logo

logo

القانون الدولي | المحكمة الجنائية الدولية

محكمه جناييه دوليه

international criminal court - cour pénale internationale

 المحكمة الجنائية الدولية

المحكمة الجنائية الدولية

إبراهيم دراجي

تطور القضاء الدولي الجنائي الادعاء
نشأة المحكمة الجنائية الدولية (نظام روما الأساسي لعام 1998) المصادر القانونية
هيئة المحكمة مواقف الدول تجاه المحكمة
الاختصاص المنظور المستقبلي
 

مما لا شك فيه أن أي نظام قانوني يرجى له الفعالية والامتثال التام لأحكامه؛ إنما يحتاج إلى وجود جهاز قضائي مستقل ودائم يعمل على تأكيد احترام هذه الأحكام ويحدد مسؤولية كل من يخرج عليها، وهذا ما افتقده المجتمع الدولي فترة طويلة من الزمن لم يتم خلالها إيجاد جهاز قضائي ذي مستوى فعّال لتطبيق قواعد القانون الدولي المتعلقة بالمسؤولية الشخصية عن ارتكاب الجرائم الدولية؛ إلى أن تم إنشاء المحكمة الجنائية الدولية بموجب نظام روما الأساسي لعام 1998، والذي سيكون محلاً للبحث في الصفحات التالية من خلال السعي إلى إبراز مفهومها وماهيتها والجرائم التي ستنظر بها وآلية عملها لبيان مدى قدرتها على منع ارتكاب الجرائم الدولية وردعها؛ أو على الأقل ضمان عقاب مرتكبيها.

أوّلاً ـ تطور القضاء الدولي الجنائي:

لا بد من الإشارة بداية إلى أن فكرة إنشاء قضاء دولي جنائي ليست بالفكرة الحديثة؛ إذ إن الدعوة إلى إنشاء هذا القضاء قد سبقت بفترة طويلة ظهور التنظيم الدولي المعاصر. ويشار بهذا الصدد على سبيل المثال إلى آراء الفقيه السويسري Moynier الذي نادى بتنظيم قضاء دولي يعاقب على ما يرتكب من جرائم ضد قانون الشعوب، واقترح في تقرير مقدم منه للجنة مساعدة جرحى الحرب سنة 1872 إنشاء محكمة من خمسة أعضاء يعين اثنان منهم بمعرفة أطراف الحرب وثلاثة بمعرفة دول محايدة. ولكن اقتراحه أخفق لتجاهله القضاء الوطني الذي كان حتى ذلك الوقت هو صاحب الاختصاص الأوحد.

وهو الإخفاق الذي كان أيضاً مصير كل الدعوات والاقتراحات والمشاريع اللاحقة والداعية إلى إنشاء محكمة جنائية دولية، وهي المشاريع التي تبنتها ودعت إليها العديد من الهيئات العلمية والمؤتمرات الدولية (ويشار هنا على سبيل المثال إلى جهود جمعية القانون الدولي والاتحاد البرلماني الدولي والجمعية الدولية للقانون الجنائي)، إضافة إلى الجهود الفقهية التي بذلت في هذا الإطار والتي لم يكتب لها التوفيق أيضاً، إلى أن اندلعت الحرب العالمية الأولى والتي كشفت للعالم بصورة ملموسة معنى الحرب وويلاتها وما يمكن أن تسببه الحروب من دمار اقتصادي وإنساني للحضارة العالمية، إذ شملت تلك الحرب بويلاتها العالم أجمع، كما شملت المدنيين والعسكريين، وخولفت فيها قواعد القانون الدولي بصورة صارخة فقد خُرقت المعاهدات، وانتهك حياد الدول المعترف لها به بالتضامن، وأُبعد المدنيون وسخِّروا؛ وقُتل الأبرياء وأُجهز على الرهائن، وخُرِّبت المدن المفتوحة والكنائس والمكتبات وكنوز الفن والآثار التاريخية، وأغرقت السفن المحايدة وسفن المستشفيات، واستعملت الغازات السامة والخانقة. هذا فضلاً عن الخسائر البشرية في الدول الأوربية والتي بلغت نحو ثمانية ملايين ونصف ما بين قتيل وجريح ومشوه حرب.

ونظراً لفداحة هذه الخسائر والأضرار فقد ارتفعت المطالبات في كل مكان تنادي بضرورة معاقبة مجرمي الحرب أو كل من ارتكب عملاً مخالفاً لقواعد الحروب وعاداتها، وبلغ الأمر حداً من الاستياء إلى درجة المطالبة بمحاكمة رؤساء الدول الذين كانوا سبباً في نشوب الحرب، أو ساعدوا على إشعالها، أو أمروا بارتكاب جرائم الحرب.

وبعد جدل قانوني وسياسي كبير تم إنشاء محكمة جنائية دولية لمحاكمة الامبراطور الألماني وذلك بموجب نص المادة (227) من معاهدة ڤرساي؛ والتي تضمنت التشديد على أن السلطات المتحالفة والمنضمة إليها تتهم علناً غليوم الثاني دوهو هنزولرن امبراطور ألمانيا السابق بالجريمة العظمى ضد الأخلاق الدولية وقدسية المعاهدات؛ مما يستدعي إنشاء محكمة خاصة لمحاكمة المتهم مع كفالة الضمانات الضرورية لمزاولته حق الدفاع، وتتكون هذه المحكمة من خمسة قضاة يعينون بمعرفة كل من السلطات الخمس الآتية: الولايات المتحدة الأمريكية، بريطانيا، فرنسا، إيطاليا، اليابان، وستقضي المحكمة بموجب مبدأ احترام الالتزامات المعلنة رسمياً والتعهدات الدولية وكذلك الأخلاق الدولية، ويوكل إلى المحكمة تعيين العقوبة التي ترى وجوب تطبيقها، وتقدم السلطات المتحالفة والمنظمة لها إلى حكومة هولندا طلباً راجية فيه تسليمها الامبراطور السابق لمحاكمته.

ولكن لا بد من الإشارة إلى أن نص المادة (227) من معاهدة ڤرساي لم تدخل حيز التنفيذ ولم تجد تطبيقاً على أرض الواقع، وذلك بسبب رفض هولندا تسليمه للحلفاء؛ معللة ذلك بعدم ارتكاب الامبراطور الألماني فعلاً يعاقب عليه سواء بالنسبة إلى قانون العقوبات الهولندي؛ أم إلى قانون الإبعاد الهولندي لسنة 1875؛ أم وفقاً لمعاهدات الإبعاد المبرمة بينها وبين الدول الحليفة. كما أن هذا الاتهام الموجه إلى الامبراطور الألماني ذو طابع سياسي أكثر منه قانونياً، فضلاً عن أن تسليم الامبراطور لمحاكمته أمام محكمة استثنائية لا يتفق على الإطلاق مع أحكام القانون الهولندي؛ لأن المتهم سيحاكم من قبل أعدائه الذين لا شك أن حكمهم سيكون بعيداً عن العدالة لما يحملونه له من حقد وكراهية، ومع كل الضمانات التي يمكن توفيرها فإن القضاة سيحملون صفتي الخصم والحكم في آن واحد. وعدّت هولندا أنه مع الوضع الراهن للقانون الجنائي لا تكفي مجموعة النظريات الفقهية لتبرير تسليم هذا الهارب أو توقيع جزاء جنائي عليه.

وعلى الرغم من محاولات الدول الحليفة تكرار طلب التسليم فإن الحكومة الهولندية تمسكت بموقفها الرافض للتسليم، مما أدى إلى عدم تطبيق نص المادة (227) وعدم محاسبة الامبراطور غليوم الثاني وتطبيق قواعد المسؤولية الشخصية عليه، حيث ظل بهولندا حتى مات فيها سنة 1941.

وبعد أن تأسست عصبة الأمم أثير موضوع تأسيس محكمة جنائية دولية من جديد، ونصت المادة الرابعة عشرة من ميثاق عصبة الأمم على أن يتولى مجلس العصبة مشروع إنشاء محكمة العدل الدولية الدائمة وعرضه على الدول الأعضاء، وتألفت بموجب ذلك لجنة استشارية من قبل مجلس العصبة تأخذ على عاتقها مهمة تقديم المشروع لتأسيس المحكمة، كما ُقدم مشروع آخر يدعو إلى تأسيس محكمة عليا خاصة بمحاكمة الأشخاص الذين يرتكبون جرائم دولية أو أعمال تهدد السلم والأمن الدوليين، وإلى جانب هذا الرأي قدم مشروع آخر يقضي بعدم إنشاء محكمة مستقلة لمحاكمة الأشخاص المتهمين بارتكاب جرائم دولية؛ وإنما الاكتفاء بتأسيس شعبة جنائية خاصة لهذا الغرض تعمل ضمن نطاق محكمة العدل الدولية الدائمة.

