logo

logo

القانون الدولي | حقوق الإنسان

حقوق انسان

human rights - droits de l'homme

 حقوق الإنسان

حقوق الإنسان

محمد عزيز شكري

 مسيرة حقوق الإنسان في التاريخ

حقوق الإنسان في عصر التنظيم الدولي الراهن

حقوق الإنسان في المواثيق الدولية بعد الإعلان العالمي

حقوق الإنسان في النطاق الإقليمي

مصير حقوق الإنسان

   

أولاً- مسيرة حقوق الإنسان في التاريخ

لا يمكن القول إن هناك لحظةً زمنيةً معينةً بدأت عندها الأصولُ الأولى لفكرة حقوق الإنسان، وأغلب الظن أن هذه الأصولْ إنما تعودُ إلى الوقتِ الذي بدأ فيه الناس يعيشون حياةً مشتركةً. فالفكرة قديمة قدم الحياة البشرية ذاتها.

وقد عني المفكرونَ والفلاسفةُ على مر العصور بالتنظير لحقوق الإنسانِ والمطالبةِ بصونها، والواقعُ أن الفردَ كان يخضعُ للجماعةِ في كل شيء بلا حدودٍ أو قيودٍ إلى أن سادت الفكرةُ بضرورةِ عدم إطلاقِ يد الدولةِ في التدخلِ في شؤونِ الأفرادْ. فاليونانيون في مآثرهمُ الشهيرة تناولوا حق الإنسانِ في الحياةِ وفي حريةِ التعبيرِ والمساواةِ أمام السلطةِ وغيرِ ذلك من الحقوق الطبيعية التي عدّها مفكروهم اللَبِنَة الأساسية في بناء المجتمع السياسي.

كذلك اهتم «بوذا» والفلسفة الهندية بالأخطار المحدقة بالحريات الأساسية للإنسان جراء العنفِ والفاقةِ والاستغلال ونقض العهود. وتضمن قانون «مانو» الذي ذاع صيته في العام الألف قبل الميلاد عدداً من المبادئ الهادفة لحماية الإنسان من هذه الأخطار.

ووقفت الفلسفةُ الصينيةُ وقفةً طويلةً أمام واجبات الإنسان تجاه أخيه الإنسان بما يكفل حقوقهُ الأساسيةَ في الحياةِ والسعادةِ وحرية التعبيرِ عن الذاتِ. وينسب إلى «كونفوشيوس» القولُ الشهيرُ: «الإنسان لا يتعلم المدنية إلا عندما يطعم ويكسى بشكلٍ لائقْ». وأكدت المسيحية كرامة الإنسان والمساواة بين الجميع بوصفهم عيالَ الله. أما الشريعة الإسلامية فقد أولَتْ حقوق الإنسان جُلّ اهتمامها بدءاً من القرآن الكريم حتى كتابات الفقهاء المتأخرين. يقول الله تعالى: ]ولَقَدْ كَرّمنَا بني آَدَمَ وحَمَلْنَاهُم في البَرِّ والبَحْرِ ورَزَقْنَاهُم مِنَ الطِّيبَاتِ وفَضَّلْنَاهُم على كَثيرٍ مِمنْ خَلِقْنَا تَفْضِيلا[ [الإسراء 70]. ويقول تعالى: ]لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسَانَ في أَحْسَنِ تَقْوِيم[ [التين 4]. والإنسان الذي كرمه ربه هو خليفة الله في أرضه. ويقول جلَّت قدرته: ]وإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلمَلائِكةٍ إِنّي جَاعِلٌ في الأَرْضِ خَلِيفَةً[ [البقرة 30]. ويقول عزّ من قائل: ]وهُوَ الذي جَعَلَكُم خَلائِفَ الأَرْضِ[ [الأنعام 165]. ولاشك أن من رفعه الله إلى هذه المنزلة العالية يكون جديراً بكل تكريم واحترام.

وكفلت الشريعة الإسلامية، وهي تراث العرب أجمعين، في نصوص صريحة واضحة وردت في القرآن والسنة، حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، فالقرآن الكريم يبين أنه ]مَنْ قَتَلَ نَفْسَاً بِغيَرِ نَفْسٍ أوْ فَسَادٍ في الأَرَّضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعَاً ومَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمْا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعَاً[ [المائدة 23]. وأرسى القرآن مبدأ المساواة وعدم التمييز بين البشر. كما قال الله تعالى: ]يَا أَيّها النَّاسُ إنّا خَلَقْنَاكُم مِنْ ذَكَرٍ وأنْثَى وجَعَلْنَاكُم شُعُوبَاً وقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إنَّ أَكْرمَكُم عِنْدَ اللّهِ أَتْقَاكُم[ [الحجرات 31]. ومهد الإسلام لإلغاء نظام الرق الذي كان شائعاً عند نزول الرسالة السماوية. فها هو الرسول محمدr يقول في خُطبة حجة الوداع: «ياأيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدمُ من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، وليس لعربي على أعجمي ولا لأحمر على أبيض فضل إلا بالتقوى، ألا هل بلغت اللهم فاشهد». وروي أن رجلاً شكا علياً يوماً إلى عمر بن الخطاب عندما كان هذا خليفة المسلمين فنادى عمر الإمام علياً بعبارة: «يا أبا الحسن» ونادى خصمه باسمه فغضب عليّ y لأن عمر كنّاه ولم يكّن الخصم. كذلك ضمنت أحكام الشريعة حق العدل إلى جانب الحياة والمساواة. فقال الله تعالى: ]وأَمْرُهُم شـُورَى بِيْنَهُم[ [الشورى 83]. بل إن مشاورة المسـلمين واجب على الحاكـم بدءاً من رسول الله ذاته. فالله تعالى يقول: ]وشَاوِرْهُم في الأَمّر[ [آل عمران 159]. والعدالة بين الناس فرض على ولي الأمر لقوله تعالى سبحانه: ]إنَّ اللهَ يَأمُركُم أَنْ تؤدُّوا الأَمَانَاتِ إلى أَهْلِها، وَإذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أنْ تَحّكُموا بِالعدل[ [النساء 85] ويقول تعالى: ]يا أيُّها الذينَ آمَنَوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالقْسطِ شُهَدَاء للهِ ولو عَلى أنفُسِكُم أو الوالِدَين والأقَرْبين[ [النساء 135]. ولا أدل على المنزلة الرفيعة للعدل في الإسلام من أن العدل هو أحد أسماء الله الحسنى. ولا يفوتُ الإسلامَ الدعوةُ إلى مبدأ الحرية الدينية لقوله تعالى: ]لاإكراه في الدين[ [البقرة 652] وهو يقر التعددية الدينية لقوله تعالى: ]ولو شَاءَ رَبُّكَ لآَمَن مَنْ في الأَرْضِ جَمِيْعاً أَفَأَنْتَ تَكْرِهُ النَّاسَ حتى يَكُونُوا مُؤْمِنِين[ [يونس 99]. ولقوله تعالى: ]وقُلْ الحَقُّ مِنْ رَبِّكُم فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤمِنْ ومَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر[ [الكهف 92]. ومازال العالم يذكر صيحة ابن الخطاب الفاروق عمر حين سمع عند بضرب قبطيٍ مصري على  يد ابن أمير مصر عمرو بن العاص «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً». كما يذكر إصراره على أن يقتص المضروب من ضاربه أمام جماعة أهل المدينة حتى يرتدعوا ويحترموا حق الإنسان في الكرامة.

