logo

logo

القانون الجزائي | الاشتراك الجرمي

اشتراك جرمي

complicity - complicité

الاشتراك الجرمي

الاشتراك الجرمي

مصطفى البيطار

الفاعلون الأصليون

المحرض

المتدخل

المخفي

 

يقصد بالاشتراك الجرمي la coparticipation délictuelle حالة تعدد الأشخاص الذين ارتكبوا الجريمة  نفسها، ويستخلص من ذلك أن الاشتراك الجرمي يقوم على عنصرين: تعدد المجرمين ووحدة الجريمة التي يرتبط بها أولئك المجرمون. والضابط في تحديد الجريمة على الرغم من تعدد مرتكبيها هي وحدة ركنها المادي وركنها المعنوي.

أما وحدة الركن المادي للجريمة فتفترض أن تؤدي الأفعال المتنوعة التي قام بها الجناة على اختلاف أهميتها إلى نتيجة واحدة، وأن تتوفر علاقة السببية بين الفعل الذي ارتكبه كل مساهم في الجريمة وهذه النتيجة.

أما وحدة الركن المعنوي للجريمة فتفترض توفر الرابطة الذهنية والنفسية بين الجناة، أي علم كل مساهم بالأفعال التي يرتكبها غيره من المساهمين في الجريمة نفسها، وإرادة وقوع هذه الأفعال وتحقيق النتيجة التي تتجه كل الأفعال المرتكبة إلى إحداثها. على أن هذه الرابطة الذهنية والنفسية بين الشركاء لا تفترض اتفاقاً سابقاً بين المشتركين في الجريمة، أو تفاهماً بينهم على طريقة تنفيذها، بل يكفي أن يثبت أن هناك تعاوناً بين الشركاء وأنهم كانوا يستهدفون غاية إجرامية واحدة، وأن الجريمة التي ارتكبت كانت ثمرة لنشاطهم جميعاً.

وقد خصص قانون العقوبات السوري للاشتراك الجرمي الفصل الثاني من القسم الأول من الباب الرابع من الكتاب الأول، وعنوانه «الاشتراك الجرمي»، وقد تضمن هذا الفصل المواد من 211 إلى 221، فجعل المشتركين في الجريمة أربع فئات هم الفاعلون الأصليون والمحرضون والمتدخلون والمخبئون وجعل لكل فئة أوضاعاً قانونية تمييزاً لها من باقي الفئات. وتتجه هذه الدراسة لتحديد الفروق التي تميز بين هذه الفئات من المساهمين في الجريمة وبيان الأحكام الخاصة بكل طائفة منهم.

أولاً- الفاعلون الأصليون:

عرفت المادة 211 من قانون العقوبات السوري الفاعل بأنه «من أبرز إلى حيز الوجود العناصر التي تؤلف الجريمة أو ساهم مباشرة في تنفيذها». ومؤدى ذلك أن الفاعل الأصلي أو المشترك الذي يعامل معاملة الفاعل الأصلي يجب أن يقوم بعمل حاسم يؤدي مباشرة إلى إظهار الجريمة إلى حيز الوجود. وهذا النص يتحدث عن ثلاث فئات من الفاعلين من دون أن يسميهم صراحة وهم الفاعل المادي والفاعل المعنوي والشريك:

1- الفاعل الحقيقي (أو المادي): الفاعل هو من ينفرد بالدور الرئيسي في الجريمة. ويعد الجاني منفرداً بالدور الرئيسي في الجريمة اذا اقترف كل الأفعال التي يقوم عليها ركنها المادي وتحققت النتيجة على النحو الذي يحدده القانون. فالفاعل في جريمة القتل هو من قام وحده بهذا الفعل، والفاعل في جرائم الاعتياد هو من أتى وحده جميع الأفعال التي يتطلبها الركن المادي للجريمة. وإذا كانت الجريمة مرتبطة بصفة -كالموظف في جريمة الرشوة والذكورة في جريمة الاغتصاب- ففي هذه الحالة لا يطلق صفة الفاعل إلا على من قام بالدور الرئيسي فيها وتوفرت فيه هذه الصفة، ويعني ذلك أن من لا يملك هذه الصفة لا يمكن أن ينفرد بالدور الرئيسي فيها وإن كان من الممكن أن يقوم بدور ثانوي.

