logo

logo

القانون الجزائي | علم العقاب

علم عقاب

penology - pénologie

 علم العقاب

علم العقاب

صفاء أوتاني

تعريف علم العقاب منهج البحث في علم العقاب
التطور التاريخي لعلم العقاب علاقة علم العقاب بعلم الإجرام
مصادر علم العقاب علاقة علم العقاب بالقانون الجزائي
 

أولاًـ تعريف علم العقاب:

الأصل في علم العقاب عند نشأته أنه "العلم الذي يهتم بدراسة تنفيذ عقوبة السجن" ومن هنا جاء اصطلاح Science pénitentiaire في اللغة الفرنسية ومعناه "علم السجون". فبعد أن ألغت الثورة الفرنسية العقوبات البدنية (ماعدا عقوبة الإعدام)، ومع سيادة العقوبات السالبة للحريـة بدلاً منها، شق علم العقاب طريقه بحثاً عن أفضل الأنظمة الملائمة لتنفيذ عقوبة السجن تحديداً. إلاّ أن تعدد العقوبات الأخرى واختلاف أنواعها ( كالعقوبات المالية والعقوبات المقيدة للحرية والمانعة والمقيدة للحقوق) جعلت من مصـطلح pénologie أكثر مطابقة وملاءمة لصور العقاب كافة وإن لم تتضمن سلب الحرية، وهو الاصطلاح المطابق حرفياً لتعبير "علم العقاب" في اللغة العربية.

لذا يعرف علم العقاب اليوم بأنه العلم الذي يعنى بالقواعد التي تحدد أساليب تنفيذ العقوبات والتدابير الاحترازية على النحو الذي يكون من شأنه تحقيق أغراضها، أو هو العلم الذي يعكف على دراسة الحق في العقاب، فيبحث في أسسه، ويبين القواعد الخاصة بتنظيم الجزاء (رد الفعل العقابي)، وسبل اقتضاء هذا الحق على النحو الذي يكون من شأنه أن يحقق الجزاء أغراضه حال التنفيذ الفعلي.

وأول ما يلفت النظر في هذا التعريف هو أن علم العقاب يظهر في ثوب علم المكافحة اللاحق، أي ذلك الذي لا تظهر قواعده إلا بعد وقوع الجريمة بالفعل. كما يبدو من هذا التعريف أن المجال الذي تدور فيه أبحاث علم العقاب هو تنفيذ العقوبات والتدابير الاحترازية، ولكنه لا يتقيد في ذلك بالقواعد التي يطبقها تشريع وضعي معين، وإنما يسعى إلى تقرير القواعد التي ينبغي أن تحكم هذا التنفيذ بما يحقق مصلحة المجتمع في مكافحة الإجرام، فقواعد علم العقاب هي قواعد ودراسات إرشادية تهدف إلى توجيه المشرع إلى الوسائل العلمية والفنية الحديثة التي يمكن أن تتلافى عيوب الأساليب العقابية المأخوذ بها بالفعل في التشريع القائم.

ثانياًـ التطور التاريخي لعلم العقاب:

لم يكن لعلم العقاب وجود في العصور الوسطى، إذ عاشت أوربا حقبة طويلة من تاريخها ترزح في ظلمات الجهل والتخلف، مما انعكس على النظام العقابي الذي اعتمد اعتماداً كلياً على العقوبات البدنية. ولم يثر تنفيذ هذه العقوبات مشاكل تستحق الدراسة العلمية، وإن عرفت النظم العقابية في أوربا في هذه المرحلة، عقوبات أقل ما يقال عنها أنها وحشية ونقطة سوداء في تاريخ البشرية، كعقوبة التمزيق، والدولاب، والغلي بالزيت، وعقوبة النار الحمراء.