ولكن لم يكتب لأي من تلك المشاريع النجاح؛ لأن الرأي السائد آنذاك كان يقضي بأن مشروع تأسيس محكمة جنائية لا يمكن أن يكتب له النجاح ما لم يسبق ذلك اتفاق بين الدول على القانون الواجب التطبيق في هذا الموضوع؛ باعتبار أن القانون الدولي كان يفتقد في ذلك الوقت لوجود قواعد قانونية جنائية واضحة المعالم يمكن الاعتماد عليها في التطبيق من دون خلاف.

وفي أعقاب حادثة الاغتيال الشهيرة التي وقعت في مرسيليا بفرنسا في التاسع من تشرين الأوّل/أكتوبر عام 1934 وراح ضحيتها ملك يوغسلاڤيا ألكسندر الأول؛ بادرت الحكومة الفرنسية بالدعوة إلى عقد اتفاقيتين دوليتين تتعلقان بالإرهاب تم التوقيع عليهما في جنيڤ عام 1937 الأولى: تتعلق بمنع الإرهاب وقمعه دولياً، والثانية: تتعلق بإنشاء محكمة جنائية دولية لمحاكمة من يرتكب الأعمال الإرهابية من الأفراد، فقد نصت المادة الثالثة من هذه الاتفاقية على أن تكون المحكمة الجنائية المزمع تكوينها محكمة دائمة؛ على أن تُدعى إلى الاجتماع كلما رفعت إليها دعاوى تدخل ضمن اختصاصها، ولكن لم تدخل الاتفاقيتان حيز التنفيذ لعدم التصديق عليها. إلى أن اندلعت الحرب العالمية الثانية والتي اتسمت بارتفاع نسبة الخسائر البشرية وارتكاب العديد من الجرائم الوحشية بين الدول المتحالفة وبصورة مخالفة لكل قواعد القانون الدولي والاتفاقيات الدولية التي كانت سائدة، فقد قتل خلال تلك الحرب (54) مليون إنسان؛ وجرح نحو (90) مليوناً؛ فيما أصبح (28) مليون إنسان معاقاً.

ونظراً لفداحة هذه الخسائر وجسامة المخالفات التي ارتكبت فقد تتالت الدعوات ـ وبصورة مبكرة سبقت انتهاء أعمال الحرب ـ من أجل محاكمة الأشخاص الذين تسببوا بارتكاب جرائم الحرب والعدوان، واتفق الحلفاء منذ البداية على وجوب محاكمة الأشخاص المتهمين بارتكاب جرائم الحرب وأعمال الإبادة والانتهاكات الفظيعة لحقوق الإنسان والمخالفة لكل قوانين الحروب وأعرافها وعاداتها.

وبعد أن اتفق الحلفاء على محاكمة المتهمين بارتكاب الجرائم الدولية والانتهاكات الفظيعة للمبادئ الإنسانية والمتمدنة؛ بات يتعين عليهم أن يحددوا الآلية التي ستتم المحاكمة وفقاً لها وهو ما حسموه بالفعل بموجب اتفاقية لندن سنة 1945، وهو الاتفاق الذي تُوج بإنشاء محكمة عسكرية دولية لمحاكمة مجرمي الحرب في نورمبرغ، كما تم إنشاء محكمة مماثلة لدول المحور في الشرق الأقصى بطوكيو. وقد تضمنت اللائحة الملحقة باتفاقية لندن القواعد المتعلقة بتشكيل المحكمة وبيان آلية عملها؛ وما تطبقه من قوانين ومالها أن تصدره من عقوبات، وتتضمن هذه اللائحة ثلاثين مادة موزعة على سبعة أبواب تضمنت التشديد على محاكمة كبار مجرمي الحرب الذين ارتكبواـ بصفتهم الفردية أو بصفاهم أعضاء في منظمات ـ إحدى الأفعال المنصوص عليها في المادة السادسة من لائحة لندن، والتي تشمل:

أ ـ الجرائم ضد السلام.

ب ـ جرائم الحرب.

ج ـ الجرائم ضد الإنسانية.

كما يُسأَل المدبرون والمنظمون والمحرضون والشركاء الذين أسهموا في إعداد خطة عامة أو مؤامرة لارتكاب أي جريمة من الجرائم المحددة آنفاً أو تنفيذها، عن كل الأفعال المرتكبة من أي شخص تنفيذاً لهذه الخطة.

وقد استمرت محاكمات نورمبرغ أحد عشر شهراً وعشرين يوماً استمعت المحكمة خلالها إلى (96) شاهداً منهم (63) شاهد دفاع، وأمرت بتلاوة (143) شهادة مكتوبة، وقدم أمامها للمحاكمة بصورة فعلية (22) متهماً من أصل (24) متهماً وجهت إليهم الاتهامات (لانتحار واحد وإرجاء محاكمة آخر نظراً لحالته الصحية والعقلية)، وقد حوكم عشرون حضورياً واثنان غيابياً وصدر الحكم بإدانة (19) وبراءة ثلاثة.

وتتجلى أهمية هذه المحاكمات في أن المبادئ القانونية التي أوجدتها وطبقتها قد أصبحت تشكل المبادئ القانونية العامة التي تحكم المسؤولية الشخصية عن الجرائم الدولية وفقاً لقواعد القانون الدولي.

وفي فترة لاحقة تدخل مجلس الأمن الدولي إمّا بمبادرة منه وإما بطلب من الدول ذات الصلة وأنشأ عدّة محاكم دولية خاصة أو ذات طبيعة مختلطة، كما هو الحال في محاكم يوغسلافيا ورواندا وتيمور الشرقية وسيراليون وصولاً إلى المحكمة الدولية الخاصة بلبنان.

ثانياً ـ نشأة المحكمة الجنائية الدولية (نظام روما الأساسي لعام 1998):

بعد محاولات طويلة وسنوات عديدة شهدت الكثير من الجهود المخفقة وخيبات الأمل قامت الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1992 بتكليف لجنة القانون الدولي ILC التابعة للأمم المتحدة بإعداد مشروع النظام الأساسي لإنشاء المحكمة الجنائية الدولية الدائمة، وفي أيلول 1994 قدمت اللجنة للجمعية العامة مشروع النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، فقررت الجمعية العامة تشكيل لجان مخصصة لاستعراض المسائل الفنية والإدارية الرئيسية الناجمة عن مشروع النظام الأساسي الذي أعدته لجنة القانون الدولي ودراسة الترتيبات اللازمة لعقد المؤتمر الدولي للمفوضين. وبعد عدّة اجتماعات مثمرة عقدت هذه اللجنة التحضيرية دورة انعقادها الختامية من 16 آذار/مارس إلى 3 نيسان/إبريل عام 1998 قبل عدة أسابيع من افتتاح مؤتمر الأمم المتحدة الدبلوماسي للمفوضين المعني بإنشاء محكمة جنائية دولية والذي عقد في مدينة روما بإيطاليا في الفترة من 15 حزيران/يونيو إلى 17 تموز/يوليو 1998، وهو المؤتمر الذي أثمر بالنهاية عن إقرار النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية؛ وذلك بعد أن صوتت لمصلحة إنشاء المحكمة الجنائية الدولية الدائمة (120) دولة، وامتنعت (21) دولة عن التصويت، في حين عارضت إنشاء هذه المحكمة (7) دول (من بينها الولايات المتحدة الأمريكية والصين وإسرائيل).

ويعد النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية International Criminal Court (I.C.C) معاهدة دولية تصبح نافذة المفعول بعد (60) يوماً من مصادقة الدول الستين عليها، وهو ما تم بالفعل بتاريخ 10/4/2002، وذلك عندما تم الإعلان بمقر الأمم المتحدة في نيويورك عن تشكيل المحكمة الجنائية الدولية، وذلك بعد أن تجاوز عدد الدول التي صدَّقت على معاهدة روما ستين دولة، وهو النصاب المطلوب كي تصبح الاتفاقية سارية. ففي ذلك التاريخ قدم سفراء عشر دول وثائق التصديق على المعاهدة، وكانت جمهورية الكونغو الديمقراطية ـ وفقاً للترتيب الأبجدي الإنكليزي ـ هي الدولة الستون التي صدَّقت على معاهدة روما، ووفقاً لأحكام النظام الأساسي فقد بدأ تنفيذ الاتفاقية رسمياً بدءاً من 1تموز/يوليو 2002.

