logo

logo

القانون العام | اعداد الدستور

اعداد دستور

elaboration of constitution - élaboration de la constitution

 إعداد الدستور

إعداد الدستور

نجم الأحمد

السلطة المؤسِسة الأصلية 

أساليب إعداد الدساتير

   

تظهر دراسة إعداد الدساتير L’élaboration de la constitution درجة التطور السياسي والمجتمعي، ومرحلة التقدم باتجاه إرساء فكرة الديمقراطية، والمشاركة السياسية. وهكذا فإن الأساليب غير الديمقراطية تعود إلى زمن كان فيه الحكم مطلقاً، وعلى أساس دمج كلي بين شخص الحاكم والسلطة، فتكون القوانين تعبيراً عن إرادةٍ منفردة هي إرادة الحاكم. وهذا ما يذكر بقول لويس الخامس عشر عام 1766: «في شخصي تكمن السلطة، ومن شخصي تستمد مجالسي وجودها، وسلطاتها، وإليّ فقط تعود السلطة التشريعية دون رقيب، وعني ينبثق النظام العام».

ولكن ما لبثت أن ظهرت الأساليب الديمقراطية في إعداد الدساتير مع ظهور مبدأ سيادة الشعب، ومبدأ الفصل بين الحاكم والسلطة، وشيوع مبدأ السلطة المقيّدة بديلاً من مبدأ السلطة المطلقة. وهو انتقال ارتبط بالظروف التاريخية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وبالقوى المحركة لعلاقات الأفراد داخل كل دولة من الدول.

ونظراً للأهمية البالغة التي تحظى بها الدساتير في حياة الأمم فقد جرى الفقه الدستوري على التمييز في وضع الدساتير بين السلطة التي تضع الدستور، وتسمى السلطة المؤسِسة pouvoir constituant، والسلطة التي تختص بتعديل الدستور، وتسمى بالسلطة المؤسَسة Pouvoir institué.

ويظهر عمل السلطة المؤسِسة الأصلية عندما لا يوجد دستور للدولة أصلاً، كميلاد دولة جديدة، أو حصول إحدى الدول على استقلالها. وقد يظهر عمل السلطة المؤسِسة أيضاً عندما يسقط الدستور القديم نتيجة ثورة أو انقلاب. وفي هذه الصورة يثور التساؤل حول تحديد صاحب السلطة المؤسِسة الأصلية، وتسويغ قانونية الثورة، أو الانقلاب؟

إن التمييز بين السلطة التأسيسية الأصلية والسلطة التأسيسية المنشأة أمر تبدو أهميته في معرفة الوقت الذي يبدأ فيه عمل كل منهما. فالسلطة التأسيسية التي تناط بها مهمة وضع الدستور، ولا يحكم عملها نصوص دستورية خاصة، ولا تتلقى اختصاصاً من نصوص موجودة توصف بالأصلية، لأنها تتدخل في وقتٍ لا تكون فيه نصوص دستورية نافذة في الدولة، فتعمل على وضع مثل هذه النصوص في دستور الدولة الجديدة. أما السلطة التأسيسية التي تناط بها مهمة تعديل الدستور وفقاً لنصوص دستور نافذ يحدد اختصاصها هذا فإنها توصف بالمنشأة أو المحدثة؛ لأنها استمدت وجودها من دستورٍ نافذ، فهو الذي أوجدها، أو أنشأها.

تعدّ السلطة المؤسِسة الأصلية أسمى السلطات العامة في الدولة؛ لأنها تنظم صلاحيات السلطات الأخرى كافة، فما  المقصود بالسلطة المؤسِسة الأصلية؟ ما طبيعتها؟ وما التبريرات الدستورية والقانونية لعمل هذه السلطة؟

أولاً- السلطة المؤسِسة الأصلية:

السلطة المؤسِسة هي السلطة التي تعلو على السلطات العامة في الدولة كافة، ويعود لها صلاحية وضع الدستور. إنها سلطة أصلية، عليا، متفردة، وغير مشتقة من أي سلطة أخرى. وهي متميزة عن غيرها من السلطات التي يحدثها الدستور. وهذه السلطة هي التي تعطي السلطات الأخرى التي يحدثها الدستور أساس اختصاصها، وصلاحية ممارستها لسلطاتها الدستورية. لهذا يطلق على هذه السلطات التي تنشأ بموجب أحكام الدستور اسم السلطات المؤسَسة تمييزاً لها من السلطة المؤسِسة.