وقد بدأت النشأة الأولى لهذا العلم حين عرفت التشريعاتُ الجزائية العقوباتِ السالبة للحرية، التي يستغرق تنفيذها وقتاً طويلاً يستحق الاهتمام والدراسة، لكن هذه البداية كانت متواضعة، فقد كان ينظر إلى المجرم قديماً على أنه شخص شرير منبوذ، ينبغي عزله وإبعاده عن المجتمع انتقاماً منه، وفي ظل هذه الأفكار كانت النظرة إلى التنفيذ العقابي أنه مجموعة من تدابير القسوة التي تهدف إلى إيلام المحكوم عليه.

لذلك لم تنل السجون في بداية عهدها أي اهتمام أو رعاية، ولم تكن الدولة تلتزم بتقديم أي رعاية للسجين، سوى الحد الأدنى اللازم للمعيشة، وكان يمارس في السجون أشد أنواع القسوة والتعذيب، وتفتك بنزلائها الأمراض، هذه الحالة التي آلت إليها السجون ألهبت خيال فرسان التنوير والاصلاح من فلاسفة ومفكرين منذ أوائل القرن السابع عشر.

وقد قادت الكنيسة الكاثوليكية أول حركة إصلاحية في نظام السجون وأمكنتها، فقد شغلت السجون رجال هذه الكنيسة، فنادوا بإنشاء السجون الكنسية، ودعوا إلى الرأفة بالسجين الذي تنظر إليه الكنيسة على أنه مخطىء لا على أنه منبوذ، وطالبوا بمساعدته على التكفير عن ذنبه عن طريق الندم والتوبة ليعود إلى المجتمع فرداً صالحاً.

وكان لانتشار مبادىء الديمقراطية القائمة على المساواة بين المواطنين جميعاً أثره في تطور الأبحاث العقابية، فلم يعد ينظر إلى السجناء على أنهم طبقة دون غيرهم، وإنما أصبحت النظرة إليهم أنهم مواطنون تنكبوا الطريق السليم.

كما أسهم في تطور الأبحاث في علم العقاب التقدم الذي أحرزه علم الإجرام والعلوم النفسية والاجتماعية: فقد تناول علم الاجرام بالدراسة أسباب الجريمة (العوامل الداخلية والعوامل الخارجية)، وبذلك مهدت هذه الدراسات لتوجيه المعاملة العقابية إلى مكافحة هذه الأسباب في شخصية المحكوم عليه للحد من تاثيرها والقضاء عليها.

ويعد الفرنسي جان مابيون Jean Mabillon من أوائل من نادوا بإصلاح السجون والاهتمام بالعقوبات السالبة للحرية، فقد أصدر في عام 1690 مؤلفاً بعنوان: "تأملات في السجون الرهبانية" ضمنّه أفكاره عن السجن الانفرادي وأثره في تقويم المحكوم عليه، وضرورة المواءمة بين أنظمة التنفيذ العقابي والإمكانيات العقلية والبدنية للمحكوم عليه، وأهمية التدريب على العمل والرعاية الصحية له، ويعد هذا الكتاب في نظر الكثيرين النواة الأولى لعلم العقاب، ودراسة متكاملة للنظام العقابي في ظل الأفكار الكنسية.

ويأتي الإنكليزي جون هوارد John Howard في طليعة علماء العقاب الذين قادوا حركة إصلاح السجون والنظام العقابي، وقد اشتهر بكتابه "حالة السجون في إنكلترا وويلز وملاحظات تمهيدية عن بعض السجون الأجنبية" الذي ضمنّه آراءه وأفكاره حول وجوب الاهتمام بالفصل بين طوائف المسجونين، كما أكد أهمية العمل ودوره، وأشار إلى وجوب الاهتمام بالحالة الصحية في السجون والعناية بالتهذيب الديني وحسن اختيار العاملين في السجون.