ولقد انتقلت الدعوة إلى حماية حقوق الإنسان من ألسنة الأنبياء والفلاسفة إلى الحكام فشهدت أوربا خاصة نصوصاً مكتوبة منَّ بها الملوك السادة على شعوبهم استجابة للنقمة التي كانت تشتعل في النفوس نتيجة إهدار حقوق الإنسان في شتى الصور. يذكر من ذلك، على سبيل المثال، العهد العظيم المعروف بالماغنا كارتا Magna Carta الذي أصدره جون ملك الإنكليز في مطلع القرن الثالث عشر ثم قانون الحقوق الإنكليزي المعروف باسم Bill of Rights الذي صدر في أواخر القرن السابع عشر ونص على ضمانات الفرد في التقاضي.

لكن المتفق عليه أن اهتمام التشريع الوضعي بحقوق الإنسان بدأ فعلاً بصورة منتظمة مع الثورتين الكبيرتين في أمريكا وفرنسا. ففي الرابع من تموز 1776 صدر إعلان الاستقلال الأمريكي منهياً عبودية الولايات المتحدة الأمريكية الثلاث عشرة لحكم الإمبراطورية البريطانية ومنادياً بالحرية والمساواة ركيزتين أساسيتين في حياة الفرد والمجتمع. وكان لذلك صداه في أوربا فثار الفرنسيون وقضوا على الملكية الظالمة وأعلنت الجمعية التأسيسيةُ الفرنسيةُ أول إعلان لحقوق الإنسان والمواطن في 26/8/1789. وقد جاء في المادة الأولى من هذه الوثيقة التاريخية «إن الناس يولدون أحراراً ويظلون أحراراً متساوين في الحقوق ولا يجوز أن توجد فوارق اجتماعية إلا وفقاً للمصلحة العامة». ثم تمضي المواد الست عشرة التالية لتبيان الضمانات التي تجب كفالتها للمحافظة على هذه الحريات واحترام هذه الحقوق.

وفعلت الأفكار الثورية التي أطلقتها الإعلانات فعلها فتفجرت ثورات الشعوب وتهاوت العروش والأنظمة الاستبدادية في أوربا وأمريك اللاتينية. وجاءت التشريعات الداخلية وعدد من الأنظمة الدولية بنصوصِ تجعل من احترام حرية الإنسان وحقوقه جوهر وجود المجتمع السياسي وسبب استمراره. من ذلك مثلاً اتفاقية برلين لعام 1855 واتفاقية بروكسل لعام 1890 بتحريم الاتجار بالرقيق، واتفاقية باريس لعام 1904 بمكافحة الاتجار بالرقيق الأبيض، واتفاقية لاهاي لعام 1912 بمكافحة المخدرات، واتفاقية باريس لعام 1903 بالعناية بصحة الفرد ومكافحة الأوبئة الضارة بالصحة العامة، واتفاقية لندن لعام 1914 بتنظيم الإنقاذ البحري، واتفاقية برن لعام 1886 بحماية حقوق المؤلف الأدبية والفنية وغير ذلك.

وعرف القانون الدولي العرفي بعض المبادئ التي يمكن الركون إليها في مجال حماية الإنسان وصيانة حقوقه منها مبدأ التدخل لأغراض إنسانية Humanitarian intervention ونظام مسؤولية الدولة State responsibility. ومع أن النظام الأول قد طبق من قبل بعض الدول الأوربية ضد الدول الضعيفة خارج القارة لحماية طائفة معينة من الناس مما حمل ميثاق الأمم المتحدة على منع التدخل في الشؤون الداخلية للدول بشتى أنواعه إلا أن التدخل لأغراض إنسانية عاد للبروز مجدداً. من ذلك تدخل الأمم المتحدة إنسانياً في الصومال ثم في البوسنة بين عدد من الحالات.

أما عهد عصبة الأمم The Covenant of the League of Nations فلم يتضمن نصوصاً خاصة بتقرير الصفة الدولية لحماية حقوق الإنسان، باستثناء ما جاء من التزام أعضاء العصبة أن يعاملوا بصورة عادلة الشعوب التي تقطن أقاليم خاضعة لإدارتهم سواء على سبيل «الحماية» أو «الانتداب». وكذلك التزام حماية حقوق الأقليات. واهتمت منظمة العمل الدولية بموضوع توفير الأجر المجزي للعامل ورعاية شؤونه وتحسين أحواله. لكن الحرب العالمية اندلعت ثانية بصورة  لم يشهد لها الناس مثيلاً من قبل. لقد تسببت الحرب العالمية الثانية للناس في كل مكان بآلام «يعجز عنها الوصف». بل لقد صدق هنري كاسان عندما وصفها بأنها كانت في جوهرها «حرباً صليبية على حقوق الإنسان».

وكان من الطبيعي أن يتجه الاهتمام بعد انتهاء الحرب إلى عقاب المسؤولين عن الجرائم المنكرة التي شهدتها أقطار كثيرة في أوربا والشرق الأقصى خاصة. وهكذا تكفلت محاكمات نورمبرغ وطوكيو بمحاكمة المجرمين بحق السلام وحق الإنسانية ومرتكبي جرائم الحرب من النازيين واليابانيين في حين عد ترومان الذي أمر بإلقاء أول قنبلتين ذريتين على هيروشيما وناغازاكي في آب 1945 بطلاً من أبطال السلام مع أن عدد ضحايا القنبلتين المباشرتين تجاوز مئة وثمانية آلاف إنسان، أما المتضررون منهما حتى اليوم فأكثر بكثير.

