيقاً بين خزينة السلطان الخاصة والخزينة العامة التي كان يطلق عليها اسم الخزينة الأميرية أو خزينة الدولة. واستخدم العثمانيون عامة تعبير «بيت المال» للأموال التي تأخذها الدولة والتي تدخل قانوناً في الخزينة العامة، ولكن بيت المال يكون مسؤولاً عنها، وأهمها مال الغائب ومال المفقودين والمخالفات أو المتروكات، وكان الموظف المسؤول عن بيت المال هذا يطلق عليه اسم «أمين بيت المال».

سادساً: الصفة الإرثية وضمان المغارم

يعد بيت المال المرتبة العاشرة والأخيرة من مراتب الورثة (وهم أصحاب الفروض المقدرة شرعاً، وأنواع العصبات الثلاث، وأصحاب الفروض النسبية بالرد عليهم، وذوو الأرحام، ومولى الموالاة، أي المتعاقد المجهول النسب مع آخر على أنه يرثه إذا مات، والمقر له بنسب محمول على الغير كالأخ والعم أو ابن ابنة).

فإذا لم يكن أحد من هؤلاء توضع التركة في بيت مال المسلمين؛ لا على أنه وارث في مذهب الحنفية والحنابلة؛ وإنما على أن التركة من الأموال الضائعة التي لا يعرف لها مالك، أو على أنها فيء، فيصرف المال في المصالح العامة، وينفق فيه على المحتاجين، فإذا ظهر وارث وأقام الدليل على إرثه استرد التركة من بيت مال المسلمين.

وتقرر هذا المبدأ في القانون المصري (م4، 8، 439،31،30،16) والقانون السوري في المواد (289، 262، 265، 274، 278) على أن تكون أيلولة التركة على سبيل الاستحقاق لا على سبيل الإرث؛ أي لا يطلق على بيت المال صفة الوارث.

وأفتى متأخرو المالكية ومتأخرو الشافعية على المعتمد بأنه إذا لم ينتظم بيت المال -كما في هذا العصر وعصور سابقة في أواخر العهد العباسي وما بعده إلى المستقبل- يرد الباقي في مذهب الشافعية على أهل الفروض المقدرة شرعاً غير الزوجين، فإن لم يكونوا فعلى ذوي الأرحام، علماً أن أصل مذهبي المالكية والشافعية أن «بيت المال وارث من لا وارث له».

وهذا أيضاً مصير الأموال الضائعة التي لم يعرف لها صاحب، وأموال المعادن والكنوز الموجودة في الأراضي العامة، وأما الموجودة في الأراضي الخاصة فإن كانت ركازاً (وهو دفين الجاهلية) بالغاً نصاب الزكاة فخمسها لبيت المال والباقي لواجدها. وأما إن كانت معادن من الذهب والفضة فهي لصاحب الأرض وعليه ربع العشر زكاة الناتج من الغلة فقط فور إخراجها إن بلغت نصاباً (85غ من الذهب).

وأما مال المرتد الذي اكتسبه في حال ردته فيوضع في رأي أبي حنيفة في بيت المال فيئاً للمسلمين؛ لأن كسبه حال ردته كسبُ مباحِ الدم ليس فيه حق لأحد، فكان فيئاً كمال الحربي. ولكن قال الصاحبان (أبو يوسف ومحمد بن الحسن): تزول ملكية المرتد عن أمواله بمجرد اللحاق بدار الحرب، كما في حال الموت أو القتل، وتنتقل كل أمواله إلى ورثته. وهذا رأي أبي حنيفة فيما اكتسبه المرتد في حال إسلامه، وكذا إذا مات أو قتل أو لحق بدار الحرب؛ ينتقل ماله إلى ورثته.

وذهب المالكية والشافعية إلى أنه إذا مات المرتد أو قتل فإنه يبدأ بقضاء دينه وضمان جنايته ونفقة زوجته وقريبه؛ لأن هذه الحقوق لا يجوز تعطيلها، وما بقي من ماله يكون فيئاً لجماعة المسلمين؛ أي يجعل في بيت المال (أو الخزينة العامة) لعدم مشروعية التوارث بين مسلم وغير مسلم.

وفي مقابل ما ذكر مما يؤول إلى بيت المال يتحمل بيت المال ديون المعسر وديَّة جنايته، وغرامات إتلافه وما كفله عن غيره إذا مات عاجزاً عن وفاء التزاماته، لقول النبيr: «أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، فمن ترك ديناً فعليّ، ومن ترك مالاً فلورثته».