وأسهم أحد تلاميذ هوارد الفيلسوف الإنكليزي جِريمي بنتام Jérémy Bentham من خلال كتابيه "شرح التشريع المدني والجنائي" و"دراسة للعقوبات والمكافآت" في نمو الوعي والاهتمام بالسجون وخاصة من الناحية الهندسية، فوضع تصميماً لسجن مثالي من الناحية الهندسية، يتألف من بناءين: الأول يبنى على شكل دائري ويشمل الزنزانات الانفرادية لكل سجين، والثاني يجلس فيه حراس السجن، ويقع في وسط البناء الدائري، ويقع مقر المدير في الوسط بحيث يباشر رقابته على كل ما يجري فيه، ونادى بضرورة إلغاء نظام السجن الانفرادي وذلك لقسوة آثاره، وأكد أهمية تنظيم العمل في السجون، والعناية بالتعليم المهني، والحرص على الرعاية اللاحقة للمحكوم عليه بعد انقضاء مدة عقوبته.

ويعد الفرنسي اونوريه ميرابو Honoré Mirabeau من أولئك الذين تأثروا بآراء هوارد في إصلاح السجون، فقدم تقريراً في عام 1790 إلى الجمعية الوطنية الفرنسية أعاد فيه مشاكل السجون إلى أمرين: الاختلاط الضار بين السجناء، والبطالة التي يعانونها، واقترح برنامجاً إصلاحياً يقوم على اعتماد النظام الانفرادي، والاهتمام بالعمل العقابي، والتدرج في المعاملة العقابية.

ثم جاء الفرنسي شارل لوكاس Charles Lucas أحد أكبر رواد علم العقاب وأعمقهم أثراً في تأصيل هذا العلم وإسباغ الطابع العلمي المتكامل عليه. وقد نشر عام 1828 مؤلفاً بعنوان: "تاريخ النظام العقابي في أوربا والولايات المتحدة" يعد أول عمل متكامل ينطوي على دراسـة علمية للمشاكل العقابية، كما نشر في سنتي 1837 و1838 مؤلفه "نظرية الحبي" من ثلاثة أجزاء، وتكمن أهمية هذا المؤلف في تناوله المشاكل العقابية أول مرة في إطار منهج علمي دقيق. وقد أسّس شارل لوكاس في عام 1877 الجمعية العامة للسجون التي أصدرت مجلتها (التي مازالت تصدر حتى يومنا هذا) تحت اسم مجلة "السجون والقانون الجزائي" Revue pénitentiare et de droit pénal التي تشكل مصدراً مهماً لعلم العقاب.

كذلك حظي القرن الثامن عشر بنخبة من الباحثين في علم العقاب تميزت نظرتهم إلى السجناء بالصبغة الإنسانية. وبفضل جهود هؤلاء الرواد وأفكارهم حول المشاكل العقابية، استمر الاهتمام بالسجون ورعاية المسجونين والقضايا العقابية. ومع تقدم دراسـات وأبحاث علم الإجـرام حول العوامل التي تؤدي إلى الجريمة، بدأ علم العقاب في النمو والازدهار، فإذا عرفت دوافع الجريمة وأسبابها والعوامل المؤدية إليها، أمكن مواجهتها والقضاء عليها.

ثالثاًـ مصادر علم العقاب:

تتنوع مصادر علم العقاب، فمنها ما يكون ذا طابع داخلي ومنها ما يكون ذا طابع دولي.

1 ـ المصادر الداخلية: تأخذ معظم الدول بنظام توزيع قواعد علم العقاب التي تحكم التنفيذ العقابي بين عدة قوانين ولوائح داخلية، وفي التشريع السوري فإن المصادر الداخلية توزعت بين عدة قوانين منها قانون العقوبات الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 148 تاريخ 22 حزيران 1949 (الباب الثاني من الكتاب الأول)، وقانون أصول المحاكمات الجزائية الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 112 تاريخ 13 آذار 1950 (الباب الأول من الكتاب الرابع المتعلق بمحال التوقيف والسجون، والمواد من (426 إلى 458) التي تنظم الأحكام واجبة التنفيذ، وكذلك قواعد تنفيذ عقوبة الإعدام وتنفيذ الإكراه البدني، وتقادم العقوبة، ورد الاعتبار)، وكذلك من المصادر الداخلية القرار رقم (1222) تاريخ 20 حزيران 1929 المتعلق بنظام السجون السورية.