ويتألف النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية من ديباجة وثلاثة عشر باباً، وقد جاء في الديباجة تشديد الدول الأطراف في النظام الأساسي على وجود روابط مشتركة توحد جميع الشعوب وثقافات تشكل تراثاً مشتركاً؛ وتحذر من أن ملايين الأطفال والنساء والرجال قد وقعوا خلال القرن الحالي ضحايا لفظائع لا يمكن تصورها هزت ضمير الإنسانية بقوة، وأن من شأن هذه الجرائم المرتكبة أن تهدد السلم والأمن والرفاه في العالم، مما يستوجب ألا تمر هذه الجرائم من دون عقاب وأن يتم ضمان مقاضاة مرتكبيها على نحو فعال، كما أعادت الديباجة أيضاً التشديد من جديد على مبادئ ميثاق الأمم المتحدة ومقاصده وخاصة أن جميع الدول يجب أن تمتنع عن التهديد باستعمال القوة، أو استعمالها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة، أو على أي نحو لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة.

ثم تضمن الباب الأول القواعد المتعلقة بإنشاء المحكمة، وحدد الباب الثاني القواعد المتعلقة بالاختصاص والمقبولية والقانون الواجب التطبيق، وتضمن الباب الثالث المبادئ العامة للقانون الجنائي، وبيَّن الباب الرابع كيفية تكوين المحكمة وإداراتها، وجاء في الباب الخامس القواعد المتعلقة بالتحقيق والمقاضاة، وتضمن الباب السادس قواعد المحاكمة، والباب السابع العقوبات، والباب الثامن قواعد الاستئناف وإعادة النظر، والباب التاسع مبادئ التعاون الدولي والمساعدة القضائية، وحدد الباب العاشر إجراءات التنفيذ، والباب الحادي عشر تنظيم جمعية الدول الأطراف، والباب الثاني عشر قواعد التمويل، وأخيراً فقد تضمن الباب الثالث عشر الأحكام الختامية المتعلقة بتسوية المنازعات والتحفظات والتعديلات التي يمكن أن تطرأ على الأحكام ذات الطابع المؤسس؛ وكذلك إجراءات التوقيع أو التصديق أو القبول أو الموافقة أو الانضمام وبدء النفاذ.

ولا بد من الإشارة في البداية إلى أن المحكمة الجنائية الدولية تختلف عن محكمة العدل الدولية التي لا تفصل إلا في خصومات الدول ولا يمكن أن تحاكم الأفراد.

كما أنها تختلف أيضاً عن محكمتي رواندا ويوغسلاڤيا بالنظر لكونها محكمة عالمية دائمة لا تنشأ بمناسبة حادثة واحدة تختص بها وتزول بعدها، ولهذا فقد لقي إنشاؤها تأييداً كبيراً وتعلقت بها آمال كثيرة.

وقد تبنى النظام الأساسي لإنشاء المحكمة الجنائية الدولية مبدأ الاختصاص التكميلي Complementary والمقصود بهذا المبدأ أن الاختصاص بنظر الجرائم الدولية المعاقب عليها إنما ينعقد أولاً للقضاء الوطني، فإذا لم يباشر هذا القضاء اختصاصه بسبب عدم الرغبة في إجراء هذه المحاكمة أو عدم القدرة عليها يصبح اختصاص المحكمة منعقداً لمحاكمة المتهمين. وقد تم تأكيد هذا المبدأ في الفقرة (10) من ديباجة النظام الأساسي والتي جاء فيها "أن الدول الأطراف في النظام.. وإذ تؤكد أن المحكمة الجنائية الدولية المنشأة بموجب هذا النظام الأساسي ستكون مكملة للاختصاصات القضائية الجنائية الوطنية". وكذلك في نص المادة الأولى من هذا النظام والتي أكدت أنه "… تكون المحكمة مكملة للاختصاصات القضائية الجنائية الوطنية…".

والغرض من تبني هذا المبدأ تأكيد مسألة السيادة الوطنية للدول على ما يقع في إقليمها أو ما يرتكب من رعاياها من جرائم تم تعريفها في قانون المحكمة، كما أن ما يبرر تبني هذه القاعدة أمور ثلاثة:

المبدأ الأساسي القاضي بعدم جواز المعاقبة عن الفعل ذاته مرتين.

أن الغرض من المحاكمة الدولية ـ وهو عدم إفلات الجاني من العقاب ـ يكون بذلك قد تحقق.

إعطاء الدولة المنسوب إليها الفعل غير المشروع فرصة إصلاحه ومعالجته بنفسها من دون تدخل جهة خارجة عنها.

ولهذا فقد حظي هذا المبدأ بتأييد أغلبية الدول المشاركة في مؤتمر روما وبحيث يرى الكثيرون أنه لولا تبني هذا المبدأ لما كانت غالبية الدول المشاركة في مؤتمر روما لتوافق على اتفاقية إنشاء المحكمة الجنائية الدولية. وبالتالي فإن الأخذ بهذا المبدأ يعني أنه عند ارتكاب أي من الجرائم الدولية المنصوص عليها في ميثاق روما فإن المحكمة لا تتمتع باختصاص تلقائي للنظر بهذه الجريمة ومحاكمة مرتكبيها؛ وإنما تحتفظ النظم القضائية الوطنية باختصاصها الأصيل في هذا الصدد. وبالتالي في مثل هذه الحالة يتعين على الدولة التي أجرت ـ أو كانت تجري ـ التحقيق أو المقاضاة أن تبلغ المحكمة بما قامت أو تقوم به مع رعاياها أو مع غيرهم في حدود ولايتها القضائية فيما يتعلق بالأفعال المجرّمة، وللمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية أن يطلب من هذه الدولة أن تبلغه بصفة دورية بالتقدم المحرز في التحقيق الذي تجريه وبأي مقاضاة تالية لذلك، ويجب على الدولة أن ترد على ذلك من دون تأخير لا موجب له.

فإذا قامت السلطات الوطنية بواجبها هذا على الوجه الأكمل فإن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية لا ينعقد في مثل هذه الحالة، أما إذا أخفقت السلطات الوطنية أو تقاعست عن القيام بمثل هذا الالتزام فإن اختصاص المحكمة ينعقد عندئذ.

وهو ما أشارت إليه المادة (17) من النظام الأساسي والتي بينت أن الاختصاص ينعقد للمحكمة الجنائية الدولية بنظر إحدى الجرائم المنصوص عليها في المادة الخامسة من النظام الأساسي؛ إذا تبين لها أن السلطات الوطنية غير راغبة أو غير قادرة على الاضطلاع بإجراءات التحقيق والاتهام، أو إذا قررت الدولة صاحبة الاختصاص عدم مقاضاة الشخص المعني، وكان قرارها هذا ناتجاً من عدم رغبة الدولة أو عـدم قدرتها حقاً على المقاضاة.

ثالثاً ـ هيئة المحكمة:

وفقاً لأحكام نظامها الأساسي تتكون المحكمة الجنائية من:

أ ـ هيئة الرئاسة.

ب ـ الهيئة التشريعية التي تضم شعبة استئناف وشعبة ابتدائية وشعبة تمهيدية.

ج ـ مكتب المدعي العام.

د ـ قلم كتاب المحكمة ـ ديوان المحكمة.

وأمّا هيئة الرئاسة فهي تتألف من رئيس المحكمة ومن نائبيه الأول والثاني، ويتم انتخابهم جميعاً من قبل الأكثرية المطلقة من القضاة مدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد. وتكون مسؤولية تولي القيادة اللائقة للمحكمة، باستثناء مكتب المدعي. ومع ذلك تقوم الرئاسة بالتنسيق وبحث سبل التعاون مع مكتب المدعي في القضايا ذات الاهتمام المتبادل.

في حين تتألف الهيئة التشريعية من قسم الاستئناف وقسم المحاكمة وقسم ما قبل المحاكمة، وكل قسم منهم يتحمل مسؤولياته في تنفيذ الوظائف القضائية للمحكمة.

يتألف قسم الاستئناف من رئيس للقسم ومن أربعة قضاة، ويتألف قسما المحاكمة وما قبل المحاكمة مما لا يقل عن ستة قضاة لكليهما.

ويتم انتخاب القضاة الثمانية عشر من قبل مجلس الدول الأعضاء، وتتحدد مدة عملهم بثلاث سنوات أو ست أو تسع. وينتخبون من بين أشخاص يتمتعون بالنزاهة والاستقامة والأخلاق العالية ممن يملكون المؤهلات التي تليق بالحكومات التي تقدمهم ليشغلوا أعلى المناصب القضائية.

علماً أنه يتم انتخاب القضاة بحسب لائحتين:

> اللائحة ـ أ ـ من أشخاص يملكون الكفاءة المؤكدة في القانون الجنائي وفي الإجراءات الجنائية، وممن يملكون الخبرة الكافية كالمؤهلين لمنصب قاض أو مدع أو محام، أو في المناصب المشابهة الأخرى المتعلقة بالإجراءات الجنائية.

> اللائحة ـ ب ـ من أشخاص يملكون الكفاءة المؤكدة في المجالات المتعلقة بالقانون الدولي؛ مثل القانون الإنساني الدولي وقانون حقوق الإنسان، وممن يملكون الخبرة الشاملة في المناصب القانونية والمتعلقة بالعمل القضائي للمحكمة.