واتجه اهتمام الحلفاء في الحرب إلى إيجاد ضمانات جديدة تكفل حياة الإنسان وحريته من العبث في المستقبل. ففي تصريح الأطلسي الصادر في 6/1/1941 أعلن كل من روزفلت وتشرشل التزام بلديهما سلاماً يعقب الحرب يقوم على التحرر من الخوف وحرية العقيدة وحرية تقرير المصير. ثم تعاقبت التصريحات الدولية وكلها تؤكد بطريقة أو بأخرى أن المنظمة الدولية الجديدة، التي ستولد بعد أن تضع الحرب أوزارها، ستهتم بحقوق الإنسان (تصريح الأمم المتحدة وتصريح موسكو ومقترحات دومبارتون أوكس). وهكذا جاء ميثاق الأمم المتحدة الذي جرى توقيعه في 26/6/1945 ودخل حيز النفاذ في 24/10/1645 ليبدأ صفحة جديدة في حقوق الإنسان.

ثانياً- حقوق الإنسان في عصر التنظيم الدولي الراهن

ورد ذكر حقوق الإنسان في سبعة مواضع من ميثاق الأمم المتحدة الذي يعد دستور العلاقات الدولية في هذا العصر.

1- تشير مقدمة الميثاق إلى حقوق الإنسان في فقرتها الثانية ونصها الآتي: «وأن نؤكد من جديد إيماننا بالحقوق الأساسية للإنسان وبكرامة الفرد وقدره وبما للرجال والنساء والأمم كبيرها وصغيرها من حقوق متساوية».

2- وتنص المادة الأولى على أن من أهداف الأمم المتحدة «تحقيق التعاون الدولي على حل المسائل الدولية ذات الصبغة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإنسانية وعلى تعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس جميعاً والتشجيع على ذلك إطلاقاً بلا تمييز بسبب الجنس أو اللغة أو الدين ولا تفريق بين الرجال والنساء».

3- وتنص المادة 13 على أن «تباشر الجمعية العامة دراسات وتصدر توصيات بقصد إنماء التعاون الدولي في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والصحية والإعانة على تحقيق حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس كافة بلا تمييز بينهم في الجنس أو اللغة أو الدين ولا تفريق بين الرجال والنساء».

4- وتنص المادة 55 على أن تعمل الأمم المتحدة على أن يشيع في العالم احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للجميع بلا تمييز بسبب الجنس أو اللغة أو الدين ولا تفريق بين الرجال والنساء، في حين تلزم المادة 56 جميع الدول الأعضاء اتخاذ ما يلزم «من تدابير فردية وجماعية بالتعاون مع المنظمة الدولية لتحقيق المقاصد الواردة في المادة السابقة».

5- وتنص المادة 62 على أن يقدم المجلس الاقتصادي والاجتماعي توصيات فيما يختص بإشاعة احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية ومراعاتها.

6- وتفوض المادة 68 المجلس الاقتصادي والاجتماعي بإنشاء لجان للشؤون الاقتصادية والاجتماعية ولتقرير حقوق الإنسان.

7- ومن أهم أهداف نظام الوصاية الذي دشّنه الميثاق تشجيع احترام الإنسان والحريات الأساسية للجميع من دون تمييز على أساس العرق أو الجنس أو اللغة أو الدين.

وعلى الرغم مما أخذ على نصوص الميثاق حول حقوق الإنسان سواء لغموضها وعدم دقة عبارتها أو لكونها تتعارض مع نص المادة الثانية (ف7) التي تمنع تدخل المنظمةِ الدولية أو أعضائها فيما يعد من «الشؤون الداخلية للدول» ومنها في رأي بعضهم حقوق الإنسان، وعلى الرغم من ذلك باشرت المنظمة الدولية نشاطها في التفريع على الأصول التي جاء بها الميثاق فأصدرت في العاشر من كانون الأول 1948 «الإعلان العالمي لحقوق الإنسان» الذي صاغته «لجنة حقوق الإنسان» على مدى ثلاث سنوات ويزيد بموجب قرارها رقم 217 (3) وكانت بقرارها الصادر في 9/12/1948 أقرت مشروع اتفاقية منع ومعاقبة جريمة إبادة الجنس genocide.

ويقع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مقدمة وثلاثين مادة. وقد استحوذت الفقرات الثلاث الأولى من هذه المقدمة على اهتمام كبير في الجمعية العامة تستحق معه الاستذكار. تقول هذه الفقرات:

q «لما كان الاعتراف بكرامة الإنسان المتأصلة في كيان أعضاء الأسرة البشرية جميعاً وبحقوقهم المتساوية التي لا انتزاع لها عنهم إنما هو أساس الحرية والعدل والسلام في العالم.

q ولما كان تجاهل حقوق الإنسان واحتقارها قد أفضيا إلى أعمال همجية استثارت الضمير الإنساني، وكان انبثاق عالم يتمتع المرء فيه بحرية القول والعقيدة ويتحرر من الخوف والفاقة هي غاية مايصبوا إليه الناس.

q ولما كان من الضروري أن يتولى القانون حماية حقوق الإنسان لئلا يضطر المرء في النهاية إلى التمرد على الاستبداد والظلم…».

بعد المقدمة ينتقل البيان (الإعلان) إلى مواد غير مسلسلة يمكن ردها إلى أربع فئات:

1- الفئة الأولى وتتناول الحقوق الفردية والشخصية: يولد البشر أحراراً متساوين وعليهم معاملة بعضهم بعضاً بروح الإخاء، ولكل إنسان جميع الحقوق والحريات المثبتة في الإعلان من دون تمييز يتعلق بالشخص نفسه أو بالوضع القانوني أو الدولي للبلد الذي ينتمي إليه، ولكل إنسـان الحق في الحياة وفي الحرية وفي الأمن على ذاته (م1،2،3) وينتج من ذلك تحريم الرق (م4) والتعذيب والمعاقبة بوحشية (م5). ولا بد من ضمانات أساسية لتوقيف الإنسان ومحاكمته فلا يوقف إنسان ولا يعتقل أو ينفى تعسفياً، وعلى المحاكم أن تكون مستقلة نزيهة عادلة وأن تنظر في القضية التي تحكم فيها على قدم المساواة التامة بإنصاف وعلانية، والأصل هو البراءة حتى تثبت الإدانة ولا جريمة ولا عقوبة بلا نص وليس للعقوبات المشددة أي مفعول رجعي non- retroactivity (م6،12).