بيد أن بعض الدول اتجهت إلى نظام توحيد قواعد علم العقاب، أي ضم جميع قواعد التنفيذ العقابي في مدونة واحدة، وهو اتجاه محمود، إذ ازدادت أهمية مرحلة التنفيذ العقابي بعد أن تغيرت فلسفة العقاب، مما أدى إلى اتساع مجال علم العقاب وتنوع أساليب المعاملة العقابية، الأمر الذي يوجب على المشرع التدخل بضم جميع قواعد التنفيذ العقابي في مدونة واحدة تراعي الاتساق بين أحكامها.

2 ـ المصادر الدولية: من بين أهم النصوص الدولية الناظمة لأحكام التنفيذ العقابي العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة بقرارها رقم (2200/د ـ21) في 16 كانون الأول 1966، والذي دخل حيز التنفيذ في 23 مارس 1976.

ومن بين المصادر الدولية أيضاً اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة والتي اعتمدت وصدق عليها بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (39/46) في 10 كانون الأول عام 1984 وبدأ نفاذها في 26 يونيو عام 1987.

من بين أهم النصوص الدولية التي تحمل طابعاً إقليمياً الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان والقواعد العقابية الصادرة عن المجلس الأوربي، والاتفاقية الأوربية لمنع التعذيب والعقوبات وجميع أشكال المعاملة اللاإنسانية أو الحاطة من الكرامة، الصادرة عن المجلس الأوربي في 26 تشرين الثاني 1987 والموقعة بمدينة ستراسبورج. إضافة إلى توصيات اللجنة الأوربية الخاصة بالمشاكل الجنائية، (وهي إحدى اللجان المتفرعة عن المجلس الأوربي) ويمكن الإشارة بصفة خاصة إلى ما جاء في التوصية رقم R (87) 3، الصادرة عن لجنة الوزراء في 12 شباط 1987 والمتضمنة مجموعة القواعد العقابية الأوربية (مئة قاعدة)

ولعل أهم القواعد التوجيهية أو الإرشادية الدولية ما يسمى بالقواعد النموذجية الدُنيا لمعاملة السجناء، التي أوصى باعتمادها مؤتمر الأمم المتحدة الأول لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين الذي انعقد في جنيڤ بسويسرا عام 1955 وأقرها المجلس الاقتصادي والاجتماعي بقراريه: 663ج (د. 340) الصادر في 31 تموز عام 1957 والقرار رقم 2076 (د. 620) الصادر في أيار عام 1977.

كما تعد مجموعة المبادئ الأساسية لمعاملة السجناء من المصادر الدولية، وقد اعتمدت هذه المبادىء ونشرت بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 45ـ 111 الصادر في 14 كانون الأول عام 1990.

رابعاً ـ منهج البحث في علم العقاب:

يعدّ علم العقاب أحد العلوم التي تعتمد في إجراء بحوثها على المنهج العلمي التجريبي، الذي يقوم على الاستقراء والملاحظة. فالباحث في علم العقاب يبدأ بملاحظة أساليب التنفيذ العقابي، وملاحظة نتائج تطبيق هذه الأساليب على السلوك اللاحق للمحكوم عليهم، بغية استقراء النتائج التي توصل إليها بالملاحظة، والصعود من جزئيات هذه النتائج إلى تشكيل قانون علمي عام. بمعنى أنه بعد رصد النتائج المتصلة بتطبيق وسيلة عقابية معينة، وبيان مدى نجاحه أو إخفاقه في تحقيق الأغراض المرجوة منه، تصاغ القواعد التي يستلهم منها المشرع أفضل السبل لتحقيق أغراض السياسية العقابية.

ويعتمد علم العقاب إلى جانب الملاحظة على الأسلوب الإحصائي، كما يعتمد على بعض الأساليب البحثية الفردية، كدراسة الحالة، والمسح الاجتماعي، والمقابلة، والاختبارات النفسية والبيولوجية والعقلية وغيرها مما يعينه في الوصول إلى أفضل أساليب التنفيذ العقابي.

