logo

logo

العلوم الشرعية | عقد التورق والتوريق

عقد تورق وتوريق

contract of foliation and securitization - contrat de foliation et de titrisation

 عقد التورّق والتوريق

عقد التورّق والتوريق

وهبة الزحيلي

تعريفه

الفرق بين التورُّق والتوريق

أنواع التورق وأحكامها

لا يجوز التورقان (المنظم والعكسي)

 

تعريفه: التورق في اللغة: مأخوذ من الورِق وهو الفضة، مسكوكة كانت أو غير مسكوكة، قال الله تعالى: }فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكَى طَعاماً{ [الكهف 19].

وفي الاصطلاح الفقهي: أن يشتري شخص سلعة بثمن مؤجل، ثم يبيعها نقداً في الحال لغير البائع بأقل مما اشتراها به، ليحصل بذلك على النقود، أي السيولة النقدية، لتحقيق مصلحة اقتصادية. كشراء سلعة منزلية (ثلاجة مثلاً) بمبلغ خمسين ألفاً مثلاً إلى أجل، ثم يبيعها لغير بائعها الأول نقداً بخمس وأربعين، وطرفاه: مورِّق (دافع النقود وهو الدائن) البائع الأول للسلعة المؤجل ثمنها، ومتورق أو مستورق (طالب النقود أو الورِق)، ومحله: السلعة المشتراة والمبيعة.

الفرق بينه وبين العينة: يتم البيع للسلعة في التورُّق عادة لشخص آخر غير البائع الأول بثمن نقدي أقل مما اشتراها به نسيئة (مؤجلة) للاستفادة من النقود، لتغطية حاجته المادية. أما بيع العينة: فهو أن يشتري شخص سلعة بثمن مؤجل إلى مدة كألف دينار، ثم يبيعها للبائع الأول نفسه بثمن نقدي في الحال أقل من الثمن المؤجل كتسعمئة دينار، فهو في الواقع بيع صوري يقصد به القرض الربوي من البائع الأول، حيث يقرضه تسعمئة دينار، ويرد المشتري للبائع ألف دينار في المستقبل، فيكون الفرق هو الفائدة الربوية، في مظلة بيع صوري، مشتمل على حيلة للتهرب صراحة من الربا، وهو في الواقع ربا باحتيال، متخذاً السلعة المشتراة جسراً للوصول إلى الربا، فهو عمل حرام بسببين: الربا والحيلة على الله تعالى، لأنه بيع يراد منه أن يكون حيلة للقرض الربوي، فهو ممنوع بالقياس على الذرائع المجمع على منعها بجامع أن الأغراض الفاسدة في كل منها هي الباعثة على عقدها، لأنه المحقق لها. وقد ورد في السنة النبوية حديثان استدل بهما فقهاء المالكية والحنابلة على بطلان هذا العقد وهما:

ـ أن العالية بنت أيفع قالت: دخلت وأم ولد زيد بن أرقم على عائشة رضي الله عنها، فقالت أم ولد زيد بن أرقم: "إني بعت غلاماً من زيد بن أرقم بثماني مئة درهم إلى العطاء، ثم اشتريته منه بستمئة درهم ـ أي حالَّة، فقالت عائشة: بئسما شريت وبئسما اشتريت، أبلغي زيداً أنه قد أبطل حجه وجهاده (الهداية 5/15) مع رسول اللهr إن لم يتب" (أخرجه الدارقطني والإمام أحمد في مسنده، قال في التنقيح: إسناده جيد، وإن كان الشافعي لا يثبت مثله عن عائشة ـ جامع الأصول 1/478).

ـ قال r: "إذا ضنَّ الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، واتبعوا أذناب البقر (أي اشتغلوا بالزراعة)، وتركوا الجهاد في سبيل الله أنزل الله بهم بلاء، فلا يرفعه حتى يراجعوا دينهم" (أخرجه أحمد وأبو داود والطبراني وابن القطان وصححه عن ابن عمر، لكن قال الذهبي: إن هذا الحديث من مناكير عطاء الخراساني ـ منتقى الأخبار ونيل الأوطار 5/206).

