logo

logo

القانون الجزائي | الجرائم المخلة ب-الثقة العامة

جرايم مخله بثقه عامه

crimes against public trust - crimes contre la confiance publique

 الجرائم المخلة بالثقة العامة

الجرائم المخلة بالثقة العامة

عبد الجبار الحنيص

جرائم تقليد خاتم الدولة والعلامات الرسمية 

جرائم تزوير العملة والأسناد العامة

تزوير الطوابع وأوراق التمغة

جرائم تزوير المحررات

 

نص المشرع السوري على الجرائم المخلة بالثقة العامة في الباب الخامس من قانون العقوبات. وهي تقوم في جوهرها على الكذب الذي يتناوله المشرع بالتجريم عندما يتخذ شكلاً معيناً ينم على خطورة بالغة. وتُعد هذه الجرائم من طائفة الجرائم المضرة بالمصلحة العامة، لما تمثله من وحدة المصلحة التي يقع عليها الاعتداء، وهي الثقة التي يضعها أفراد المجتمع في بعض الأشياء أو القيم أو الأوراق؛ لأهميتها في تعاملاتهم اليومية، والتي يُكسبها القانون أهمية خاصة. وتقسم الجرائم المخلة بالثقة العامة إلى:

- جرائم تقليد خاتم الدولة والعلامات الرسمية

- جرائم تزوير العملة والسندات العامة

- جرائم تزوير الطوابع وأوراق التمغة

- جرائم تزوير المحررات.

أولاً- جرائم تقليد خاتم الدولة والعلامات الرسمية:

عالج المشرع السوري في المواد/427 و428 و429/ من قانون العقوبات أمر تقليد أختام الدولة ودمغاتها وعلاماتها وما إليها، أو استعمالها دون حق أو لغرض غير مشروع. وهدف المشرع من خلال تجريم هذه الأفعال إلى حماية الثقة التي ينبغي أن توضع في أختام الجهات الحكومية المختلفة ودمغاتها وعلاماتها، من ناحية ماهيتها، وأيضا من ناحية سلامة استخدامها، ومن ثَمَّ صحة تعبيرها عن هذه الجهات الرسمية، وقراراتها، ومحرراتها المتنوعة، وجرائم المادة /427/ كلها جنايات، أما جرائم المــــــــــادة /428/ فكلها جنح. وسيعالج البحث كل نوع من هذه الجرائم فيما يلي:

1- جرائم تقليد خاتم الدولة أو استعماله:

نصت المادة /427/ من قانون العقوبات السوري على أنه: «1- من قلد خاتم الدولة السورية أو خاتم دولة أجنبية، أو استعمل الخاتم المقلد وهو على بينة من الأمر عوقب بالأشغال الشاقة سبع سنوات على الأقل. 2- من استعمل دون حق خاتم الدولة السورية أو قلد دمغة خاتمها أو دمغة خاتم دولة أجنبية أخرى عوقب بالأشغال الشاقة المؤقتة».

إن هذا النص تضمن جريمتين متميزتين وإن كان محل الحماية الجزائية فيهما واحداً، إلا أنهما تختلفان من حيث الركن المادي والركن المعنوي. وهاتان الجريمتان هما التقليد والاستعمال.

أ- الأختام محل الحماية الجزائية: هي الأشياء التي هدف المشرع حمايتها بنص المادة /427/ المشار إليها آنفاً، ولا تختلف في جريمة التقليد عنها في جريمة الاستعمال، فهي وفقاً للنص الأختام العائدة للدولة السورية أو دمغتها، والأختام العائدة لدولة أجنبية أو دمغتها. وخاتم الدولة يقصد به خاتمها الرسمي الذي يحمل شعارها، ويعني وضعه على محرر ارتباط الدولة بما تضمنه. وتبصم به القوانين والمراسيم والمعاهدات وغيرها من الوثائق الرسمية المهمة. أما دمغة الخاتم فهي أثر آلة الخاتم المنطبع على المحرر بعد مهره بها.

ب- جريمة تقليد الأختام أو دمغتها: يتحقق الركن المادي لهذه الجريمة بتقليد خاتم الدولة السورية أو دمغته، أو خاتم دولة أجنبية أو دمغته. والتقليد يعني خلق شيء ليس له وجود من قبل، وهو بهذا يختلف عن التزوير الذي يعني إدخال تغيير على شيء موجود وصحيح في الأصل. والفرق بين تقليد الخاتم وتقليد الدمغة، هو أن تقليد خاتم الدولة إنما يعني صنع أداة تحمل شارة الدولة يمهر بها المحرَّر، أما تقليد الدمغة فهو يعني رسم الأثر الذي يتركه الخاتم على المحرر. ويقتصر نص المادة /427/ من قانون العقوبات على التقليد سواء حدث بالنسبة للآلة المعدنية أو الخشبية المحتوية للخاتم أي قالبه، أم بالنسبة للأثر المطبوع من الختم أي الدمغة. وتقوم جريمة التقليد بمجرد اصطناع الخاتم أو رسم دمغته، ووضعهما على محررات منسوب صدورها للدولة السورية أو الأجنبية، ولو لم تستعمل هذه المحررات بالفعل، إذ إن الاستعمال جريمة قائمة بذاتها، ومستقلة عن التقليد الذي يتم بمجرد اقترافه، ولو لم يتم استعمال الخاتم المقلد أو الدمغة المقلدة في الغرض الذي قلد من أجله. ويترتب على ذلك أن من قلد الخاتم واستعمله يحاكم عن جريمتين، جريمة التقليد وجريمة استعمال الخاتم المقلد.

وتقوم جريمة التقليد سواء تعلق الفعل بالخاتم الحالي للدولة، أو بخاتم سابق لها مادام المحرَّر الموضوع عليه الخاتم قد نسب إلى الوقت الذي كان له فيه قوة الإلزام.

أما الركن المعنوي في جريمة تقليد خاتم الدولة أو دمغته، فيتخذ صورة القصد الجرمي. والقصد الجرمي المتطلب هنا هو القصد العام المتمثل في علم الجاني بمختلف عناصر هذه الجريمة، فيجب أن يدرك الجاني ماهية الموضوع الذي ينصب عليه فعله، وأن ما يصدر عنه من فعل هو تقليد لخاتم الدولة السورية أو دمغته، أو لخاتم دولة أجنبية أو دمغته، وأن تتجه إرادته إلى ذلك الفعل ونتيجته. 

والعقوبة التي قررها المشرع لهذه الجريمة هي الأشغال الشاقة المؤقتة، والغرامة لا تنقص عن مئتين وخمسين ليرة سورية، والجمع بين العقوبتين وجوبي، إذ لم ينص القانون على إمكانية الاكتفاء بإحدى هاتين العقوبتين (المادة 427/3 من قانون العقوبات). ويصبح الحد الأدنى لعقوبة الأشغال الشاقة سبع سنوات إذا وقع التقليد على خاتم الدولة السورية أو الأجنبية. ويفسر هذا التشديد بالنظر إلى أهمية الأختام التي يرد عليها التقليد، إذ هي أختام تحمل شعار الدولة وتبصم بها وثائق رسمية مهمة للغاية. ولكن يعفى من العقاب من قلد أختام الدولة أو دمغتها وأقدم على إتلافها قبل الاستعمال أو الملاحقة (المادة 429 من قانون العقوبات).

ج- جريمة استعمال أختام الدولة: يتحقق الركن المادي لهذه الجريمة إما باستعمال خاتم الدولة السورية أو خاتم دولة أجنبية المقلد، وإما بالاستعمال دون وجه حق لخاتم الدولة السورية (المادة 427 من قانون العقوبات).

ففي الحالة الأولى تقوم الجريمة بوضع خاتم الدولة المقلد على ورقة يراد نسبة صدورها إليها، ولا يشترط بعد ذلك أن يتم قبول هذه الورقة ممن تعرض عليه، بل يكفي تقديمها من الجاني بوصفها صحيحة، حتى لو اكتشف المعروض عليه حقيقة هذه الورقة، فلم يقبلها أو تظاهر بقبولها تمهيداً لضبط الجاني، إذ إن الجريمة تقع تامة بهذا الفعل. وقد يكون من يستعمل الورقة الممهورة بالخاتم المقلد هو الشخص ذاته الذي وضع الخاتم المقلد عليها، كما يمكن أن يكون شخصاً غيره يعلم بحقيقة التقليد، وكون الورقة مزورة.

أما الركن المعنوي في جريمة استعمال خاتم الدولة المقلد فيتخذ صورة القصد الجرمي العام الذي يتوافر بعلم الجاني بحقيقة التقليد، وهو ما عبّر عنه المشرع في نص الفقرة الأولى من المادة المذكورة بقوله: «… استعمل الخاتم المقلد وهو على بينة من أمره»، أي أن يعلم الجاني بأنه يستعمل خاتماً مقلداً.

والعقوبة التي قررها المشرع لهذه الجريمة هي ذاتها التي نصت عليها المادة /427/ بالنسبة لجريمة تقليد خاتم الدولة السورية أو خاتم دولة أجنبية. فيعاقب من استعمل هذا الخاتم المقلد بالأشغال الشاقة سبع سنوات، والغرامة لا تنقص عن مئتين وخمسين ليرة سورية.

أما في الحالة الثانية وهي استعمال خاتم الدولة السورية دون وجه حق، فإن الركن المادي فيها يفترض أن يكون الجاني قد استحوذ على خاتم الدولة بغير حق، كأن يكون قد حصل عليه عن طريق السرقة، أو أن يكون غير مخول بحق حيازته. ويترتب على ذلك أن هذه الجريمة لا تقوم في حال حيازة الفاعل لخاتم الدولة بصورة قانونية، ومن ثم قام باستعماله استعمالاً ضاراً. أما ركنها المعنوي فيتخذ صورة القصد الجرمي العام المتمثل في علم الجاني بأنه لا يملك الحق في حيازة واستعمال خاتم الدولة، واتجاه إرادته على الرغم من ذلك إلى اقتراف الفعل الجرمي.

ويعاقب على هذه الجريمة بالعقوبة المقررة لجريمة تقليد دمغة خاتم الدالة السورية أو تقليد دمغة خاتم دولة أجنبية، وهي الأشغال الشاقة المؤقتة، والغرامة لا تنقص عن مئتي ليرة سورية (المادة 427/2 من قانون العقوبات).

2- الجرائم الواقعة على أختام وعلامات الدوائر العامة، أو على دمغاتها:

نصت على هذه الجرائم المادة /428/ من قانون العقوبات السوري بقولها: «1- من قلد خاتماً أو ميسماً أو علامة أو مطرقة خاصة بإدارة عامة سورية كانت أو أجنبية، أو قلد دمغة تلك الأدوات 2- ومن استعمل لغرض غير مشروع أي علامة من العلامات الرسمية المذكورة في الفقرة السابقة صحيحة كانت أو مزورة. عوقب…».

ومن استعراض هذا النص يتضح أن الجرائم التي تناولها المشرع هنا تختلف عن تلك المنصوص عليها في المادة /427/ من قانون العقوبات والتي سبق شرحها، وذلك من حيث موضوع الحماية الجزائية والعقوبات المقررة لها.

أ- موضوع الحماية الجزائية: حدّد المشرع السوري هذا الموضوع بأنه الأختام أو المياسم أو العلامات أو المطرقات التي تمهر بها الأوراق أو الأشياء من قبل الإدارات العامة السورية أو الأجنبية؛ كما تشمل الحماية الجزائية دمغات هذه الأدوات.

ويراد بأختام الإدارات العامة، أختام أي جهة تمارس جزءاً من اختصاص الدولة، وتحوز قسطاً من السلطة العامة، وسواء أكانت جزءاً من الحكومة المركزية أم هيئة لا مركزية. ويطبق نص المادة /428/ ولو ألغيت المصلحة أو الهيئة المنسوب إليها الخاتم أو عدل شكله، مادام قد بصم به على محرر أسند إلى العهد الذي كانت فيه هذه المصلحة أو الهيئة قائمة، أو كان للختم الشكل الذي أعطاه له المدعى عليه.

ويراد بالميسم لغة… المكواة، ويقال فلان وسيم أي حسن الوجه؛ أما المقصود بالميسم في قانون العقوبات فهو الأداة التي توسم به الأشياء ليكون الوسم علامة مميزة تستخدمها الجهة الحكومية المختصة دلالة على تصرفها إزاء الشيء الموسوم.

أما العلامات فهي الإشارات الخاصة ببعض الجهات الحكومية أياً كان شكلها أو نوعها، مادامت المصلحة أو الهيئة تستعملها رمزاً أو شعاراً يميزها ويحدد شخصيتها، ومثالها الرموز التي تستعملها الجامعات للدلالة عليها وتمييز الأوراق الصادرة عنها؛ وتعني في الغالب تصرف هذه المصلحة على نحو معين إزاء الشيء الذي وضعت عليه، ومثالها الرمز الذي تضعه مصلحة الجمارك على البضائع الصادرة أو الواردة للدلالة على سداد الرسوم الجمركية المقررة عليها، والرمز الذي تضعه مؤسسة اللحوم على الذبائح دلالة على ذبحها فيها بعد التحقق من استيفاء الشروط الصحية اللازمة لذلك.

والجدير بالملاحظة أنه لا يعد من العلامات التي يحميها نص المادة المذكورة إلا الإشارات التي تتخذها المصلحة أو الجهة الحكومية لترمز بها عن شخصيتها، أو للدلالة على معنى خاص يتصل بما تقوم به من أعمال. ويترتب على ذلك أن لا يعد من العلامات بهذا المعنى الصفائح المعدنية التي يضعها رجال الشرطة على ملابسهم وتثبت فيها أسماؤهم وأرقامهم؛ إذ لا تعتبر هذه الصفائح إلا جزءاً من لباسهم الخاص، كما لا تعد من العلامات اللوحات المعدنية التي توضع على السيارات وتحمل أرقامها.

ويراد بالمطرقة أداة معدنية صلبة، حفرت علامة في أحد طرفيها، أو نقشت بحروف أو رسوم نافرة، وهي تستعمل لنقش أو حفر العلامات على الآلات المستوردة أو المصنعة محلياً الخاضعة للتسجيل في سجلات رسمية، كالسيارات والمحركات وغيرها.

ويراد بالدمغة الأثر الذي يتركه الخاتم أو الميسم أو العلامة أو المطرقة على الشيء الذي طبع عليه.

ب- جريمة تقليد أختام وعلامات الدوائر العامة، أو تقليد دمغاتها: يقوم الركن المادي لهذه الجريمة إما بتقليد الخاتم أو الميسم أو العلامة أو المطرقة الخاصة بالإدارات العامة السورية أو الأجنبية، وإما بتقليد دمغات هذه الأدوات المطبوعة على الأوراق أو الأشياء، وذلك بغض النظر عن استعمالها. ففي الحالة الأولى يتحقق التقليد الذي تقوم به هذه الجريمة بصنع الأدوات المشار إليها، بحيث يقوم بينها وبين الأدوات الصحيحة تشابه أياً كانت درجته، مادام ينخدع به الناس ويجعل الإنسان العادي يقبل بالأدوات المقلدة على أنها صحيحة، ولا يشترط أن يبلغ التقليد حد الإتقان. وفي الحالة الثانية يتحقق التقليد الذي تقوم به الجريمة بتقليد دمغة الخاتم أو الميسم أو العلامة أو المطرقة، أي ينصب التقليد على ما تتركه هذه الأدوات من آثار مطبوعة على الأوراق أو الأشياء. ولابد أيضاً من تحقق الركن المعنوي لجريمة التقليد الذي يتخذ صورة القصد الجرمي العام، وهو علم الجاني بحقيقة موضوع جريمة التقليد، إذ يجب أن يدرك الجاني أن ما قام به من فعل هو تقليد لأداة خاصة بإدارة عامة، وأن تتجه مع ذلك إرادته إلى هذا الفعل ونتيجته. وقد فرض المشرع لهذه الجريمة عقوبة أخف من تلك المفروضة على تقليد أختام الدولة أو استعمالها. وهذه العقوبة هي الحبس من سنة إلى ثلاث سنوات، وبالغرامة من مئة إلى ثلاثمئة ليرة وسورية. ويعفى الفاعل من العقوبة إذا أتلف المادة الجرمية قبل الاستعمال أو الملاحقة (المادة 429 من قانون العقوبات).