2- الفاعل المعنوي: الفاعل المعنوي للجريمة هو من يسخر غيره في تنفيذها، فيكون في يده آلة مسخَّرة تُدفع إلى اقتراف الفعل المكون للجريمة من دون علم بماهية الآثار التي يمكن أن تترتب عليها وطبيعتها. ومثال الفاعل المعنوي من يدفع شخصاً غير أهل للمسؤولية الجزائية، كمن يدفع مجنوناً لقتل شخص أو اغتصاب امرأة فتقع الجريمة نتيجة لذلك، أو من يرتكب الجريمة بوساطة شخص مسؤول جزائياً ولكنه حسن النية لا يدري شيئاً عن ارتكاب الجريمة، كمن يريد أن يستولي على معطف أحد الزبائن فيكلف خادم المطعم أن يعطيه له فيفعل الخادم ذلك معتقداً أن المعطف مملوك للجاني. في كلا المثالين يصدق تعريف الفاعل على نشاط الفاعل المعنوي، ذلك أن تسخيره غيره في تحقيق الفعل المادي للجريمة يعني نسبة هذا الفعل المادي إليه وحده. فهو الذي أبرزها إلى حيز الوجود، ولا يكون الفاعل المادي الذي ينفذها إلا آلة من آلات الجرم، وهذا ما أكدته محكمة النقض في قرارها «أن الفاعل المعنوي شبيه بالفاعل المادي، إلا أنه أبرز إلى حيز الوجود عناصر الجريمة أو ساهم مباشرة في تنفيذها بوسيلة أخرى أدت إلى الغرض والنتيجة ذاتها».

ويختلف الفاعل المعنوي عن المحرض؛ لأن التحريض يوجه إلى شخص مسؤول جزائياً يوافق عن وعي وإرادة على قبول ما حرض عليه ويقدم على فعله مختاراً، في حين أن الشخص الذي يرتكب جريمته بطلب من الفاعل المعنوي هو شخص غير أهل للمسؤولية الجزائية أو شخص حسن النية، فيكون هذا أو ذاك في يده كالآلة يستخدمه من دون أن يكون مدركاً إدراكاً حقيقياً ماهية فعله غير الشرعي أو راغباً فيه.

3- الشريك: الشريك هو الذي يساهم مع غيره بارتكاب جريمة بأن يأتي فعلاً مكوناً لها. وقد عبر الشارع عن الشريك بأنه من «ساهم مباشرة في تنفيذها»، والمساهمة المباشرة في تنفيذ الجريمة تعني مساهمة الجاني في الفعل الذي يقوم عليه الركن المادي للجريمة، كما أنها تتسع لحالة ارتكاب الجاني فعلاً لا يدخل في كيان الركن المادي للجريمة ولكنه ضروري لتنفيذ الجريمة. وعلى هذا النحو يعد المساهم في الجريمة شريكاً في الحالات التالية:

الحالة الأولى: إذا كانت الجريمة تقوم على فعل واحد، وقام بتنفيذه شخصان أو أكثر، فكل منهم يعد شريكاً في ارتكابه. كما لو أطلق ثلاثة أشخاص أعيرة نارية على شخص قاصدين قتله فأصابوه جميعاً وأدى ذلك إلى وفاته، فهم شركاء في جريمة القتل.

الحالة الثانية: إذا كانت الجريمة تتكون من عدة أفعال، وساهم في القيام بها أكثر من شخص فإن كل من يقوم بفعل من هذه الأفعال -التي من مجموعها تتكون الجريمة- يعد شريكاً فيها وإن لم يقم بباقي الأفعال، فإذا أدلى شخص بأقوال كاذبة ثم تولى آخر تدعيمها فهما شريكان في الاحتيال.

الحالة الثالثة: إذا قام شخص بفعل تنفيذي لا يدخل في الركن المادي للجريمة المقترفة ولكنه ساهم مباشرةً في إبراز عناصر الجريمة إلى حيز الوجود عد شريكاً في تلك الجريمة. مثال ذلك الإمساك بالمجني عليه لمنعه من المقاومة تمكيناً لآخر من إعمال السلاح في جسده، وكسر باب المسكن تمكيناً لآخر من الدخول فيه وارتكاب السرقة. فالإمساك والكسر لا يدخلان في تكوين الركن المادي لجريمة القتل والسرقة، ولكنهما يساهمان مباشرةً في تنفيذها.