الفرق بين التورُّق والتوريق:

التورُّق: يكون عادة مع شخص آخر غير البائع الأول، حيث يقوم مشتري السلعة كسلعة كهربائية مثلاً، اشتراها لأجل من تاجر، ثم يبيعها إلى شخص آخر غير بائعها الأول بثمن أقل منه نقداً ـ في الحال ـ ليستفيد من النقود التي يحصل عليها في تغطية حاجاته.

التوريق: هو جعل الديون مدونة في صكوك أو سندات، وجعلها قابلة للتداول بالطرق التجارية ويطلق عليه التصكيك والتسنيد، وهو تقسيم ملكية الموجودات من الأعيان أو المنافع أو هما معاً إلى وحدات متساوية القيمة، وإصدار صكوك بقيمتها.

وكذلك التورُّق فيه معنى الربا، كما سيتبين.

حكم التورُّق بنوعيه: التورُّق العادي بصورته القديمة، والتورق المصرفي المنظم.

أما النوع الأول: فأجازه جمهور الفقهاء، بشرط ألا يبيع المشتري السلعة بثمن أقل مما اشتراها به من بائعها الأول، لا مباشرة ولا بالواسطة، فإن فعل فقد وقع الطرفان في بيع العينة المحرم شرعاً، لاشتماله على حيلة الربا، فهو يقوم على شراء حقيقي لا صوري لسلعة بثمن آجل، تدخل في ملك المشتري، ويقبضها قبضاً حقيقياً، وتقع في ضمانه، ثم يقوم ببيعها هو لشخص ثالث بثمن حالّ لحاجته إليه، قد يتمكن من الحصول عليه، وربما لا يتمكن.

وهذا النوع هو الذي أجازه أولاً المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورته الخامسة عشرة لعام 1419 هـ/1998م، ونص القرار هو:

أولاًـ إن بيع التورُّق: هو شراء سلعة في حوزة البائع وملكه بثمن مؤجل، ثم يبيعها المشتري بنقد لغير البائع، للحصول على النقد (الورِق).

ثانياًـ إن بيع التورُّق هذا جائز شرعاً، وبه قال جمهور العلماء، لأن الأصل في البيوع الإباحة، لقول الله تعالى: }وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا{ ولم يظهر في هذا البيع رباً لا قصداً ولا صورة، ولأن الحاجة داعية إلى البيع بالأقل، لقضاء دين أو زواج أو غيرهما.

ثالثاًـ جواز هذا البيع مشروط بألا يبيع المشتري السلعة بثمن أقل مما اشتراها به من بائعها الأول، لا مباشرة ولا بالواسطة، فإن فعل فقد وقعا في بيع العينة المحرم شرعاً لاشتماله على حيلة الربا، فصار عقداً محرماً.

وأما النوع الثاني وهو التورق المصرفي المنظم الذي تجريه بعض المصارف الإسلامية في الوقت الحاضر: فلا يجوز، ومعناه: قيام المصرف بعمل نمطي يتم فيه ترتيب بيع سلعة (ليست من الذهب أو الفضة) من أسواق السلع العالمية أو غيرها، على المستورق أو المتورق (وهو المشتري الأول طالب النقود) بثمن آجل، على أن يلتزم المصرف ـ إما بشرط في العقد وإما بحكم العرف والعادة ـ بأن ينوب عنه في بيعها من مشترٍ آخر بثمن حاضر، وتسليم ثمنها للمستورق.

وأسباب عدم جوازه هي ما يأتي:

أن التزام البائع في عقد التورق بالوكالة في بيع السلعة لمشترٍ آخر أو ترتيب من يشتريها يجعلها شبيهة بالعينة المحرمة شرعاً، سواء أكان الالتزام مشروطاً صراحة، أم بحكم العرف والعادة المتبعة.

أن هذه المعاملة تؤدي في كثير من الحالات إلى الإخلال بشرط القبض الشرعي اللازم لصحة المعاملة.

أن واقع هذه المعاملة يقوم على منح تمويل نقدي بزيادة، لما سمي بالمستورق فيها من المصرف في معاملات البيع والشراء التي تجري منه، والتي هي صورية في معظم أحوالها، هدف البنك من إجرائها أن تعود عليه بزيادة على ما قدم من تمويل.

وهذا ما نص عليه المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورته السابعة عشرة لعام 1424هـ/2003 م، وهو القرار الثاني في شأن التورق المصرفي المنظم.