ج- جريمة استعمال الأدوات الخاصة بالإدارات العامة، أو دمغاتها: يتحقق الركن المادي لهذه الجريمة إما باستعمال الأدوات المقلدة أو استعمال دمغاتها المقلدة، وإما بالاستعمال غير المشروع لها (المادة 428 من قانون العقوبات).

ففي الحالة الأولى، يقصد بالاستعمال كل عمل يكون من شأنه دفع الشيء المقلد لتحقيق الغرض الذي من أجله تم التقليد. فيتحقق الركن المادي لهذه الجريمة بوضع الأداة المقلدة أو دمغتها المقلدة والخاصة بإدارة عامة على محرر أو شيء يراد نسبته إلى هذه الإدارة، ولا يشترط بعد ذلك قبول المحرر أو الشيء المختوم أو المطبوع بالأداة المقلدة ممن يعرض عليه. وقد يكون من يستعمل المحرر أو الشيء الممهور بالأداة المقلدة أو بدمغتها المقلدة هو الشخص ذاته الذي وضع هذه الأداة أو دمغتها على المحرر أو الشيء، كما يمكن أن يكون شخص غيره يعلم بحقيقة التقليد، وكون المحرر أو الشيء غير صحيح. أما الركن المعنوي لجريمة الاستعمال فيتخذ صورة القصد الجرمي العام الذي يتوافر بعلم الجاني بحقيقة التقليد وأن تتجه إرادته، مع ذلك، إلى استعمال الأداة المقلدة، أي يجب أن يعلم الجاني بأنه يستعمل أداة مقلدة أو دمغة مقلدة تعود لإدارة عامة.

أما في الحالة الثانية، وهي استعمال أداة أو دمغة صحيحة عائدة لإدارة عامة لغرض غير مشروع. فإن الركن المادي فيها يفترض أن الجاني قد استحوذ على هذه الأداة بصورة غير مشروعة، كأن يكون قد حصل عليها عن طريق السرقة، أو أن يكون غير مخول بحق حيازتها واستعمالها. ويترتب على ذلك أن الجريمة هنا لا تقوم في حال حيازة الفاعل لهذه الأداة بصورة قانونية، ثم قام باستعمالها استعمالاً ضاراً. ويتخذ الركن المعنوي لجريمة الاستعمال هنا صورة القصد الجرمي العام المتمثل في علم الجاني بأنه لا يملك الحق في حيازة واستعمال الأداة الخاصة بإدارة عامة، واتجاه إرادته مع ذلك إلى الفعل الجرمي.

ويعاقب على جريمة استعمال الأدوات أو دمغاتها الخاصة بالإدارات العامة بالعقوبة المقررة لتقليدها، وهي الحبس من سنة إلى ثلاث سنوات، وبالغرامة من مئة إلى ثلاثمئة ليرة سورية (المادة 428 من قانون العقوبات).   

ثانياً- جرائم تزوير العملة والأسناد العامة:

عالج المشرع السوري هذه الجرائم في المواد/430-439/ من قانون العقوبات. وقد هدف المشرع من وراء تجريم الأفعال التي يُعتدى بها على العملات والأسناد العامة، حماية الثقة العامة التي ينبغي توافرها في هذه العملات والأسناد العامة، حتى تؤدي دورها كأداة وفاء في التعاملات المحلية والدولية على حد سواء؛ وكذلك لما تمثله هذه الأفعال من اعتداء على حق الدولة في سك عملتها وإصدارها، وهو حق مقرر لها قانوناً رعايةً للمصلحة العامة والمصلحة الفردية معاً؛ ولما تمثله أيضاً تلك الأفعال من عدوان على سلطة الدولة في مراقبة النشاط الاقتصادي في المجتمع من خلال مراقبتها لكمية النقود المتداولة فيه.

ولا تقتصر أخطار تزوير العملة والأوراق المصرفية على الحالة التي يرد التزوير فيها على العملة الوطنية السورية فحسب، بل إنها ثابتة حتى لو وقع التزوير على عملة أو سندات مصرفية أجنبية متداولة قانوناً أو عرفاً في سورية أو خارجها، وذلك نظراً لنمو التجارة الدولية، وحرص الدولة السورية على امتلاك رصيد كافٍ من العملات الأجنبية للوفاء بالتزاماتها الناجمة عن علاقاتها التجارية الدولية. وهذا يفسر حرص المشرع على مد سلطان قانون العقوبات السوري إلى حالات التزوير التي تقترف خارج حدود سورية، ولو كان مرتكبوها من الأجانب، وكان التزوير واقعاً على عملة أو سندات دولة أجنبية متداولة قانوناً أو عرفاً داخل سورية أو خارجها.

ومن استعراض نصوص المواد المشار إليها آنفاً سيتم تقسيم الدراسة على النحو الآتي:

1- جريمة تقليد أو تزييف العملات المعدنية

2- جريمة تقليد أو تزوير الأوراق النقدية أو الأوراق المصرفية

3- جريمة إدخال العملات المقلدة أو المزيفة، أو إخراجها أو ترويجها

4- الجرائم المرتبطة بتزوير العملات أو الأوراق المصرفية.

1- جريمة تقليد أو تزييف العملات المعدنية:

نصت المادة /430/ من قانون العقوبات على أن: «من قلد عمله ذهبية أو فضية متداولة قانوناً أو عرفاً في سورية أو في دولة أخرى بقصد ترويجها، أو اشترك وهو على بينة من الأمر بإصدار العملة المقلدة..... عوقب بالأشغال الشاقة مدة لا تنقص عن خمس سنوات وبغرامة تبلغ مائتين وخمسين ليرة على الأقل». وجاء في المـــــــــــادة /431/ من القانون ذاته أنه: «إذا كانت إحدى الجرائم المنصوص عليها في المادة السابقة تتعلق بعملة معدنية غير الذهب والفضة كانت العقوبة الأشغال الشاقة المؤقتة والغرامة من مائة إلى ألف ليرة». وقضت أيضاً المادة /432/ من القانون المذكور بأنه: «يعاقب بالعقوبات المنصوص عليها في المادة السابقة من أقدم، بقصد ترويج عملة متداولة قانوناً وعرفاً في سورية أو في دولة أجنبية، على تزييفها إما بإنقاص وزنها أو بطلائها بطلاء يتوهم معه أنها أكثر قيمة، أو اشترك وهو على بينة من الأمر بإصدار عمله مزيفة على هذه الصورة…»

ومن استعراض هذه النصوص يتبين أن المشرع السوري قد حدد موضوع هذه الجريمة وأركانها والعقوبات المقررة لها.

أ- موضوع الجريمة: لقد حدد المشرع موضوع جريمة التقليد أو التزييف بالعملة الذهبية أو الفضية، أو عملة معدنية غير الذهب والفضة. ويشترط في العملة التي تشكل محلاً لجريمة التقليد أو التزييف أن تكون متداولة قانوناً أو عرفاً. ويراد بالتداول القانوني للعملة أن الأفراد ملزمين قانوناً بقبولها كأداة وفاء لديونهم بالقيمة المحددة لها. أما التداول العرفي للعملة فيقصد به تعارف الناس على التعامل بها في معاملاتهم دون أن يكونوا ملزمين بقبولها. وإذا كانت العملة متداولة قانوناً أو عرفاً، فيستوي أن تكون مسكوكة من معدن الذهب أو الفضة أو النحاس أو البرونز أو النيكل…، ويستوي أيضاً أن تكون سورية أو أجنبية، متداولة داخل سورية أو خارجها.

ومما تجدر الإشارة إليه أنه لم تعد تعترف التشريعات الجزائية في معظم بلدان العالم بالتداول العرفي للعملة المعدنية، ومن ثم فإن هذه غير مشمولة بالحماية الجزائية التي أسبغتها على تلك الجاري التداول بها قانوناً.

ب- أركان الجريمة: أركان جريمة تقليد أو تزييف العملة المعدنية، إضافة إلى محل الفعل الجرمي، اثنان: ركن مادي وركن معنوي. يتحقق الركن المادي لهذه الجريمة بأحد فعلين: التقليد أو التزييف، كما ورد في نص المادتين/430 و432/ من قانون العقوبات. والتقليد هو إنشاء عملة معدنية غير صحيحة، لم تكن موجودة من قبل، مشابهة للعملة المتداولة في شكلها ووزنها وحجمها، أي أن يقوم الجاني بصنع عملة على طراز العملة التي يجري التعامل بها. ولا يشترط لقيام الجريمة أن يبلغ التقليد حد الإتقان باستعمال وسائل تقنية متطورة، بل يكفي أن يكون هناك قدر من التماثل بين العملة المقلدة والعملة الحقيقية بحيث ينخدع به جمهور الناس حسنو النية. ويترتب على ذلك أنه يكفي لقيام الجريمة أن يكون التقليد كافياً لرواج العملة وقبولها في التعامل، حتى لو كان قبولها نتيجة عدم التحقق منها، أو التأمل فيها، ويعود لمحكمة الموضوع تقدير مدى كفاية التقليد لقيام الجريمة. ولا أهمية لكون العملة المقلدة تحتوي على المقدار نفسه، أو النوع ذاته الذي تحتوي عليه العملة الحقيقية.

وتطبيقاً لما سبق تكون جريمة التقليد تامة إذا توافر قدر من التماثل بين العملة المقلدة والعملة الحقيقية، متى كان من شأن هذا التماثل خداع الجمهور. أما إذا كان التقليد ظاهراً مفضوحاً لا يمكن أن ينخدع به أحد، كان فعل الجاني مجرد شروع في الجريمة يخضع لأحكام المادة /200/ من قانون العقوبات.

أما تزييف العملة فإنه يختلف عن تقليدها، إذ يفترض التزييف وجود عملة حقيقية ثم تصبح غير حقيقية بإدخال التشويه عليها، في حين يراد بالتقليد صناعة أو خلق عملة غير حقيقية لم يكن لها وجود أصلاً. وهذا ما عبّر عنه المشرع السوري في المادة /432/ من قانون العقوبات بقوله: «يعاقب… من أقدم… على تزييفها إما بإنقاص وزنها أو بطلائها بطلاء يُتوهم معه أنها أكثر قيمة…». ولا يتصور أيضاً التزييف إلا بالنسبة للعملة المعدنية، في حين يطلق لفظ التقليد للدلالة على خلق عملة معدنية أو ورقية لم يكن لها وجود أصلاً، وذلك كما هو مستفاد من نصوص المواد/430 و432 و433/ من قانون العقوبات. وجريمة تقليد العملة أو تزييفها من الجرائم المقصودة التي يتخذ فيها الركن المعنوي صورة القصد الجرمي العام وصورة القصد الجرمي الخاص. ويتحقق القصد الجرمي العام بتوافر عنصريه، وهما العلم والإرادة. فينبغي أن ينصب علم الجاني على عناصر الجريمة كلها، أي العلم بكون موضوع الجريمة عملة متداولة قانوناً أو عرفاً في سورية أو خارجها، والعلم بالأفعال التي تتحقق بها الجريمة مادياً. ولا يكفي العلم لقيام القصد الجرمي، بل لابد من أن تتجه إرادة الجاني الواعية إلى فعل التقليد أو التزييف، وإلى تحقيق النتيجة الجرمية المترتبة على هذا الفعل، وهي إنتاج عملة غير حقيقية. والقصد الجرمي العام على النحو السابق بيانه لا يكفي لقيام جريمة تقليد العملة أو تزييفها، وإنما يجب أن يتوافر إضافة إليه قصد خاص يتمثل في نية ترويج العملة المقلدة أو المزيفة، أي نية إدخالها دائرة التعامل بها على أنها حقيقية. وهذه النية مفترضة من طبيعة الجريمة، فبمجرد توافر القصد الجرمي العام وعناصر الركن المادي فيها فإن نية الترويج متحققة افتراضاً. إذ إن غاية من يقوم بتقليد أو تزييف عملة هي دفعها إلى دائرة التعامل بين الناس حتى يحقق مكاسب مادية من وراء ذلك. ولكن هذا الافتراض قابل لإثبات العكس، بأن يثبت المدعى عليه أن نية الترويج لم تكن متوافرة لدية وقت اقترافه أفعال التقليد أو التزييف، كما لو أثبت أنه قام بهذه الأفعال لمجرد إرضاء هواياته، أو لإثبات مهاراته الفنية.

ويشكل كل من التقليد والتزييف جريمة قائمة بذاتها، وليس من عناصرها استعمال العملة المقلدة أو المزيفة، ولا ترويجها. إذ تقوم جريمة التقليد أو التزييف تامة ولو لم يتم التعامل بالعملة المقلدة أو المزيفة، أو الترويج لها، لأن المشرع فصل بين جرائم التقليد والتزييف، وبين جرائم الترويج للعملة المقلدة أو المزيفة.

والعقوبة التي قررها المشرع لهذه الجريمة هي الأشغال الشاقة المؤقتة، والغرامة من مئة إلى ألف ليرة سورية، والجمــــــــــــع بين هاتيــــــــــــــن العقوبتين وجـــــــــــوبي (المادتان 431 و432 من قانون العقوبات). ويصبح الحد الأدنى لعقوبة الأشغال الشاقة خمس سنوات، والغرامة مئتين وخمسين ليرة سورية مع بقاء حدها الأعلى مفتوحاً في حال كان موضوع التقليد عملة ذهبية أو فضية (المادة 430 من قانون العقوبات). ويعفى من العقوبة من اشترك في هذه الجريمة وأنبأ السلطة بها قبل إتمامها (المادة 442/1 من قانون العقوبات). أما المدعى عليه الذي يتيح القبض على بقية شركائه من المجرمين أو على الذين يعرف مخبأهم فتخفض عقوبته من الأشغال الشاقة المؤقتة بحيث تصبح الحبس من ستة أشهر إلى سنتين (المادتان 442/1 و241 من قانون العقوبات).

2- جريمة تقليد أو تزوير الأوراق النقدية أو المصرفية:

أورد المشرع السوري أحكام جريمة تزوير الأوراق النقدية والأسناد العامة في المادتين /433 و434/ من قانون العقوبات. فنص في الأولى على أنه: «من قلد أوراق نقد أو أوراق مصارف سورية كانت أو أجنبية أو زور حرف في قيمة هذه الأوراق النقدية بقصد ترويجها… عوقب بالعقوبات المنصوص عليها في المادة 430». ونص في الثانية على أنه: «من زور أسناداً كالتي ذكرت أنفاً… عوقب بالعقوبات المنصوص عليها في المادة 431».

من استعراض هذين النصين يتضح لنا أن المشرع السوري قد حدد موضوع هذه الجريمة وأركانها وعقوباتها.

أ- موضوع الجريمة: حدد المشرع في المادتين /434 و433/ من قانون العقوبات موضوع جريمة التقليد أو التزوير بالأوراق النقدية والأوراق المصرفية. ويستوي أن تكون هذه الأوراق سورية أو أجنبية، وهذه التسوية ما هي إلا استجابة من المشرع السوري لمتطلبات التعاون الدولي في مكافحة هذا النوع من الجرائم. ويراد بالأوراق النقدية النقود الورقية التي تصدر عن الدولة نفسها أو عن إحدى الجهات التي تفوضها الدولة في ذلك، وتعتبر أداة وفاء للديون التي تعترف بها الدولة. إذ إن صدور الأوراق النقدية عن الدولة أو من تفوضه يسبغ عليها الصفة الرسمية، ويعني ذلك عدم اعتبار وسائل الدفع الصادرة عن الأفراد ويستعملونها في تسوية حساباتهم من النقود، مثل الشيكات والكوبونات.

أما أوراق المصارف فيراد بها أي سند يصدره المصرف ويكون له قيمة مالية، مثل إسناد القرض وشهادات الاستثمار.

