logo

logo

القانون الخاص | عقد الصلح

عقد صلح

reconciliation contract - contrat de réconciliation

 عقد الصلح

عقد الصلح

ماجد الحجار

مفهوم عقد الصلح

أركان عقد الصلح

آثار عقد الصلح

 

أولاًـ مفهوم عقد الصلح:

يعد عقد الصلح من العقود المسماة. وأطلق القانون المدني مصطلح العقود المسماة على عدد من العقود التي تعارف الناس على إبرامها بكثرة لقضاء حاجاتهم فأخذوا يضمنونها شروطاً واحدة وصارت تعرف بأسماء معيّنة، كالبيع والهبة والإيجار والوكالة. ونظراً لشيوع هذه العقود في التعامل فقد أخضعها العرف إلى أحكام واحدة وأتى التشريع فأخضعها لبعض القواعد الإلزامية التي لا يجوز لأصحاب العلاقة الاتفاق على خلافها وقواعد تفسيرية لا يلجأ إلى تطبيقها إلا في حال عدم اتفاق المتعاقدين على ما يخالفها. إذاً فالعقود التي أفرد لها القانون أحكاماً خاصة نظراً لشيوعها بين الناس أطلق عليها اسماً معيناً هو "عقود مسماة"، أما العقود الأخرى التي يعرفها الناس فيما بينهم من دون اعتماد عقد معين وضع له القانون أحكاماً خاصة لا يمكن إدخالها في نطاق أحد العقود التي نص عليها القانون فهي عقود غير مسماة.

وقد وضع المشرع السوري وكذلك المصري ترتيباً منطقياً علمياً لعرض العقود التي تناولها القانون المدني تبعاً لموضوعها، فبحث في العقود الواردة على الملكية في البيع والمقايضة والهبة والشركة والقرض والدخل الدائم والصلح، ثم تناول العقود الواردة على الانتفاع بالشيء فبحث في عقدي الإيجار والعارية وفي ضوء هذا التصنيف فإن عقد الصلح هو من العقود المسماة الوارد على الملكية.

1ـ تعريف عقد الصلح ومقوماته:

عرّف المشرع السوري عقد الصلح بأنه:"عقد يحسم به الطرفان نزاعاً قائماً أو يتوقيان به نزاعاً محتملاً، وذلك بأن يتنازل كل منهما على وجه التقابل عن جزء من إدعائه"، وفقاً لما نصت عليه المادة /517/ مدني. ويستفاد من هذا النص أن للصلح مقومات ثلاثة، وهي:

آ ـ نزاع قائم أو محتمل:

إن أول مقومات عقد الصلح وجود نزاع بين المتصالحين قائم أو محتمل، فإذا لم يوجد نزاع قائم أو نزاع محتمل لم يكن العقد صلحاً، فإذا وجد نزاع قائم مطروح على القضاء وحسمه الطرفان بالصلح كان هذا الصلح قضائياً. ولكن ليس بالضرورة وجود نزاع قائم مطروح على القضاء، بل يكفي أن يكون النزاع محتملاً فيكون الصلح لتوقي هذا النزاع ويكون في هذه الحالة صلحاً غير قضائي.

ب ـ نية حسم النزاع:

يجب أن يقصد الطرفان بالصلح حسم النزاع بينهما إما بإنهائه، إذا كان قائماً، وإما بتوقيه إذا كان محتملاً، ولكن ليس من الضروري أن يحسم الصلح جميع المسائل المتنازع فيها بين الطرفين، فقد يتناول الصلح بعض المسائل فيحسمها ويترك الباقي للمحكمة تتولى هي البت فيها، وكذلك يجوز للطرفين أن يتصالحا حسماً للنزاع ولكنهما يتفقان على أن يصدر من المحكمة حكم بما تصالحا عليه فيوجهان الدعوى على هذا الأساس حتى يصدر من المحكمة الحكم المرغوب فيه فيكون هذا صلحاً على الرغم من صدور الحكم.