ووفقاً لهذا التصور فإن السلطة المؤسِسة تتمتع من حيث المبدأ بصلاحيات مطلقة في وضع القواعد الدستورية، من دون أن تخضع في عملها لأي سلطة سابقة، أو قاعدة سابقة، فلها الحرية الكاملة في تغيير ما تشاء من القواعد القانونية الموجودة، وإقامة دستور جديد. ولها سلطة التعديل والإنشاء معاً، أي تعديل الدستور، أو وضع دستور جديد. وعلى هذا هناك سلطتان، سلطة لوضع الدستور إنشاءً وتعديلاً، وسلطة أخرى تظهر تحت اسم سلطة التعديل، وينص عليها في الدستور السائد. ولكن هذا لا يعني أن دورها يقتصر على تعديل أحكام الدستور. وهكذا إذا كانت هذه السلطة الأخيرة تستمد سلطتها من أحكام الدستور فإن التساؤل يقوم على معرفة الأساس الذي تستمد منه السلطة الأولى مصدرها؟ ومعرفة الطبيعة الدستورية والقانونية لعملها؟

1- الأساس القانوني للسلطة المؤسِسة الأصلية:

يقتضي الحديث عن السلطة المؤسِسة ربط دراسة عمل هذه السلطة، أو قانونيتها بدراسة تطور فكرة السيادة في الدولة، ومن ثم تحديد صاحب السيادة الحقيقي في الدولة، أو القابض على السلطة، وفيما إذا كان فرداً، أو هيئة، أو الأمة، أو الشعب؟

مثل هذه الدراسة لم تظهر في الحقيقية إلا منذ الثورة الفرنسية التي حاول فقهاؤها تسويغ شرعية عمل السلطة المؤسِسة الأصلية منطلقين في ذلك من أن السيادة لا يمكن أن تتجسد في شخص الملك (الحاكم).

لقد كان الملوك (الحكام) يعدّون أنفسهم أصحاب السيادة في الدولة، وبالتالي يختصون وحدهم بملكة وضع الدستور، سواء في شكل منحة أم في شكل عقد. إلا أن فكرة العقد الاجتماعي سرعان ما تطورت على يدي الفقيه روسو، وبتطور فكرة العقد الاجتماعي تطورت الأفكار الديمقراطية التي مؤداها أن الأمة (أو الشعب) هي صاحبة السيادة.

وترتب على ذلك بصورة لاحقة أيضاً انفراد صاحب السيادة بوضع الدستور، إما من خلال جمعية تأسيسية، وإما بطريقة الاستفتاء الشعبي، أو الدستوري.

كما ظهرت فكرة السلطة المؤسِسة من الناحية التاريخية - كما أشير - في فلسفة الفكر السياسي الليبرالي لكتّاب القرن الثامن عشر، وبصورة خاصة لدى من تبنّى فلسفة العقد الاجتماعي كما أطلقها روسو، وذلك من أجل بلورة الأفكار الليبرالية التي تنشد وصول الشعب إلى الحكم، أو إشراكه فيه. وقد ظهرت هذه الأفكار الليبرالية في إعلان حقوق الإنسان والمواطن الفرنسي الصادر بتاريخ 26/8/1789، الذي أكد أن: «هدف كل مجتمع سياسي هو حفظ حقوق الإنسان الطبيعية التي لا يمكن أن تسقط بمضي الزمن. وهذه الحقوق هي الحرية، الملكية، الأمن، ومقاومة الطغيان». كما أكد أيضاً أن: «ضمان حقوق الإنسان والمواطن يستلزم وجود سلطة عامة». وأن: «كل مجتمع ليس فيه ضمان للحقوق… ليس له دستور مطلقاً».

لكن المشكلة التي واجهت الفكر الديمقراطي هي كيفية إسناد السلطة إلى الشعب ليمارس فيها السلطة المؤسِسة؟

من أجل ممارسة هذه السلطة يقيم الشعب ممثلين عنه مهمتهم ممارسة السلطة المؤسِسة باسمه، لذلك فالقول إن السلطة المؤسَسة تمثل سيادة الدولة تبقى فكرة مجردة. هؤلاء الممثلون الذين تقيمهم الأمة يحلّون محلها في إنشاء الدستور، وبالتالي يتصرف هؤلاء الممثلون وفق التفويض الصادر من الأمة أو الشعب، وكأن إرادتهم هي إرادة الأمة ذاتها.