ب- أركان الجريمة: تتألف جريمة تقليد أو تزوير النقود الورقية أو المصرفية من ركن مادي وأخر معنوي. ويتحقق الركن المادي لهذه الجريمة بأحد فعلين: التقليد أو التزوير. وتقليد النقود الورقية أو المصرفية هو عمل مادي مؤداه صنع ورقة نقدية أو ورقة مصرفية تتشابه مع الورقة النقدية أو الورقة المصرفية الصحيحة قانوناً، وتحمل على الاعتقاد بأنها صادرة عن الدولة أو عن جهة مأذون لها بذلك. ويتخذ فعل تقليد الأوراق النقدية أو المصرفية، صنع أوراق نقدية أو مصرفية، تشتمل على جميع البيانات المطبوعة على الورقة الصحيحة قانوناً، ويكون الورق المستعمل في التقليد هو من نوع الورق الذي تستعمله الدولة في صناعة أوراقها النقدية، أو الذي تستعمله المصارف في صناعة أوراقها المصرفية.

أما التزوير فيراد به تحريف الحقيقة بإدخال التغيير على البيانات التي تتضمنها الورقة النقدية أو المصرفية كإضافة رقم أو حذفه، أو إضافة علامة أو رسم أو حذفها بهدف إعطاء الورقة قيمة أكبر من قيمتها الاسمية. وبذلك فإن التزوير يختلف عن التقليد، فهو يرد على أوراق نقدية أو مصرفية صحيحة موجودة أصلاً، وليس خلقاً لأوراق جديدة مزورة.

ولا يشترط أن يكون التقليد أو التزوير متقناً، بل يكفي أن يكون بين الورقة الصحيحة والورقة المقلدة أو المزورة تشابه يجعل هذه الأخيرة مقبولة في التعامل من قبل عامة الناس.

وتعتبر جريمة تقليد أو تزوير الأوراق النقدية أو المصرفية من الجرائم المقصودة التي يتخذ فيها الركن المعنوي صورة القصد الجرمي. لكن القصد الجرمي العام ليس كافياً لقيام هذه الجريمة، وإنما ينبغي أن يضاف إليه قصد خاص. ويتحقق القصد الجرمي العام بتوافر عنصريه، وهما العلم والإرادة. وينصب العلم على كل عناصر الجريمة، أي العلم بالأفعال المادية التي بها تقوم الجريمة، وكون الأوراق النقدية أو المصرفية متداولة قانوناً في سورية أو خارجها. ولا يكفي العلم لتحقق القصد الجرمي، بل يجب أن تتجه إرادة الجاني إلى فعل التقليد أو التزوير، وإلى النتيجة الإجرامية المترتبة على هذا الفعل، وهي صناعة أوراق نقدية أو مصرفية غير صحيحة. ولابد أيضاً من توافر قصد خاص يتمثل في نية إدخال الأوراق المقلدة أو المزورة دائرة التعامل على أنها صحيحة، أي نية الترويج. وهذه النية مفترضة على النحو السابق بيانه بالنسبة لجريمة تقليد أو تزييف العملة المعدنية.

والعقوبة المقررة لتقليد أو تزوير الأوراق النقدية هي الأشغال الشاقة من خمس سنوات إلى خمس عشرة سنة، وبغرامة تبلغ مئتين وخمسين ليرة سورية على الأقل (المادة 430 بدلالة المادة 433 من قانون العقوبات). أما بالنسبة إلى الأوراق المصرفية فقد ميز المشرع من حيث العقاب بين تقليدها وتزويرها. فطبق على تقليد الأوراق المصرفية العقوبات نفسها المقررة لتقليد أو تزوير الأوراق النقدية، وعلى تزويرها العقوبات المنصوص عليها في المادة /431/ من قانون العقوبات، وهي الأشغال الشاقة المؤقتة من ثلاث سنوات إلى خمس عشرة سنة، والغرامة من مئة ليرة حتى ألف ليرة سورية. ولكن يعفى من العقوبة من اشترك في الجريمة وأنبأ السلطة بها قبل إتمامها (المادة 442/1 من قانون العقوبات). أما المدعى عليه الذي يتيح القبض على سائر المجرمين أو على الذين يعرف مخبأهم فتخفض عقوبته من الأشغال الشاقة المؤقتة بحيث تصبح الحبس من ستة أشهر إلى سنتين (المادتان 442/2 و241 من قانون العقوبات).

3- جرائم ترويج العملة أو الأوراق المصرفية المقلدة أو المزورة، أو إدخالها، أو إخراجها:

نصت على هذه الجريمة المواد/430 و432 و433 و434/ من قانون العقوبات، بعد أن نصت على جرائم تقليد أو تزوير العملة والأوراق المصرفية. فجاء في المادة /430/ أنه: «من قلد عملة… أو اشترك وهو على بينة من الأمر بإصدار العملة المقلدة أو بترويجها أو بإدخالها إلى البلاد السورية أو بلاد دولة أجنبية…». وجاء في المادة /432/ أنه: «يعاقب… من أقدم على تزييف عملة… أو اشترك وهو على بينة من الأمر بإصدار عملة مزيفة على هذه الصورة، أو بترويجها أو بإدخالها إلى البلاد السورية أو إلى بلاد دولة أجنبية». وجاء في المادة /433/ أنه: «من قلد أوراق نقد أو أوراق مصارف… أو اشترك بإصدارها أو بترويجها عوقب بالعقوبات المنصوص عليها في المادة 430». وجاء في المادة /434/ أنه: «من زور أسناداً… أو اشترك وهو عالم بالأمر بإصدار أوراق مزيفة أو بترويجها أو بإدخالها إلى البلاد السورية أو إلى بلاد دولة أجنبية عوقب بالعقوبات المنصوص عليها في المادة 431».

أ- أركان الجرائم: يتطلب قيام هذه الجرائم توافر ركنين: مادي ومعنوي، إضافة إلى موضوعها والذي سبق بيانه.  

q الركن المادي: كما يتضح من النصوص السابقة تقوم هذه الجرائم بأحد أربعة أفعال ورد النص عليها وهي إصدار عملة أو أوراق مصرفية مقلدة أو مزيفة، أو الترويج لها، أو إدخالها إلى سورية أو إخراجها منها. ويراد بالإصدار طرح العملة أو الأوراق المصرفية المقلدة أو المزورة لأول مرة في التداول، وذلك بتخلي شخص عن حيازتها لشخص آخر لدفعها للتداول. ويقصد بالترويج وضع العملة أو الأوراق المصرفية المقلدة أو المزورة في التعامل بين الناس بأي وسيلة كانت. وعليه فإن الإصدار لا يختلف عن الترويج إلا بكونه يتم للمرة الأولى. ولم يحدد المشرع وسائلَ معينة للترويج، فيستوي مثلاً أن يكون دفع العملة المقلدة أو المزيفة في التعامل بإنفاقها ثمناً لشراء شيء أو استئجاره، أو بالاستبدال بها عملة أخرى، أو بالتصدق بها على الفقراء والمحتاجين. والترويج جريمة قائمة بذاتها ومستقلة عن جريمة تقليد أو تزوير العملة أو الأوراق المصرفية التي يتم ترويجها. ويترتب على ذلك أنه لا يشترط أن يكون المروج هو نفسه من قام بتقليد أو تزوير العملة أو الأوراق المصرفية، بل تقوم جريمة الترويج ولو كان المروج لا يعلم بمصدر العملة أو الورقة المصرفية المقلدة أو المزورة. وإذا كان المروج هو نفسه من قلد أو زور العملة أو الورقة المصرفية قامت في حقه جريمتان مستقلتان وهما جريمة التقليد أو التزوير، وجريمة الترويج، ولكن لا توقع عليه سوى عقوبة واحدة تطبيقاً لقاعدة دغم العقوبات. وترتكب جريمة الترويج تامة بمجرد قبول من عرضت عليه العملة أو الورقة المصرفية المقلدة على أنها صحيحة. أما إذا رفضها بعد أن اكتشف أنها مزورة، اقتصرت مسؤولية المروج على الشروع.

أما إدخال العملة أو الأوراق المصرفية غير الصحيحة إلى سورية، فيفترض أن يكون تقليدها أو تزييفها قد حدث خارج سورية، وقيام الجاني بإدخالها إليها لكي يروجها فيها. أما إدخال هذه العملة أو الأوراق المصرفية إلى دولة أجنبية فيفترض أن يحصل تقليدها أو تزويرها داخل سورية، ثم يقوم الجاني بإخراجها منها حتى يتمكن من إدخالها وترويجها في الدولة الأجنبية المتداولة فيها هذه العملة أو الأوراق المصرفية. وإدخال العملة أو الأوراق المصرفية غير الصحيحة إلى سورية، أو إخراجها منها جريمة قائمة بذاتها ومستقلة عن جريمة تقليدها أو تزيفها. وعليه لا يشترط لقيامها أن يكون فاعلها هو نفسه الذي قام بتقليد العملة أو الأوراق المصرفية، أو اشترك في ذلك، فهي تقوم بمجرد توافر القصد الجرمي، ولو لم يكن مُدخلها أو مُخرجها على علم بمصدر العملة أو الأوراق المصرفية غير الصحيحة. وتتجسد أهمية النص على إدخال العملة أو الأوراق المصرفية غير الصحيحة إلى سورية، أو إخراجها منها كجريمة مستقلة عن جريمة تقليدها أو تزيفها في الحالة التي يتعذر فيها العقاب عن هذه الأخيرة، كما لو كان فاعلها مجهولاً أو معفياً من العقاب لأي سبب من الأسباب، أو استحالت نسبتها إليه. ففي هذه الحالات هناك إمكانية لمعاقبة مدخل العملة أو الأوراق المصرفية، أو مخرجها على الرغم من تعذر عقاب من قام بالتقليد أو التزييف.

q الركن المعنوي: جريمة الترويج للعملة أو الأوراق غير الصحيحة من الجرائم المقصودة، مثلها في ذلك مثل جريمة إدخال هذه العملة أو الأوراق إلى سورية، أو إخراجها منها. ويتخذ فيهما الركن المعنوي صورة القصد الجرمي. والقصد الجرمي العام - الذي يتحقق بالعلم والإرادة- عنصر مشترك بين هاتين الجريمتين. فيجب أن ينصب علم المتهم على عناصر الجريمة، وبوجه خاص على الموضوع الذي يرد عليه السلوك الإجرامي، أي العملة أو الأوراق المصرفية المتداولة وكونها غير صحيحة، كما ينبغي أن يعلم المتهم بماهية الفعل الذي قام به وإن من شأنه إدخال العملة أو الأوراق المصرفية، أو إخراجها أو ترويجها. وأن العلم بكون النقود مزورة عنصر من عناصر هذه الجريمة، وركن من أركانها، فلا بد من إثباته بصورة مستقلة، وإن ظهور التزوير وحده لا يكفي لإثبات جريمة الترويج (نقض سوري، جناية 262 قرار 97 تاريخ 14/2/1960؛ نقض سوري، جناية 376 قرار 366 تاريخ 23/5/1963؛ نقض سوري، جناية 339 قرار 628 تاريخ 27/4/1965). ويجب أيضاً أن تتجه إرادة المتهم إلى القيام بالفعل المكون للجريمة، وهو الإدخال أو الإخراج أو الترويج.

وفي جريمة إدخال العملة أو الأوراق المصرفية غير الصحيحة إلى سورية، أو إخراجها منها، لا يكتفى بالقصد الجرمي العام، بل لابد من قصد خاص يتمثل في نية الترويج للعملة أو الأوراق المصرفية غير الصحيحة، فإذا انتفت هذه النية انتفى القصد الجرمي. ويقع عبء انتفاء قصد الترويج على عاتق المتهم، إذ لا تُكلَّف النيابة العامة إثبات وجود هذا القصد؛ لأنه مفترض من طبيعة الجريمة.

ب- العقوبات: عاقب المشرع على إدخال العملة المقلدة أو المزيفة إلى سورية، أو إخراجها منها، أو إصدارها (أي التعامل بها) أو ترويجها بالعقوبات نفسها المقررة لجريمة تقليد هذه العملات أو تزييفها (المواد 430-434 من قانون العقوبات). وهي الأشغال الشاقة المؤقتة من ثلاث سنوات إلى خمس عشرة سنة والغرامة من مئة إلى ألف ليرة سورية. وتشدّد هذه العقوبات بحيث يصبح الحد الأدنى لعقوبة الأشغال الشاقة خمس سنوات وعقوبة الغرامة مئتين وخمسين ليرة سورية على الأقل إذا كان موضوع هذه الجرائم عملة معدنية من الذهب أو الفضة، أو في حال الترويج للأوراق النقدية أو المصرفية المقلدة. ويعفى من العقوبة من اشترك في هذه الجرائم وأنبأ السلطة بها قبل إتمامها (المادة 442/1 من قانون العقوبات). أما المدعى عليه الذي يتيح القبض، ولو بعد بدء الملاحقات، على سائر المجرمين أو على الذين يعرف مخبأهم فتخفض عقوبته من الأشغال الشاقة فتصبح الحبس من ستة أشهر إلى سنتين (المادتان 442/2 و241 من قانون العقوبات).     

4- الجرائم المرتبطة بتقليد أو تزوير العملات والسندات العامة:

إضافة إلى جرائم تقليد العملات والأوراق المصرفية وتزييفها، وإدخال العملات والأوراق المصرفية المقلدة أو المزيفة إلى سورية، أو إخراجها منها، والتعامل بها أو الترويج لها نص المشرع على أربع جرائم ألحقها بجريمة تقليد العملات وتزييفها، وذلك حتى يُحكم سياج الحماية الجزائية التي أراد كفالتها للعملة والأوراق المصرفية.

(1) جريمة صنع أو اقتناء أو الحصول على آلات وأدوات التقليد أو التزييف: نصت المادة /438/ من قانون العقوبات على أنه: «1- من صنع آلات أو أدوات معدة لتقليد أو تزييف أو تزوير أوراق النقد أو سندات المصارف أو حصل عليها بقصد استعمالها على وجه غير مشروع عوقب .... 2- ومن أقتنى تلك الآلات أو الأدوات على علمه بأمرها عوقب...». وجاء في نص المادة /439/ أنه: «يعاقب بنفس العقوبات الجنائية المنصوص عليها في المادة السابقة من وجد حائزاً آلات أو أدوات معدة لصنع العملة أو الورق النقدي أو أوراق المصارف واستعملها على وجه غير مشروع».

يستفاد من النصين السابقين أن مجرد إعداد آلات وأدوات التقليد أو التزوير أو امتلاكها أو حيازتها لا يعد شروعاً في جرائم تقليد العملة أو الأوراق المصرفية وتزييفها، وإنما هي أعمال تحضيرية لهذه الجرائم عاقب عليها المشرع باعتبارها جرائم قائمة بذاتها، ومستقلة عن جرائم تقليد العملة أو الأوراق المصرفية وتزييفها. وللإحاطة بأحكام هذه الجريمة ينبغي تحديد ركنيها المادي والمعنوي، ثم العقوبات المقررة لها.

q الركن المادي: يتمثل الركن المادي لهذه الجريمة في السلوك الذي حدّد المشرع صوَره، والموضوع الذي ينصب عليه هذا السلوك. فأما صوَر السلوك الإجرامي فهي الصناعة أو الاقتناء والحيازة. ويقصد بالصناعة إنتاج آلات وأدوات التقليد والتزييف، كما يقصد بها كل عمل فني يستهدف جعل هذه الآلات والأدوات صالحة للاستعمال في عمليات التقليد والتزييف للعملة والأوراق المصرفية. والاقتناء يعني حيازة هذه الآلات والأدوات أياً كانت صفة الحائز لها، ولو كانت حيازة عارضة، وتعبير الاقتناء تعبير عام يشمل كل أشكال السيطرة على الآلات والأدوات، سواء كان الحائز مالكاً لها أم غير مالك. وان مجرد الصناعة أو الاقتناء أو الحيازة لا يكفي لقيام الركن المادي لهذه الجريمة، وإنما يجب أن تكون صناعة أو اقتناء أو حيازة آلات وأدوات التقليد والتزييف بغير مسوغ مشروع. ويتوافر المسوغ فعلاً أو قانوناً إذا كانت الآلات والأدوات تصلح لممارسة مهنة أو صناعة مرخص بممارستها، أو كان الصانع أو الحائز قد حصل على ترخيص من الجهات الرسمية المختصة بصناعة هذه الآلات والأدوات أو حيازتها.