يتبين من هذا القرار أن التورق المصرفي المنظم يتم بين المتعامل والمصرف ويتضمن توكيل المصرف ببيع السلعة لمشترٍ آخر. وهذا فيه مخالفة شرعية حيث لا يقبض المتعامل السلعة المشتراة، ثم يوكل المصرف ببيعها بثمن آجل، بل ليس هناك سلعة في الواقع، وإنما مجرد توكيل المصرف بشراء السلعة، ثم يبيعها بثمن حاضر، ويعطي ثمنها للمتعامل.

وتكون الحقيقة هي مجرد حيلة للإقراض بفائدة، حيث يعطي المصرف المتعامل مبلغاً من المال في الحال، ثم يسترد منه مبلغاً أكبر مقابل الزمن.

ويؤكد هذا الاتجاهَ قرارٌ آخر لمجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورته السابعة عشرة بمسقط عام 1425هـ، حيث دعا المؤسسات المالية الإسلامية إلى أن تتجنب شبهات الربا أو الذرائع التي تؤدي إليه، مثل فسخ الدين بالدين، أو جدولة الديون.

وهذا هو نص قرار مجمع الفقه رقم 179 (5/19):

أولاًـ أنواع التورق وأحكامها:

1ـ التورق في اصطلاح الفقهاء: هو شراء شخص (المستورق) سلعة بثمن مؤجل من أجل أن يبيعها نقداً بثمن أقل غالباً إلى غير من اشتُريت منه بقصد الحصول على النقد. وهذا التورق جائز شرعاً، شرط أن يكون مستوفياً لشروط البيع المقررة شرعاً.

2ـ التورق المنظم في الاصطلاح المعاصر: هو شراء المستورق سلعة من الأسواق المحلية أو الدولية أو ما شابهها بثمن مؤجل يتولى البائع (المموّل) ترتيب بيعها، إما بنفسه وإما بتوكيل وإما بتواطؤ المستورق مع البائع على ذلك، وذلك بثمن حال أقل غالباً.

3ـ التورق العكسي: هو صورة التورق المنظم نفسها مع كون المستورق هي المؤسسة والممول هو العميل.

ثانياًـ لا يجوز التورقان (المنظم والعكسي)

وذلك لأن فيهما تواطؤاً بين الممول والمستورق، صراحة أو ضمناً أو عرفاً، تحايلاً لتحصيل النقد الحاضر بأكثر منه في الذمة وهو ربا.

ويوصي بما يلي:

أ ـ التأكيد على المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية باستخدام صيغ الاستثمار والتمويل المشروعة في جميع أعمالها، وتجنب الصيغ المحرمة والمشبوهة التزاماً بالضوابط الشرعية بما يحقق مقاصد الشريعة الغراء، ويجلي فضيلة الاقتصاد الإسلامي للعالم الذي يعاني التقلبات والكوارث الاقتصادية المرة تلو الأخرى.

ب ـ تشجيع القرض الحسن لتجنيب المحتاجين اللجوء إلى التورق. وإنشاء المؤسسات المالية الإسلامية صناديق للقرض الحسن.

التورق العكسي:

هو أن يكون المستورق (المشتري الأول) شركة أو مؤسسة مالية أو (بنك)، وليس الأفراد، حيث يوكل البنك الشركة أو غيرها بشراء السلعة نيابة عنه، ثم يبيعها لنفسه.

وتكون مهمة البنك مقصورة على دفع المبلغ المطلوب، وأخذ شيكات آجلة بالمبلغ وفوائده، مع الاحتفاظ بأوراق تشتمل على إيصالات مخزنية بسلعة من السلع، لا تدخل في ملك البنك ولا المستورق، ولا وجود لها في مقر البيع أصلاً، فلا يوجد قبض فعلي للسلعة، ولا قبض حكمي.

وقد نص المعيار الشرعي رقم (30) من المعايير الشرعية التي تصدرها هيئة المحاسبة والمراجعة بالبحرين على تنظيم هذا التورق وتعريفه وتمييزه من بيع العينة، وذكر عناصره: وهي المورِّق، والمتورِّق (العميل)، ومحل التورق (السلعة).