2- الفئة الثانية وتتناول علاقات الفرد بالمجموع أو بالدولة: فلكل إنسان الحق في جنسية دولة ما، ولا يحرم أحد من جنسيته تعسفاً كما لا يكره على اعتناق جنسية لا يريدها. وحق الزواج مصون دون أي قيد يستند إلى العرق أو الجنسية أو الدين (م16) فإذا اضطهد المرء جاز له اللجوء إلى دولة أخرى شريطة ألا تكون هناك ملاحقة قضائية ضده بجرم عادي أو من أجل عمل يخالف أغراض الأمم المتحدة ومبادئها (م14). كذلك فمن حق الفرد حرية التنقل ضمن حدود الدولة وحق مغادرتها أو العودة إليها.

3- الفئة الثالثة وتشمل الحريات العامة والحقوق الأساسية: فيعترف الإعلان لكل إنسان بحرية الفكر والضمير والدين والعبادة (م18) كذلك حرية الرأي والتعبير (م19) وحرية الاجتماعـات وإنشـاء الجمعيـات السـلمية، وعدم إرغام أحد على الانتماء لجمعية خلاف رأيه (م20) وكذلك حق الإنسان في المشاركة في إدارة الشؤون العامة في بلده والمساواة في التوظيف وحق الاشتراك في الانتخابات النزيهة الدورية السرية (م21).

4- الفئة الرابعة وتشمل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية: فلكل إنسان الحق في الملكية ولا يجوز حرمانه منها تعسفاً (م17) ولكل إنسـان الحق في الضمان الاجتماعي (م22) والعمل الحر وتقاضـي الأجر المتسـاوي عن الأعمال المتسـاوية والحـق في تأليف نقابـة أو الانتماء إليها (م23) وفي الراحة والتمتع. وهذا يتطلب تحديداً معقولاً لساعات العمل والعطل الدورية المأجورة (م24) ولكل الحق في التربية المجانية في المرحلتين الابتدائية والأساسية والتربية الإلزامية في الابتدائية، وللأهل الأولوية في اختيار نوع التربية لأولادهم (م26) وحق الملكية الفردية مصون (م27).

ولقد أعطى السيد إيڤات Evat رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها عام 1948 فكرة عن القيمة المعنوية لهذا الإعلان حين قال: «هذه أول مرة تقوم فيها جماعة منظمة من الدول بإعلان حقوقٍ وحرياتٍ أساسيةٍ للإنسان تؤيدها الأمم المتحدة جميعاً برأي جماعي، كما يؤيدها الملايين من الرجال والنساء في جميع أنحاء العالم، إذ إنهم مهما كانوا على مسافات متباعدة من نيويورك أو من باريس خليقون بأن يتجهوا إلى هذه الوثيقة يستلهمون منها العون والنصح».

لقد اقتبس كثير من الدساتير الوطنية الصادرة بعد عام 1948 أحكامها العامة في تعداد حقوق المواطنين وتحديد مفاهيمها من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، من هذه الدساتير دستور الجمهورية العربية السورية الصادر عام 1973 الذي خصص في بابه الأول، المواد من 25 إلى 40 لبيان الحقوق والحريات العامة التي يتمتع بها الأفراد وسبل حمايتها إضافة، بالطبع، إلى الأحكام الواردة في الأبواب الأخرى من الدستور، التي تقرر المبادئ المتعلقة بحياة الأفراد وحرياتهم وملكياتهم.

أما القيمة القانونية للإعلان فقد كانت محل جدل وحوار سياسي وفقهي لا أول له ولا آخر، إذ ذهب بعض أرباب الإعلان (مثل شارل مالك من لبنان) إلى أنه ملزم قانوناً وشايعه في هذا فقهاء معروفون مثل «تشيركوفيتش» في حين أصدرت السيدة اليانور روزفلت (الولايات المتحدة) وهي أيضاً من اللاتي أسهمن في صوغ الإعلان على أنه قرار صادر عن الجمعية العامة وليس معاهدة ولا اتفاقاً دولياً بل «لا يهدف إلى إنشاء قانون أو التزام قانوني» إنه مجرد «إعلان لمبادئ معينة تتصل بحقوق الإنسان وحرياته… فهو… نموذج مشترك لما حققته شعوب كل الدول» وكان من الاتجاه ذاته فقهاء معروفون مثل «أوبنهايم» و«مهاجان». واتخذ فقهاء آخرون موقفاً وسطاً فالإعلان عندهم ليس قانونًا بل له صفة أدبية عظيمة «إيزبجيوفور» بل وصَفَتُه ترقى به إلى مكان الالتزامات التي لا مندوحة عنها للدول (آزارا وفيرون).

وأياً كان رأي هؤلاء وأولئك فإن قيمة هذه المحاورات أصبحت محدودة إلى حد كبير بعد انقضاء أكثر من ستين عاماً على صدور الإعلان وإصرار الدول باطّراد على اعتماد المبادئ التي جاء بها في دساتيرها الوطنية مما يضفي عليه طابع القانون الدولي العرفي ويجعله واجب النفاذ تحت طائلة المساءلة الدولية. وهذا ما ذهب إليه الفقه (همفري والدوك) والاجتهاد (مثلاً حكم محكمة ميلانو الاستئنافية في دعوى تبت بها في أواخر عام 1964 وتبعتها في الاتجاه ذاته محاكم دول أخرى في مناسبات متفاوتة في هذه الأيام).

ثالثاً- حقوق الإنسان في المواثيق الدولية بعد الإعلان العالمي

لم تكتف توصية الجمعية العام رقم 217 (3) لعام 1948 بإصدار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بل إنها تضمنت أيضاً تصميم الأمم المتحدة على إعداد ميثاق أو مواثيق تضم في جنباتها التزامات قانونية واضحة مع الدول ووسائل تنفيذ، أو نظام دولي من شأنه ضمان الاعتراف الفعلي بحقوق الإنسان واحترامها. وفي عام 1952 قررت الجمعية العامة أن يكون هناك ميثاقان أو عهدان covenants أحدهما يعالج حقوق الإنسان السياسية والمدنية والآخر حقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وسارعت لجنة حقوق الإنسان إلى العمل الجاد فأنهت عملها في العام 1954 ورفعت مشروعين للجمعية العامة.