وينبغي أن يرد فعل الصناعة أو الاقتناء أو الحيازة على موضوع حدده القانون وهو: «الآلات والأدوات المعدة لتقليد وتزييف العملة والأوراق المصرفية»، مما يعني أن موضوع السلوك الإجرامي فيه من الاتساع بحيث يستوعب كل ما يصلح أداة أو وسيلة مباشرة يمكن استعمالها بذاتها لتقليد العملات والأوراق المصرفية أو تزييفها. وتقدير صلاحية الآلات والأدوات المضبوطة لدى المدعى عليه من المسائل الموضوعية التي تختص بها المحكمة الناظرة في جرائم التقليد والتزييف. وقد نص القانون على الصناعة أو الاقتناء أو الحيازة للآلات والأدوات باعتبارها صوَراً للسلوك الإجرامي لقيام الجريمة مادياً. ويترتب على ذلك أنه يكفي أي فعل من هذه الأفعال لقيام الجريمة فلا يشترط اجتماعها. فإذا كان صانع الآلات أو الأدوات هو حائزها أو مالكها، فلا يرتكب إلا جريمة واحدة. ويستوي لمن يصنع هذه الآلات والأدوات أن يستخدمها بنفسه أو يسلمها لشخص آخر ليستعملها في تقليد العملات والأوراق المصرفية أو تزييفها، كما يستوي أن يكون تسليمها لهذا الأخير بعوض أو على سبيل التبرع.

q الركن المعنوي: تعد جريمة صنع أو اقتناء أو حيازة الآلات أو الأدوات المعدة لتقليد وتزييف العملات والأوراق المصرفية من الجرائم المقصودة التي يتخذ فيها الركن المعنوي صورة القصد الجرمي. والقصد الجرمي المتطلب هو القصد الجرمي بنوعيه العام والخاص. ويقوم القصد الجرمي العام على العلم والإرادة. فينبغي أن يعلم المدعى عليه بماهية الآلات والأدوات التي يصنعها أو يحوزها، وأن من شأنها أن تستعمل في تقليد وتزييف العملات والأوراق المصرفية. وهذا العلم مفترض فيمن يصنع هذه الأدوات أو يحوزها أو يمتلكها، أي يفترض أن الصانع أو الحائز يعلم بماهية ما يصنعه أو يحوزه، وحقيقة الهدف منه، لكن هذا الافتراض قابل لإثبات العكس. وأيضاً يجب أن تتجه إرادة الجاني رغم العلم إلى صناعة أو حيازة أو امتلاك تلك الآلات والأدوات.

ولا يكفي القصد الجرمي العام لقيام جريمة صناعة أو حيازة آلات وأدوات التقليد والتزييف، بل لابد من توافر قصد خاص يتمثل في نية استخدام هذه الآلات والأدوات في تقليد وتزييف العملات والأوراق المصرفية. وإذا لم يتوافر قصد الاستعمال في حالة اقتناء آلات وأدوات التقليد والتزييف فلا يسأل الفاعل سوى عن جنحة؛ إذ يكفي علمه بحقيقة هذه الآلات والأدوات (المادة 438/2 من قانون العقوبات).

q عقوبة الجريمة: عاقب المشرع على هذه الجريمة بالأشغال الشاقة من ثلاث سنوات حتــــــــــــى خمس عشرة سنة، والغرامة مئة ليرة سورية على الأقل (المادتان 438/1 و439 من قانون العقوبات). أما مجرد اقتناء الآلات والأدوات المعدة لتقليد وتزييف العملات والأوراق المصرفية فيعاقب عليه بعقوبة جنحوية هي الحبس لمدة سنة على الأقل (المادة 438/2 من قانون العقوبات). ويعفى من العقوبة من اشترك في هذه الجريمة وأنبأ السلطة بها قبل إتمامها (المادة 442/1 من قانون العقوبات). أما إذا أتاح القبض على سائر المجرمين أو على الذين يعرف مخبأهم فتخفض عقوبته من الأشغال الشاقة فتصبح الحبس من ستة أشهر إلى سنتين (المادتان 442/2 و241 من قانون العقوبات).

(2) قبض عملة أو أوراق مصرفية مقلدة أو مزيفة بحسن نية والتعامل بها بعد اكتشاف حقيقتها: نصت على هذه الجريمة المادة /436/ من قانون العقوبات، وجاء فيها أنه: «من قبض عن حسن نية قطعاً من العملة أو أوراقاً نقدية أو أوراق مصارف مقلدة أو مزيفة أو مزورة وروجها بعد أن تحقق من عيوبها عوقب بغرامة لا تتجاوز المائة ليرة». إن علة تجريم هذا السلوك تكمن في أن من يتعامل بنقود وأوراق مصرفية مقلدة أو مزيفة بعد أن يتحقق لديه العلم بعيبها يعتبر مروجاً لها ويخل بالثقة العامة في العملة والأوراق المصرفية. لكن المشرع اعتبر أن الجريمة في هذه الصورة ليست في خطورة جريمة الترويج المنصوص عليها في المواد 430-434 من قانون العقوبات، لذلك خفف عقوبتها.

ويتحقق الركن المادي لهذه الجريمة بقبول المدعى عليه للعملة أو الأوراق المصرفية المقلدة والمزيفة بحسن نية، أي دون أن يعلم بحقيقتها. فيفترض لقيام هذه الجريمة أن يكون الفاعل قد أخذ العملة أو الأوراق المصرفية المقلدة والمزيفة على أنها صحيحة، وهذا ما يميز جريمة الترويج المنصوص عليها في المواد 430-434 من قانون العقوبات عن هذه الجريمة. فالمروج يعلم وقت دفع العملة أو الأوراق المصرفية المقلدة والمزيفة للتداول بحقيقتها، ويعلم أيضاً بهذه الحقيقة وقت تلقيه العملة والأوراق المصرفية التي يقبلها مع علمه بأنها غير صحيحة. ويترتب على ذلك أنه يجب لإدانة المدعى عليه في جريمة التعامل بعملة أو أوراق مقلدة ومزيفة بعد اكتشاف حقيقتها إثبات جهله وقت قبول تلك العملة أو الأوراق المصرفية بحقيقتها، وهذا ما عبر عنه المشرع بقوله: «من قبض عن حسن نية قطعاً من العملة أو أوراقاً نقدية أو أوراق المصارف…» (المادة 436 من قانون العقوبات).

أما الركن المعنوي فيتخذ في هذه الجريمة صورة القصد الجرمي العام الذي يتحقق بعلم المدعى عليه وقت طرح العملة أو الأوراق المصرفية للتداول بأنها مقلدة أو مزيفة، أي علمه بحقيقة العملة أو الأوراق المصرفية وبالعيب اللاصق بها، والذي يمنع من دفعها للتداول. والفرض كما سبق بيانه، أن المدعى عليه عند قبوله هذه العملة أو الأوراق المصرفية من الغير، لم يكن يعلم بحقيقتها، وإلا فإنه يرتكب جريمة الترويج المعاقب عليها بعقوبات جنائية (المواد 430-434 من قانون العقوبات). وينتفي القصد الجرمي ولا تقوم الجريمة في حال كان الشخص يجهل حقيقة العملة أو الأوراق المصرفية وقت قبولها من الغير، وكذلك وقت تعامله بها.

أما العقوبة فقد راعى المشرع ظروف المدعى عليه في هذه الجريمة، من حيث أنه أنخدع في العملة أو الأوراق المصرفية، ويسعى إلى التخلص منها بما لا يلحق به ضرراً، وإن كان في ذلك إضرار بالغير، لذلك خفف عقوبته فجعلها الغرامة مئة ليرة سورية على الأكثر.

(3) إعادة العملة أو الأوراق المصرفية الباطلة إلى التعامل: نصت على هذه الجريمة المادة/437/ من قانون العقوبات إذ جاء فيها أنه: «يستحق العقوبة نفسها (أي المنصوص عليها في المادة 436) من أعاد إلى التعامل وهو عالم بالأمر عملة نقدية أو أوراق مصارف أو أسنادا لأمر بطل التعامل بها». وعلة تجريم هذا السلوك تكمن في أن من يعيد طرح عملة نقدية أو أوراق مصرفية بطل التعامل بها مع علمه بذلك يعد مروجاً لها ويخل بالثقة العامة في العملة والأوراق المصرفية. ولكن المشرع اعتبر الجريمة في هذه الصورة ليست في خطورة جريمة ترويج العملة والأوراق المقلدة أو المزيفة، لذلك جعل عقوبتها هي ذاتها المقررة لجريمة أخذ عملة أو أوراق مصرفية غير صحيحة بحسن نية والتعامل بها بعد اكتشاف حقيقتها السابق شرحها.

ويتحقق الركن المادي لهذه الجريمة بإعادة طرح عملة نقدية أو أوراق مصرفية بطل التعامل بها للتداول مع العلم بحقيقتها. فيفترض لقيام الجريمة هنا أن يكون الفاعل مالكاً أو حائزاً لهذه العملة أو الأوراق المصرفية قبل إبطال التعامل بها، ثم أقدم بعد ذلك على وضعها في التداول.

أما الركن المعنوي في هذه الجريمة فيتخذ صورة القصد الجرمي العام المتمثل في علم المدعى عليه وقت طرح العملة أو الأوراق المصرفية للتداول بأنها ملغاة، أي بطل التعامل بها؛ واتجاه إرادته بالرغم من هذا العلم إلى إعادة طرحها في التداول. ويترتب على ذلك أنه إذا كان الشخص يجهل حقيقة أن العملة أو الأوراق المصرفية ملغاة وقت طرحها للتداول فلا تقوم الجريمة.

وقد عاقب المشرع على هذه الجريمة بالعقوبة ذاتها المنصوص عليها في المادة/436/ من قانون العقوبات بالنسبة لجريمة أخذ عملة أو أوراق مصرفية مقلدة أو مزيفة بحسن نية والتعامل بها بعد اكتشاف حقيقتها، وهي الغرامة مئة ليرة سورية على الأكثر.

(4) جريمة صنع أو عرض أو نقل أو ترويج أشياء مشابهة للعملات أو الأوراق المصرفية المتداولة: نصت على هذه الجريمة المادة /435/ من قانون العقوبات، وجاء فيها ما يلي: «يعاقب بالحبس والغرامة من صنع أو عرض أو نقل بقصد الاتجار أو روج قطعاً معدنية مقلداً بها عملة متداولة قانوناً أو عرفاً في سورية أو بلاد أخرى أو أوراقاً مطبوعة قد يقع التباس بينها وبين الورق النقدي أو أوراق المصارف الوطنية أو الأجنبية». علة تجريم هذه الأفعال تكمن في كون المشابهة بين ما يصنع أو يحاز وبين العملات أو الأوراق المصرفية المتداولة من شأنه إيقاع الجمهور في الغلط. فالقطع المعدنية أو أوراق النقد أو الأوراق المصرفية المشابهة للعملات أو الأوراق المصرفية المتداولة داخل سورية أو خارجها يمكن أن تستعمل لخداع جمهور المتعاملين الذين يقبلونها على أنها عملة أو أوراق صحيحة، فإذا اكتشفوا أنها ليست كذلك اختلت ثقتهم في العملات والأوراق المصرفية بصورة عامة.

يتحقق الركن المادي لهذه الجريمة، كما يتضح من النص السابق، بصنع أو عرض أو نقل أو ترويج قطع معدنية أو أوراق مشابهة في مظهرها الخارجي للعملة المعدنية أو الورقية أو للأوراق المصرفية المتداولة قانوناً أو عرفاً في سورية أو في دولة أخرى. وصنع هذه القطع أو الأوراق يتم عن طريق تقليد أو تغيير معالم العملة الصحيحة. والعرض أو النقل أو الترويج كل منهما يحقق الجريمة في الحالة التي يكون فيها العارض أو الناقل أو المروج للقطع والأوراق المشابهة للعملة أو الأوراق المصرفية غير الصانع لها. ويشرط لتحقق الركن المادي لهذه الجريمة أن يكون هناك تشابه بين ما يصنعه الفاعل أو يعرضه أو ينقله أو يروجه وبين العملة أو الأوراق المصرفية المتداولة قانوناً أو عرفاً في سورية أو بلاد أخرى، وأن يكون من شأن هذا التشابه احتمال إيقاع الجمهور في التباس، أياً كانت درجة هذا الاحتمال. إذ يكفي أن يكون من شأن هذا التشابه أن يوقع في الغلط أي شخص ينظر إلى ما صنعه الفاعل أو عرضه أو نقله أو روجه من قطع معدنية أو أوراق، فينخدع بها ويظنها عملة أو أوراق مصرفية صحيحة من العملات أو الأوراق المصرفية المتداولة.

أما الركن المعنوي في هذه الجريمة فيتخذ صورة القصد الجرمي الذي يتحقق بعلم المدعى عليه بماهية الأفعال التي يقوم بها، وبالتشابه بين ما يصنعه أو يعرضه أو ينقله أو يروجه من قطع معدنية وأوراق، وبين العملة والأوراق المتداولة قانوناً أو عرفاً. وإضافة إلى هذا العلم بعناصر الجريمة، يجب أن تتوافر إرادة هذه العناصر، أي إرادة صنع أو عرض أو نقل أو ترويج هذه الأشياء، على الرغم من العلم بها، وبما يترتب على صناعتها وعرضها ونقلها وترويجها. لكن القصد الجرمي العام المتمثل بالعلم والإرادة لا يكفي لقيام هذه الجريمة في حالات الصنع أو العرض أو النقل، بل ينبغي أن يتوافر إضافة إلى ذلك قصد خاص يتمثل في صنع أو عرض أو نقل القطع والأوراق بقصد الاتجار. ويترتب على ذلك أنه لا يكفي مجرد الصنع أو العرض أو النقل، وإنما يجب أن يهدف الفاعل من هذه الأفعال إلى تحقيق غرض خاص هو الاتجار، فإذا كان يقصد من ذلك مجرد إشباع هوايته في الرسم، وإظهار مهاراته في صنع أشياء تشابه العملات والأوراق المصرفية الصحيحة، وعرضها على شخص فانخدع بها، فلا تقوم الجريمة. ولا تقوم أيضاً الجريمة إذا صنع الفاعل قطعة تشبه عملة معدنية وحازها لاستعمالها كميدالية أو نحو ذلك؛ لعدم توافر قصد الاتجار.

وقد قرر المشرع لهذه الجريمة عقوبة مخففه هي الحبس والغرامة، لكنه لم يحدّد مقدارها مما يقتضي في هذه الحالة العودة إلى القواعد العامة لتحديد مقدار هاتين العقوبتين. فبموجب أحكام المادتين/52 و53/ من قانون العقوبات تراوح مدة الحبس بين عشرة أيام وثلاث سنوات، وتراوح الغرامة بين مئة ليرة وألف ليرة سورية.

ثالثاً- تزوير الطوابع وأوراق التمغة:

نصت على هذه الجريمة المادة /440/ من قانون العقوبات، وجاء فيها أنه: «من قلد أو زور أوراق التمغة أو الطوابع الأميرية وطوابع الإيصالات أو طوابع البريد بقصد استعمالها على وجه غير مشروع أو روجها على علمه بأمرها عوقب بالأشغال الشاقة المؤقتة حتى خمس سنوات وبغرامة أقلها خمسون ليرة سورية».

إن هذا النص تضمن جريمتين متميزتين، وإن كان محل الحماية فيهما واحداً، إلا أنهما تختلفان من حيث الركن المادي والركن المعنوي. وهاتان الجريمتان هما التقليد أو التزوير والترويج.

1- موضوع الحماية الجزائية:

حدد المشرع هذه الحماية بأنها أوراق التمغة أو الطوابع بمختلف أنواعها (أميرية، إيصالات، بريدية). ويراد بأوراق التمغة اللصائق التي يستعاض بها عن الرسم الذي تقرره الدولة على بعض المنتجات أو الخدمات التي تخص قطاع عام معين، كالقطاع السياحي أو الصحي أو مؤسسة عسكرية أو غيرها، وهي تصدر من أجل هدف سياسي أو اقتصادي أو معنوي، أو في مناسبة معينة.