لكن فكرة التمثيل لا يمكن تصورها إلا بعد إقامة الدستور، أما قبل ذلك فلا يمكن القول بوجود تمثيل، سواء كان هذا التمثيل مباشراً أم غير مباشر، والسبب في ذلك أن الدستور بعد إنشائه هو الذي ينظم هذا التمثيل، فكيف تعطى السلطة المؤسِسة إلى أصحابها من دون تمثيل؟ وعلى أي أساس تقوم هذه السلطة بإنشاء الدستور وإعداده؟ وكيف تميز هذه السلطة من السلطة المؤسَسة؟

في الواقع أن كون السلطة المؤسِسة سلطة مهيمنة مؤسِسة وعلوية لا يعني أكثر من مظهرين لحقيقة واحدة هما شرعية تصرفات السلطة المؤسِسة، وصحتها، فصفة الهيمنة يجب ألاّ تغلب على السلطة لتسبغ على أفعالها الشرعية القانونية، فالهيمنة لا يمكن أن تؤدي دوراً في تقييد السلطة المؤسِسة؛ لأن التقييد لا يمكن أن يأتي إلا من سلطة تعلو على السلطة المؤسِسة. ولكن أين هذه السلطة؟ ما طبيعتها؟ هل هي سلطة فوق السلطات؟ وهل هي ذات صبغة قانونية أو سياسية؟ أو سياسية وقانونية ؟ هل هي خارجة عن القانون أم هل هي خاضعة له؟ وإذا خضعت للقانون فمن الذي يحدد شروط هذا الخضوع وصوره وكيفيته؟

2- طبيعة السلطة المؤسِسة الأصلية:

في الحقيقة إن فكرة التقييد من طبيعة قانونية. أما من الناحية الواقعية فإنه لا يمكن تصور تفسير مرضٍ حتى الآن ليحول الواقع إلى قانون، فتقييد السلطة المؤسِسة لا قيمة له؛ لأنه ما إن تنجح الثورة أو الانقلاب حتى تتغلب فكرة القانون التي ظهرت على تلك التي كانت سائدة، فالسلطة المؤسِسة إذاً من طبيعة خاصة. وهي لا يمكن النظر إليها إلا من خلال أحكام الدستور الذي نظمها ونص عليها. وبهذا المعنى أيضاً تخرج عن ميدان الدراسة القانونية البحتة، وتدخل في ميدان الدراسات الدستورية، والسياسية، وتندرج في إطار دراسة الدستور، وتستمد قوتها منه. ولا يمكن بالتالي إدراكها إلا في إطار النظام القانوني والسياسي. وبهذا فإن السلطة المؤِسسة الأصلية تجد أساسها في الدستور الذي يحدد اختصاصاتها. أما سلطتها فإنها مطلقة، ولا يحكم شكلها قواعد قانونية مسبقة، وهي التي تمارس هذه السلطة وفق التصورات والأشكال التي ترتئيها. كما أن حدود هذه السلطة وصلاحياتها إنما تتحدد بالدستور، وفكرة القانون.

والسلطة المؤسِسة تبعاً لهذه الإيديولوجيات لا يمكن أن تتوضع في إطار عالم القانون، بل في عالم السياسة، فهي ذات طبيعة سياسية، تنظم نفسها بوضع القواعد التي ستمارس وفقاً لها اختصاصاتها، وصلاحياتها. ويمكن أن تظهر بشكل سلطة مؤسِسة فتقيم الدستور، أو بشكل سلطة تضع قواعد لتنظيم السلطة وقواعد منظمة وملزمة لسلوك الأفراد، أي سلطة مؤسَسة.

ثانياً- أساليب إعداد الدساتير:

يمكن أن يميز بين أسلوبين من أساليب إعداد الدساتير، الأساليب غير الديمقراطية، والأساليب الديمقراطية:

1- الأساليب غير الديمقراطية في إعداد الدساتير:

عرفت هذه الأساليب في فترة كانت تسود فيها إرادة الحاكم المطلقة، إذ يترك له الحق في إيجاد الدستور، إما بصورةٍ منفردة، وإما من خلال التعاقد الذي تظهر فيه إرادة الشعب بشكلٍ صوري. ويطلق جانب من الفقه - ومنهم كمال الغالي- على هذا النوع من الأساليب اسم «الأساليب الملكية»؛ لأن اللجوء إليها غالباً ما يتم في الأنظمة الملكية. غير أنه ليس هناك ما يمنع من الأخذ بهذه الأساليب في النظم غير الملكية، فقد صدرت عدة دساتير بهذه الطريقة في سورية قبل صدور الدستور السوري الدائم عام 1973، وفي مصر، وفي عدد من الدول التي تأخذ بالنظام الجمهوري. وبالمقابل فإنه ليس هناك ما يمنع من الأخذ بالأساليب الملكية في الأنظمة الملكية.

والأساليب غير الديمقراطية في إعداد الدساتير هي الأساليب التي لا تظهر فيها إرادة الأمة، أو الشعب في وضع الدستور، بل يكون وضع الدستور ثمرة إرادة الحاكم وحده (ملك - امبراطور) على شكل منحة، أو ثمرة إرادة الحاكم والشعب على شكل عقد.