ج ـ نزول كل من المتصالحين عن جزء من ادعائه:

ويجب في الصلح أن ينزل كل من المتصالحين على وجه التقابل عن جزء من ادعائه فلو لم ينزل أحدهما عن شيء مما يدعيه ونزل الآخر عن كل ما يدعيه لم يكن هذا صلحاً، بل هو نزول عن ادعاء، وهذا ما يميز عقد الصلح من التسليم بحق الخصم. ولا يشترط أن يكون التنازل من جانب الطرفين المتصالحين متعادلاً فقد ينزل أحد الطرفين عن جزء كبير من ادعائه ولا ينزل الطرف الآخر إلا عن جزء يسير من ادعائه وعلى هذا الأساس يبقى تنازل الطرفين صلحاً.

وقد يعمد شخص إلى الصلح مع خصمه حتى يتفادى إجراءات التقاضي المعقدة، أو ما ينجم عن التقاضي من مصاريف ونفقات باهظة، أو لاختصار الوقت الطويل، أو لكي يتفادى الخصومة، أو إعلان أمر قد يؤثر في سمعته فينزل عن جزء من ادعائه. وكذلك يقوم الصلح كما لو أن أحد الأطراف نزل عن كل ادعائه في مقابل مال آخر خارج عن موضوع النزاع ويسمى المال الذي أعطي في نظير الصلح بدل الصلح.

2ـ تكييف عقد الصلح:

القاضي هو الذي يكيف الاتفاق بأنه صلح، أو بأنه عقد آخر، وفقاً لعناصر الصلح. ولا يتقيد في ذلك بتكييف الخصوم، فقد يسمي الخصوم الصلح باسم عقد آخر، أو يسمون عقداً آخر بأنه صلح، وقاضي الموضوع هو الذي يبت في وجود عناصر الصلح من حيث الواقع فيقرر ما إذا كان هناك نزاع قائم أو محتمل وما إذا كانت نية الطرفين حسم النزاع وما إذا كانت هناك تضحية من الجانبين تتوافر فيها عناصر الصلح. ولا معقب عليه في ذلك من محكمة النقض، أما وجوب توافر هذه العناصر جميعاً فيكون العقد صلحاً وهذه مسألة قانونية لا يستقل بها قاضي الموضوع بل تخضع لرقابة محكمة النقض.

3ـ خصائص عقد الصلح:

عقد الصلح هو عقد من العقود الرضائية، فلا يشترط في تكوينه شكل خاص بل يكفي توافق الإيجاب والقبول ليتم الصلح. ولكن الكتابة ضرورية لإثبات الصلح لا لانعقاده. وهو عقد ملزم للجانبين، إذ يلتزم كل من المتصالحين بالنزول عن جزء من ادعائه في نظير تنازل الآخر عن جزء مقابل، فينحسم النزاع على هذا الوجه. وهو عقد من عقود المعاوضة، فلا أحد من المتصالحين يتبرع للآخر، وإنما ينزل كل منهما عن جزء من ادعائه بمقابل، وهو نزول الآخر عن جزء مما يدعيه.

وقد يكون الصلح عقداً محدداً كما هو الغالب. وعقد الصلح كاشف للحقوق لا منشئ لها. وهو عقد غير قابل للتجزئة فبطلان جزء منه يقتضي بطلان العقد كله.

وأهم خاصية في عقد الصلح أنه ذو صفة قضائية، فالصلح القضائي هو الصلح الذي يتراخى فيه الخصمان في أثناء نظر الدعوى، ويترتب عليه إنهاؤها، وحتى تحقيق الغرض من الصلح القضائي في حسم الدعوى يقدم الخصوم عادة إلى المحكمة المرفوعة إليها هذه الدعوى مثبتة في محضر الجلسة، وهذا ما يعرف عملاً بالتصديق على الصلح، فالتصديق إذاً هو إثبات الصلح في محضر الجلسة. وإن إثبات الخصوم ما اتفقوا عليه في محضر الجلسة يجعل القاضي موثقاً للصلح ومن ثم يكون محضر الجلسة في هذه الحالة سنداً رسمياً موثقاً للصلح وقابلاً للتنفيذ، ولكن تصديق الصلح من الوجهة القضائية الدقيقة ليس حكماً قضائياً لأن المحكمة لا تفصل في نزاع قائم بين طرفي خصومة بل إن المحكمة كانت قد وثقت صلحاً، ومن ثم فإن الطعن فيه يكون بدعوى جديدة مبتدئة كي يطعن في كل العقود لا بطريق الاستئناف أو النقض كما هو الشأن في الأحكام. ويشترط في التصديق على الصلح حضور الأطراف المتصالحة جلسة المحاكمة، فلا يجوز للمحكمة أن تثبت صلحاً بين شخصين غير حاضرين أمامها أو حضر أحدهما وغاب الآخر؛ كما لا يجوز لها ذلك إذا حضر الاثنان لكنهما رفضا أو رفض أحدهما الصلح أمامها.