وبعد اثني عشر عاماً من النقاش والجدل استقر الرأي الإجماعي للدول الأعضاء على العهدين في صيغتهما الأخيرة، وقد صَدَرا جنباً إلى جنب مع بروتوكول اختياري ملحق بالاتفاقية الخاصة بالحقوق المدنية والسياسية (بلغ عدد الدول المنضمة إليه حتى تاريخه 104 دول) وذلك بقرار الجمعية العامة رقم 2106 (الدورة 20) في 16/12/1966 وعرضت هذه المستندات الثلاثة على الدول الأعضاء لتصديقها أو الانضمام إليها ودخلت حيز التنفيذ الفعلي فيما بين الدول المصدقة أو المنضمة في 13/1/1976. والقطر العربي السوري طرف في العهدين مع مئة وإحدى وخمسين دولة للعهد الأول ومئة وثمان وأربعين دولة للعهد الثاني حتى تاريخه.

تعهدت كل دولة صدقت على العهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بحماية شعبها، عن طريق القانون، من المعاملة القاسية أو غير الإنسانية والمهينة. وتعترف بحق كل إنسان في الحياة والحرية والأمن والحرمة والكرامة كما أنها تحرم الرق وتكفل الحق في المحاكمة العادلة للجميع وتحمي الأشخاص من الاعتقال والإيقاف التعسفيين كما يقر العهد المذكور بحرية الفكر والضمير والعقيدة الدينية وحرية الرأي والتعبير والحق في التجمع السلمي وبحرية المشاركة في الحياة السياسية والعامة. ونص كذلك على حرية الرضا في الزواج وعلى حماية الأطفال ويكفل المحافظة على التراث الثقافي والديني واللغوي للأقليات. والواقع أن الحقوق المبينة من هذا العهد مستوحاة في مجملها من الإعلان العالمي. لكن جاءت خلواً من النص على حق الملكية وحق اللجوء.

في حين تقر كل دولة صدقت العهد الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بمسؤوليتها عن العمل على ضمان شروط معيشية أفضل لشعبها كما تقر بحق كل فرد في العمل والأجر العادل والضمان الاجتماعي وفي توفير مستويات معيشية مناسبة وفي التحرر من الفاقة كما تقر بحق الفرد في الصحة والثقافة وتتعهد أيضاً ضمان حق كل فرد في تأليف النقابات والانضمام إليها. وقد جاءت الحقوق الواردة في هذا العهد أطول وأشمل من مثيلاتها في الإعلان العالمي، لكنها في الوقت نفسه جاءت أعم وأقل تحديداً مما جاء به الإعلان. ويتصدر العهدان مادة واحدة في معناها ومبناها تقر الدول بموجبها بحق الشعوب في تقرير مصيرها.

وتوجد مجموعتان من الإجراءات وآليات التطبيق في العهدين اللذين يحتويان كثيراً من النصوص المشابهة.

فقد انتخبت الدول المرتبطة بالعهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية «لجنة الحقوق الإنسانية»مؤلفة من ثمانية عشر شخصاً يعملون بصفتهم الفردية ويكونون طبقاً للاتفاقية من ذوي الأخلاق العالية المعترف لهم بالدراية في مجال حقوق الإنسان. وتقوم هذه اللجنة بالنظر في التقارير التي تعرضها عليها الدول الأطراف، وللجنة أن توجه تعليقات عامة comments لهذه الدول وكذلك إلى المجلس الاقتصادي والاجتماعي في الأمم المتحدة. وطبقاً لنصوص اختيارية تضمنـها بروتوكول ملحق العهـد المشـار إليه (لم تتجاوز الدول المرتبطـة به 70 دولـة حتى نهاية 1994) يجوز للجنة الحقوق الإنسانية Human Rights Committee أن تنظر أيضاً في تبليغات دولة طرف communications بعدم وفاء دولة طرف أخرى بالتزاماتها طبقاً للاتفاقية. وتعمل اللجنة كهيئة تقصي حقائق Fact finding ويمكن إنشاء لجان توفيق conciliatory committee خاصة بالموافقة المسبقة للدول المعنية من أجل عرض مساعيها الحميدة Good offices بغية التوصل إلى حلول ودية على أساس احترام الحقوق الإنسانية. ويجوز للجنة الحقوق الإنسانية بموجب البروتوكول الاختياري ذاته أن تنظر إضافة لما تقدم من شكاوي الأفراد الذين يدّعون بأنهم ضحايا خرق دولة طرف في بروتوكول لأي من الحقوق المدونة في الاتفاقية وترسل تقارير اللجنة إلى الدول الأطراف المعنية كما تقوم اللجنة بعرض تقارير سنوية عن نشاطاتها السابقة على الجمعية العامة للأمم المتحدة.

أما الدول المبرمة للعهد الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية فتتعهد عرض تقارير دورية على المجلس الاقتصادي والاجتماعي بخصوص الإجراءات التي اتخذتها والتقدم الذي أحرزته من أجل حماية هذه الحقوق وللمجلس حق النظر في هذه التقارير، بالتعاون مع هيئات الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة، وأن يسعى إلى اتخاذ إجراء دولي مناسب لمساعدة الدول الأطراف في هذه المجالات.

إلى جانب هذه الوثائق الدستورية الدولية العامة تبنت الأمم المتحدة عدداً من الاتفاقيات والإعلانات ذات الصلة الوثيقة بالإنسان: أهمها:

1- الاتفاقية الدولية لإزالة التمييز العنصـري وأشكاله كافة. وقد أقرتها الجمعية العامة في 21/12/1965 بقرارها 2106 (الدورة 21) ودخلت حيز التنفيذ وبلغ عدد الدول المنضمة إليها حتى تاريخه 169 دولة.

2- الإعلان الخاص بإزالة كل أشكال عدم التسامح والتمييز القائم على الدين أو المنفعة. وقد صدرت عن الجمعية العامة بتوافق الآراء في 25/11/1981.

3- الاتفاقية الخاصة بإزالـة كل أشـكال التمييز ضد النساء وقد أقرتها الجمعية العامة في 8/12/1979 ودخلت حيز النفاذ في 3/9/1981 وانضمت إليها حتى تاريخه 174 دولة منها سورية التي انضمت إلى الاتفاقية عام 2003 بالمرسوم 203.

4- الاتفاقية الخاصة بمكافحة التعذيب والمعاملة أو العقاب القاسي واللإنسـاني أو المحط من الكرامة وقد تبنتها الجمعيـة العامة بالتوافق في 10/12/1984 ودخلت حيـز النفـاذ في 26/6/1987 وبلغ عدد الدول المنضمة إليها حتى الآن 133 دولة.