أ- المنحة L’octroi: تفيد المنحة معنى «التفضل» و«العطاء» من دون التزام من جانب المانح، والأخذ من دون حق من جانب الممنوح، وهي تحدث في زمنٍ يكون الناس رعايا لا مواطنين، وعندما يكون موضوع المنحة دستوراً معيناً فإن الديمقراطية بمعناها الراهن تكون معدومة الوجود. ولأن الحاكم هو مصدر السلطات فإنه يتفضّل على رعاياه المحكومين فيمنحهم دستوراً بمحض إرادته يتنازل بصورةٍ شكلية عن جانب من سلطاته لهؤلاء الرعايا.

يتم وضع الدستور وفقاً لهذا الأسلوب بناءً على إرادة الحاكم المنفردة، على شكل منحة إلى شعبه، حيث يعدّ الدستور تجسيداً لإرادة الملك صاحب السيادة أو السلطان.

ولكن إذا كان أسلوب المنحة يتم من قبل إرادة الحاكم التلقائية طوعاً بمنح شعبه دستوراً لينظم ممارسته للسلطة فإن الواقع يظهر أن الملوك غالباً ما يكونون مضطرين، بل مجبرين بحكم الظروف السياسية للتنازل عن بعض حقوق السيادة على شكل عهود أو مواثيق، فيتفادون بذلك سخط الشعب وثورته. كما أنه يمكن القول إن الملوك يقدمون مكرهين لحفظ سلطانهم وكرامتهم على إصدار الدستور خشية أن يضطروا لإصداره نزولاً عند إرادة الشعب.

ومن أمثلة الدساتير الصادرة بطريق المنحة الدستور الفرنسي لعام 1814 الذي أصدره لويس الثامن عشر بعد هزيمة الإمبراطور نابليون بونابرت، وعودة الملكية إلى فرنسا. وقد جاء في مقدمة هذا الدستور أن: «الملك بإرادته الحرة وبممارسته الحرة لسلطاته الملكية منح وأعطى تنازلاً وهبة لرعاياه، باسمه وبالنيابة عمن يخلفه - وإلى الأبد - العهد الدستوري». ومن الدساتير التي صدرت على هذا لنحو أيضاً الدستور الروسي لعام 1906، والدستور الياباني لعام 1889 الذي صدر بمحض إرادة الملك إلى الشعب، والدستور الإيطالي لعام 1848.

ومن الدساتير المعاصرة التي صدرت بطريقة المنحة الدستور المصري لعام 1923، والدستور الإثيوبي لعام 1931، ودستور إمارة موناكو الذي أصدره أميرها عام 1962 بدلاً من دستور 1911.

ولكن مهما يكن من أمر وضع الدستور بطريقة المنحة فإن التساؤل يثور عما إذا كان الملك أو الحاكم الذي منح شعبه دستوراً يملك سحبه، أو إلغاءه بإرادة وحيدة الطرف؟ وكذلك عن مدى التزامه بهذا الدستور الذي منحه لشعبه؟

اختلفت إجابات الفقهاء حول هذا التساؤل، حيث ذهب بعضهم إلى القول إن من حق الملك أو الحاكم سحب الدستور أو استرداده؛ لأن من يملك حق المنح يملك حق الاسترداد أو السحب إلا إذا تنازل الملك صراحة عن هذا الحق، حيث لا يجوز له عندئذٍ سحب الدستور أو استرداده. غير أن الثابت في الفقه أن الملك أو الحاكم لا يستطيع المساس بالدستور سحباً، أو إلغاءً، أو تعديلاً… إلا برضاء ممثلي الأمة؛ لأن الأمة بعد أن قبلت الدستور لم يعد هناك التزام وحيد الطرف، بل أضحى التزاماً ما بين الحاكم والأمة. والشعب بهذه الصفة يكون قد عادت إليه سلطته التي اغتصبها منه الحاكم. ومن ثم فإن الدستور يكون قد تعلّق به حق الشعب الذي أجبر الحاكم على إصداره، فلا يجوز بعد ذلك المساس به إلغاءً، أو تعديلاً، إلا بموافقة الشعب، ووفق الطرائق التي نص عليها الدستور. أضف إلى ذلك أن الالتزام الوحيد الطرف المبني على الإرادة المنفردة لا يمكن أن يكون مصدراً لالتزامات وحيدة الطرف بين الحاكم والشعب، وإنما لالتزامات متقابلة بين الحاكم والشعب الذي قبل بهذه الالتزامات، من ثم ليس للملك حق سحب الدستور، أو تعديله، أو أن يتحرر من التزامه إلا بموافقة الأمة مجتمعة، والإرادة المنفردة تكون مصدراً للالتزام متى لاقت قبولاً من الأمة.