ويأخذ مجلس الدول الأعضاء في حسبانه ـ خلال الانتخاب ـ اعتبارات معينة كالشكل السائد للنظام القضائي العالمي، والتمثيل الجغرافي العادل، واعتبارات أخرى متعلقة بأدوار الرجال والنساء بصفتهم قضاة.

ويكون جميع القضاة مواطنين في الدول الأعضاء. وهم يشغلون مناصبهم مدة لا تتجاوز تسع سنوات ويفقدون أهلية إعادة الانتخاب بعد تلك المدة، إلا في الحالات التي ينص عليها تشريع روما. مع ملاحظة أن القضاة المنتخبين مدة ثلاث سنوات يفقدون أهلية انتخابهم للمدة الكاملة. ويعمل القضاة على أساس دوام كامل أو دوام جزئي، الأمر الذي تقرره الرئاسة.

كما يمكن للرئاسة ـ التي تتصرف بالنيابة عن المحكمة ـ أن تتقدم بطلب لزيادة عدد القضاة حين ترى الأمر مناسباً وضرورياً، يقوم عندها الديوان بتمرير المقترح إلى جميع الدول الأعضاء، فتتم الموافقة على مقترح الرئاسة في النهاية في اجتماع للدول الأعضاء.

في حين يكون الديوان مسؤولاً عن المهام غير القضائية كالإدارة والخدمات في المحكمة، ويترأسه رئيس الديوان، وهو موظف الإدارة الرئيسي في المحكمة، ويقوم بتأدية مهامه تحت سلطة رئيس المحكمة. يتم انتخاب رئيس الديوان من قبل القضاة وفي جلسة مكتملة الحضور؛ مع الأخذ بالاعتبار أي توصية من قبل الدول الأعضاء.

رابعاً ـ الاختصاص:

يتطلب التعرض لاختصاص المحكمة الجنائية الدولية دراسة قواعد اختصاصها الموضوعي والزماني مع بيان الشروط المسبقة اللازمة لممارسة اختصاصها.

الاختصاص الموضوعي: وفقاً لنصوص النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية ينحصر اختصاص المحكمة في أشد الجرائم خطورة موضع اهتمام المجتمع الدولي بأسره. وللمحكمة بموجب النظام الأساسي اختصاص النظر في الجرائم التالية: جريمة الإبادة الجماعية، الجرائم ضد الإنسانية، جرائم الحرب، وجريمة العدوان (المادة 5 من النظام الأساسي):

أ ـ جريمة الإبادة الجماعية (المادة 6 من النظام الأساسي): تسببت جريمة الإبادة منذ القديم بخسائر كبيرة للبشرية، ووصفت بجريمة الجرائم، وعدت من الجرائم التي تعدّ خطراً على السلم والأمن الدوليين، وتعني الإبادة الجماعية أياً من الأفعال الآتية ـ على سبيل المثال ـ متى ارتكب بقصد إهلاك جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية ـ بصفتها هذه ـ إهلاكا كلياً أو جزئياً:

قتل أفراد الجماعة.

إلحاق ضرر جسدي أو عقلي جسيم بأفراد الجماعة.

إخضاع الجماعة عمداً لأحوال معيشية بقصد إهلاكها الفعلي كلياً أو جزئياً.

فرض تدابير تستهدف منع الإنجاب داخل الجماعة.

نقل أطفال الجماعة عنوة إلى جماعة أخرى.

ب ـ الجرائم ضد الإنسانية (المادة 7 من النظام الأساسي): من الأفعال التي تعد جريمة ضد الإنسانية الأفعال الآتية:

القتل العمد.

الإبادة.

الاسترقاق.

إبعاد السكان أو النقل القسري للسكان.

السجن أو الحرمان الشديد على أي نحو آخر من الحرية البدنية بما يخالف القواعد الأساسية للقانون الدولي.

التعذيب.

الاغتصاب أو الاستعباد الجنسي، أو الإكراه على البغاء، أو الحمل القسري، أو التعقيم القسري، أو أي شكل آخر من أشكال العنف الجنسي على مثل هذه الدرجة من الخطورة…إلخ.

وإلى حد ما تتداخل الجرائم ضد الإنسانية مع الإبادة وجرائم الحرب، ولكن الجرائم ضد الإنسانية تتميز من الإبادة في أنها لا تتطلب قصداً لـ "تدمير جزئي أو كلي"، كما هو وارد في اتفاقية الإبادة لسنة 1949، بل تستهدف فقط جماعة معينة وتنفذ سياسة انتهاكات "واسعة ومنظمة". وتتميز الجرائم ضد الإنسانية من جرائم الحرب أيضاً في أنها لا تطبق فحسب في إطار الحرب، بل في زمن الحرب وزمن السلم.

وكانت الجرائم ضد الإنسانية موجودة في القانون العرفي الدولي أكثر من نصف قرن ومشار إليها في محاكمات بعض المحاكم القومية. وأشهر هذه المحاكمات محاكمة بول توفييه وكلاوس باربي وموريس بابون في فرنسا، ومحاكمة آيمر فنتا في كندا. ويعتقد أيضاً أن مكافحة الجرائم ضد الإنسانية جزء من المبادئ السامية وهي أسمى مرتبة في المعايير القانونية الدولية. وعليه، فإنها تشكل قاعدة من قواعد القانون الدولي لا يمكن الانتقاص منها.

ج ـ جرائم الحرب (المادة 8 من النظام الأساسي): يستدعي تعبير جرائم الحرب عدداً كبيراً من الصور المرعبة: معسكرات الاعتقال، التطهير العرقي، إعدام الأسرى، الاغتصاب، قصف المدن، فجرائم الحرب هي تلك الانتهاكات لقوانين الحرب أو القانون الإنساني الدولي التي تعرّض شخصاً للمسؤولية الجنائية الفردية.

ويكون للمحكمة اختصاص فيما يتعلق بجرائم الحرب، ولا سيما عندما ترتكب في إطار خطة أو سياسة عامة أو في إطار عملية ارتكاب واسعة النطاق لهذه الجرائم.

وتعني "جرائم الحرب": الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيڤ المؤرخة 12 آب/أغسطس 1949، فهي تشمل أيّ فعل من الأفعال الموجهة ضد الأشخاص أو الممتلكات الذين تحميهم أحكام اتفاقيات جنيڤ ذات الصلة لعام 1949 أو البروتوكول الأول والثاني المكملين لها لعام 1977، ومنها على سبيل المثال:

القتل العمد.

التعذيب أو المعاملة اللاإنسانية بما في ذلك إجراء تجارب بيولوجية.

القيام عمداً بإحداث معاناة شديدة أو إصابات خطيرة بالجسم أو بالصحة.

إلحاق تدمير واسع النطاق بالممتلكات والاستيلاء عليها من دون أن تكون ضرورة عسكرية تبرر ذلك وبالمخالفة للقانون وبطريقة عابثة.

إرغام أي أسير حرب أو أي شخص مشمول بالحماية على الخدمة في صفوف قوات دولة معادية.

تعمّد حرمان أي أسير حرب ـ أو أي شخص مشمول بالحماية ـ من حقه في أن يحاكم محاكمة عادلة ونظامية.

الإبعاد أو النقل غير المشروعين أو الحبس غير المشروع.

أخذ الرهائن ...الخ.

د ـ جريمة العدوان: لم يتم التحديد النهائي لمضمون جريمة العدوان وأركانها، لكن ميزت المادة الخامسة من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية بين جريمة العدوان من جهة وبين بقية الجرائم الأخرى الداخلة في اختصاص المحكمة من جهة أخرى:

فبالنسبة إلى هذه الجرائم تم تحديد مفهومها وتعريفها بمقتضى أحكام النظام الأساسي ذاته، وبالتالي فإن المحكمة تمارس اختصاصها بالنسبة إلى هذه الجرائم بمجرد دخول النظام الأساسي حيز النفاذ.

خلافاً لما نص عليه بالنسبة إلى جريمة العدوان والتي سيتم تعريفها ودخولها حيز النفاذ وفقاً لأحكام المادتين (121) و(123) من النظام الأساسي؛ واللتين تقرران في هذا الصدد: أنه بعد انقضاء سبع سنوات من بدء نفاذ النظام الأساسي يقوم الأمين العام للأمم المتحدة بالدعوة إلى عقد مؤتمر استعراضي للدول الأطراف، وفي هذا المؤتمر ينبغي أن تتم الموافقة على تعريف العدوان المقترح إما بإجماع آراء الدول الأطراف وإما بأغلبية ثلثي تلك الدول، ومتى تحققت الأغلبية المطلوبة فإن المحكمة تمارس اختصاصها بخصوص جريمة العدوان بعد مرور سنة واحدة من تاريخ إيداع صكوك التصديق أو القبول بالنسبة إلى الدول التي وافقت عليه. وأما بالنسبة إلى الدولة التي لم توافق على تعريف العدوان فإن المحكمة ليس لها أن تمارس اختصاصها فيما يتعلق بهذه الجريمة، وذلك عندما ترتكب في إقليم هذه الدولة أو يرتكبها أحد مواطنيها.