5- الاتفاقية الخاصة بحقوق الطفل وقد تبنتها الجمعية العامة في 20/11/1989 ودخلت حيز النفاذ في 2/9/1990. وبلغ عدد الدول المنضمة إليها حتى تاريخه 192 دولة.

6- الإعلان الخاص بالحق في التنمية وقد أقرته الجمعية العامة في 4/12/1986 بقرارها رقم 128 للدورة 44.

7- الاتفاقية الخاصة بالسكان الأصليين indigenous والقبليين tribal في البلدان المستقلة. وقد أقرته الجمعية العامة لمنظمة العمل الدولية في اجتماعها السنوي عام 1989 وانضمت إليه حتى الآن بوليفية وكولومبية، والمكسيك والنرويج.

8- الاتفاقية الخاصة بموضع اللاجئين Status of refugees وقد دخلت حيز النفاذ في 22 نيسان 1954 وكذلك الاتفاقية الخاصة بعديمي الجنسية Stateless persons وقد انضمت إلى الأولى حتى تاريخه 142 دولة وإلى الثانية 44 دولة.

9- الإعلان الخاص باللجوء الإقليمي الذي أقرته الجمعية العامة في 14/12/1967 بموجب قرارها رقم 2312 (الدورة 22).

10- الاتفاقية الخاصة بحماية حقوق العمال المهاجرين وأفراد أسرهم وقد أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بقرارها 158 (الدورة 45) في 25/2/1990 وقد دخلت حيز النفاذ في 1/7/2003 بتكامل التصديقات العشرين اللازمة (23 دولة حتى تاريخه).

وقد أنشىء كذلك منصب المفوض السـامي لحقـوق الإنسـان (بعد المؤتمر العالمي المنعقد عام 1993)0

وفي الخامس عشر من آذار(مارس)عام 2006 أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها رقم 10449/GA بإنشاء مجلس حقوق الإنسان بديلاً عن لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة. وهو هيئة فرعية تابعة للجمعية العامة. وقد صدر القرار بأغلبية 170 صوتاً مقابل أربعة أصوات هي إسرائيل وجزر مارشال وبالاو Palau والولايات المتحدة الأمريكية وامتناع روسيا البيضاء وإيران وفنزويلا 0

ويهدف المجلس إلى تعزيز الاحترام العالمي لحقوق الإنسان والحريات الأساسية للجميع بلا تمييز من أي نوع وبطريقة عادلة ومنصفة، والمجلس مكون من 47 دولة منتخبة من أعضاء الأمم المتحدة ويتم اختيار الدول من قبل الجمعية العامة حسب التوزيع الجغرافي وذلك على النحو التالي: 13 دولة من المجموعة الإفريقية ومثلها من المجموعة الآسيوية و6 دول من مجموعة أوربا الشرقية و8 دول من مجموعة أوربا الغربية و7 دول من مجموعة أمريكا اللاتينية. ومدة العضوية في المجلس ثلاث سنوات غير قابلة للتجديد الفوري. يجتمع المجلس مرتين على الأقل في السنة وله أن ينعقد في دورة استثنائية بحيث يسمح له بالتجاوب مع الحالات المزمنة والعاجلة على وجه السرعة.

ويقوم المجلس بتلقي الشكاوى من الأفراد والمنظمات الحكومية وغير الحكومية والدول بشأن انتهاكات حقوق الإنسان، ويرسل نداءات عاجلة أو رسائل ادعاء للحكومات طبعاً للاستيضاح. كما يقوم بعد كل جلسة بإرسال تقرير إلى الجمعية العامة يتضمن توصياته في ميدان نشر وتطوير قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني. وتعد هذه الآلية - على الرغم من كون ما يصدر عن المجلس توصيات recommendations غير ملزمة - بحد ذاتها ذات تأثير كبير ومهم في الآليات الأخرى كالمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية ومجلس أمن الأمم المتحدة للقيام بعملها في ميدان ملاحقة انتهاكات حقوق الإنسان.

رابعاً- حقوق الإنسان في النطاق الإقليمي

كانت أوربا أسرع القارات في التجاوب مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان نصاً وعملاً. ففي 4/11/1950 وقعت في روما الاتفاقية الأوربية لحماية حقوق الإنسان وحرياته الأساسية. وقد دخلت هذه الاتفاقية حيز النفاذ في 3/9/1953. وتضم اليوم 44 دولةً وبلداً (أي دولة ناقصة السيادة بالحماية ليختنشتاين Liechtenstein وسان مارينو San Marino. تتألف الاتفاقية من نص رئيس وملاحق تفصيلية أو تفسيرية أو تعديلية.

لقد كانت الغاية من هذه الاتفاقية التي تعد بحق أكثر تقدماً من الاتفاقيات ذات الطابع العالمي Universal character إيجاد السبل الفعلية لحماية ما جاء فيها من حقوق وحريات أساسية أكثر تواضعاً مما جاء في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان كونها تركز على الحريات التقليدية لا على الحقوق الاجتماعية والاقتصادية.

فقد تضمنت الاتفاقية الأوربية (وتعرف أحياناً باتفاقية روما) لحقوق الإنسان إنشاء هيئتين دوليتين لضمان حقوق الإنسان وهما:

- لجنة حقوق الإنسان.

- المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان. وقد جرى تعديل الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان مؤخراً بالبروتوكول الحادي عشر الملحق بمعاهدة عام 1994 لتخلي لجنة حقوق الإنسان مكانها للمحكمة الأوربية مما يدعّم من حماية هذه الحقوق. ودخل هذا التعديل حيز التنفيذ في 1/11/1998.

كانت اللجنة تتلقى الطلبات والشكاوى المحالة عليها من الحكومات أو الهيئات غير الحكومية أو من الأفراد ضد حكوماتهم أو سواها (ولا فرق هنا سواء أكان الفرد مواطناً في دولة أوربية طرف أم من سواها مادام خاضعاً لولايتها القضائية). وكانت اللجنة تقوم بفحص الشكوى وإجراء ما يلزم من تحقيق فيها ثم تحاول التوصل إلى تسوية بين الأطراف المعنيين ما أمكن لها ذلك وإلا فإنها تنظم تقريراً بالواقع وترسله إلى الدولة المعنية أو إلى لجنة الوزراء في الجماعة الأوربية مشفوعاً بما تراه مناسباً من اقتراحات كجبر الضرر أو تعديل القانون الداخلي للدولة المشكو منها، وللجنة الوزراء القول الفصل في تقرير اللجنة.