أما الطوابع الأميرية فهي اللصيقة التي توضع على المعاملات الرسمية، وتستعمل للدلالة على دفع الرسوم التي تتطلبها الجهة الحكومية لقاء تقديمها خدمة أياً كان نوعها. ويقصد بطوابع الإيصالات الطوابع المخصصة لنماذج معينة من الإيصالات. أما الطوابع البريدية فيراد بها اللصيقة التي توضع على المراسلات البريدية داخل سورية وخارجها، وذلك للدلالة على دفع رسوم الخدمة التي تقدمها المؤسسة العامة للبريد.

2- جريمة تقليد الطوابع وأوراق التمغة:

ويشترط لقيام هذه الجريمة توافر ركنيها: المادي والمعنوي. ويتمثل الركن المادي في السلوك الذي حدد المشرع صورتيه بالتقليد والتزوير. ويراد بالتقليد صنع طوابع وأوراق تمغة غير صحيحة، ليس لها وجود من قبل، مشابه للطوابع وأوراق التمغة الصحيحة في شكلها وحجمها، أي أن يقوم الفاعل بإعطاء الطوابع وأوراق التمغة المقلدة شكلها وحجمها المقررين لها قانوناً فيما لو كانت صحيحة.

أما التزوير فيراد به كل تحريف لطوابع أو أوراق تمغة صحيحة موجودة أصلاً عن طريق تغيير الأرقام أو الرموز أو العلامات المطبوعة عليها، فتصبح غير صحيحة بإدخال هذه التغيرات عليها. ومما تجدر الإشارة إليه أنه لا يعد تزويراً للطوابع أو أوراق التمغة إذا كان التحريف واقعاً على التاريخ المدون بخط اليد على الطابع أو ورقة التمغة، أو على إشارة إبطال استعمالهما، أو على التوقيع المثبت عليهما. كما لا يعد تزويراً إزالة الاستعمال السابق للطابع أو ورقة التمغة، وإنما يعتبر استعمالاً للصيقة سبق استعمالها أو شروعاً في الاستعمال تبعاً لمدى توافر عناصر الجريمة.

أما الركن المعنوي للجريمة فيتخذ صورة القصد الجرمي بنوعيه العام والخاص. ويتوافر القصد العام بتحقق عنصريه، وهما العلم والإرادة. وينصب العلم على عناصر الجريمة كلها، وأهمها كون الطوابع وأوراق التمغة متداولة قانوناً في سورية، والأفعال التي تتحقق بها الجريمة مادياً. فإذا انتفى هذا العلم، بأن اعتقد الفاعل أن فعله لا ينصب على طوابع أو أوراق تمغة متداولة قانوناً، وإنما على طوابع أو أوراق تمغة أبطل التعامل بها ولم تعد متداولة في سورية، انتفى القصد الجرمي لديه. وكذلك ينتفي القصد الجرمي إذا كان المدعى عليه لا يعلم بماهية الفعل الذي قام به، وأن من شأنه تقليد الطوابع أو أوراق التمغة، أو تزويرها. ولا يكفي العلم لقيام القصد الجرمي العام، بل لابد من أن تتجه إرادة الفاعل إلى فعل التقليد أو التزوير، وإلى تحقيق النتيجة الإجرامية المترتبة على هذا الفعل، وهي صناعة طوابع أو أوراق تمغة غير صحيحة. وينبغي أن يتوافر إضافة إلى هذا القصد قصد خاص يتمثل في نية استعمال الطوابع والأوراق المقلدة أو المزورة. وهذه النية مفترضة من طبيعة الجريمة، إذ إن من يقلد أو يزور طوابع أو أوراق تمغة يهدف من ذلك عادة إلى الاستفادة بها، باستعمالها حتى يحقق الكسب من ورائها. ولكن هذا الافتراض يقبل إثبات العكس، بأن يثبت أن نية الاستعمال غير متوافرة لديه لحظة إتيانه أفعال التقليد أو التزوير، كما لو أثبت أنه قام بهذه الأفعال لهدف فني بحت يتمثل في إرضاء هوايته في الرسم والتقليد. ويجب أن تتوافر نية الاستعمال لحظة إتيان أفعال التقليد أو التزوير، فإن توافرت في وقت لاحق على إتيان هذه الأفعال، فلا يعتد بها، ومن ثم ينتفي القصد الخاص اللازم لقيام الجريمة موضوع الدراسة.

وقد اعتبر المشرع جريمة تقليد أو تزوير الطوابع وأوراق التمغة جناية وعاقب فاعليها بالأشغال الشاقة خمس سنوات على الأكثر، ويكون حدها الأدنى ثلاث سنوات طبقاً لأحكام المادة /52/ من قانون العقوبات، إضافة إلى عقوبة الغرامة التي لا تقل عن خمسين ليرة سورية. ويعفى من كامل العقوبة من اشترك في هذه الجريمة وأنبأ السلطات بها قبل إتمامها. أما إذا أتاح المدعى عليه القبض، ولو بعد بدء الملاحقات، على سائر شركائه من المجرمين أو على الذين يعرف مخبأهم فتخفض عقوبته على نحو ما نصت عليه المادة /241/ (المادة 442 من قانون العقوبات).

3- جريمة ترويج الطوابع وأوراق التمغة المقلدة أو المزورة:

لا تختلف هذه الجريمة عن جريمة ترويج العملات والأوراق المصرفية المقلدة أو المزورة من حيث أركانها. فالركن المادي لها يتمثل في السلوك الإجرامي الذي يتجسد بأفعال الترويج. ويراد بالترويج وضع الطوابع وأوراق التمغة المقلدة أو المزورة في التعامل بين الناس، وذلك بأن يجعلها الفاعل تحت سيطرة أشخاص آخرين بحيث يستطيعون التصرف بها وفق ما يريدون. وجريمة الترويج هي جريمة قائمة بذاتها ومستقلة عن جريمة تقليد أو تزوير الطوابع وأوراق التمغة التي يتم ترويجها. أما ركنها المعنوي فيتخذ صورة القصد الجرمي العام المتمثل بالعلم والإرادة. ويجب أن ينصب العلم على عناصر الجريمة، ولاسيما الموضوع الذي يرد عليه السلوك الإجرامي، أي على الطوابع وأوراق التمغة المتداولة وكونها غير صحيحة، وينبغي أيضاً أن يعلم المتهم بماهية الفعل الذي قام به، وأن من شأنه الترويج لطوابع وأوراق تمغة مقلدة أو مزورة، وأن تتجه إرادته بالرغم من هذا العلم إلى القيام بفعل الترويج وتحقيق نتيجته.

وقد عاقب المشرع على هذه الجريمة بالعقوبات المقررة لجريمة تقليد أو تزوير الطوابع وأوراق التمغة السابق شرحها، ويمكن تطبيق أحكام الإعفاء من العقوبة أو تخفيضها المنصوص عليها في المادة /442/ من قانون العقوبات.

4- جريمة استعمال الطوابع المقلدة أو التي سبق استعمالها:

نصت على هذه الجريمة المادة /441/ من قانون العقوبات، فقالت: «يعاقب… من استعمل وهو عالم علم بالأمر أحد الطوابع المقلدة أو المزورة، أو طابعاً سبق استعماله».  

يستفاد من النص السابق أن هذه الجريمة تقوم على أركان ثلاثة، هي الموضوع الذي ينصب عليه السلوك الإجرامي، والركن المادي المتمثل في الاستعمال، والركن المعنوي الذي يتخذ صورة القصد الجرمي.

أما موضوع الجريمة فهو الطوابع المقلدة أو المزورة، أو الطوابع التي سبق استعمالها. أما الركن المادي فيتمثل في فعل الاستعمال لهذه الطوابع لتحقيق منفعة للفاعل أو لغيره، أو إلحاق ضرر بالخزينة أو المصلحة العامة. وجريمة استعمال الطوابع المقلدة أو المزورة هي جريمة قائمة بذاتها ومستقلة عن جريمة تقليد الطوابع أو تزويرها أو ترويجها المنصوص عليها في المادة /440/ من قانون العقوبات.

ويراد باستعمال طابع سبق استعماله قيام الفاعل باستعمال لصيقة سبق أن تم استخدمها في أمر معين، وتحققت الغاية من ذلك، أي بنزعها من موضعها واستعمالها في أمر آخر. ولا يشترط أن يكون هو الذي سبق له ان استعملها، إذ يتحقق الركن المادي للجريمة ولو كان الاستعمال السابق قد تم من قبل شخص آخر غيره. وقد ذهبت محكمة النقض إلى أبعد من ذلك حين قالت في قرار لها إن استعمال الطوابع التي سبق استعمالها أو محاولة استعمالها أو بيعها، لا يتم دون إزالة معلم استعمالها السابق سواء أكان بالمحو أو الحك أو بمادة مزيلة للحبر (نقض سوري، جناية 214 قرار 202 تاريخ 12/3/1956).

وتعتبر جريمة استعمال طوابع مقلدة أو مزورة، أو سبق استعمالها من الجرائم المقصودة التي يتخذ فيها الركن المعنوي صورة القصد الجرمي العام. إذ يجب أن يقترن فعل الاستعمال بعلم الفاعل أنه يستعمل طوابع مقلدة أو مزورة، أو يستعمل طابعاً سبق استعماله (نقض سوري، جنحة 72 قرار 2055 تاريخ 7/8/1965). ويترتب على ذلك أنه إذا كان الفاعل يجهل أمر التقليد أو التزوير، أو الاستعمال السابق، فلا تقوم الجريمة بحقه.

عاقب المشرع على جريمة استعمال الطوابع المقلدة أو المزورة، أو الطوابع التي سبق استعمالها بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنة، وبالغرامة مئة ليرة سورية (المادة 441 من قانون العقوبات).

رابعاً- جرائم تزوير المحررات:

نص المشرع السوري على هذه الجرائم في المواد 443-461 من قانون العقوبات، واعتبرها من الجرائم المخلة بالثقة العامة المفروض توافرها في المحررات، رسمية كانت أم عرفية. وللإحاطة بالقواعد القانونية الناظمة لتزوير المحررات، ينبغي بيان أحكام التزوير العامة، ثم أنواع جرائم التزوير، وأخيراً دراسة جريمة استعمال المحررات المزورة.

1- الأركان العامة لتزوير المحررات:

للتزوير كغيره من الجرائم ركنان: ركن مادي وركن معنوي.

أ- الركن المادي: يتحقق هذا الركن بتحريف الحقيقة في محرر بطريقة من الطرق المنصوص عليها في القانون، تحريفاً من شأنه أن يسبب ضرراً للغير. يتضح من هذا التعريف أن عناصر الركن المادي أربعة هي: تحريف الحقيقة، وحدوث التحريف في محرر، وأن يحصل التحريف بأحد الطرق المحددة قانوناَ، وأن يكون من شأن هذا التحريف الإضرار بالغير.

(1) تحريف الحقيقة: يعد تحريف الحقيقة جوهر التزوير المعاقب عليه جزائياً، فالتزوير يتطلب أن يتم هذا التحريف في جوهر المحرر، وأن تتبدل الوقائع والبيانات الثابتة فيه أو تتأثر بهذا التحريف. وقد يكون هذا التحريف كلياً، بحيث يتم إنشاء محرر بكامل بياناته بصورة غير صحيحة. ويمكن أن يكون هذا التحريف جزئياً، ينصب على بعض بيانات المحرر. وكذلك يتطلب التزوير أن يتم تحريف الحقيقة خارج نطاق المركز القانوني للفاعل؛ فإن حصل التحريف ضمن حدود مركزه القانوني، فلا يعد ذلك تزويراً معاقباً عليه. وتطبقاً لذلك لا يعد مرتكباً جريمة التزوير من يحرر سنداً بمديونيته، ثم يغير في محتواه قبل أن يسلمه للدائن. لكن يختلف الأمر إذا كان المدين قد سلم السند للدائن، ثم بعد ذلك غافله واختلسه منه، وقام بالتحريف فيه. وعدم اعتبار تحريف صاحب الحق في المحرر محققاً جريمة التزوير ما دام ذلك في حدود حقه يثير التساؤل عن حكم الصورية في العقود، وهل تعد تزويراً أم لا؟ كما يثير أيضاً التساؤل فيما إذا كان الكذب في الإقرارات الفردية يعد تزويراً أم لا؟

¦ الصورية: وتتجلى الصورية في تحريف الحقيقة في تصرف باتفاق أطراف هذا التصرف، كما لو حرر شخص عقد بيع لآخر تهريباً لأملاكه من الدائنين، أو كما لو ذكر المتعاقدان في عقد البيع ثمناً يقل عن الثمن الحقيقي لتخفيض رسوم نقل الملكية، أو كما لو قام شخص بهبة أمواله في صورة عقد بيع… إلخ. فهل تعتبر الصورية في مثل هذه الحالات تزويراً معاقباً أم لا؟

أجاب بعض الفقهاء عن هذا السؤال بالإيجاب لمغايرة العقد الصوري للحقيقة، إذا توافرت بقية شروط التزوير، وأهمها الضرر الذي يصيب الغير والقصد الجرمي. فبحسب هذا الرأي يجب العقاب على الصورية باعتبارها تحريفاً للحقيقة، يحصل في محرر بأحد الطرق المحددة قانوناً، ومن ثم لا يجوز استثناؤها من أحكام التزوير التي جاءت عامة، لعدم وجود مبرر لهذا الاستثناء.

لكن الرأي السائد في أوساط الفقه الجزائي يميل إلى عدم العقاب على التصرف الصوري باعتباره تزويراً إلا إذا مس حقاً للغير تعلق بهذا التصرف. وبناء عليه لا تعتبر الصورية تزويراً إذا لم يتجاوز التصرف الصوري للمتعاقدين مركزهم القانوني، أي حدود الحق المقرر لهما في إبرام العقد بالطريقة التي يرتضونها. أما إذا تناول التصرف مركز الغير، أو تعلق بهذا التصرف حق للغير، فإن كل تحريف للحقيقة فيه يكون تزويراً معاقباً عليه، إذا تم بقصد الإضرار بالغير. وتطبيقاً لذلك يعد تزويراً معاقباً عليه تحريف الثمن في العقد بعد تحريره وإثبات تاريخه بقصد تخفيض رسوم التسجيل لتعلق حق الخزينة العامة في تقدير الرسوم بالثمن الذي حدد في العقد وقت تحريره.

¦ الإقرارات الفردية: إذا حصل تحريف الحقيقة في إقرار فردي، أي في تصريح مكتوب صادر عن شخص معين، ومتعلق بأمر خاص به دون غيره فلا تزوير، لأن الإقرار بأمر شخصي لا يكسب المقر حقاً ولا ينشئ له سنداً، وهو قابل للتحري عن صحته بصورة دائمة. ومثال ذلك إقرارات الأفراد عن دخولهم وأرباحهم لمصلحة الضرائب، وإقرارات التجار عن بضائعهم المستوردة لمصلحة الجمارك لتقدير الرسوم الجمركية المستحقة عليها. ومن هذه الإقرارات التي لا عقاب على الكذب فيها أقوال الخصوم التي يبدونها تأييداً لدعاواهم في مذكراتهم أو دفاعاً عن أنفسهم في التحقيقات والدعاوى الجزائية.

أما إذا تعلق الإقرار بأمر خاص بالغير، وكان مركز المقر فيه كمركز الشاهد، أو كان من شأن الإقرار أن يرتب على المقر أو على غيره من الناس حقوقاً أو التزامات، فإن الكذب فيه يعد تزويراً معاقباً عليه. ومثال ذلك تحريف الحقيقة في الإقرارات المتعلقة بدفاتر قيد المواليد أو الوفيات أو الزواج والطلاق.

ومجرد انتحال شخصية الغير في إقرار فردي يعد تزويراً معاقباً عليه، بصرف النظر عن ما يتضمنه الإقرار ذاته، لأنه يترتب على انتحال الشخصية إسناد أمور أو أقوال أو صفات أو تصرفات إلى شخص آخر على خلاف الحقيقة. وانتحال شخصية الغير بصفة عامة هي صورة من صور التزوير المعنوي، بجعل واقعة مزورة في صورة واقعة صحيحة، على النحو الذي سيأتي بيانه لاحقاً.