2ـ الاختصاص الزماني: أكد النظام الأساسي أن اختصاص المحكمة لا يشمل الجرائم التي ارتكبت فيما مضى وقبل سريان معاهدة إنشاء المحكمة، وإنما هو اختصاص مستقبلي بمعنى أنه يسري فقط على الجرائم التي ترتكب بعد دخول هذا النظام الأساسي حيز النفاذ، وقد تم تأكيد هذا المبدأ في المادتين (11) و(24) من النظام الأساسي لإنشاء المحكمة الجنائية الدولية علماً أن المادة (11) كانت قد ميزت بالنسبة إلى بدء اختصاص المحكمة الزماني بين حالتين:

الحالة الأولى: وهي تتعلق بالدول الأطراف في النظام الأساسي والتي يسري اختصاص المحكمة في مواجهتها بمجرد دخول النظام الأساسي حيز النفاذ، وبالتالي فإن هذه الدول الأطراف تعد مسؤولة أمام المحكمة عن الجرائم التي ترتكبها بعد بدء نفاذ هذا النظام.

الحالة الثانية: وهي تتعلق بالدول التي تنضم بعد بدء سريان المعاهدة، وفي مثل هذه الحالة فإن اختصاص المحكمة سوف يسري في مواجهتها في اليوم الأول من الشهر الذي يلي (60) يوماً من إيداع تلك الدولة لوثيقة التصديق.

ويذهب العديد من الآراء إلى أن تبني النظام الأساسي لمبدأ الاختصاص المستقبلي إنما هو تطبيق للقاعدة العامة النافذة في جميع الأنظمة القانونية الرئيسية في العالم والتي تقضي بعدم جواز تطبيق القوانين الجنائية بأثر رجعي، ذلك أن هذه القوانين تسري عادة بأثر فوري ومباشر ولا ترتد على الماضي لتطبق على الجرائم التي وقعت قبل نفاذها.

وهو ما يعدّ أيضاً نتيجة طبيعة ولازمة لمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، لأنه إذا اتفق على إمكان سريان نص التجريم على الماضي؛ فإن معنى ذلك إنكار مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات حيث يطبق نص التجريم على فعل كان غير مجّرم وقت ارتكابه أو يعاقب على الفعل بعقوبة أشد مما كان مقرراً له وقت ارتكابه، وفي هذا إهدار لمبدأ الشرعية.

كما أن النظام الأساسي بتبنيه لهذه القاعدة إنما يسهم أيضاً في تشجيع الدول على الانضمام والتصديق على معاهدة إنشاء المحكمة ومن دون خوف من العودة إلى الماضي ومساءلة الدولة عن جرائم كانت قد ارتكبتها فيما مضى.

3ـ الشروط المسبقة لممارسة الاختصاص: إضافة إلى كل ما سبق ذكره فإن المحكمة الجنائية الدولية ليس لها أن تمارس اختصاصها إلا إذا تحققت الشروط المسبقة لممارسة الاختصاص، وهي الشروط التي كانت قد أثارت جدلاً ووجهات نظر مختلفة ومتناقضة منذ بداية التفكير بإنشاء هذه المحكمة، وذلك من أجل حسم ما إذا كانت المحكمة ستتمتع باختصاص عالمي شامل أم أنها ستواكب مبدأ الإقليمية في الاختصاص الجنائي، وما إذا كانت الدول الأطراف ستخضع تلقائياً لاختصاص المحكمة أم أن الأمر يحتاج أيضاً إلى قبول لاحق وإجراءات أخرى؟ إلى أن استقر الأمر على نص المادة (12) من النظام الأساسي التي حددت القواعد والشروط المسبقة لممارسة المحكمة اختصاصها، وبتطبيق هذه القواعد يمكن القول: إن المحكمة تختص بالنظر في هذه الجريمة في الحالات التالية (بفرض تحقق الشروط الأخرى المتعلقة بالاختصاص التكميلي والنطاق الزماني):

أولاً: إذا كانت كلا الدولتين أطرافاً في النظام الأساسي.

ثانياً: إذا كانت الدولة الضحية طرفاً في النظام الأساسي حتى لو لم تكن الدولة المعتدية طرفاً في هذا النظام "مادامت المحكمة تتمتع بالصلاحية والاختصاص إذا كانت إحدى الدول الأطراف هي الدولة التي وقع في إقليمها السلوك قيد البحث".

ثالثاً: إذا كانت الدولة المعتدية طرفاً في النظام الأساسي حتى لو لم تكن الدولة الضحية طرفاً في هذا النظام "إذا كانت المحكمة تتمتع بالصلاحية والاختصاص مادامت إحدى الدول الأطراف هي الدولة التي يكون الشخص المتهم بالجريمة أحد رعاياها".

رابعاً: حتى لو لم تكن أي من الدول المعنية أطرافاً في النظام الأساسي، وذلك في حالة قبول أحدهما لاختصاص المحكمة بنظر الجريمة التي تم ارتكابها وذلك بموجب إعلان يودع لدى مسجل المحكمة.

خامساً: وإضافة إلى كل ما سبق فإن المحكمة الجنائية الدولية تتمتع أيضاً بالاختصاص حتى لو كانت الدول المعنية ليست أطرافاً في النظام الأساسي ولم يقبل أي منهم اختصاص المحكمة للنظر في تلك الجرائم، وذلك إذا أحال مجلس الأمن ـ متصرفاً بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة ـ حالة إلى المدعي العام يشير فيها إلى ارتكاب هذه الجريمة. علماً أن هذه الحالة تعد استثناء على قاعدة الاختصاص التكميلي للمحكمة الجنائية الدولية إزاء السلطات الوطنية يحد من تطبيقها؛ لأنه في مثل هذه الحالة تلتزم المحكمة بمباشرة اختصاصها مباشرة على أي واقعة تحال إليها من مجلس الأمن ولا تترك الأمر في ذلك للسلطات الوطنية.

وهنا لا بد من الإشارة بهذا الصدد أنه ينبغي ألا يفهم من عرض الحالات السابقة أن المحكمة تتمتع باختصاص عام وشامل، وأنه سيكون لها ولاية حكمية وإلزامية للنظر في جميع الجرائم الدولية التي سترتكب؛ لأن دراسة الحالات السابقة ينبغي فهمها وتحليلها في إطار مبدأ الاختصاص التكميلي، بمعنى أن المحكمة قد لا تمارس اختصاصها على الإطلاق إذا ما قامت السلطات القضائية الوطنية صاحبة الاختصاص الأصيل بأداء واجبها على الوجه الأكمل، وهذا هو الافتراض المنطقي هنا.

خامساً ـ الادعاء:

يعمل مكتب المدعي العام كجهاز مستقل ومنفصل عن المحكمة الجنائية الدولية، ويترأسه المدعي العام، وهو يتمتع بالسلطة الكاملة على الإدارة والإشراف على المكتب. ويساعد المدعي العام وكلاؤه ويكونون جميعاً من جنسيات مختلفة. ويجب أن يكون المدعي العام ووكلاؤه ذوي شخصيات أخلاقية رفيعة وأن يتمتعوا بكفاءة عالية وخبرة عملية واسعة، كما يجب أن يتحدثوا بطلاقة إحدى لغات العمل في المحكمة الجنائية الدولية. ويعمل المدعي العام ونوابه مدة تسع سنوات ولا يعاد انتخابهم مرة أخرى، ويحق للمدعي العام أن يقوم بتعيين مستشارين قانونيين بخصوص قضايا معينة.

ويتم انتخاب المدعي العام لدى المحكمة الجنائية الدولية عن طريق أغلبية مطلقة من الدول الأعضاء، كذلك يتم انتخاب نائب أو اثنين لدورات مدتها تسع سنوات غير قابلة للتجديد، ويشترط في المدعي العام ونائبيه أن يتمتعوا بخبرة عملية في مجال محاكمة القضايا الجنائية.

وقد تم بالفعل انتخاب لوي مورينو أوكامبو LUIS MARENO OCAMPO أرجنتيني الجنسية في شهر نيسان/إبريل 2003 من جمعية الدول الأطراف بنظام المحكمة؛ علماً أنه كان المرشح الوحيد لهذا المنصب. والسيد لوي مورينو أو كامبو اشتهر في مجال مكافحة الجرائم الأكثر خطورة بالأرجنتين؛ ذلك أنه أثار تتبعات ضد تسعة قادة عسكريين بالأرجنتين في الثمانينات بتهم ممارسة التعذيب والقتل التي ذهب ضحيتها آلاف المواطنين بالأرجنتين (في فترة الحرب القذرة).