وكان من صلاحيات المحكمة الأوربية البت بحكم قضائي ملزم فيما يحال عليها من مواضيع من قبل لجنة حقوق الإنسان، أو دولة المضرور، أو الدولة المشكو منها، أو إحدى الدول المتعاقدة التي لجأت إلى لجنة حقوق الإنسان الأوربية. لكن اختصاص اللجنة أو المحكمة jurisdiction ما كان ينعقد إلا بموافقة الدولة المعنية بصورة عامة أو في القضية المطروحة فعلاً. ولا تعد هذه نقطة ضعف في بنيان الهيئة، فمعظم الدول الأعضـاء في الاتفاقية سلمت للمحكمة باختصاصها (عدا تركيا وسـان ريمو). وقد درسـت اللجنة حتى نهاية عام 1997 أكثر من مئة ألف شكوى منها 39047 شكوى قدمها أفراد بتّت في 4161 منها لمصلحتهم في حين فَصَلَت محكمة حقوق الإنسان الأوربية European Court of Human Rights حتى عام 2009 في بضع مئات من الدعاوى معددة في 213 صفحة من منشوراتها، وبتت في العديد منها لمصلحة المدعي ضد الدولة المدعى عليها ولو كانت دولته، ومن الدعاوي الشهيرة في هذا المجال الدعوى اللغوية البلجيكية، إذ قضت المحكمة بأن من حق البلجيكيين الناطقين باللغة الفلمنكية المساواة مع الناطقين بالفرنسية في أن تكون لغتهم مساوية في القوة للغة الفرنسية في شتى مناشط الحياة. أما الآن فقد صار بإمكان الفرد أن يقاضي أي دولة طرف في نظام المحكمة بعد ما طرأ على نظامها من تعديل لشروط حددها البروتوكول الحادي عشر لاتفاقية 1994 الذي أحل المحكمة مباشرة محل اللجنة الأوربية لحقوق الإنسان، وفي هذا سبق لا نظير له في ميدان حقوق الإنسان في العالم كله.

وكذلك تضمن إعلان هلسنكي الصادر في 1/8/1975 فقرات خاصة بحقوق الإنسان الأوربي. لكن الأمانة العلمية تقضي أن يشار إلى أن حقوق الإنسان تشهد نكسات الآن في العديد من دول الاتحاد الأوربي بدءاً مما أصاب المسلمين في يوغسلافيا السابقة مروراً بما يتعرض له المسلمون في فرنسا وألمانيا وإيطاليا وسواها من بلاد كانت تتباهى بحرية الفكر والتعبير فغدا همّها مطاردة المسلمات المحجبات ومساجد المسلمين بحجة مكافحة الإرهاب! (قضية تلفاز المنار وغيره من القنوات الفضائية ذات التوجه الوطني أو الإسلامي).

أما في القارة الأمريكية فقد صدر بمدينة بوغوتا الإعلان الأمريكي لحقوق الإنسان وواجباته في 2 أيار 1948.

وفي سان خوزيه San José بكوستاريكا صدرت في 22/11/1969 الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان ودخلت حيز النفاذ بدءاً من 18/7/1978 بين ست وعشرين دولة هي غالبية الدول الأمريكية. وحاولت هذه الاتفاقية السير على خطا الاتفاقية الأوربية، لكن انتهاك حقوق الإنسان في أمريكة اللاتينية يبقى هو الأصل على خلاف الحال في الدول الأوربية.

مع أن أوربا شهدت في يوغوسلافيا السابقة وإقليم كوسوفو جرائم ضد الإنسانية بل جرائم إبادة يحاكم بعضها أمام المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة.

أما في القارة الإفريقية فقد أصدر مؤتمر رؤساء دول وحكومات منظمة الوحدة الإفريقية في 30/7/1979 قراره رقم 115 (16) بشأن إعداد مشروع أولي لميثاق إفريقي لحقوق الإنسان والشعوب. وعلى الأثر تقدمت لجنة من الخبراء عام 1980 بمشروع ميثاق إفريقي لحقوق الإنسان أقره المؤتمر الثامن عشر لرؤساء الدول والحكومات الإفريقية المنعقد في نيروبي في 26/6/1981 وقد دخل الميثاق حيز النفاذ في 26/10/1986 بعد تصديق ست وعشرين دولة إفريقية عليه (الأغلبية المطلقة). وفي الخامس والعشرين من كانون الثاني 2004 ولدت، نظرياً، محكمة حقوق الإنسان الإفريقية بعد استكمال التصديقات اللازمة عليها. لكن أياً من الدول المعنية لم تقرر استضافتها ويبقى أمر الرقابة على حقوق الإنسان في القارة السمراء من اختصاص اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان ومقرها بانجول.

كرر الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان الحقوق التقليدية كما وردت في ما سبقه من مواثيق وإعلانات لكنه خلافاً لما سبق خصّ بعض الحقوق ذات الصفة الجماعية بنصوص معينة (المواد 18-26)، مثل حق المساواة بين الشعوب وحق تقرير المصير وحق الشعوب المستعمرة في الكفاح المسلح لتحرير نفسها، كما تقرر الميثاق الإفريقي بإدراج التزامات على الأفراد احتراماً لحقوق غيرهم، كواجب المحافظة على تطور الأسرة وانسجامها وخدمة المجتمع الوطني والعمل بأقصى القدرات ودفع الضرائب (م27-29).

هنا أيضاً بقي الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان أدنى كثيراً من طموحات شعوب القارة التي شهدت وتشهد خروقات فاضحة لأبسط حقوق الإنسان. بل شهدت مؤخراً حروب إبادة جنس genocide في رواندا وبوروندي والصومال وسواها. والناس يسمعون بالمحكمة الجنائية الدولية الخاصة بجرائم الحرب والإبادة والجرائم ضد الإنسانية لرواندا.

أما في الوطن العربي فقد جاء ميثاق جامعة الدول العربية الموقع في 22 آذار 1945 خلواً من أي نـص عن حقوق الإنسـان. غير أن مجلس الجامعة وافق في 3/9/1968 (القرار 2443/48)، على إنشاء اللجنة العربية الدائمة لحقوق الإنسان التي عهد إليها إعداد مقترحات وأبحاث وتوصيات ومشروعات واتفاقات يتعين أن تحظى بموافقة مجلس الجامعة. وتتألف هذه اللجنة من مندوبي الحكومات العربية لا من أشخاص أكفياء يؤدون واجبهم بصفتهم الشخصية. لذا ظل دور اللجنة هامشياً.