وفي هذا الاتجاه فقد اجتهدت محكمة النقض في وضع تعريف دقيق وواضح لعقد الصلح فقالت إن عقد الصلح ينزل بموجبه كل من الطرفين على وجه التقابل عن جزء من ادعائه، وتنازل كل من الطرفين هو العنصر الأساسي لتكوين عقد الصلح، وتنازل أحد الأطراف فقط لا يعتبر صلحاً. (نقض سوري مدني قرار رقم 42/أساس 93 تاريخ 31/1/1959).

وفي هذا المعنى أيضاً اعتمدت محكمة النقض المصرية تعريفاً واضحاً لعقد الصلح فقالت: إن المادة (549) تقضي بأن يكون الاتفاق على الصلح بين الطرفين متضمناً نزول كل منهما على وجه التقابل عن بعض حقوقه حسماً للنزاع القائم بينهما. (نقض مدني مصري في 16/5/1970)

4ـ تميز عقد الصلح من بعض التصرفات المشابهة له:

يتفق عقد الصلح والتحكيم في أن كلاً منهما يقصد به حسم خصومة من دون استصدار حكم قضائي، ولكن التحكيم يختلف اختلافاً بيناً عن الصلح.

ففي التحكيم يتفق الطرفان على محكمين يبتون في نزاعهما، فالذي يبت في النزاع في التحكيم هم المحكمون، أما في الصلح فهم أطراف الخصومة أنفسهم؛ والتحكيم لا يقتضي تضحية من الجانبين، على خلاف الصلح، إذ المحكمون كالقضاة يحكمون لمن له حق بحقه كله. وإن إجراءات التحكيم يبحثها قانون أصول المحاكمات، أما قواعد الصلح فيبينها القانون المدني. ويختلف الصلح عن التسليم بالحق، فالصلح يقتضي دائماً التضحية من الجانبين، أما التسليم بالحق وترك الادعاء فيتضمنان تضحية من جانب واحد وهو الجانب الذي سلم بحق الخصم وترك الادعاء.

وكذلك يختلف الصلح عن إجازة العقد القابل للإبطال في أن الإجازة تتضمن نزولاً محضاً عن الحق في إبطال العقد من جانب واحد، أما في الصلح فإن عنصر التنازل المجرد يكون من الجانبين.

ويختلف الصلح عن الإبراء في أن الإبراء نزول كامل عن الحق من أحد الجانبين، أما في عقد الصلح فالنزول يكون جزئياً من جانب الطرفين وإن كان كل منهما يحسم النزاع. ويختلف الصلح عن توجيه اليمين الحاسمة في أن الصلح يتضمن تضحية من الجانبين، أما توجيه اليمين الحاسمة فلا يتضمن إلا تضحية من جانب واحد، وهو الذي وجه اليمين، إذ يكسب الجانب الذي حلف اليمن كل ما يدعيه. وقد يسير الصلح هبة أو بيعاً إذ كان أحد الطرفين تحت ستار الصلح إنما ينزل عن حقه للآخر بلا مقابل، وقد يسير الصلح قسمة رضائية إذا قرب المتقاسمون أنصبتهم في المال المشترك الشائع بالتراضي وحصل كل منهما على ما يعتقد أنه نصيبه كاملاً وإن سموا القسمة صلحاً، أما إذا كان هناك نزاع بينهما في مقدار نصيب كل منهم فاقتسموا المال الشائع بحسب أنصبة تصالحوا عليها وسموا العقد قسمة فإن القسمة هنا تسير صلحاً.