وللمدعي العام من تلقاء نفسه أو بناء على شكوى مرفوعة إليه أو إحالة من مجلس الأمن أن يباشر التحقيق علي أساس المعلومات المتعلقة بالجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة (المادة 35 من النظام الأساسي للمحكمة)، فهو يحلل جدية المعلومات ويجوز له طلب معلومات إضافية من الدول أو منظمة الأمم المتحدة أو المنظمات الغير حكومية أو أي مصادر موثوق بها (المادة 54 من النظام الأساسي المتعلقة بواجبات سلطات المدعي العام فيما يتعلق بالتحقيقات).

إذا استنتج المدعي العام أن هناك سبباً للشروع في التحقيق يقوم بطلب إذن الدائرة التمهيدية مشفوعاً بالبيانات والمعلومات التي حصل عليها للبدء في إجراءات التحقيق، وإذا رأت الدائرة أن هناك سبباً أو أسباباً تدعو إلى التحقيق، أو أن الدعوى تقع ضمن اختصاصات المحكمة؛ تصدر إذناً للمدعي العام بالشروع فيه من دون أن يخل ذلك بما تقرره المحكمة فيما بعد بما يتصل بمسألة اختصاصها من عدمه.

وحتى إذا رفضت الدائرة التمهيدية إعطاء الإذن بالشروع في التحقيق لا يمنع ذلك المدعي العام بإعادة الطلب مرة ثانية مشفوعاً بمعلومات إضافية بغرض الشروع في عملية التحقيق من جديد. وفي كل الأحوال على المدعي العام إبلاغ الدول الأطراف بأي شكوى بارتكاب جرائم دولية أو أي إحالة مرفوعة إليه بهذا الخصوص، كما عليه في حالة استنتاجه أن المعلومات المقدمة والمتعلقة بشكوى أو إحالة ما لا تشكل أساساً كافياً لإجراء التحقيق؛ إبلاغ الجهة مقدمة الشكوى أو الإحالة، وكذلك إبلاغ الدائرة التمهيدية بذلك.

في أثناء مواصلة المدعي العام للتحقيق يحق له أن يعدل أو يسحب أياً من التهم الموجهة إلى متهم ما؛ مع إبلاغه قبل فترة معقولة من موعد الجلسة؛ وكذا إبلاغ الدائرة التمهيدية، وذلك قبل اعتماد لائحة التهم فإنه بعد اعتماد اللائحة وقبل بدء المحاكمة لا يمكن تعديل التهم الموجهة إلا بإذن من الدائرة التمهيدية، أما إذا بدأت المحاكمة فلا يمكن إجراء أي تعديل أو سحب إلا بإذن من الدائرة التمهيدية، على أن أي تعديل يشمل إضافة جريمة أو أكثر بعد أن تكون لائحة الاتهام قد اعتمدت؛ يتطلب من جديد عقد جلسة خاصة لاعتماد لائحة اتهام جديدة، والمدعي العام في كل الأحوال مطالب بأن يدعم لائحة التهم بجميع الأدلة والبراهين اللازمة لنسب التهم إلى الشخص المتهم بارتكاب الجرائم.

كما للمدعي العام حق الطعن في قرارات الدائرة التمهيدية، ويكون ذلك في خمس سنوات من حكم البراءة إذا اكتشف أدلة جديدة أو اعترف المتهم بأنه مذنب، وبالتالي يطالب بإعادة النظر في الحكم.

كما للمتهم وللمدعي العام أن يطلب من الدائرة الابتدائية الأصلية أو أي دائرة ابتدائية جديدة إعادة النظر في حكم الإدانة أو العقوبة، كما له حق استئناف الحكم بعد صدوره إذا وقع غلط في الإجراءات أو في الوقائع أو في القانون.

وأمّا بالنسبة إلى من يملك الحق بممارسة سلطة الادعاء وتحريك الدعوى فقد حدد النظام الأساسي الأطراف المخولة بممارسة الاختصاص أو تحريك الدعوى لدى المحكمة وهي كالآتي:

إحالة من دولة طرف حالة إلى المدعي العام تبدو فيها ارتكاب جريمة أو جرائم تدخل في اختصاص المحكمة (المادة 14).

إحالة من طرف مجلس الأمن الدولي مستخدماً أحكام الفصل السابع من ميثاق منظمة الأمم المتحدة، وتكون الإحالة كذلك إلى المدعي العام.

مباشرة المدعي العام التحقيق من تلقاء نفسه على أساس معلومات واردة بشأن حصول جرائم تدخل في اختصاص المحكمة، وشروع المدعي العــام في إجراء التحقيق يكون رهين إذن صادر عن الدائرة التمهيدية للمحكمـة يجيز إجراء التحقيق (المادة الخامسة عشرة).

سادساً ـ المصادر القانونية:

حدد النظام الأساسي فروع القانون التي يتعين على قضاة هذه المحكمة تطبيقها، وقد ورد ذلك بأحكام المادة (21) والتي نصت بأن يكون النظام الأساسي لهذه المحكمة قانونها، كما تعد أركان الجرائم كما وردت بالنظام الأساسي قانوناً تحتكم إليه إلى جانب القواعد الإجرائية وقواعد الإثبات الخاصة بالمحكمة، هذا في المقام الأول.

وفي المقام الثاني تعتمد المحكمة المعاهدات واجبة التطبيق، ومبادئ القانون الدولي وقواعده بما في ذلك المبادئ المتصلة بالقانون الدولي للنزاعات المسلحة.

كما يمكن للمحكمة أن تستند إلى المبادئ المتصلة بالنظم القانونية الوطنية وخاصة القوانين الوطنية للدول التي من عادتها ممارسة ولايتها القضائية على الجريمة؛ على ألا تتعارض تلك المبادئ مع أحكام النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية ولا مع أحكام القانون الدولي، ويجوز للمحكمة أن تحتكم إلى فقه قضائها (أي السوابق القضائية الصادرة عنها). وهذه الإمكانية تتاح بعد أن تقطع المحكمة أشواطاً في ممارسة ولايتها القضائية الدولية، ويتجمع لديها كم من الأحكام والقرارات من شأنها أن تكون ـلاحقاًـ مصدراً من مصادر قانون المحكمة.

وتشدد أحكام المادة (21) من النظام الأساسي على ضرورة أن يكون تطبيق القانون وتفسيره يتماشى مع معايير حقوق الإنسان المعترف بها دولياً، وفي حل من أي تمييز كان مبنياً على الجنس أو العرق أو اللون أو اللغة أو الدين أو المعتقد أو الرأي السياسي وغيرها من أشكال التمييز.

سابعاً ـ مواقف الدول تجاه المحكمة:

حظي إنشاء المحكمة بتأييد عدد كبير من الدول، فقد تضمن التقرير الأخير الذي قدمته المحكمة الجنائية للأمم المتحدة في نهاية عام 2009 أن عدد الدول الأعضاء المصادقة على نظامها الأساسي قد بلغ (111) دولة، وهي تشمل: (30) دولة إفريقية و(14) آسيوية، و(17) دولة بأوربا الشرقية و(24) دولة بأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي و(25) دولة بأوربا الغربية ومناطق أخرى بالعالم، وهو ما يعكس حجم الثقة المتزايدة بأهمية هذه المحكمة وتعاظم دورها المستقبلي، ومع ذلك يظل موقف الولايات المتحدة الأمريكية من هذه المحكمة هو الهاجس الأساسي المؤثر والُمعرقل لتفعيل دورها وتلبية الكثير من الأمنيات والطموحات الُمعلقة عليها؛ إذ تعد الولايات المتحدة الأمريكية من أشد المعارضين للعدالة الدولية المتمثلة بالمحكمة الجنائية الدولية المنبثقة عن مؤتمر روما في عام 1998 والتي دخلت حيز النفاذ في تموز/يوليو من عام 2002 !!. علماً أن أمريكا لم تكتف برفض هذه المحكمة والانسحاب منها بل سعت إلى إخفاقها بكل الوسائل والصيغ بهدف إفراغها من مضمونها واستثناء كل رعاياها من الخضوع لولاية هذه المحكمة!!. وهناك العديد من التحفظات الأمريكية على ميثاق روما حيث ُتعارض الإدارة الأمريكية بعض القواعد المتعلقة بآلية اختصاص المحكمة وترفض أن تمارس المحكمة ولايتها على دولة ليست طرفاً فيها ولم توافق عليها.وهي تخشى أن يحد وجود المحكمة من قدرتها على تحقيق مصالحها والدفاع عنها، كما أنها تشعر بالقلق من إمكانية مساءلة جنودها الذين يشاركون في قوات حفظ السلام الدولية. ويقول الأمريكان: إن الولايات المتحدة الأمريكية قد قبلت مسؤولياتها الفريدة في الكرة الأرضية وأدت خدمة أن تكون شرطياً للعالم وقد طلبت مقابل ذلك في روما إعفاءها من المسؤولية. كما أنهم يقولون إن: "ميثاق روما يتعدى على السلطة الدستورية للرئيس الأمريكي كقائد أعلى ويتعارض أيضاً وبصورة جدية مع أهداف السياسة القومية الأمريكية". ويقولون: إن هذه المحكمة ستحد كثيراً من قدرة الولايات المتحدة الأمريكية على القيام بالتصرفات الأحادية الضرورية للأمن الأمريكي كالهجوم على ليبيا سنة 1986 والسودان سنة 1998، علماً أن ما يطلقون عليه "تصرفات أحادية ضرورية للأمن الأمريكي" إنما تعد جرائم عدوان وفقاً للتكييف القانوني السليم.