على أنه مهما يكن من أمر قوة المبررات والحجج التي يمليها المنطق من أن الحاكم لا يستطيع سحب الدستور أو تعديله أو تفسيره بحسب أهوائه ورغباته فإن الواقع يظهر أن الدستور الذي أعطي بطريقة المنحة يمكن سحبه أو تعديله عندما يشاء الملك أو الحاكم. وهذا ما ذهب إليه الملك شارل العاشر في فرنسا في عام 1830 بإلغاء دستور 1814 الذي كان قد صدر في شكل منحة.

ب- العقد Le pacte: وهو أسلوب متقدم عن أسلوب المنحة في السير نحو الديمقراطية؛ لأن الدستور يصدر بمقتضى اتفاق أو عقد بين الملك والشعب، فليس هناك من إرادة وحيدة الطرف كما هو الحال في المنحة، بل إرادتان تتمثلان في إرادة الحاكم من جهة، وإرادة الشعب من جهة أخرى، وهما تلتقيان في صورة اتفاق أو عقد. وهذا الاتفاق أو العقد يكون ملزماً لأطرافه، حيث لا يمكن إلغاء الدستور أو تعديله إلا باتفاق الطرفين.

ووضع الدستور عن طريق اتفاق أو عقد يتم في الواقع بأن يوضع الدستور من قبل جمعية منتخبة تمثل الأمة، ثم يعرض على الملك الذي يضطر إلى قبوله مكرهاً وإقراره تحت ضغط إرادة الشعب… كما حدث في فرنسا إبان ثورة 1789، وفي إنكلترا عندما صدر العهد الأعظم Magna Carta عام 1215.

وأسلوب التعاقد في إصدار الدساتير قد يقع أحياناً حين يلزم المرشح للعرش بالعقد أو الاتفاق فيملي عليه الشعب شروطه، ويقبلها للاعتراف به ملكاً، كما حصل في إنكلترا عام 1689 حين تولى العرش غيوم دوران، ومن ذلك أيضاً الدستور البلجيكي لعام 1831، وكذلك دساتير الدول البلقانية التي تحررت من الإمبراطورية العثمانية (اليونان لعام 1844، ورومانيا عام 1864، وبلغاريا 1879). ومن الدساتير العربية التي صدرت بشكل تعاقدي الدستور العراقي لعام 1925، والدستور الكويتي الحالي الصادر في 21/11/1962، حيث وضع مشروعَه المجلسُ التأسيسي، ثم عرض بعد ذلك على الأمير الذي صدق عليه وأقره. وكذلك دستور البحرين لعام 1973، ودستور الأردن الذي نشر عام 1946 ونفذ عام 1947.

ووضع الدستور عن طريق العقد يمثل مرحلة وسطى ما بين المنحة والطرائق الديمقراطية؛ لأنه يشرك الحاكم والأمة بممثليها في وضعه. والمبادرة في وضع الدستور قد تكون من الحاكم أو من الشعب… والموافقة عليه تأتي من الحاكم الذي سيلتزم به. والشعب قد يشارك في وضع الدستور بطريقة مباشرة بوساطة جمعية تأسيسية منتخبة لهذا الغرض، أو من خلال موافقة الشعب بشكل استفتاء على مشروع الدستور، بحيث لا يكون الدستور نافذاً إلا بعد موافقة الحاكم عليه.

ووفقاً لهذا التصور من المبادرة المشتركة في وضع الدستور بشكل تعاقدي يظهر دور الشعب، أو إرادة الأمة على نحو جلي على أن الحاكم يستأثر بالموافقة على الدستور، وقد يكون مجبراً أحياناً على قبوله. ولكن في كلتا الحالتين لا يتم إلغاء الدستور أو تعديله لا يتم إلا باتفاق الحاكم والشعب معاً. ومفاد ذلك أن الحاكم لا يستطيع بإرادته المنفردة تعديل الدستور، أو العمل على إلغائه، وغالباً ما يتم النص في الدستور على الإجراءات التي يعدّل فيها.

إن وضع الدستور بطريقة العقد أو الاتفاق تمثل مرحلة متقدمة نحو الديمقراطية إذا ما قورنت بطريقة المنحة؛ فهي تشرك الشعب عن طريق ممثليه في شؤون السلطة السياسية، ومن ثم في الوصول إلى جوهر السيادة التي تنبع من الشعب، ويكون الشعب مصدرها.