ولإسباغ الصفة العلمية على منهج البحث في علم العقاب يتعين على باحثيه التجرد الكامل، سواء من حيث محل الدراسة أو من حيث نطاقها. وبقدر ما يتسع نطاق الملاحظة تدق النتائج التي تقود إليها، فعلى الباحث في علم العقاب ألا يقصر ملاحظته على الوقائع المتعلقة بالنظم العقابية الوطنية، بل عليه أن يمتد إلى ملاحظة النظم الأجنبية، ويعنى بالمقارنة بينها، وعلاوة على ذلك يجب على باحثي هذا العلم التجرد من الناحية المذهبية والفلسفية، وعدم الاهتمام بما قد يقوم في الفقه من خلافات، والحرص على أن تكون الملاحظة هي وحدها مصدر القوانين العلمية التي يراد صوغها.

خامساً ـ علاقة علم العقاب بعلم الإجرام:

يرتبط علم العقاب بعلم الإجرام من ناحية نشأته، إذ نشأ علم العقاب في رحاب علم الإجرام، وهو ارتباط تاريخي لأن الجريمة لا يمكن أن تقابل إلا بعقوبة، والعقوبة لا توجد إلا بوجود الجريمة. وعلى أساس هذا الوجود الحتمي للجريمة والعقوبة قام هذان العلمان واهتما بمكافحة الظاهرة الإجرامية، وإن اختلفت أساليبهما.

ويختلف علم العقاب عن علم الإجرام من حيث موضوع كل منهما، فإذ يتناول علم العقاب في أبحاثه دراسة العقوبات والتدابير الاحترازية من حيث أغراضها وأفضل السبل لتنفيذها، فإن علم الإجرام يبحث في ظاهـرة الجريمــة للوقوف على أسبابها وطرق مكافحتها، ومن هنا يبدو الفارق بين العلمين، وفي حين تهتم دراسات علم العقاب بدراسة الإجراءات التي يمكن اتخاذها بعد وقوع الجريمة، فإن أبحاث علم الإجرام تهتم بدراسة الأسباب المختلفة للظاهرة الإجرامية قبل وقوع الجريمة ذاتها.

 كما أن لكل من العلمين طابعه الخاص: فعلم العقاب يمتاز بطابع معياري، فيما علم الإجرام له طابع وصفي غالب باعتباره يتناول الظاهرة الإجرامية بالتحليل لكي يكشف عن الأسباب الدافعة إليها، وإن كان يتضمن جانباً معيارياً في شقه الذي يرسم فيه الأسلوب الذي ينبغي أن تكافح الجريمة وفقاً له.

وعلى الرغم من هذا الاختلاف، إلا أن بين العلمين صلة هي أقرب إلى الاندماج إلى الحد الذي يجعل فصلهما، علمين مستقلين، عملية مصطنعة، لا تخدم هدف مكافحة الجريمة وعلاج السلوك الإجرامي، وهذا الارتباط تؤكده الحقائق  التالية:

> كلا العلمين يجعلان من  المنهج العلمي القائم على الملاحظة والتجريب أسلوباً ومنهجاً للدراسة.

> لم يعد موضوع علم الإجرام مقتصراً على البحث عن أسباب الجريمة، بل امتد رواقه إلى البحث عن سبل علاجها أيضاً، مثله مثل علم الطب، يجمع مهمة معرفة الداء والدواء معاً.

وفضلاً عن ذلك، فإن علم العقاب ذاته، بدأ يهتم، منذ فترة ليست بالقصيرة، بأساليب الوقاية من الجريمة، وفي هذا الميدان الأخير، يلتقي علم العقاب بعلم الإجرام، فيتناولان موضوعات واحدة، من المتعذر تمييزها.