 

مراجع للاستزادة:

 

- البلاذري، فتوح البلدان، تحقيق محمد رضوان (المكتبة التجارية الكبرى، مصر).

- التنوخي، الفرج بعد الشدة (دار الطباعة المحمدية، القاهرة 1955).

- ابن تيمية، السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية (دار الكتب العربية، بيروت).

- الجهشياري، كتاب الوزراء والكتاب، تحقيق مصطفى السقا، إبراهيم الأبياري (ط1، القاهرة).

- ابن الجوزي، تاريخ عمر بن الخطاب (دار إحياء علوم الدين، دمشق).

- حسام السامرّائي، المؤسسات الإدارية في الدولة العباسية، خلال الفترة 247-334هـ/861 -945م (مكتبة دار الفتح، دمشق 1391هـ/1971م).

- حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي، الجزء الرابع (مكتبة النهضة المصرية، القاهرة 1967).

- خليفة بن خياط، تاريخ خليفة بن خياط، تحقيق سهيل زكّار.

- الدوري، النظم الإسلامية (مطبعة المعارف، بغداد 1950).

- دراسات في العصور الإسلامية المتأخرة (بغداد 1945).

- الذهبي، سير أعلام النبلاء، 8 أجزاء (مؤسسة الرسالة، 1401هـ/1981م).

- أبو سالم، العقد الفريد للملك السعيد.

- ابن سعد، كتاب الطبقات الكبير،ـ الأجزاء السبعة الأولى (ليدن 1322هـ).

- الصابي، كتاب الوزراء، أو تحفة الأمراء في تاريخ الوزراء، تحقيق عبد الستار أحمد فرّاج (القاهرة 1958).

- الطبري، تاريخ الرسل والملوك، عشرة أجزاء، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، الطبعة الثانية.

- ابن الطقطقي، الفخري في الآداب السلطانية (المطبعة الرحمانية، مصر 1345هـ/1927م).

- ابن عذاري المراكشي، البيان المغرب في أخبار المغرب، الجزء الثالث، تحقيق ليفي بروفنسال (دار الثقافة ـ بيروت).

- عريب القرطبي، صلة تاريخ الطبري (بريل، ليدن 1897).

- قدامة بن جعفر، كتاب الخراج وصنعة الكتابة، نسخة مصورة عن مخطوطة مكتبة كوبريلي باصطنبول، تحت رقم 1072، أدبيات عام.

- الماوردي، الأحكام السلطانية (مطبعة مصطفى الباب الحلبي، الطبعة الثالثة، مصر1973).

- محمد حميد الله، مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة (الطبعة الثالثة، 1969).

- مسكويه، كتاب تجارب الأمم، الجزء الخامس (مطبعة التمدن، القاهرة 1332هـ).

- ياقوت الحموي، معجم البلدان، خمسة أجزاء (دار صادر، بيروت 1379هـ/1977م).

- يحيى بن آدم القرشي، كتاب الخراج (مطبعة بريل، ليدن 1895).

- أبو يوسف القاضي، كتاب الخراج (المطبعة السلفية، القاهرة 1346هـ).

- Ency of Islam, new edition, art. Bayt- al-Mal.

 




التصنيف : العلوم الشرعية
النوع : العلوم الشرعية
المجلد الثاني: بطاقة الائتمان ــ الجرائم الواقعة على السلطة العامة
رقم الصفحة ضمن المجلد : 9
مستقل

البحوث الأكثر قراءة

للحصول على اخبار الموسوعة

عدد الزوار حاليا : 1
الكل : 7629365
اليوم : 1341

العقد (أركان -) (مقدمة)

 أركان العقد أركان العقد فواز صالح الرضا الأهلية المحل السبب العقد هو ارتباط إيجاب بقبول على وجه مشروع يثبت أثره في محله. أو هو توافق إرادتين على إنشاء التزام أو نقله. يتبين من ذلك أن العقد لا ينعقد إلا إذا توافرت أركانه وهي: الرضا وما يتبعه من أهلية المتعاقدين، والمحل، والسبب. ولا تعد هذه الأركان محل اتفاق بين الفقهاء، إذ أنهم اختلفوا أشد الاختلاف حول هذه الأركان، ولكن لم يكن لهذا الاختلاف سوى قيمة نظرية بحتة. وتـجدر الإشارة إلى أن القانون المدني السوري قد بحث تحت عنوان «أركان العقد» في الرضا وما يتبعه من أهلية المتعاقدين(المواد من 92 إلى 131)، وفي...

المزيد »