وبناء على توصيـة المؤتمر الإقليمي العربـي لحقوق الإنسـان الذي انعقد في بيروت بين 2 و10/10/1968 أنشأ مجلس الجامعة لجنة خبراء عهد إليها إعداد مشروع إعلان عربي لحقوق الإنسان (القرار 3668/30 في 10/9/1971 وقد أعدت اللجنة بالفعل هذا المشروع المستمد في جلّه من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان مع مراعاة خصوصية الوطن العربي وحضارته. لكن المشروع لقي طريقه إلى الإهمال.

وعندما انتقلت الجامعة إلى تونس توصلت في 11/11/1982 إلى اعتماد مشروع جديد أسمته الميثاق العربي لحقوق الإنسان غير أن مجلس الجامعة قرر في دورته التاسـعة والسبعين (1983) إحالة المشروع على الدول الأعضاء في الجامعة لوضع ملاحظاتها عليه. وقد تم إقرار هذا الميثاق منذ سنوات قليلة، لكن هذا الميثاق لا يصل في أهدافه إلى أي من الإعلانات والمواثيق المقرّة عالمياً أو إقليمياً.

لكن الوطن العربي شهد ويشهد ولادة معاهدة ومؤسسات تعنى بحقوق الإنسان العربي فعلاً لا قولاً من دون أن يقترن عملها بتصرف حكومي جماعي عربي.

إن موضوع حقوق الإنسان غدا الشغل الشاغل للمحافل الدولية العالمية والإقليمية، وقد أوصت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة UNESCO أن تدرس حقوق الإنسان مادة مستقلة في شتى مراحل التدريس، وعلى أثر ذلك تقرر إدخال مقرر خاص من متطلبات التخرج الجامعي في كل الكليات في عدد من الجامعات العربية، كما أنه يدرس في نطاق الثقافة القومية أو القانون الدستوري والدولي في جامعات أخرى. والقصد من ذلك كله تثبيت مقولة أن الأصل هو ترسيخ الفكرة في ذهن الناس حتى يسهموا هم في تطويرها من حلم أو هدف نظري إلى حقيقة واقعة مؤيدة بالثواب والعقاب.

خامساً- مصير حقوق الإنسان

لم يعد احترام حقوق الإنسان فكرة أخلاقية يكتفي المجتمع الدولي فيها باستنكار خرقها بل تحولت قواعد حماية حقوق الإنسان في السلم والحرب إلى التزامات قانونية تعاهدية ترتبط بها الدول عالمياً وإقليمياً وثَمَ آليات أنشئت للسهر على تنفيذ هذه الالتزامات من أعلى المستوى الوطني وتنتقل إلى المستوى الدولي حتى أصبح انتهاك بعض الحقوق سبباً يتذرع به للتدخل فيما يعرف بالشؤون الداخلية للدول، خاصة إذا قام نظام ما بارتكاب جرائم ضد الإنسانية أو جرائم إبادة بحق شعب سواء كان التدخل عن طريق إنشاء محكمة جنائية خاصة كالمحكمة الخاصة بمحاكمة مجرمي الحرب في يوغوسلافيا السابقة أو راوندا أو الكونغو أو المحكمة الجنائية الدولية التي تتمتع باختصاص عالمي في الجرائم المرتكبة ضد الإنسان كجرائم الحرب وجرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية (نظام روما الأساسي لعام 1998 وقد بلغ عدد الدول المنضّمة إلى نظام المحكمة حتى نهاية 2009،110 دول) أو عن طريق التدخل العسكري لحماية فئة من الشعب عدت مضطهدة (كفرض مناطق آمنة من قبل قوات التحالف قبل احتلال العراق عام 2003)0

ومع هذا فما زال الدرب طويلاً حتى للوصول إلى قواعد قانونية دولية لحماية حقوق الإنسان تزن بمكيال واحد وتطبق على الجميع قانون حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني معاً وعندها فقط يمكن أن يقال إن قانون حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني لقيا إجماعاً قانونياً وأصبحا نافذين فعلاً بكل ما تعنيه الكلمة.

مراجع للاستزادة:

- محمود شريف بسيوني و محمد سعيد الدقاق وعبد العظيم وزير، حقوق الإنسان في أربعة مجلدات (دار العلم للملايين بيروت 1989).

- محمد يوسف علوان ومحمد خليل موسى، القانون الدولي لحقوق الإنسان، المصادر ووسائل الرقابة ج1 (دار الثقافة للتوزيع والنشر، عمان 2008).

- محمد يوسف علوان ومحمد خليل موسى، القانون الدولي لحقوق الإنسان، الحقوق المحمية ج2 (دار الثقافة للتوزيع والنشر، عمان 2007).

- محمود شريف بسيوني المحكمة الجنائية الدولية (دار الشروق، القاهرة 2006).

- نص العهد المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية والعهد المتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1966 وأسماء الدول الأطراف أو الموقعة عليها، مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان الأمم المتحدة (2008).

 




التصنيف : القانون الدولي
النوع : القانون الدولي
المجلد الثالث: الجرف القاري ــ الرسم والنماذج الصناعية
رقم الصفحة ضمن المجلد : 275
مستقل

البحوث الأكثر قراءة

للحصول على اخبار الموسوعة

عدد الزوار حاليا : 1
الكل : 7989580
اليوم : 1510

الشركات في الفقه الإسلامي

الشركات في الفقه الإسلامي الشركات في الفقه الإسلامي وهبة الزحيلي تعريف الشركة ومشروعيتها: الشركة لغة: الاختلاط، أي خلط أحد المالين بالآخر، بحيث لا يمتازان من بعضهما. ثم أطلقت على العقد الخاص بالاشتراك، وإن لم يوجد اختلاط النصيبين؛ لأن العقد سبب الخلط. وفقهاً ـ كما ذكر الحنفية: عقد بين المتشاركين في رأس المال والربح (رد المحتار 3/364) . وقانوناً كما عرفتها المادة (473) مدني سوري، (505) مدني مصري هي: عقد بمقتضاه يلتزم شخصان أو أكثر بأن يساهم كل منهم في مشروع مالي، بتقديم حصة من مال أو من عمل؛ لاقتسام ما قد ينشأ عن هذا المشروع من ربح أو من خسارة. والشركة مشروعة؛...

المزيد »