2- الأساليب الديمقراطية في إعداد الدساتير:

مع نشوء الفكر الديمقراطي وتطوره منذ القرن الثامن عشر اتجه العمل إلى الأخذ بالأساليب الديمقراطية في وضع الدساتير، وذلك بوصفها تعبيراً مباشراً عن إرادة الشعب، فالشعب هو مصدر السلطات وهو صاحب السيادة، وله يعود الحق في تحديد الشروط التي يفوض فيها ممارسة السلطة التي تعود له أصلاً، ومن ثم يكون له الحق في تحديد الشروط التي يوضع بموجبها الدستور. ومن هذه الأساليب:

أ- الجمعية التأسيسية أو المؤتمر Assemblée constituante ou convention: نجم عن استقرار مبدأ سيادة الشعب في الحياة السياسية أن أصبح الشعب يقوم بانتخاب ممثليه الذين تتشكّل منهم جمعية تأسيسية تطبيقاً حقيقياً للديمقراطية النيابية، لأنه من الصعوبة بمكان قيام الشعب بنفسه بمهمة التشريع، فالديمقراطية المباشرة لا يمكن تطبيقها في دول عدد أفراد شعبها مئات الملايين، الأمر الذي اقتضى أن ينتخب الشعب ممثليه على مستوى الدولة، كما أنهم قد يتكفّلون مهمة وضع دستور بالنيابة عن الشعب.

وفقاً لأسلوب الجمعية التأسيسية (المؤتمر) يقوم الشعب بانتخاب هيئة تمثله خصيصاً لوضع الدستور، وتسمى هذه الهيئة التمثيلية بالجمعية التأسيسية (المجلس التأسيسي)، وتكون مهمتها مخصصة بوضع الدستور أو إلغائه، بمعنى آخر يناط بها ممارسة السلطة المؤسِسة. تقوم هذه الهيئة - وتبعاً لدرجة النضج السياسي لأفراد الشعب - بوضع الدستور الذي تستلهم فيه الفكرة القانونية الموجودة في المجتمع.

وبموجب التفويض الذي تحصل عليه هذه الهيئة في وضع الدستور يكون في الواقع قد أخذ بمبدأ سيادة الأمة الذي تسند الأمة بموجبه إلى هؤلاء الممثلين مهمة وضع الدستور. ويكون الدستور بموجب هذا التفويض في أسلوب الجمعية التأسيسية أو المؤتمر نافذاً بمجرد إقراره من الجمعية أو المؤتمر، من دون أن يتوقف نفاذه فيما بعد على إرادة أحد، سواء الحاكم أم الشعب. وبمعنى آخر يتم إقرار الدستور في هذه المرحلة من دون الرجوع إلى الشعب.

وإذا كانت الجمعية التأسيسية تشبه في عملها المجالس النيابية التي تمارس مهمة تشريع القوانين فإنه لا يجوز أن تتولّى السلطة التشريعية القائمة في الدولة مهمة وضع الدستور حتى إن كانت منتخبة بكاملها من الشعب؛ لأن السلطة التشريعية سلطة منشأة لسن التشريعات بموجب دستور قائم، ومن ثم فإنها ليست سلطة تأسيسية أصلية. ولكن ليس هناك ما يمنع تحوّل المجالس النيابية إلى سلطة تأسيسية يناط بها مهمة تعديل الدستور.

وأسلوب المؤتمر أو الجمعية التأسيسية عرف أول مرة في وضع دساتير الولايات المتحدة عند استقلالها عام 1776. ومن ثم اتبع هذا الأسلوب في وضع الدستور الاتحادي الأمريكي لعام 1787، وذلك بشكل جمعية وطنية عرفت في الولايات المتحدة الأمريكية باسم Convention إشارة إلى المؤتمر الدستوري الذي انعقد في فيلادلفيا بولاية بنسلفانيا.

ومن الولايات المتحدة أخذ رجال الثورة الفرنسية بهذا الأسلوب، وطبقوه في وضع دستور 1791، وذلك تمشياً مع قول الفقيه سيس الذي كان يرى أن الأمة كلها لا تستطيع أن تجتمع لوضع الدستور، ولهذا وجب أن تنتخب هيئة استثنائية لممارسة السلطة التأسيسية، أي لممارسة سلطة وضع الدستور. كما طبقت هذه الطريقة في وضع دستور عام 1848، ودستور عام 1875.

بعد الحرب العالمية الثانية أخذت دول عديدة بأسلوب الجمعية التأسيسية في وضع دساتيرها، من ذلك: دستور ألبانيا لعام 1946، ويوغسلافيا عام 1956، وتشيكوسلافاكيا عام 1948، ورومانيا عام 1948، وبلغاريا عام 1947، والمجر عام 1949، وباكستان عام 1956. ومن دساتير الدول العربية التي وضعت بطريق الجمعية التأسيسية: الدستور السوري عام 1950، والدستور التونسي عام 1950، والليبي لعام 1951، والأردني لعام 1952.