ثانياًـ أركان عقد الصلح:

أركان عقد الصلح هي الرضا والأهلية، والمحل والسبب.

1ـ الرضا:

الرضا شرط جوهري في بنية العقد، ويورد بعض الفقه تعريفاً للرضا بأنه امتلاء الاختيار وبلوغ نهايته بحيث يفضي أثره إلى الظاهر من ظهور البشاشة في الوجه، والرضا ضروري من أجل إبرام العقد.

والأصل أن العقد لا يقوم إلا به، بمعنى أن العقد لا يقوم إلا إذا أراده صاحبه، فالشخص حر إن شاء أبرم العقد مع غيره وإن شاء أحجم عن إبرامه. والأصل في بنية العقود أنها اختيارية، وجوهر الاختيار هو عنصر الرضا. والرضا من الوجهة القانونية المجردة هو ركن جوهري في العقد، ومن مستلزماته أن يكون ثنائياً، والرضا يتكون من الإرادتين (إرادة كل من الطرفين) ولا يكفي لقيام الرضا وجود إرادة لكل متعاقد بل لا بد من اتفاقهما وعلى هذا فإن قوام ركن الرضا هو تطابق الإرادتين.

والرضا لكي يكون منتجاً لآثاره من الوجهة القانونية يجب أن يكون صادراً عن إرادة حرة ومستنيرة. وإذا كان الرضا معيباً فهذا يجعل العقد قابلاً للإبطال، وعيوب الرضا أربعة، هي الغلط والتدليس والإكراه والغبن الاستغلالي.

2ـ الأهلية:

الأصل في الشخص متى كان كامل الأهلية فله التصرف في أمواله إلا لمانع قانوني قد يكون لتعلق حق الغير بالمال أو لخروج هذا المال من يد مالكه إلى جهة أخرى، فالمنع من التصرف يلحق الشخص، أما عدم القابلية للتصرف فيلحق المال.

3ـ المحل:

محل العقد، أي المعقود عليه، هو الشيء الذي ورد عليه العقد وثبت أثره فيه (كالمبيع في عقد البيع والمنفعة في عقد الإيجار).

4ـ المحل والسبب والأهلية في عقد الصلح:

فلا يجوز الصلح في المسائل المتعلقة بالحالة الشخصية أو النظام العام، فكل صلح يتعلق بالمسائل المتصلة بالحالة الشخصية والأهلية يقع باطلاً، فالأهلية والحالة الشخصية للإنسان من النظام العام، فليس لأحد الاتفاق على ما يمس أحكامهما، فلا يجوز أن يتصالح شخص مع آخر على بنوته منه بنفي أو إثبات أو على صحة الزواج أو بطلانه أو على الإقرار بالجنسية أو نفيها أو على تعديل أحكام الولاية أو الوصاية أو القوامة أو على حق الحضانة، كما لا يجوز الصلح على الأهلية أو بحثها صلحاً أو النزول عنها. وكذلك يقع باطلاً الصلح على الجريمة فإذا ارتكب شخص جريمة فلا يجوز له أن يصالح عليها. وكذلك يقع باطلاً الصلح على المسائل المتعلقة بالنظام العام، فلا يجوز للمؤجر أن يتصالح مع المستأجر على أن يدفع له أكثر من الحد المسموح به قانوناً. وكذلك لا يجوز الصلح على جواز الفوائد الربوية، فإذا تصالح المدين مع الدائن على أن يدفع له فوائد أكثر من الحد المسموح به قانوناً كان هذا الصلح باطلاً، ولا يجوز الصلح على الأموال العائدة للدولة لأنها تخرج عن دائرة التعامل، ولا يصح الصلح على دين قمار أو دين سببه مخالف للآداب العامة. وكذلك لا يجوز الصلح على التعامل في تركة مستقبلية. هذا ما يتعلق بالمحل أما ما يتعلق بالسبب في عقد الصلح فيذهب الشراح إلى القول باختلاط السبب بالمحل اختلاطاً تاماً.