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت قد وقعت على النظام الأساسي للمحكمة في 31 كانون الأوّل/ديسمبر سنة 2000 قبل ساعات قليلة من انتهاء مدة التوقيع عليها وقبل أسابيع قليلة من انتهاء عهد الرئيس بيل كلينتون؛ فإن إدارة الرئيس اللاحق جورج بوش الابن أبلغت الأمم المتحدة رسمياً بتاريخ 6 أيار/مايو 2002 أنها لا تنوي أن تصبح طرفاً في قانون روما وأنها بالتالي تسحب توقيعها على هذه المعاهدة وتتحرر بالتالي من أي التزامات يفرضها عليها ميثاق روما. علماً أن أمريكا لم تكتف بمجرد الانسحاب من ميثاق هذه المحكمة بل سعت إلى إفراغها من مضمونها من خلال منح الأمريكان؛ كل الأمريكان حصانة تامة تعفيهم من الخضوع لولاية هذه المحكمة ومهما ارتكبوا من جرائم دولية كبرى ينجم عنها مئات الآلاف من الضحايا كما تفعل الآن في العراق وأفغانستان. ولتحقيق هذا الهدف لجأت الولايات المتحدة الأمريكية إلى عدّة أساليب كالضغط على مجلس الأمن الدولي لمنحها حصانة من ولاية المحكمة؛ إضافةً إلى تكريس عدائها للمحكمة الدولية في تشريعاتها الوطنية؛ ومنح الرئيس الأمريكي سلطة غزو لاهايـ حيث مقر المحكمة ـ لتحرير أي مجرم أمريكي معتقل لديها !!! واللجوء إلى تهديد دول العالم المختلفة لتحقيق الهدف ذاته من خلال إلزامها بتوقيع اتفاقيات ثنائية لضمان عدم تسليم أي مجرم أمريكي للمحكمة.

وقد سعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى ترسيخ موقفها المعارض للمحكمة الجنائية الدولية ضمن إطار التشريع الوطني الداخلي، وهو ما تجلى بإصدار ما بات يعرف بقانون حماية أعضاء القوات المسلحة الأمريكية (ASPA)، ويمثل هذا القانون الموقف الرسمي للولايات المتحدة إزاء المحكمة الجنائية الدولية، علماً أن هذا القانون الأمريكي يتضمن:

أوّلاً: حظر جميع أشكال التعاون الأمريكي مع المحكمة الجنائية الدولية (المقطع 2004).

ثانياً: الحد من إمكانات مشاركة القوات المسلحة الأمريكية في بعض عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (المقطع 2005).

ثالثاً: حظر إحالة أي وثائق إلى المحكمة تتعلق بالأمن القومي (المقطع 2006).

رابعاً: حظر تقديم أيّ مساعدة عسكرية لأغلب الدول التي صدّقت على نظام روما الأساسي (المقطع 2007).

خامساً: رفع التقارير إلى الكونغرس (المقطع 2009).

سادساً: منح الرئيس الأمريكي سلطة غزو لاهاي (المقطع 2008).

وفي سبيل ضمان أن المحكمة لن تنال أياً من الرعايا الأمريكيين الموجودين خارج الأراضي الأمريكية سواء أكانوا من المدنيين أم الدبلوماسيين أم العسكريين؛ تم التفاوض لإبرام اتفاقات ثنائية بغرض منع تسليم المواطنين الأمريكيين للمحكمة. وجاء ذلك تكميلاً لقانون (ASPA)، على الصعيد الدولي. وتزعم الولايات المتحدة الأمريكية أن هذه الاتفاقيات قانونية وتتماشى مع المادة (98) من القانون الأساسي، بيد أن منظمة العفو الدولية أنجزت تحليلاً قانونياً يبين أن اتفاقيات الحصانة من العقاب التي تعقدها الولايات المتحدة لا تندرج ضمن ما جاء في المادة (98)، والدول التي تبرم مثل هذه الاتفاقيات مع الولايات المتحدة الأمريكية تنتهك الالتزامات المترتبة عليها بموجب القانون الدولي، كذلك أجرى الخبراء القانونيون للاتحاد الأوربي تحليلاً للاتفاقيات وتوصلوا إلى الخلاصة ذاتها؛ أي "إن عقد اتفاقيات مع الولايات المتحدة ـ بحسب صياغتها الحالية ـ يتعارض مع الواجبات المترتبة على الدول الأطراف في المحكمة الجنائية الدولية فيما يتعلق بقانونها الأساسي…".

وتؤكد هذه الآراء القانونية أن اتفاقيات الولايات المتحدة للإفلات من العقاب تتناقض مع المادة (98) من قانون روما الأساسي، ومع القانون الدولي. والغرض منها ببساطة هو توفير الحصانة لمواطني الولايات المتحدة وسواهم ممن تغطيهم اتفاقيات الإفلات من العقاب. وغرضها هو النقيض تماماً لاتفاقيات وضع القوات التي قصد بالمادة (98 ف2) أن تعالجها، فبدلاً من تحديد المسؤولية عن التحقيق في الجرائم التي يرتكبها أفراد القوات المسلحة للدولة المرسلة المتمركزين في الدولة المستقبلة، ومقاضاة مرتكبيها، واشتراط أن يقدم كل طرف المساعدة للطرف الآخر في مثل هذه التحقيقات والمحاكمات، كما هو الحال بالنسبة إلى اتفاقيات وضع القوات؛ فإن الغرض الوحيد من هذه الاتفاقيات هو منع المحكمة الجنائية الدولية من مباشرة ولايتها القضائية. فالولايات المتحدة الأمريكية لا تستطيع التحقيق بشأن جميع الأشخاص الذين تغطيهم اتفاقيات الإفلات من العقاب، ومقاضاتهم بشأن جميع الجرائم التي يشملها قانون روما الأساسي. فقد أوضحت بجلاء وعلى نحو مطلق أنها ستستخدم حصانتها واجتهادها وتحقق مع الأشخاص وتحاكمهم على أسوأ الجرائم الممكنة في العالم "عندما يكون ذلك مواتياً". إضافة إلى ذلك فإن الدولة الثانية لا تتكفل بالالتزام بالتحقيق مع أشخاص تغطيهم الاتفاقية وبتقديمهم إلى المحاكمة في محاكمها، وستظل تتعرض لضغوط سياسية ثنائية مكثفة من جانب الولايات المتحدة حتى لا تفعل ذلك. وإضافة إلى ما سبق تذهب هذه الاتفاقيات بعيداً إلى حد منع مواطني الولايات المتحدة وسواهم ممن تغطيهم الاتفاقيات من المثول أمام المحكمة بمحض اختيارهم بوصفهم شهوداً في قضايا الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب. وهكذا فإن التكامل ينتفي تماماً فلا المحكمة الجنائية الدولية، ولا محاكم الدولة الثانية تستطيع التقدم لتكون محاكم الملاذ الأخير إذا ما كانت الولايات المتحدة الأمريكية غير قادرة على التحقيق في هذه الجرائم أو مقاضاة مرتكبيها، أو غير راغبة في ذلك حقاً.

منذ أواخر شهر تموز/يوليو 2002 اتصلت الولايات المتحدة تقريباً بكل دول العالم في القارات الخمس سعياً إلى التوقيع على اتفاقات ثنائية مع هذه الدول لضمان عدم إحالة المواطنين الأمريكيين إلى المحكمة الجنائية الدولية؛ خشية أن يتعرضوا لمطالبة بعض الدول "المعادية" بمحاكمتهم لدوافع سياسية، وقد بلغ إجمالي عدد الاتصالات نحو 180.