> لا يمكن فصل البحث في أسباب الجريمة عن البحث في وسائل علاجها، ووضعهما في علمين مستقلين. فعلم العقاب لا يستطيع أن يحدد أفضل الوسائل والأساليب التي تحقق هدف التنفيذ العقابي بغير الاستعانة بأبحاث علم الإجرام، فالهدف الأول لهذا التنفيذ هو تأهيل المجرم وإعادة إدماجه في المجتمع، ولا يمكن الوصول إلى هذا الغرض إلا بعد دراسة أسباب الجريمة حتى يتسنى العمل على مكافحتها. فمعرفة ظروف المحكوم عليه وشخصيته تساعد على تصنيفه استناداً إلى هذه الشخصية، ويمهد كذلك لإيداعه في المؤسسة العقابية الملائمة لهذه الشخصية.

> كلا الفرعين يلتقيان عند هدف واحد هو العمل على مكافحة الجريمة، ويعد كل منهما منطلقاً للآخر، فلا يمكن دراسة الجزاء ـ محور اهتمام علم العقاب ـ إلا بعد تعرف أسباب الإجرام ذاته. ومن ثم فإن علم الإجرام ـ أو علم أسباب الظاهرة الإجرامية ـ هو مقدمه أولية وضرورية لعلم العقاب، الذي يرمى إلى إصلاح المجرم وإعادته إلى المجتمع مرة أخرى. لذا يصدق قول بعض الفقهاء إن علم العقاب ما هو إلا "علم الإجرام التطبيقي".

فبناء على ما تسفر عنه أبحاث علم الإجرام من نتائج حول أسباب الظاهرة الإجرامية والعوامل الدافعة إليها يمكن تحديد أفضل الأساليب في مجال المعاملة العقابية، كي يؤتي الجزاء ثماره ويحدث أثره في نفس الجاني وبقية أفراد المجتمع. يشترك علم الإجرام وعلم  العقاب في الكشف عن حاجات المجتمع في مجال مكافحة الجريمة، ولهما أثرانً متشابهان في ترشيد السياسة الجنائية، وفي توجيه المشرع عند وضع مبادئ العقاب، وطرق الوقاية من الجريمة، وعلاج السلوك الإجرامي.

سادساً ـ علاقة علم العقاب بالقانون الجزائي:

يعنى قانون العقوبات في دولة معينة بوضع القواعد القانونية التي تنظم التجريم والعقاب. بمعنى أن المشرع من خلال هذا القانون يحدد أنماط السلوك (السلبي أوالإيجابي) التي توصف بأنها جرائم، ويضع قواعد المسؤولية عنها، ويحدد لكل منها المؤيد الجزائي المناسب. وبهذا المعنى فإن قانون العقوبات هو علم قاعدي يهدف إلى دراسة القواعد التي تحكم التجريم والعقاب بقصد تفسيرها، وبيان مضمونها، ثم استخلاص النظريات التي تحكم الأشكال القانونية لنماذج السلوك محل التجريم، والجزاءات المنصوص عليها كأثر لوقوع الجريمة،

أما علم العقاب فهو علم قاعدي يهتم بتنظيم الجزاءات المختلفة وأساليب المعاملة العقابية بهدف الوصول إلى الغايات المرجوة من التنفيذ العقابي، إلا أنه لا يبحث في نصوص تشريع معين، ولا يضع قواعد تطبق في دولة معينة، وإنما يبحث في الأهداف التي يجب أن يرمي إليها العقوبة والتدبير في اتجاههما نحو مكافحة الجريمة، ويحدد الأساليب الأكثر ملاءمة للتنفيذ العقابي حتى يتحقق الغرض منه. أو بمعنى أدق يرسم الصورة لما يجب أن يكون عليه بالفعل التنفيذ العقابي. فجوهر دراساته هو تحديد أثر جزاء معين بنوع وقدر معينين وأسلوب تنفيذ معين في تحقيق الغايات المبتغاة من توقيع الجزاء من الناحية الفعلية.