والسبب في عقد الصلح هو الباعث الدافع للمتصالحين على إبرام الصلح، أما الصلح الذي يكون الدافع إليه سبباً غير مشروع فإنه يكون باطلاً، ومن ثم إذا صالح شخص امرأة على علاقة آثمة بها. وكذلك يقع باطلاً كل مصالحة على إدارة منزل للدعارة أو دار للقمار فكل هذه البواعث غير مشروعة متى كان الطرف الآخر على علم بها فإن الصلح يكون باطلاً لعدم مشروعية السبب.

والأهلية شرط لصحة عقد الصلح، والأهلية الواجب توافرها في كل من المتصالحين هي أهلية التصرف بعوض في الحقوق التي تصالحا عليها وكذلك يشترط لصحة العقد ـ المصالحة ـ أن يكون خالياً من عيوب الرضا.

والخلاصة أن سائر أحكام المحل والسبب والأهلية بصورها القانونية يجب مراعاتها في عقد الصلح.

5 ـ موقف المشرع السوري من لزوم الأهلية القانونية في عقد الصلح:

قضى المشرع السوري في المادة (517) من القانون المدني السوري بأنه يشترط فيمن يعقد صلحاً أن يكون أهلاً للتصرف بعوض في الحقوق التي يشملها عقد الصلح.

وقد اشترط المشرع في هذا النص أن الأهلية الواجب توافرها في كل من المتصالحين هي أهلية التصرف بعوض في الحقوق التي تصالحا عليها؛ لأن كلاً منهما ينزل عن جزء من ادعائه في نظير نزول الآخر عن جزء مقابل، فإذا بلغ المتصالحان سن الرشد ولم يحجر عليهما كانت لهما أهلية كاملة في الصلح على جميع الحقوق، ولكي تكون الأهلية محل اعتبار يجب أن يكون رضا كل من المتصالحين خالياً من العيوب، فيجب في الرضا أن لا يكون مشوباً بعيب من عيوب الإرادة (كالغلط أو التدليس أو الإكراه) وشأن عقد الصلح في ذلك هو شأن سائر العقود وإذا شاب الرضا تدليس كان العقد قابلاً للإبطال لمصلحة من دلس عليه وفقاً للقواعد العامة وإذا شاب الرضا إكراه جاز إبطال الصلح وفقاً للقواعد المقررة في عيب الإكراه.

ثالثاًـ آثار عقد الصلح:

إن الأثر الجوهري الذي يترتب على الصلح هو حسم النزاع الذي وقع عليه الأطراف المتصالحة والصلح كأصل عام يكشف عن الحقوق، ولا ينشئها.

1ـ حسم النزاع:

متى أبرم صلح بين الطرفين فإن هذا الصلح يحسم النزاع بينهما عن طريق انقضاء الحقوق والادعاءات، التي نزل عنها كل من الطرفين ويستطيع كل من الطرفين أن يلزم الآخر بما تم عليه الصلح أو يطلب فسخ الصلح إذا لم يقم الطرف الآخر بتنفيذ ما التزم به. ويحسم النزاع بالصلح بأن تنقضي الحقوق والادعاءات فإذا تنازع شخصان على ملكية دار وأرض ثم تصالحا على أن تكون الدار لأحدهما والأرض للآخر فهذا الصلح عقد ملزم للجانبين فهو يلزم من خلصت له الدار أن ينزل عن ادعائه في ملكية الأرض، ويلزم من خلصت له الأرض أن ينزل عن ادعائه في ملكية الدار، فلا يجوز لمن خلصت له الدار أن يعود من جديد ينازع الطرف الآخر في ملكية الأرض، وإذا عاد إلى هذا النزاع جاز للطرف الآخر أن يدفع بالصلح أو أن يطلب فسخه، وكذلك لا يجوز لمن خلصت له الأرض أن ينازع الطرف الآخر في ملكية الدار وإلا دفع هذا بالصلح أو طلب فسخه. وفي هذا المثال يلاحظ أن للصلح أثر تثبيت كما أن له أثر انقضاء والأثر الأول يترتب حتماً على الأثر الثاني.