والمهم في أسلوب الجمعية التأسيسية هو تأكيد أن الأمة هي صاحبة السيادة من جهة، وأن تكون هذه الجمعية مشكلة بطريقة الانتخاب حصراً من الأمة من جهة أخرى. وهذا يستتبع أن تكون هذه الجمعية هي صاحبة السلطة التأسيسية، وأن السلطة التشريعية التي يوجدها الدستور لا تملك سلطة وضع الدستور، بل هي سلطة منشأة تختص بسن التشريعات وتعديلاتها، ولكن في ظل أحكام الدستور الذي أقامته الجمعية التأسيسية.

وهذا بدوره يستتبع أيضاً أن سلطة وضع الدستور إنما تنحصر في الأمة، أو الشعب الذي ينتخب ممثليه خصيصاً لوضع الدستور، ومن ثم بمجرد وضع الدستور وإقراره ينتهي عمل هذه الهيئة النيابية، أو التمثيلية.

يظهر أسلوب الجمعية التأسيسية وجهاً من أوجه الديمقراطية في الاعتراف للأمة بوضع دستورها بمحض إرادتها، ومن دون أن توقف نفاذه على موافقة الحاكم أو الشعب، فهي الخطوة الأساسية نحو الديمقراطية الصحيحة، وإن كان الوجه الأصح للديمقراطية يكتمل بإدخال أسلوب الاستفتاء الدستوري.

ب- الاستفتاء الدستوري أو التأسيسي: يعدّ الاستفتاء الشعبي مظهراً من أهم مظاهر الديمقراطية، وقد يكون الاستفتاء الدستوري متعلقاً بإعداد الدستور، كما يمكن أن يكون سياسياً في حال تعلّقه بالأوضاع السياسية العامة للدولة. ووفقاً لهذا الأسلوب يقوم الشعب بوضع الدستور بطريقةٍ مباشرة، ويمارس السيادة بنفسه، وليس من خلال نوّاب عنه.

إذا كان أسلوب الجمعية التأسيسية يعدّ خطوة متقدمة نحو الديمقراطية بصدور الدستور ونفاذه بمجرد إقراره من الجمعية، ومن دون أن يتوقف نفاذه على موافقة الشعب، فإن أسلوب الاستفتاء الدستوري يذهب أبعد من ذلك، إذ يقتضي أن الدستور الذي تعدّه الجمعية التأسيسية لا يصبح نافذاً إلا إذا عرض على الشعب ووافق عليه. وبمعنى آخر إذا كان دور الشعب في أسلوب الجمعية التأسيسية غير مباشر، حيث يقتصر على مجرد انتخاب الهيئة التي تتولى وضع الدستور، فإن دور الشعب في الاستفتاء الدستوري يكون أبلغ أثراً، وأبعد عمقاً في الفكر الديمقراطي، إذ يقتضي تدخل الشعب نفسه وبصورة مباشرة في إقرار دستوره.

وبالتالي يمكن أن يتصور قيام جمعية تأسيسية، أو هيئة منتخبة، أو لجنة حكومية، أو لجنة فنية… تقوم بإعداد مشروع الدستور، لكن الدستور لا يصبح نافذاً إلا بعد عرضه على الشعب لاستفتائه فيه، أي بعد موافقته عليه بطريقة الاستفتاء الشعبي.

ومن الدساتير التي وضعت بموجب هذا الأسلوب يمكن أن يذكر: دساتير الثورة الفرنسية ومنها دستور 1793، ودستور 1795، ودستور الجمهورية الرابعة لعام 1946، ودستور الجمهورية الخامسة لعام 1958. وكذلك الدستور الإيطالي عام 1948. ومن ذلك أيضاً الدستور السوري الحالي لعام 1973 الذي أعدّ مشروعه مجلس الشعب، وعرض على الشعب لاستفتائه فيه.

بناءً على ما تقدم فإن طريقة الاستفتاء الدستوري تعني الممارسة الحقيقية للديمقراطية بأن يمارس الشعب بنفسه مباشرة التعبير عن سيادته، والاشتراك في ممارسة السلطة التأسيسية.