وفي الجملة فإن دراسات قانون العقوبات تعتمد على تحليل ما هو كائن بالفعل من تجريم وعقاب، أما دراسات علم العقاب فهي تبحث فيما يجب أن يكون عليه الحال في مرحلة التنفيذ العقابي. فإنه إذا كان موضوع علم العقاب وقانون العقوبات مختلفين تمام الاختلاف، فإن بينهما صلة وثيقة تنشأ لعدة أسباب منها:

> يستعين قانون العقوبات بأبحاث علم العقاب ليطور نصوصه القانونية في ضوء ما تبينه هذه الأبحاث من نظم عقابية حديثة، ذلك أن دراسات علم العقاب هي التي تقدم للمشرع الجزاء المناسب عند محاولته التدخل لتجريم سلوك ما، وعند إفراغ هذا الجزاء في قاعدة قانونية مضافاً إلى شق التجريم تبدأ قواعد قانون العقوبات في التشكيل والتكوين، كذلك يؤثر قانون العقوبات في علم العقاب من حيث أن هذا الأخير يستعين بنصوص قانون العقوبات المتعلقة بالعقوبة والتدبير ليحدد بها إطار دراساته وأبحاثه.

> لكل من قواعد قانون العقوبات وعلم العقاب طابع معياري مشترك. فالأولى تبين ما ينبغي أن يكون عليه نشاط الأفراد حتى لا يقعوا تحت طائلته، أما الثانية فتبين ما ينبغي أن يكون عليه نشاط الإدارة العقابية حتى تتحقق الأهداف المرجوة من توقيع الجزاء.

> الباحث في علم العقاب لا يسعه ـ لتعرف النظام القانوني الذي يحكم التنفيذ العقابي في دولة ما من أجل تحليله ونقده ومعرفة مزاياه وعيوبه ـ إلا التوجه إلى القواعد المدونة في قانون العقوبات لهذا البلد. فهي التي تبين للباحث في علم العقاب ما إذا كان التشريع القائم في بلد ما يأخذ بأساليب المعاملة العقابية المتطورة أم لا.

 

مراجع للاستزادة:

 

ـ  أحمد شوقي أبو خطوة، أصول علمي الإجرام والعقاب، الكتاب الثاني، علم العقاب (دار النهضة العربية، القاهرة 2002).

ـ أحمد لطفي السيد، الحق في العقاب (دار النهضة العربية، القاهرة 2004).

ـ عبود السراج، علم الإجرام وعلم العقاب، دراسة تحليلية في أسباب الجريمة وعلاج السلوك الإجرامي (دار السلاسل، الطبعة الثانية، الكويت 1990).

ـ غنام محمد غنام، حقوق الإنسان في السجون (مطبوعات جامعة الكويت، الكويت 1994).

ـ محمد عيد الغريب، أصول علم العقاب (دار النهضة العربية، القاهرة 2000).

ـ يسر أنور علي، آمال عبد الرحيم عثمان، أصول علمي الإجرام والعقاب، الجزء الأول، علم العقاب (دار النهضة العربية، القاهرة 1993).




التصنيف : القانون الجزائي
النوع : القانون الجزائي
المجلد الخامس: طرق الطعن في الأحكام الإدارية ــ علم العقاب
رقم الصفحة ضمن المجلد : 568
مستقل

البحوث الأكثر قراءة

للحصول على اخبار الموسوعة

عدد الزوار حاليا : 1
الكل : 7989765
اليوم : 1695

مبدأ المعاملة ب-المثل

 مبدأ المعاملة بالمثل مبدأ المعاملة بالمثل سوسن بكة مضمون مبدأ المعاملة بالمثل تطبيقات مبدأ المعاملة بالمثل يشغل مبدأ المعاملة بالمثل La réciprocité مكانة مهمة في القانون الدولي. ويقوم المبدأ في الأساس على فكرة المساواة القانونية بين أشخاص القانون الدولي، مع ما يكتنف تطبيقه فعلياً من صعوبات نظراً للاختلاف الكبير بين أعضاء الجماعة الدولية؛ إذ ينعم بعض من أعضائها بالتقدم والرقي والقوة في حين يرزح بعضهم الآخر تحت وطأة التخلف والضعف، مما يجعل إعمال المبدأ في بعض الحالات ضرباً من المستحيل. ويعد مبدأ المعاملة بالمثل أداة توازن بين أطراف العلاقات القانونية...

المزيد »