وعلى هذا المعنى استقر اجتهاد محكمة النقض السورية حينما قضت بأن الصلح عقد يحسم المنازعات التي يتناولها وتنقضي منه الحقوق والادعاءات التي شملها ويمنع إعادة النظر في المسائل التي حسمها ما لم يبطل أو يفسخ لعيب من عيوب الإرادة كالإكراه أو التدليس أو الغلط. (نقض سوري رقم 29 تاريخ 19/1/1963).

وقد أخذ المشرع السوري بهذا الاتجاه فقضى في المادة (521) مدني سوري بأنه: "1ـ تنحسم بالصلح المنازعات التي تناولها. 2ـ ويترتب عليه انقضاء الحقوق والادعاءات التي تنازل عنها أي من المتعاقدين تنازلاً نهائياً".

2ـ الأثر الكاشف للصلح: يستفاد من نص المادة (522) مدني سوري أن الأثر الكاشف للصلح مقصور على الحقوق المتنازع فيها دون غيرها، فإذا شمل الصلح حقوقاً غير متنازع فيها كان الأثر ناقلاً لا كاشفاً.

ومعنى هذه القاعدة: أن الحق الذي يخلص للمتصالح بالصلح يستند إلى مصدره الأول لا إلى الصلح، فإذا اشترى شخصان داراً على الشيوع ثم تنازعا على نصيب كل منهما في الدار وتصالحا على أن يكون لكل منهما نصيب معين عدّ كل منهما مالكاً لهذا النصيب لا بعقد الصلح بل بعقد البيع الذي اشتريا به الدار على الشيوع ويستند بذلك حق كل منهما إلى مصدره الأول لا إلى الصلح.

وإذا تنازع شخصان على أرض ومنزل كان يملكهما مورث مشترك فاصطلحا على أن يختص أحدهما بالأرض والآخر بالمنزل عدّ كل منهما مالكاً لما اختص به لا من وقت الصلح بل من وقت موت المورث، وإنه قد ملك لا بالصلح بل بالميراث. وتذهب النظرية التقليدية في تعليل هذا الأثر الكاشف إلى أن الصلح هو إقرار من كل من المتصالحين لصاحبه، والإقرار هنا هو إخبار لا إنشاء فهو يكشف عن الحق ولا ينشئه، وكما سبق بيانه فإن المشرع السوري وكذلك المصري كانا قد أخذا بهذا الحكم القانوني وبهذا نصت المادة (522) مدني سوري على أن للصلح أثراً كاشفاً لما تناوله من حقوق، ويقتصر هذا الأثر على الحقوق المتنازع فيها دون غيرها.

3ـ الأثر النسبي للصلح:

الصلح بصفته عقداً مثل سائر العقود له أثر نسبي، فهو يقتصر على المحل الذي وقع عليه (أي المعقود عليه) وعلى الطرفين اللذين وقع بينهما وعلى السبب الذي وقع من أجله، وهو بهذه العناصر يشبه الحكم، فهو لا يكون حجة إلا عند اتحاد المحل والخصوم والسبب، ولكن الفقهاء يرون أن الأثر النسبي للصلح يرجع إلى أنه عقد لا إلى قياسه على الحكم.

فالأثر النسبي في المحل، أي إنه لا يتناول سوى محل العقد دون غيره، فإذا تصالح موصى له مع الورثة على وصية فإن الصلح لم يتناول إلا الوصية التي وقع النزاع بشأنها ولا يشمل "الصلح" وصية أخرى للموصى له تظهر بعد ذلك. أما مبدأ الأثر النسبي في الأشخاص فهو يعني أن الصلح لا يرتب أي نفع أو ضرر لغير عاقديه حتى لو وقع على محل لا يقبل التجزئة.

فإذا تصالح أحد الورثة مع الموصى له على الوصية فإن الورثة الآخرين لا يحتجون بهذا الصلح ولا يحتج به عليهم استناداً إلى مبدأ الأثر النسبي لعقد الصلح في الأشخاص. وضرب الفقه الفرنسي مثالاً تقليدياً وعملياً لإيضاح هذا المبدأ وهو: إذا تصالح المصاب مع المسؤول عن الإصابة ثم مات من جراء تلك الإصابة فإن هذا الصلح لا يحتج به على الورثة، أي ورثة المصاب فيما يتعلق بالتعويض المستحق لهم شخصياً بسبب وفاة المصاب.