(2) المحرر: نصت المادة /443/ من قانون العقوبات على أنه: «التزوير هو تحريف مفتعل للحقيقة في الوقائع والبيانات التي يراد إثباتها بصك أو مخطوط…». يستفاد من هذا النص أنه لا يعد تحريف الحقيقة تزويراً إلا إذا وقع في محرر.

ويمكن تعريف المحرر بأنه: «كل مسطور يتضمن مجموعة من الكلمات والعلامات والرموز، التي ينتقل بها الفكر أو المعنى من شخص إلى آخر بمجرد النظر إليه». فلا يكون المسطور محرراً معاقباً على تحريف الحقيقة فيه، إلا إذا اشتمل على ثلاثة عناصر (الشكل، والمضمون، والمصدر)، وكان صالحاً للإثبات ولإحداث أثر قانوني. وهذا يعني أن للمحرر مظهراً مادياً، وآخر قانونياً.

ويتحقق المظهر المادي للمحرر بتوافر العناصر الثلاثة السابقة، أي يجب أن تكون بيانات المحرر مكتوبة، وإمكانية نسبة هذا المحرر إلى شخص معين، وأن يكون له مضمون معين تعبر عنه البيانات والمعلومات المدونة فيه. ويترتب على ذلك أنه لا تعد محررات الأجهزة التي تستخدم في حساب استهلاك بعض الخدمات أو المواد، كعداد المياه أو عداد الكهرباء، أو عداد السيارة. فمن يعبث بهذه العدادات بتحريف حقيقة الاستهلاك الثابتة فيها، لا يعد مرتكباً لجريمة التزوير. وكذلك لا تعد محررات النقود أو الأختام أو العلامات التجارية، لذا فقد خصها المشرع بأحكام خاصة تختلف عن تلك المتعلقة بالتزوير موضوع الفصل الثاني من الباب الخامس من قانون العقوبات. ولا أهمية للغة التي كتب بها المحرر، ولا للمادة التي سطرت عليها الكتابة؛ فتقوم جريمة التزوير سواء وقع التحريف للحقيقة في محرر مخطوط باللغة العربية أو في محرر مكتوب بلغة أجنبية، وسواء كانت الكتابة على ورق أم خشب أو جلد أو بلاستيك. ويستوي أيضاً أن يكون المحرر مكتوباً بخط اليد أو على آلة كاتبة.

أما المظهر القانوني للمحرر فيتحقق من عنصرين: قوة المحرر في الإثبات، وإمكانية إحداث أثر قانوني معين. ويقصد بقوة الإثبات مدى صلاحية المحرر لإثبات واقعة ما، والاحتجاج به في مواجهة الغير. وإن قوة الإثبات التي يتمتع بها المحرر تؤدي بالنتيجة إلى ترتيب أثر قانوني معين في الوقائع المثبتة، من خلال البيانات التي يشتمل عليها المحرر. فالحماية القانونية تنصب على المصالح والمراكز القانونية المرتبطة بالمحرر.

(3) حصول التزوير بإحدى الطرق المنصوص عليها قانوناً: بيَّن المشرع طرائق التزوير في المواد (445، 446، 452، 454، 455، 457، 458) من قانون العقوبات. ومن استعراض نصوص هذه المواد يتبيَّن أن المشرع قد ميّز بين نوعين من التزوير: التزوير المادي، والتزوير المعنوي. وأساس هذه التفرقة يكمن في أنه يترتب على الأول أثر مادي يدركه البصر، في حين يترتب على الثاني أثر معنوي باعتبار أن التحريف فيه يتناول مضمون المحرر لا شكله المادي، ويبدأ وينتهي لحظة إنشاء المحرر.

وتتمثل طرائق التزوير المادي في وضع إمضاءات أو أختام أو بصمات مزورة، وتغيير البيانات بالحذف أو الإضافة، والاصطناع، والتقليد، ووضع أسماء أو صور أشخاص غير صحيحة، وإتلاف المحرر كلياً أو جزئياً.

أما طرائق التزوير المعنوي فتتمثل في إساءة إمضاء على بياض مؤتمن عليه، أو تحريف أقوال أولي الشأن، وإثبات وقائع كاذبة على أنها صحيحة، وإثبات وقائع غير معترف بها على أنها معترف بها، انتحال شخصية الغير. ويمكن أن يحصل التزوير المعنوي بوسائل إيجابية أو بوسائل سلبية. فيتم تحريف الواقعة بإغفال أمر أو إيراده على وجه غير صحيح، وذلك وفقاً لنص المادة /446/ من قانون العقوبات.

(4) أن يكون من شأن تحريف الحقيقة الإضرار بالغير: لا تقوم جريمة التزوير بمجرد تحريف الحقيقة في المحرر بالطرائق التي نص عليها القانون، بل لابد أن ينتج من هذا التحريف ضرر للغير. وهذا ما عبر عنه المشرع صراحة في المادة /443/ من قانون العقوبات، والتي جاء فيها أن: «التزوير هو تحريف مفتعل للحقيقة في الوقائع والبيانات التي يراد إثباتها في صك أو مخطوط يحتج بهما يمكن أن ينجم عنه ضرر…». فالضرر شرط لازم لقيام جريمة التزوير، فقد يتم تحريف للحقيقة في المحرر على النحو السابق بيانه، دون أن تكون هناك نية لاستعمال هذا المحرر، فينتفي بذلك الضرر. وليس من المصلحة معاقبة كل تصرف مناف للسلوك السليم، مادام لم يرتب ضرراً؛ أي إن الضرر ينتفي في الحالات التي لا يصلح فيها المحرر للإثبات، ولا يكون له فيها أي قوة قانونية. وتطبيقاً لذلك ينتفي الضرر إذا كانت غاية المزور اصطناع محرر لإثبات مركز قانوني حقيقي، كأن يقوم مدين بالوفاء بالدين المترتب بذمته دون أن يحصل على مخالصة من الدائن، فيصطنع هذه المخالصة. ويشترط لعدم قيام جريمة التزوير لانتفاء الضرر في هذه الحالة، أن يكون المدين بريء الذمة من الدين وقت اصطناع (المحرر) المخالصة، وذلك على نحو قاطع وخالٍ من النزاع.

والضرر الناجم عن تزوير المحررات يمكن أن يكون مادياً، ويمكن أن يكون معنوياً أو اجتماعياً، وذلك كما ورد في نص المادة المذكورة آنفاً.

والضرر المادي هو الذي يصيب المضرور في ذمته المالية، إما بإسقاط حق له، وإما بتحميله التزامات لا وجود لها حقيقة. ومن أمثلة الضرر المادي تزوير عقد بيع، أو سند مديونية، أو ورقة مخالصة.

أما الضرر المعنوي فهو الذي يمس المضرور في شرفه وسمعته واعتباره، أي أنه ينال من كرامته ومكانته بين الناس. ومن أمثلته وضع اسم شخص على بلاغ كاذب أو شكوى مزورة، أو اصطناع المتهم محرراً وينسبه إلى شخص آخر، يعترف فيه باقترافه الجريمة، أو انتحال اسم الغير في تحقيق جزائي.

ولا يتطلب في الضرر أي قدر من الجسامة مادياً كان أم معنوياً، وكل منهما يمكن أن يمس مصلحة فردية أو جماعية. والضرر الفردي هو ما يلحق بفرد أو هيئة خاصة، كتزوير، كمبيالة على فرد أو مؤسسة خاصة، أو تحريف الحقيقة في شيكات بزيادة أرقام المبالغ المدونة فيها. بينما الضرر العام هو ما يقع على المجتمع ككل، لكونه يمس المصلحة العامة من غير أن يصيب فرداً معيناً بالذات. ويتحقق هذا الضرر في الحالات التي يعبث فيها الجاني بأوراق رسمية؛ لأن ذلك يخل بالثقة العامة الواجب توافرها في هذه الأوراق. ولا يعني ذلك عدم إمكانية تحقق الضرر العام في تزوير المحررات العرفية، بالعكس يمكن أن يترتب على تزويرها ضرر عام؛ كما هي الحال في تزوير تقرير طبي صادر عن طبيب خاص، من أجل حصول الموظف على إجازة، أو من أجل تأجيل النظر في قضية من المحكمة. إذ إن حصول الموظفين على إجازات لا يستحقونها والتأجيل الباطل للقضايا، يرتب أضراراً بالمصلحة العامة.

وقد يكون الضرر حالاً، وقد يكون محتملاً، فيستوي كلاهما لقيام جريمة تزوير المحررات، كما يستنتج من نصوص قانون العقوبات التي ميزت بين تزوير المحرر وبين استعمال المحرر المزور، وجعلت من كل منهما جريمة مستقلة بذاتها (نقض سوري، جنحة 1064 قرار 1228 تاريخ 1/6/1986؛ نقض سوري، جنحة 1025 قرار 1331 تاريخ 1/6/1977؛ نقض سوري، جناية 347 قرار 529 تاريخ 20/10/1959). فالقانون يعاقب على التزوير ولو لم يتم استعمال المحرر المزور، فبالاستعمال يتحقق الضرر. أي إنه عُدَّ مجرد توافر نية استعمال المحرر كافية لقيام جريمة التزوير، ولو لم يتحقق الضرر فعلياً، فيكفي احتمال وقوعه (نقض سوري، جنحة 1121 قرار 1273 تاريخ 4/6/1968؛ نقض سوري، جناية 347 قرار 529 تاريخ20/10/1959).

ومن الوجهة القانونية ينظر إلى الضرر كأحد عناصر الركن المادي، والمتمثل في النتيجة المترتبة على السلوك الإجرامي بتحريف الحقيقة في بيانات محرر ما. أما من الوجهة العملية فيعبر عنه بنية الإضرار بالغير، والمتمثلة بنية استعمال المحرر المزور فيما زور من أجله. فهذه النية متطلبة لإثبات الركن المعنوي في جريمة تزوير، بغض النظر عن الاستعمال الفعلي للمحرر المزور من عدمه، إذ لا تلازم بين التزوير والاستعمال الفعلي للمحرر المزور.

إن الوقت المعول عليه في مسألة التحقق من وقوع الضرر أو احتمال وقوعه، هو الوقت الذي حصل فيه تحريف الحقيقة في المحرر. وتطبيقاً لذلك، فإن من يُعدّل في تاريخ استحقاق سند دين، يعدُّ مرتكباً لجريمة التزوير حتى لو سدد الدين بعد ذلك؛ لأن التسديد حصل بعد ارتكاب الجريمة، ويكفي لقيامها احتمال وقوع الضرر. كما لا يفيد الجاني إعلانه عدم الاحتجاج بالمحرر المزور بعد تمسكه به، أو إتلافه بعد ارتكاب جريمة التزوير. ويسأل أيضاً عن جريمة تزوير من انتحل اسم غيره، وقام بعد ذلك بذكر اسمه الحقيقي.

ومما تجدر الإشارة إليه، أنه لم يضع القانون معياراً لتحديد وجود الضرر أو انتفائه، فالأمر متروك للسلطة التقديرية لقاضي الموضوع، وذلك باعتباره من المسائل الموضوعية التي تدخل ضمن صلاحياته (نقض سوري، جناية 295 قرار 291 تاريخ 17/5/1951).

ب- الركن المعنوي: يعد التزوير في المحررات من الجرائم المقصودة، التي يتخذ فيها الركن المعنوي صورة القصد الجرمي. فالخطأ الجزائي غير المقصود أياً كانت شدة جسامته، لا يحل محل القصد الجرمي في تزوير المحررات. وقد عبر المشرع عن هذا القصد في تعريفه للتزوير بأنه: «تحريف مفتعل للحقيقة في الوقائع والبيانات التي يراد إثباتها بصك أو مخطوط يحتج بهما…». ولقيام الركن المعنوي في التزوير يجب أن يتحقق القصد الجرمي بشقية العام والخاص. إذ لا يكفي تحقق القصد الجرمي العام المتمثل في علم الجاني بجميع أركان جريمة تزوير المحرر، واتجاه إرادته إلى إحداث تحريف للحقيقة فيه، وإنما لابد من توافر القصد الخاص المتمثل بنية استعمال هذا المحرر فيما زور من أجله. ويعبر عن نية الاستعمال في جرائم التزوير بالنية الخاصة المتمثلة بقصد الإضرار بالغير أو الحصول على منفعة منهم. فقد نصت المادة /458/ من قانون العقوبات صراحة على ضرورة توافر النية الجرمية الخاصة، في حين خلت المواد الأخرى المتعلقة بتزوير المحررات من الإشارة إلى هذه النية. فجاء في المادة المذكورة أنه: «من تقدم إلى سلطة عامة بهوية كاذبة، قصد جلب المنفعة لنفسه أو لغيره، أو بنية الإضرار بحقوق أحد الناس، عوقب بالحبس…». فالنية الجرمية في هذا النص هي جلب منفعة أو الإضرار بالغير. ولا يعني ذلك أن خلو المواد الأخرى من النص على هذه النية، قيام جريمة التزوير من دونها، بل إن المشرع افترض توافرها بمجرد تحقق القصد الجرمي العام.

ويجب التحقق من وجود القصد الجرمي وقت تحريف الحقيقة، إذ يتعين أن يكون القصد معاصراً لارتكاب فعل التزوير؛ فإذا ثبت توافره بعد اقتراف الفعل، فلا تقوم جريمة التزوير، ولكن يمكن أن تتحقق جريمة أخرى، هي جريمة استعمال محرر مزور إذا توافرت أركانها الأخرى. وتطبيقاً لذلك إذا زور شخص محرراً من أجل إثبات مهاراته، ولم تكن لديه نية استعمال المحرر، ثم قام باستعماله بعد ذلك، فإنه يسأل عن جريمة استعمال محرر مزور إذا توافرت أركانها، وتنتفي مسؤوليته عن جريمة التزوير.

وتقدير وجود القصد الجرمي يعود لقاضي الموضوع، ولا يدخل ضمن رقابة محكمة النقض (نقض سوري، هيئة عامة 961 قرار 1308 تاريخ 5/6/1952).

2- أنواع جرائم التزوير:

نص المشرع السوري على أنواع متعدد للتزوير في المواد (445-460) من قانون العقوبات، والتي يمكن تصنيفها في زمرتين، هما التزوير الجنائي والتزوير الجنحوي.

أ- التزوير الجنائي: نصت على التزوير الجنائي المواد (445-449) من قانون العقوبات، وتشترك جميع صور هذا التزوير في الموضوع الذي تنصب عليه وهو المحررات الرسمية، وتختلف فيما بينها من حيث الفاعل، ومن حيث العقوبة.

(1) موضوع التزوير الجنائي: نصت المادة (445/1) من قانون العقوبات على أنه: «يعاقب… الموظف الذي يرتكب تزويراً مادياً في أثناء قيامه بالوظيفة». ونصت المادة (446) من ذات القانون أنه: «يعاقب… الموظف الذي ينظم سنداً من اختصاصه فيحدث تشويهاً في موضوعه أو ظروفه».

يتضح من هذين النصين أن التزوير الجنائي ينصب على سند رسمي، ولكنهما لم يحددا ما المقصود بهذا السند، مما يقتضي الرجوع إلى قانون البينات الذي عرف في المادة الخامسة منه الأسناد الرسمية بأنها: «الأسناد التي يثبت فيها موظف عام أو شخص مكلف بخدمة عامة، طبقاً للأوضاع القانونية، وفي حدود سلطته، ما تم على يديه أو ما تلقاه من ذوي الشأن».

فالذي يكسب السند أو المحرر الصفة الرسمية هو صدوره عن موظف عام أو شخص مكلف بخدمة عامة، ويكون مختصاً بتحريره بموجب القوانين أو الأنظمة المعمول بها، أو المصادقة على صحته وفقاً للأوضاع والإجراءات القانونية. وكذلك فقد ذكرت المادة (449) من قانون العقوبات الأوراق التي تعد كالسندات الرسمية، وهي: السندات للحامل، والسندات الاسمية التي أجيز إصدارها قانوناً في سورية أو في دولة أخرى، وكل السندات المالية سواء أكانت للحامل أم كانت تحول بواسطة التظهير.