وأمّا بالنسبة إلى موقف الجمهورية العربية السورية من المحكمة الجنائية الدولية فقد كانت سورية ضمن الدول التي أيدت من حيث المبدأ إنشاء المحكمة، فقد ذكر رئيس الوفد السوري إلى مؤتمر روما الدكتور محمد عزيز شكري في كلمته أمام المؤتمر بتاريخ 16/6/1998 أن "… شعوب العالم تتطلع بتفاؤل وأمل بعد طول انتظار إلى محكمة جنائية دولية مستقلة دائمة تقيم الحق وتحكم بالعدل والتساوي لا يفلت من عقابها أي ممن استباح الحقوق واغتصبها واستهان بالقانون الدولي وأبسط القيم الإنسانية… وأن سورية تتطلع إلى إقامة محكمة جزائية دولية تهدف إلى أن يقترن العدل بالسلام الشامل وأن تعيش الأجيال القادمة بأمان واستقرار". كما أكدت سورية أيضاً طموحها بأن تتمتع المحكمة الوليدة بسمات الشفافية والنزاهة والمصداقية ولأجل ذلك شددت سورية على "…ضرورة تمتع المحكمة باستقلال مالي كامل فلا تموّل المحكمة من موازنة الأمم المتحدة حتى لا تصبح جهازاً من أجهزتها بل تموّل من الدول الأطراف في اتفاقية إنشائها بموجب معايير عادلة يُتفق عليها".

وبالمحصلة فقد وقفت سورية إلى جانب إنشاء هذه المحكمة في ختام مؤتمر روما على الرغم من امتناعها عن التصويت على نظامها الأساسي لعدم وجود تعليمات لوفدها في روما، لكن سورية وقّعت على ميثاق المحكمة بتاريخ 29/11/2000، كما شكّلت لجنة تضم ممثلين عن وزارات الخارجية والعدل والداخلية والدفاع وخبراء في القانونين الدولي والجزائي لدراسة موضوع التصديق الذي لم يتم حتى الآن بسبب التخوف من تسييس المحكمة وتجاهلها لما يجري في العراق والأراضي العربية المحتلة.

ثامناً ـ المنظور المستقبلي:

بقي أن يقال أخيراً: إنه إن اتفقت الإرادات وأخلصت النوايا سوف يكون لها في المستقبل القريب قيمة توازي وربما تفوق ميثاق الأمم المتحدة ذاته، ذلك أن ميثاق الأمم المتحدة يتضمن فيما يتضمنه قواعد لتنظيم العلاقات بين الدول، وهو يتضمن أيضاً جزاءات قانونية دولية يمكن أن تفرض على الدولة المخالفة لتعهداتها الدولية ولقواعد القانون الدولي؛ وهي الجزاءات التي تضمنها ميثاق الأمم المتحدة بموجب أحكام الفصل السابع منه؛ وهي تشمل (الجزاءات العسكرية، والجزاءات غير العسكرية)، وبالتالي فإن الدولة التي ترتكب جريمة دولية يفترض أن تتعرض لهذه الجزاءات بما في ذلك إمكانية فرض جزاءات اقتصادية لفترة طويلة عليها، وهي الجزاءات التي يتضرر منها عادةً عدد غير محدود من شعب هذه الدولة؛ وهم الأشخاص الأشد ضعفاً والأكثر تأثراً وتضرراً من فرض هذه الجزاءات. في الوقت الذي يظل فيه قادة هذه الدولة ـ وهم الأشخاص الذين اتخذوا قرار شن العدوان وأمروا أو سمحوا أو تغاضوا عن ارتكاب جرائم الحرب والإبادة وغيرها من الجرائم ضد الإنسانية ـ بعيدين عن التأثر بهذه الجزاءات فلا يخضعون لأي مساءلة ولا عقاب، في الوقت الذي ورطوا فيه شعوبهم بارتكاب هذه الجرائم، وأهدروا طاقات بلادهم ودولهم، وهددوا أمن المجتمع الدولي وسلامته كله.

وهذه النتيجة تبدو غير معقولة بطبيعة الحال، وهي تجافي قواعد المنطق ومبادئ القانون ومستلزمات العدالة أيضاً فضلاً عن مخالفتها لمبدأ شخصية العقوبات. ويعود السبب في كل هذا إلى عدم وجود محكمة دولية تتولى محاكمة هؤلاء الأشخاص المتهمين بارتكاب تلك الجرائم الدولية، فهم لن يحاكموا في بلادهم التي يتولون فيها أعلى المناصب، وينظر إليهم غالباً على أنهم أبطال وطنيون دافعوا عن مصالح بلادهم فحاربوا أعداءَها وقتلوا الكثيرين منهم. كما أنهم لن يحاكموا دولياً لعدم وجود جهة قضائية دولية دائمة ومحايدة تتولى هذه المهمة لتطبق قواعد الحق والمنطق القانوني السليم بعيداً عن شهوة الانتقام والرغبة في إذلال الخصوم والأعداء. وهكذا فإن التنظيم الدولي ومنذ ظهوره بشكله المعاصر إثر معاهدة وستفاليا 1648 كان يعاني هذه الثغرة ويشكو هذا النقص، ولذلك فإن تاريخ العلاقات الدولية يكشف أنه على الرغم من آلاف حروب العدوان التي شنت والملايين من الأبرياء الذين سقطوا ضحايا لجرائم الحرب والإبادة والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبت؛ فإنه لم يقدم أحد إلى العدالة ولم يسق أي مجرم إلى العقاب، فظل المجرمون أحراراً طلقاء، وظلت حقوق الضحايا مهدورة، وظلت العدالة غائبة طوال تلك السنوات، وآن للعالم الآن أن يشعر ببعض الأمل والتفاؤل. فهل ستحقق هذه المحكمة الوليدة كل هذه الأمنيات وهل ستلبي كل الطموحات والرغبات؟

هذا ما ستكشفه السنوات القادمة علماً أن تجاهلها حتى الآن للعدوانين الأمريكي والإسرائيلي على العراق من جهة في عام 2003 ولبنان وغزة عامي 2006 و2008؛ وتذرع مدعيها العام السيد لويس أوكامبوا بحجج شكلية، وتركيزه على المحاكمات التي بدأت في القارة الإفريقية فحسب؛ هو أمر أضعف كثيراً من مصداقيتها ودفع الكثير من الدول ـ وبصورة خاصة الدول العربية ـ إلى التخوف المحق من التسييس المبكر الذي خضعت له المحكمة وازدواجية المعايير الذي بدأت تنتهجه.

 

مراجع للاستزادة:

 

ـ أبو الخير أحمد عطية، المحكمة الجنائية الدولية الدائمة (دار النهضة العربية، القاهرة 1999).

ـ محمد عزيز شكري، جدوى التصديق وانضمام الدول العربية إلى النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، بحث مقدم للندوة القانونية العربية حول أثار التصديق والانضمام إلى النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية على الالتزامات القانونية والتشريعات الوطنية في الدول العربية (جامعة الدول العربية، القاهرة 3ـ4 فبراير 2002).

ـ سعيد عبد اللطيف حسن، المحكمة الجنائية الدولية، الطبعة الأولى (دار النهضة العربية، القاهرة 2000).

ـ المستشار عبد الرحيم يوسف العوضي، المحكمة الجنائية الدولية. التكامل ومدى حجية أحكام القضاء الوطني ـ بحث مقدم إلى الندوة القانونية العربية حول آثار التصديق والانضمام إلى النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية على الالتزامات القانونية والتشريعات الوطنية في الدول العربية (جامعة الدول العربية، القاهرة 3 ـ4 فبراير 2002).

ـ عادل ماجد، المحكمة الجنائية الدولية والسيادة الوطنية (مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، الأهرام، القاهرة 2001 ).

ـ محمود شريف بسيوني، المحكمة الجنائية الدولية (منشورات نادي القضاة، القاهرة 2001).




التصنيف : القانون الدولي
النوع : القانون الدولي
المجلد السابع: المحكمة الجنائية الدولية _ ولاية المظالم في الإسلام
رقم الصفحة ضمن المجلد : 5
مستقل

البحوث الأكثر قراءة

للحصول على اخبار الموسوعة

عدد الزوار حاليا : 1
الكل : 7989708
اليوم : 1638

الاختصاص في القانون الخاص

 الاختصاص في القانون الخاص الاختصاص في القانون الخاص محمد واصل يُعـرَّفُ اختصاص القضاء العادي La compétence judiciaire بأنه سلطة المحاكم الخاضعة لقانون السلطة القضائية بنظر الدعوى المرفوعة إليها سواء تعلق ذلك بنوع الدعوى أم بقيمتها، أم بمكان رفعها. أولاً- الاختصاص النوعي للمحاكم: يفيد الاختصاص النوعي بتحديد المحكمة المختصــة بحسب نوع الدعوى أو طبيعتها، حيث حدد المشرع أنواعاً معينة من الدعاوى المستمدة من موضوعها وجعل كلاً منها من اختصاص إحدى المحاكم التي نص عليها قانون السلطة القضائية وقانون أصول المحاكمات. 1- الاختصاص النوعي لمحكمة الصلح: تنظر محكمة...

المزيد »