وقد نص هذا المعيار على التورق الأصلي والعكسي: وهو كون المتورق عميلاً، أو مؤسسة، وليس فرداً، حيث يبيعان السلعة إلى طرف ثالث لتحصيل السيولة النقدية وفق الضوابط في البندين 4 و5، وهما:

عدم الربط بين عقد شراء السلعة لأجل، وعقد بيعها بثمن حالّ، بطريقة تسلب العميل حقه في قبض السلعة، سواء كان الربط بالنص في المستندات أم بالعرف، أم بتصميم الإجراءات.

وعدم توكيل العميل للمؤسسة أو وكيلها ببيع السلعة التي اشتراها منها، وعدم توكل المؤسسة عن العميل ببيعها، على أنه إذا كان النظام لا يسمح للعميل ببيع السلعة بنفسه إلا بواسطة المؤسسة نفسها فلا مانع من توكيل المؤسسة على أن يكون في هذه الحالة بعد قبض السلعة حقيقة أو حكماً. وهذه حالة ضرورية استثنائية.

وعلى المؤسسة في التورق العكسي عدم إجراء التورق للبنوك التقليدية إذا تبين للمؤسسة أن استخدام السيولة سيكون في الإقراض بفائدة، وليس للدخول في عمليات مقبولة شرعاً.

وذكر المعيار المتقدم ضابطين للتورق العكسي وهما:

التورق ليس صيغة من صيغ الاستثمار أو التمويل، وإنما أجيز للحاجة بشروطها المعتبرة شرعاً.

تجنب المؤسسة المالية التوكيل عند بيع السلعة محل التورق، ولو كان التوكيل لغير من باع إليها السلعة.

والحاصل: أن التورق المصرفي المنظم وعكسه من الناحية العملية لا يجوز شرعاً، سواء أكان من الأفراد أم من المؤسسات والشركات، لأنه يتضمن الربا، ويكون عقد بيع السلعة وشرائها تغطية أو حيلة للممنوع شرعاً، بل هو أخطر من الربا الصريح، فهو لا يعدو أن يكون تمويلاً بالتورق، يجعل وظيفة البنك الإسلامي الذي يعمل به مشابهة لوظيفة البنك الربوي، حتى من غير استخدام البيع الظاهري للسلعة الذي هو جسر للربا.

 

مراجع للاستزادة:

 

ـ ابن تيمية، مجموع الفتاوى (ط الرباط ـ المغرب).

ـ ابن قيم الجوزية، أعلام الموقعين، تحقيق محيي الدين عبد الحميد (طبع القاهرة).

ـ  ابن عابدين، رد المحتار على الدر المختار (مطبعة البابي الحلبي، مصر 1307هـ).

ـ ابن حزم الظاهري، المحلى (مطبعة الإمام، مصر).

ـ النووي، روضة الطالبين (طبع المكتب الإسلامي، بيروت).

ـ ابن رشد (الحفيد)، بداية المجتهد (مطبعة النهضة، مصر).

ـ مرعي بن يوسف، غاية المنتهى، الطبعة الأولى (المكتب الإسلامي، بيروت).

ـ قرارات المجمع الفقهي الإسلامي بمكة، ومجمع الفقه الإسلامي بجدة.




التصنيف : العلوم الشرعية
النوع : العلوم الشرعية
المجلد الخامس: طرق الطعن في الأحكام الإدارية ــ علم العقاب
رقم الصفحة ضمن المجلد : 272
مستقل

البحوث الأكثر قراءة

للحصول على اخبار الموسوعة

عدد الزوار حاليا : 1
الكل : 7989585
اليوم : 1515

المنظمة الدولية للشرطة الجنائية (الأنتربول)

 المنظمة الدولية للشرطة الجنائية المنظمة الدولية للشرطة الجنائية (الانتربول) ماهر ملندي نشأة الأنتربول أجهزة الأنتربول فعالية الأنتربول تعدُّ الجريمة إحدى أهم الظواهر الخطرة التي شهدتها المجتمعات البشرية منذ فجر التاريخ، كونها تجسد خرقاً للأحكام الإلهية والأخلاقية والقوانين الوضعية. ولذلك فقد اهتم بدراستها وتحليل مكنوناتها وطرق مكافحتها العديد من الفلاسفة ورجال الدين والسياسة والباحثون والفقهاء، كما شغلت اهتمامات الحكومات الوطنية في إطار جهودها لتأمين الاستقرار والأمن والطمأنينة لشعوبها ومجتمعاتها. ومع تطور الحياة البشرية وانفتاح الدول...

المزيد »