(2) التزوير الجنائي المرتكب من قبل موظف عام: أورد المشرع - إضافة إلى الأركان العامة لتزوير المحررات - أحكاماً خاصة بتجريم الموظف العام الذي يرتكب تزويراً بوسيلة مادية أو معنوية. فنصت المادة (445) من قانون العقوبات على التزوير المادي، إذ جاء فيها أنه: «1- يعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة خمس سنوات على الأقل الموظف الذي يرتكب تزويراً مادياً في أثناء قيامه بوظيفته:

إما بإساءته استعمال إمضاء أو خاتم أو بصمة إصبع، وإجمالاً بتوقيعه إمضاءً مزوراً، وإما بصنع صك أو مخطوط. وإما بما يرتكبه من حذف أو إضافة أو تغيير ي مضمون صك أو مخطوط.

2- ولا تنقص العقوبة عن سبع سنوات إذا كان السند المزور من السندات التي يعمل بها إلى أن يدعى تزويرها.

3- تطبق أحكام هذه المادة في حال إتلاف السند إتلافا كلياً أو جزئياً».

بينما نصت المادة (446) من القانون ذاته على التزوير المعنوي، فجاء فيها أنه: «يعاقب بالعقوبات المنصوص عليها في المادة السابقة مع ما اشتملت عليه من فوارق الموظف الذي ينظم سنداً من اختصاصه فيحدث تشويهاً في موضوعه أو ظروفه. إما بإساءته استعمال على بياض أؤتمن عليه، أو بتدوينه مقاولات أو أقوالاً غير التي صدرت عن المتعاقدين أو التي أملوها، أو بإثباته وقائع كاذبة على أنها صحيحة أو وقائع غير معترف بها على أنها معترف بها، أو بتحريفه أي واقعة أخرى بإغفاله أمراً أو إيراده على وجه غير صحيح».

يستفاد من النصين السابقين أنه يجب توافر الأركان العامة للتزوير، فينبغي أن يتم تحريف الحقيقة في محرر بإحدى الوسائل المادية أو المعنوية المذكورة فيهما، ولابد من تحقق الضرر وتوافر القصد الجرمي، ويجب أيضاً أن تتوافر للمحرر الصفة الرسمية أو الصفة التي تعده كالأوراق الرسمية، وأن يكون الفاعل موظفاً عاماً أو من ينزل منزلته.

والموظف العام هو كل شخص فوض إليه سلطة التعبير عن إرادة الدولة في مجال معين بصورة دائمة أو مؤقتة، بموجب القوانين والأنظمة السائدة، سواء كان عمله بأجر أو بلا أجر. فيعد موظفاً عاماً كل موظف في السلك الإداري والقضائي وكل ضابط من ضباط السلطة المدنية أو العسكرية أو فرد من أفرادها وكل عامل أو مستخدم في الدولة أو في إدارة عامة. وينزل منزلة الموظف العام في معرض تطبيق أحكام التزوير الجنائي كل شخص مكلف بموجب القوانين والأنظمة بالمصادقة على صحة سند أو إمضاء أو خاتم (المادة 447 من قانون العقوبات). فكل شخص تعينه الدولة للقيام بخدمة عامة ينزل منزلة الموظف العام في إسباغ الصفة الرسمية على سند أو إمضاء أو خاتم.

ويشترط لتطبيق أحكام المادتين 445 و446 من القانون العقوبات أن يقوم الموظف بفعل التزوير أثناء ممارسته لوظيفته، أي خلال المدة الزمنية التي يكتسب فيها صفة الموظف. ويترتب على ذلك أنه إذا فقد الجاني صفة الموظف العام قبل اقترافه فعل التزوير تزول عن المحرر الذي ينظمه أو يصادق عليه الصفة الرسمية، وينتفي حصول التزوير من قبل موظف عام. ويفقد الموظف صفته الوظيفية بالإحالة على التقاعد أو العزل من الوظيفة أو كف اليد. ويجب أيضاً أن يكون الجاني مختصاً بموجب القوانين والأنظمة بتنظيم أو إثبات بيانات المحرر الذي ارتكب التزوير فيه.

ويستوي أن ترتكب جناية التزوير في محرر رسمي من قبل موظف عام أو من قبل شخص عادي، ولم يميز المشرع بينهما إلا في مقدار العقاب. إذ جعل عقوبة الموظف أشد من تلك المقررة للشخص العادي، ويعود السبب في ذلك إلى كون الموظف مؤتمناً على الأعمال المكلف بها من تحرير وتدقيق للأوراق والسندات فخان الأمانة، إلى جانب ما يترتب على فعله من إهدار للثقة بالوظيفة العامة. فضلاً عن أن وجود المحررات الرسمية بين يدي الموظف يسهل عليه اقتراف تزويرها مما يستتبع تشديد العقاب عليه. وينزل منزلة الموظف العام كل من فوض إليه المصادقة على صحة سند أو إمضاء أو خاتم. فقد عاقب المشرع الموظف العام أو من ينزل منزلته الذي يرتكب جريمة التزوير في محرر رسمي بالأشغال الشاقة من خمس سنوات إلى خمس عشرة سنة (المواد 445 و446 و447 و448 من قانون العقوبات). وشدد المشرع هذه العقوبة فجعل حدها الأدنى سبع سنوات إذا تعلق التزوير بسند من السندات التي يعمل بها إلى أن يُدعى بتزويرها، ومثالها سندات الملكية لما لها من حجية في الإثبات.

(3) التزوير المرتكب من قبل شخص عادي: نصت المادة (448) من قانون العقوبات على أنه: «يعاقب سائر الأشخاص الذين يرتكبون تزويراً في الأوراق الرسمية بإحدى الوسائل المذكورة في المواد السابقة بالأشغال الشاقة المؤقتة في الحالات التي لا ينص فيها القانون على خلاف ذلك».

من استعراض هذا النص يتبين أنه يشرط لتطبيق أحكامه توافر الأركان العامة للتزوير والمتمثلة في تحريف الحقيقة في محرر رسمي أو ما هو بمنزلة المحرر الرسمي بإحدى الوسائل المادية أو المعنوية المنصوص عليها قانوناً، وتوافر عنصر الضرر والقصد الجرمي، وأن يكون الجاني من غير الأشخاص الذين ذكرت صفتهم المـــــــــــــــــواد (445، 446، 447) من قانون العقوبات، أي أن يكون شخصاً عادياً غير موظف أو موظفاً غير مختص.

وقد عاقب المشرع على التزوير في محرر رسمي الذي يرتكبه شخص عادي أو موظف غير مختص بالأشغال الشاقة من ثلاث سنوات إلى خمس عشرة سنة (المادتان 448 و449 من قانون العقوبات).

ب- التزوير الجنحوي: نص المشرع السوري في المواد (450-460) من قانون العقوبات على التزوير الجنحوي، وهو تحريف الحقيقة في المحررات الخاصة أو العرفية، وفي بعض المحررات الرسمية.

(1) تزوير السجلات والبيانات الرسمية: نصت على هذه الصورة من صور التزوير الجنحوي المادة (450) من قانون العقوبات بقولها: «من وجب عليه قانوناً أن يمسك سجلات خاضعة لمراقبة السلطة فدوّن فيها أموراً كاذبة أو أغفل تدوين أمور صحيحة عوقب بالحبس من شهر إلى سنة وبالغرامة مئة ليرة سورية على الأقل إذا كان الفعل من شأنه إيقاع السلطة في غلط».

ويتضح من هذا النص أنه ينبغي أن تتوافر في جريمة تزوير السجلات الرسمية جميع أركان التزوير، ولكنها تتميز من جرائم التزوير الأخرى بموضوعها الذي يقع عليه فعل تحريف الحقيقة وهو السجلات الرسمية التي يوجب القانون على الفاعل مسكها، والتي يشترط أن تكون خاضعة لرقابة السلطة. أما ركنها المادي فيتطلب قيام الفاعل بتحريف الحقيقة عن طريق تدوين أمور غير صحيحة في السجلات، أو اللجوء قصداً إلى إغفال أمور صحيحة كان يجب عليه تدوينها. وينبغي أن يكون من شأن هذا التحريف إيقاع السلطة في الغلط. ويترتب على ذلك أنه لا يعد تزويراً تحريف الحقيقة في السجلات الذي لا يؤدي إلى إيقاع السلطة في الغلط.

وجريمة تزوير السجلات الرسمية من الجرائم المقصودة التي يتخذ فيها الركن المعنوي صورة القصد الجرمي. ويتمثل هذا القصد في إرادة الفاعل ارتكاب التزوير مع علمه بأنه يدون أموراً غير صحيحة أو يغفل تدوين أمور صحيحة، وعلمه أيضاً أن من شأن فعله تضليل السلطة وإيقاعها في غلط.

وقد عاقب المشرع على جريمة تزوير السجلات والبيانات الرسمية بالحبس من شهر إلى سنة وبالغرامة من مئة إلى ألف ليرة سورية (المادتان 450 و453 من قانون العقوبات).

وقد نصت المادة (451) من قانون العقوبات على أنه: «يعاقب بالعقوبة نفسها من أبرز وهو عالم بالأمر وثيقة مقلدة أو محرفة أو منظمة على وجه يخالف الحقيقة ومعدة لأن تكون أساساً إما لحساب الضرائب أو الرسوم أو غير ذلك من العوائد المتوجبة للدولة أو لأحدى الإدارات العامة، وإما للمراقبة القانونية على أعمال المجرم المتعلقة بمهنته».

فيشترط لقيام هذه الجريمة أن يكون موضوعها هو الوثيقة المزورة والمعدة لأن تكون أساساً لحساب الضرائب أو الرسوم أو غير ذلك من العائدات المتوجبة للدولة أو لإحدى الإدارات العامة، أو للمراقبة المالية على أعمال مهنته. ويتحقق ركنها المادي بمجرد إبراز هذه الوثيقة المزورة، ويراد بفعل الإبراز أن تكون الوثيقة قد دخلت نطاق الاستعمال من قبل الجاني. أما ركنها المعنوي فيتجسد بالقصد الجرمي العام المتمثل بعلم الجاني بحقيقة الوثيقة المزورة، واتجاه إرادته إلى إبرازها.

وقد عاقب المشرع على هذه الجريمة بالعقوبة نفسها المقررة لجريمة تزوير السجلات الرسمية المشار إليها آنفاً.

(2) المصدقات الكاذبة: أفرد المشرع للمصدقات الكاذبة أحكاماً خاصة في المواد (452-457) من قانون العقوبات. وقد حدّد المشرع هذه المصدقات بالآتي: جواز السفر وورقة الطريق وتذكرة المرور ورخصة الصيد ورخصة حمل السلاح وتذكرة الهوية وتذكرة الناخب ووثيقة النقل ونسخة السجل العدلي. وينزل بمنزلة هذه المصدقات لتطبيق القانون الجزائي أوراق التبليغ التي يحررها المحضرون وسائر عمال الدولة والإدارات العامة، وكذلك المحاضر والتقارير التي يحررها رجال الضابطة العدلية.

وقد نصت المادة (452) من قانون العقوبات على التزوير المعنوي في المصدقات المذكورة بقولها: «1- يعاقب بالحبس من شهر إلى سنتين: من حصل بذكر هوية كاذبة على جواز سفر أو أوراق طريق أو تذكرة مرور، ومن حصل بانتحاله اسماً على رخصة صيد أو حمل سلاح أو تذكرة هوية أو تذكرة ناخب أو وثيقة نقل أو نسخة عن السجل العدلي خاصة بالغير. 2- يعاقب بالعقوبة نفسها وثيقة من استعمل الوثائق المذكورة آنفاً أعطيت له باسم غير اسمه أو بهوية غير هويته».

يتضح من هذا النص أن الفعل يعد تزويراً معنوياً في حالتين هما، حصول الفاعل على إحدى الوثائق المذكورة في المادة المشار إليها آنفاً بانتحال هوية غير هويته أو اسم غير اسمه، أو استعماله للوثائق المعطاة باسم غير اسمه أو هوية غير هويته. ففي الحالة الأولى يتخذ الفعل صورة التزوير المعنوي بانتحال هوية كاذبة أمام موظف عام مختص، وفي الحالة الثانية يتخذ الفعل صورة استعمال وثيقة تخص الغير بانتحال هويته أو اسمه. فيعد استعمال الوثيقة التي تخص الغير تزويراً بانتحال الهوية أو الاسم.

وقد نصت المادة (454) من قانون العقوبات على التزوير المادي في المصدقات حيث جاء فيها أن: «من يرتكب التزوير بالاختلاق أو التحريف في إحدى الأوراق المشار إليها في المادة (452) عوقب بالحبس من شهرين إلى سنتين».

فيشترط هذا النص أن يحصل التزوير بإحدى طريقتين، إما بالاختلاق وهو إنشاء وثيقة لم تكن موجودة أصلاً ونسبتها إلى غير منشئها، وإما بالتحريف وهو التحوير في وثيقة موجودة بإضافة كلمات أو حذف أو استبدال كلمة أو عبارة بأخرى.

ويلاحظ أن المشرع جعل الحد الأدنى لعقوبة الحبس إذا كان التزوير مادياً هو شهران، أما بالنسبة للتزوير المعنوي فالحد الأدنى هو الحبس شهراً. في حين شدد عقوبة الموظف العام الذي يسلم إحدى الوثائق المذكورة في المادة 452 من قانون العقوبات على علمه بانتحال الاسم أو الهوية فجعلها الحبس من سنة إلى ثلاث سنوات (المادة 453 من قانون العقوبات). ويعود السبب في هذا التشديد إلى كون الموظف مؤتمناً على الوثائق الرسمية المنوط به تسليمها لأصحابها الشرعيين فخان الأمانة، إلى جانب ما يترتب على فعله من إهدار للثقة بالوظيفة العامة.

وجاء في المادة (455) من قانون العقوبات ما يلي: «1- من أقدم حال ممارسته وظيفة عامة أو خدمة عامة أو مهنة طبية أو صحية عل إعطاء مصدقة كاذبة معدة لكي تقدم إلى السلطة العامة، أو من شأنها أن تجر على الغير منفعة غير مشروعة، أو أن تلحق الضرر بمصالح الناس.

ومن اختلق بانتحاله اسم أحد الأشخاص المذكورين وزور بواسطة التحريف مثل هذه المصدقة، عوقب بالحبس من شهر إلى سنتين.

2- وإذا كانت المصدقة الكاذبة قد أعدت لكي تبرز أمام القضاء، أو لتبرر الإعفاء من خدمة عامة، فلا ينقص الحبس عن ستة أشهر».

ويستفاد من هذا النص أنه يجب أن يكون الفاعل موظفاً عاماً، أو مكلفاً بخدمة عامة، أو صاحب مهنة طبية أو صحية؛ وينبغي أن يتم إعطاء المصدقة الكاذبة حال ممارسة الوظيفة أو الخدمة العامة، أو المهنة الطبية أو الصحية. ويعاقب الفاعل بالحبس من شهر إلى سنتين إذا توافر في المصدقة الكاذبة أحد الشروط الآتية:

t أن تكون معدة كي تقدم إلى السلطة العامة، مثل التقرير الطبي الذي يحصل عليه الموظف، وبيان الخدمات التي تتخذ أساسا في تحديد الأجر، وصورة قيد النفوس التي تضم إلى ملف العامل أو الموظف.

t من شأنها أن تجر على الغير منفعة غير مشروعة، ويراد بالغير هنا، وهو غير الشخص الذي أعطى المصدقة الكاذبة، مثال ذلك براءة الذمة التي تعطى من موظف عام خلافاً للحقيقة.

t أن تلحق الضرر بمصالح أحد الناس، مثال ذلك التقرير الطبي الذي يعطيه الطبيب الشرعي للمصاب خلافاً لواقع إصابته البسيطة.