ويكون الأثر النسبي للصلح متعلقاً بالسبب حينما يكون الأثر متناولاً بسبب الصلح، فإذا نازع الوارث في صحة وصية صادرة لشخصين ثم تصالح مع أحدهما فإن هذا الصلح لا يحتج به في مواجهة الموصى له الآخر، وهذه هي النسبية في الأشخاص، فإذا فرض أن الموصى له الآخر كان قد مات وورثه الموصى له الأول قبل الصلح فإنه يجوز في هذه الحالة للموصى له الأول أن يعود إلى النزاع في الوصية فيما يتعلق بحقه في الإرث من الموصى له الثاني، ولا يستطيع الوارث أن يحتج عليه بالصلح على الرغم  من وحدة المحل (وهو الوصية) ووحدة الأشخاص (وهما الوارث والموصى له الأول) ذلك لأن السبب لم يتحد، فالموصى له الأول تقيد بالصلح كموصى له وهو الآن يتقدم بسبب جديد هو الميراث من الموصى له الآخر، ومن ثم لا يتقيد بالصلح لاختلاف السبب.

4ـ فسخ عقد الصلح:

ذهب أكثر الفقهاء إلى جواز المطالبة بفسخ الصلح كما هو الأمر في سائر العقود الملزمة للجانبين.

وفسخ الصلح تجري فيه القواعد العامة المقررة في فسخ العقود، فيجوز لأي من المتصالحين إذا أخل الآخر بالتزامه أن يطلب إما تنفيذ الصلح إذا أمكن التنفيذ عينياً وإما فسخ الصلح، وللقاضي حق تقدير طلب الفسخ، فله أن يرفضه ويمنح مهلة للطرف المتخلف حتى يقوم بتنفيذ التزامه. وأخيراً تنص المادة (524) مدني على أنه: "لا يجوز الطعن في الصلح بسبب غلط في القانون".

 

مراجع للاستزادة:

 

ـ أديب استانبولي، القانون المدني ويتضمن المصطلحات القانونية التي أقرها مؤتمر المحامين العرب المنعقد في دمشق 1957 (الطبعة الثانية، دار الأنوار للطباعة، دمشق 1989).

ـ جاك يوسف الحكيم، العقود الشائعة أو المسماة (الطبعة الثانية، مطبعة محمد نهاد هاشم الكتبي، دمشق 1973).

ـ شفيق طعمة، التقنين المدني السوري (اجتهادات قضائية ـ تعليقات فقهية) الجزء الخامس (الطبعة الثانية، المكتبة القانونية، دمشق 1994).

ـ عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني (العقود التي تقع على الملكية) الجزء الخامس المجلد الثاني (دار إحياء التراث العربي، بيروت لبنان، بلا تاريخ).




التصنيف : القانون الخاص
النوع : القانون الخاص
المجلد الخامس: طرق الطعن في الأحكام الإدارية ــ علم العقاب
رقم الصفحة ضمن المجلد : 440
جزء :

البحوث الأكثر قراءة

للحصول على اخبار الموسوعة

عدد الزوار حاليا : 1
الكل : 7628962
اليوم : 938

النسب

 النسب النسب محمد أبو الخير شكري تعريفه أهميته الشرعية طرق إثبات النسب أسباب ثبوت النسب من الأب الفرق بين الإقرار بالنسب والتبني آثار النسب المحرمات بالنسب من النساء أولاً ـ تعريفه: النسب: في الاصطلاح هو القرابة، وهي اتصال بين شخصين بالاشتراك في ولادة قريبة أو بعيدة. ثانياً ـ أهميته الشرعية: النسب أقوى الدعائم التي تقوم عليها الأسرة، وهو العمود الذي يجمع هذه الأسرة على روابط من الحنان والعطف والرحمة. وقد امتنَّ الله عز وجل على الإنسان بنعمة النسب، فقال عز وجل في القرآن الكريم: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا...

المزيد »