ج- التصديق الشعبي: تبعاً لهذه الطريقة يجري إعداد مشروع الدستور من قبل لجنة حكومية، أو لجنة فنيّة، ثم يستفتى الشعب فيما بعد. ولكن يُخشى أن يعطي الشعب في هذا الأسلوب موافقته على مشروع دستور اللجنة الحكومية إما خوفاً ورهبة من النظام القائم، وإما من الحماس الوطني له… مفضلاً دستوراً ما على نظام لا دستور له. وتصبح بذلك موافقة الشعب مجرد شكلية سلبية؛ لأن الدستور يكون من عمل الحكومة. وبمعنى آخر فإن إرادة الشعب لا تظهر على نحو يسمح بالقول إن الشعب قد عبر عن رأيه بصورة ديمقراطية، وإنما تحت ستار الاحتماء خلف الشرعية الدستورية المفروضة عليه من قبل الحكام أو الحاكم الذي يعرض عليه مشروع الدستور ليبين رأيه فيه بـ (نعم) أو (لا)، أي ليوافق عليه كلية أو يرفضه كلية، على أن هذا الشكل من أشكال وضع الدساتير عن طريق لجنة حكومية، وإن كان فيه بعض المآخذ في عدم تمشيه مع الديمقراطية الحقيقية التي تفترض وجود هيئة منتخبة لوضع مشروع الدستور وإعداده، وفي استنباط الموافقة الحقيقية للشعب عليه - أي لإرادته الحقيقية - يعدّ مظهراً من مظاهر ممارسة الشعب لسيادته بنفسه.

مراجع للاستزادة:

- أحمد إسماعيل، «حول تفعيل دور المحكمة الدستورية العليا السورية»، مجلة جامعة دمشق، 2001.

- السيد خليل هيكل: القانون الدستوري والأنظمة السياسية (منشورات جامعة أسيوط، 1984).

- جورجي شفيق ساري، الأسس والمبادئ العامة للنظم السياسية - الكتاب الأول - أركان التنظيم السياسي، ط1 (مكتبة العالمية، المنصورة 1988).

- رمزي طه الشاعر، القانون الدستوري- النظرية العامة والنظام الدستوري المصري (1981).

- رمضان محمد بطيخ، النظرية العامة للقانون الدستوري وتطبيقاتها في مصر، ط2 (دار النهضة العربية، 1999).

- سعد عصفور، المبادئ الأساسية في القانون الدستوري والنظم السياسية (منشأة المعارف، الإسكندرية 1980).

- سليمان محمد الطماوي، النظم السياسية والقانون الدستوري، دراسة مقارنة (دار الفكر العربي، 1988).

- طعيمة الجرف، القانون الدستوري ومبادئ النظام الدستوري (دار النهضة العربية، القاهرة 1964).

- فيصل كلثوم، دراسات في القانون الدستوري والنظم السياسية (منشورات جامعة دمشق، دمشق 2009).

- كمال الغالي، مبادئ القانون الدستوري والنظم السياسية (منشورات جامعة دمشق، دمشق 1992).

- منذر الشاوي، القانون الدستوري (مطبعة شفيق، بغداد 1967).

- A. Hauriou, Droit constitutionnel et institutions politiques (1968).

- J. Lafferriere, Manuel de droit constitutionnel (Paris 1947).

- M. Hauriou, Précis de droit constitutionnel (Paris 1929).

- P. Pactet, Institutions politiques et droit constitutionnel (Paris 1987).

- CADART, Constitution politique et droit constitutionnel . 3e éd. (Paris 1990).

- Bastid, La notion de gouvernement d’assemblée (Paris 1955).

- M. Prelot, Institutions politiques et droit constitutionnel (1972).

- G. Vedel, Cours de droit constitutionnel et institutions politiques, les cours de droit (Paris 1961).

 




التصنيف : القانون العام
النوع : القانون العام
المجلد الثالث: الجرف القاري ــ الرسم والنماذج الصناعية
رقم الصفحة ضمن المجلد : 456
جزء : الدستور

البحوث الأكثر قراءة

للحصول على اخبار الموسوعة

عدد الزوار حاليا : 1
الكل : 7989532
اليوم : 1462

الإثراء بلا سبب في القانون العام

 الإثراء بلا سبب في القانون العام الإثراء بلا سبب في القانون العام مهند نوح أولاً- ذاتية الإثراء بلا سبب في القانون الإداري: تتمتع نظرية الإثراء بلا سبب بذاتية خاصة في القانون الإداري، وهذه الذاتية في الحقيقة من صنع مجلس الدولة الفرنسي منذ بداية القرن العشرين، حيث وفق بين أحكام الفضالة والإثراء بلا سبب المعروفين في القانون المدني، ليخرج بنظرية أصيلة للإثراء بلا سبب في القانون الإداري، إذ أخذ من الإثراء مفهوم الأعمال الضرورية أو النافعة، ومن الفضالة مبدأ الفائدة، ومن الملاحظ أن مجلس الدولة الفرنسي قد تبنى مبدأ الإثراء بلا سبب مبدأً عاماً من مبادئ...

المزيد »