ويعاقب بالعقوبة نفسها من اختلق مصدقة كاذبة بانتحاله اسم الموظف العام أو المكلف خدمة عامة أو مهنة طبية أو صحية، أو زور بواسطة التحريف مثل هذه المصدقة. وقد شدد المشرع العقوبة السابقة بحيث يصبح حدها الأدنى هو ستة أشهر إذا كانت المصدقة الكاذبة قد أعدت من أجل إبرازها أمام القضاء، أو لتبرر الإعفاء من خدمة عامة، مثل الخدمة العسكرية. وسبب التشديد في حال إبراز المصدقة الكاذبة أمام القضاء يكمن بما يمثله ذلك الفعل من إخلال بسير العدالة، ومن تضليل للعدالة. أما سبب التشديد في حال إبراز المصدقة لتبرر الإعفاء من خدمة عامة فيكمن فيما تمثله هذه الخدمة من أهمية خاصة لارتباطها بمرفق حيوي، ومن شأن الإعفاء منها بصورة غير مشروعة إلحاق الضرر بهذا المرفق.

ونصت المادة (457) من قانون العقوبات على أنه: «1- من وضع تحت اسم مستعار أو زوَّر مصدقة حسن سلوك أو شهادة فقر حال عوقب بالحبس حتى ستة أشهر.

2- وتكون العقوبة من شهر إلى سنة إذا وضعت الشهادة تحت اسم موظف أو تناول التزوير مصدقة صادرة عن موظف».  

ويتضح من النص السابق أنه يشترط لقيام هذه الجريمة أن ينصب فعل التزوير على مصدقة حسن سلوك أو شهادة فقر حال، وذلك بوضع اسم غير حقيقي عليها، أو تحريف مضمونها أو تقليد التوقيع الموجود فيها.

وجريمة تزوير مصدقة حسن سلوك أو شهادة فقر هي من الجرائم المقصودة التي يتخذ فيها الركن المعنوي صورة القصد الجرمي. ويتمثل هذا القصد في علم الفاعل أنه يقوم بفعل تزوير (بصنع مصدقة باسم غير حقيقي أو تحريف مضمونها أو تقليد التوقيع الموجود فيها)، وعلمه أيضاً أن فعله ينصب على إحدى الوثيقتين المحددتين في نص المادة المشار إليها آنفاً، وأن تتجه إرادته إلى فعل التزوير.

ويعاقب الفاعل بالحبس من عشرة أيام حتى ستة أشهر وفقاً لنص المادتين (51 و457/1) من قانون العقوبات. وتشدّد هذه العقوبة بحيث تصبح من شهر إلى سنة إذا وضعت الشهادة تحت اسم موظف أو تناول التزوير مصدقة صادرة عن موظف (المادة 457/2 من قانون العقوبات).

(3) انتحال الهوية: نص المشرع على جريمة انتحال الهوية في المادتين (458 و459) من قانون العقوبات. إذ جاء في نص المادة الأولى أنه: «من تقدم إلى سلطة عامة بهوية كاذبة قصد جلب المنفعة لنفسه أو لغيره أو بنية الأضرار بحقوق أحد الناس عوقب بالحبس من شهرين إلى سنتين فضلاً عما يتعرّض له من العقوبات الجنائية في حال تواطؤه مع موظف عام». ونصت المادة الثانية على أنه: «تفرض العقوبة نفسها على كل شخص يعرف عن علم منه في الأحوال المذكورة آنفاً هوية أحد الناس الكاذبة أمام السلطات العامة».

من استعراض النصين السابقين يتضح أن السلوك الإجرامي لانتحال الهوية يتخذ إحدى الصورتين الآتيتين: أما الصورة الأولى فتتمثل في تقدم الفاعل بهوية كاذبة إلى السلطة العامة، في حين أن الصورة الثانية تتمثل في قيامه بإثبات هوية أحد الناس الكاذبة أمام السلطات العامة.

وجريمة انتحال هوية كاذبة من الجرائم المقصودة التي يتخذ فيها الركن المعنوي صورة القصد الجرمي بعنصريه العام والخاص. إذ لا يكفي إقدام الفاعل على فعله الجرمي عن علم وإرادة، بل يجب أيضاً توافر قصد خاص يتمثل في جلب المنفعة له أو لغيره، أو بنية الأضرار بحقوق أحد الناس، ويستوي في ذلك أن يكون الضرر مادياً أو معنوياً تحقق بالفعل أم لم يتحقق لسبب من الأسباب.

ويعاقب الفاعل بالحبس من شهرين إلى سنتين، فضلاً عن العقوبات الجنائية التي يمكن أن يتعرض لها الفاعل في حال تواطؤه مع موظف عام، أي في حال ارتكب هذا الأخير التزوير الجنائي المنصوص عليه في المادتين /445 و446/ من قانون العقوبات، أو في حال ارتكب جريمة الرشوة المنصوص عليها في المادة /342/ من القانون ذاته.

(4) تزوير الأوراق الخاصة: نصت المادة /460/ من قانون العقوبات على جريمة تزوير الأوراق الخاصة بقولها: «من ارتكب التزوير في أوراق خاصة بإحدى الوسائل المحددة في المادتين 445 و446 عوقب بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات وبغرامة أقلها مائة ليرة».

يستفاد من النص السابق أن جريمة تزوير الأوراق الخاصة لا تختلف عن جريمة تزوير الأوراق الرسمية من حيث الركن المادي والركن المعنوي، إذ إنهما يختلفان فقط في الموضوع الذي ينصب عليه سلوك الفاعل في كلٍ منهما.

يشترط لقيام جريمة تزوير الأوراق الخاصة توافر أركان التزوير العامة التي سبق شرحها، إذ ينبغي على الفاعل أن يقوم بفعل تحريف الحقيقة بإحدى الوسائل المادية أو المعنوية المحددة قانوناً في المادتين (445 و446) من قانون العقوبات، إضافة إلى توافر عنصر الضرر والقصد الجرمي. ويجب أن ينصب فعل التزوير على محرر غير رسمي، أي ورقة خاصة. ويراد بالورقة الخاصة «السند الذي يشتمل على توقيع من صدر عنه، أو على خاتمه أو بصمة إصبعه، وليس له صفة السند الرسمي» (المادة 9 من قانون البينات).

وتعد الورقة غير رسمية إذا كانت صادرة عن شخص عادي، أو عن موظف عام غير مختص بتحريرها، أو عن موظف عام مختص بتحريرها دون مراعاة القواعد والإجراءات المتوجبة لإكسابها الصفة الرسمية. والأوراق غير الرسمية عديدة، أهمها سندات الدين أو الإبراء، وأوراق الحسابات، والفواتير والدفاتر الخاصة، والأوراق المثبتة للمعاملات المالية للعقود.

ويعاقب الفاعل بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات والغرامة مائة إلى ألف ليرة سورية (المادتان 53/1 و460 من قانون العقوبات). ويعفى من العقوبة إذا أقر بفعل التزوير قبل استعمال الورقة المزورة والملاحقة، أما إذا حصل هذا الإقرار بعد استعمال الورقة المزورة، ولكن قبل الشكوى والملاحقة، فتخفض عقوبته على نحو ما جاء في المادة (241) من قانون العقوبات، أي الحكم بالحبس مدة لا تزيد عن ستة أشهر (المادة 461 من قانون العقوبات).

3- جريمة استعمال المحررات المزورة:

تقوم جريمة التزوير ولو لم يستعمل الجاني المحرر المزور، إذ التزوير جريمة مستقلة عن جريمة استعمال المحرر المزور. وهذا ما فعلته التشريعات الجزائية في مختلف بلدان العالم بتفريقها بين التزوير والاستعمال، وجعلها كلاً منهما محققاً لجريمة مستقلة بذاتها، وهو ما فعله قانون العقوبات السوري. إذ نصت المادة /444/ منه على أنه: «يعاقب بعقوبة مرتكب التزوير نفسها من استعمل المزور وهو عالم بأمره». وقد أكدت محكمة النقض السورية في قرارات عديدة مبدأ استقلال جريمة التزوير عن جريمة استعمال المزور (نقض سوري، جنحة 2197 قرار 2286 تاريخ 30/10/1952؛ نقض سوري، جناية 347 قرار 529 تاريخ 20/10/1959؛ نقض سوري، جنحة 1121 قرار 1273 تاريخ 4/6/1968؛ نقض سوري، جنحة 1025 قرار 1331 تاريخ 1/6/1977؛ نقض سوري، جنحة 1063 قرار 1228 تاريــــــــــــــــــــــخ 1/6/1986).

ويترتب على التفرقة بين جريمتي التزوير واستعمال المحررات المزورة النتائج الآتية:

يعاقب مرتكب التزوير ولو لم يستعمل المحرر المزور في الغرض الذي زوِّر من أجله؛ ويعاقب من يستعمل المحرر المزور وهو عالم بأمره ولو لم يسهم في التزوير بصفته فاعلاً أو شريكاً أو متدخلاً؛ يعاقب من يستعمل المحرر المزور ولو كان الفاعل في جريمة التزوير مجهولاً، أو كانت الدعوى الجزائية قبله قد سقطت بالوفاة أو بالتقادم، أو كان غير مسؤول جزائياً لأي سبب من الأسباب، أو كانت جريمة التزوير نفسها قد تمت خارج الإقليم السوري؛ وإذا كان مرتكب جريمة التزوير هو الذي قام باستعمال المحرر المزور، فإنه يعد مرتكباً لجريمتين هما التزوير والاستعمال، مما يقتضي أن انتفاء مسؤوليته عن أي منهما لا يشمل الأخرى، أما إذا ثبتت مسؤوليته عنهما معاً يحكم عليه بالعقوبة المقررة قانوناً لكل منهما، غير أنه لا تنفذ بحقه إلا العقوبة الأشد تطبيقاً لقاعدة تعدد الجرائم والعقوبات (المادة 204 من قانون العقوبات).

ويشترط لقيام جريمة الاستعمال توافر ركن مادي يتمثل في استعمال المحرر المزور وركن معنوي يتخذ صورة القصد الجرمي. ويراد باستعمال المحرر التمسك أو الاحتجاج به كما لو كان محرراً صحيحاً، إذ لا يكفي مجرد حيازة المحرر المزور أو عرضه على الغير لقيام الجريمة. وعليه فإن جريمة الاستعمال تتحقق ولو كان من يحتج بالمحرر المزور شخصاً غير الذي عرضه مادام يعلم بتزويره، كما لو تقدم الزوج بوثيقة طلاق مزورة في قضية مدنية لغرض منع الحجز على أموال زوجته، ثم قامت بعد ذلك زوجته بالاحتجاج بها بهدف الانفصال عنه. فيعد ركن الاستعمال متحققاً في حق الزوجة لأنها احتجت بورقة مزورة قدمها زوجها ما دامت تعلم بحقيقتها.

ومن أمثلة استعمال المحرر المزور: تقديم عقد بيع مزور إلى السجل العقاري لتسجيله، تقديم شهادة علمية مزورة إلى مكتب للتشغيل للحصول على وظيفة، تقديم شهادة صحيحة مزورة في ملف طلب الحصول على رخصة قيادة مركبة، تقديم صورة رسمية مزورة عن محضر حصر تركة إلى المحكمة للاستناد إليها في دعوى منظورة أمامها… إلخ. ويستوي في جميع هذه الأحوال لقيام جريمة الاستعمال، أن يستعمل الفاعل المحرر المزور الأصلي أو الصورة المطابقة له؛ لأن استعمال الصورة هو في حقيقة الأمر استعمال للمحرر الأصلي ذاته؛ إذ إن الصور لم تجعل إلا كشهادات بما هو ثابت في الأصل.

ويقوم فعل الاستعمال بمجرد تمسك الفاعل بالمحرر المزور أو الاحتجاج به على أنه محررَّ صحيحٌ ولو لم يتحقق الغرض من وراء هذا الاحتجاج. إذ يعد استعمالاً لورقة مزورة بمجرد تقديمها إلى المحكمة حتى لو حصل تنازل عنها فيما بعد، أو عدول عن التمسك بها؛ لأن هذا التنازل أو العدول يعد لاحقاً لقيام الجريمة، وليس له أي أثر فيها.

وجريمة استعمال المحرر المزور ليست من الجرائم المستمرة، بل هي من الجرائم الآنية إلا أنها تتجدّد كلما تجدد الاستعمال بنشاط إيجابي من الجاني، ويبدأ فيه التقادم من تاريخ آخر استعمال (نقض سوري، جنحة 1962 قرار 1982 تاريخ 20/11/1955؛ نقض سوري، جنحة 189 قرار 276 تاريخ 17/2/1976؛ نقض سوري، عسكرية 886 قــــــــــرار 924 تاريخ 3/10/1979؛ نقض سوري، جنحة 861 قــــــــــــــرار 1892 تاريـــــــــــــــــــخ 22/11/1986 ؛ نقض سوري، هيئة عامة 60 قرار 43 تاريــــــــــــــــــــخ 1/12/1972).

ويتخذ الركن المعنوي في جريمة استعمال المحررات المزورة صورة القصد الجرمي. والقصد المتطلب لقيام جريمة الاستعمال هو القصد العام الذي يتحقق بعلم الفاعل بأن الورقة التي يتمسك بها مزورة، واتجاه إرادته رغم هذا العلم إلى استعمالها والاحتجاج بها. فإذا لم يتوافر علم المدعى عليه بأمر تزوير المحرر، انتفى القصد الجرمي لديه، واستحالت نسبة جريمة الاستعمال إليه. ويجب على المحكمة أن تثبت علم المدعى عليه بتزوير الورقة التي استعملها، ومجرد تمسكه بالورقة المزورة غير كافٍ لثبوت علمه بتزويرها. إذ من المتصور التمسك بالورقة المزورة على الرغم من جهل الفاعل بتزويرها. لذلك يكون معيباً حكم المحكمة القاضي بإدانة المدعى عليه في جريمة الاستعمال لمجرد تمسكه بالورقة المزورة دون أن تقيم الدليل على علمه بالتزوير.

ونص المشرع على عقوبة استعمال المحررات المزورة في المادة (444) من قانون العقوبات، وجعلها مثل عقوبة مرتكب جريمة التزوير. لذا تختلف عقوبة الاستعمال من حيث النوع والمدة تبعاً لنوع جناية أو جنحة التزوير والعقوبة المقررة لها، وذلك على النحو السابق بيانه عند شرح أنواع جرائم التزوير.

مراجع للاستزادة:

 

- جندي عبد الملك، الموسوعة الجنائية، الجزء الثاني، الطبعة الثانية (دار العلم للجميع، بيروت).

- رؤوف عبيد، جرائم التزييف والتزوير (طبعة مزيدة ومنقحة وفق أخر التعديلات وأحدث الأحكام، 2007).

- عبد الجبار الحنيص، «الحماية الجزائية لبطاقات الائتمان الممغنطة من التزوير»، مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية، المجلد 24- العدد الثاني.

- عبد الوهاب بدرة، جرائم التزوير في التشريع السوري (المطبعة الجديدة، دمشق).

- علي محمد جعفر، قانون العقوبات، جرائم الرشوة والاختلاس والإخلال بالثقة العامة والاعتداء على الأشخاص والأموال، الطبعة الثانية (المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت 2004).

- محمود نجيب حسني، شرح قانون العقوبات - القسم الخاص (دار النهضة العربية، القاهرة 1988).

 




التصنيف : القانون الجزائي
النوع : القانون الجزائي
المجلد الثاني: بطاقة الائتمان ــ الجرائم الواقعة على السلطة العامة
رقم الصفحة ضمن المجلد : 0
مستقل

البحوث الأكثر قراءة

للحصول على اخبار الموسوعة

عدد الزوار حاليا : 1
الكل : 7989507
اليوم : 1437

الرقابة الشعبية

 الرقابة الشعبية الرقابة الشعبية سعيد نحيلي نشأة الرقابة الشعبية أغراض الرقابة الشعبية آليات ممارسة الرقابة الشعبية آثار ممارسة الرقابة الشعبية ملامح الرقابة الشعبية في الجمهورية العربية السورية تتعدَّد أنواع الرقابة على أجهزة الحكم وتختلف باختلاف الهيئة التي تباشرها. ويصنف بعض علماء القانون الإداري والإدارة العامة الرقابة على الحكومة في مجموعتين اثنتين هما: الرقابة الإدارية والرقابة القضائية. وهناك من ينطلق من تقسيم الرقابة على أعمال الإدارة إلى ثلاثة أنواع أساسية: وهي الرقابة القضائية والرقابة الشعبية والرقابة الإدارية، وفي مؤلفات أخرى...

المزيد »