أ- الركن المعنوي للاشتراك: لا يسأل الشريك عن الجريمة المرتكبة إلا إذا توفر لديه الركن المعنوي المتطلب لها. ويتخذ الركن المعنوي صورة القصد الجرمي إذا كانت الجريمة مقصودة ويتخذ صورة الخطأ إذا كانت الجريمة غير مقصودة.

(1)- في الجرائم المقصودة: يقوم الركن المعنوي فيها على القصد الجرمي. والقصد الجرمي علم وإرادة، وهذا يتطلب علم كل واحد من الشركاء بكل الأفعال التي يرتكبها الشركاء الآخرون، وإرادته وقوع هذه الأفعال وتحقيق النتيجة التي تتجه كل الأفعال المرتكبة إلى إحداثها.

(2)- في الجرائم غير المقصودة: يأخذ الركن المعنوي فيها صورة الخطأ، وهذا يتطلب أن تنصرف عناصر الخطأ لدى كل من المساهمين إلى عناصر الركن المادي للجريمة كلها، ما كان منها ثمرة لنشاطه وما كان ثمرة لنشاط غيره. فيتعين أن يكون عالماً بطبيعة فعله وأفعال شركائه، وأن تكون إرادتهم متجهة إلى هذا الفعل.

ب- عقوبة الفاعل والشريك: يعاقب الفاعل الأصلي بالعقوبة المنصوص عنها في القانون، كما أن تعدد الشركاء في ارتكاب الجريمة لا يؤثر في العقوبة التي يستحقها كل منهم لو كان قد ارتكب الجريمة بمفرده، فعقوبة من اشترك مع آخرين في تنفيذ الجريمة هي العقوبة نفسها المقررة لمن ارتكب الجريمة وحده، ولو أن هذا الشريك لم ينفذ كل الأفعال المكونة للجريمة وهذا ما قررته المادة  212 في فقرتها الأولى حيث قضت بأن «كل شريك في الجريمة عرضة للعقوبات المعينة لها في القانون».

وتشدد الفقرة الثانية من المادة 212 «عقوبة من نظم أمر المساهمة في الجريمة أو أدار عمل من اشتركوا فيها». وتنظيم أمر المساهمة في الجريمة يعني قيام الجاني بتوزيع الأدوار بين المساهمين في الجريمة وتنسيق جهودهم وتحقيق التعاون بينهم. أما إدارة عمل من اشتركوا في الجريمة فيعني الإشراف على تنفيذ خطة الجريمة والسيطرة على أعمال باقي المساهمين. ويتم التشديد وفقاً لأحكام المادة 247 التي تقضي بأن «يبدل الإعدام من الأشغال الشاقة المؤبدة وتزاد كل عقوبة مؤقتة من الثلث إلى النصف وتضاعف الغرامة».

ج- مسؤولية الشريك عن الجرم الذي يرتكبه أحد الشركاء وهو غير متفق عليه: لا يتضمن القانون نصاً يحسم هذه المسألة، ولكن القواعد العامة في التشريع السوري تقضي بعدم مسؤولية الشريك عن الجريمة غير المتفق عليها إلا إذا توافرت إزاءها كل أركان الاشتراك، وأهمها الركن المعنوي. ويتجه الرأي الغالب في الفقه والقضاء إلى تحميل الشريك المسؤولية عن الجريمة التي ارتكبها شريكه، ولو كانت أشد من الجريمة التي قصدها، مادامت الجريمة التي وقعت نتيجة محتملة لاشتراكه، أي إن الشريك قد توقع احتمال ارتكاب شريكه للأفعال التي قام بها، ثم قبل مع ذلك بهذا الاحتمال، وتابع نشاطه الإجرامي. أما إذا كانت الجريمة غير محتملة الوقوع خلال تنفيذ الجرم الأول فإن الفاعل يكون مسؤولاً بمفرده عن الجرم الذي وقع منه ولا يسأل الشركاء إلا عما قاموا به من جرائم.

ثانياً: المحرض:

المحرض على ما عرفته الفقرة الأولى من المادة 216 من قانون العقوبات هو «من حمل أو حاول أن يحمل شخصاً آخر بأية وسيلة كانت على ارتكاب جريمة». وقد قرر المشرع في هذه المادة بأن تبعة المحرض مستقلة عن تبعة المحرَّض، كما حدد العقوبات المقررة للتحريض. وفيما يلي بيان لأركان جريمة التحريض والعقوبة المقررة له.

1- أركان التحريض: يتطلب التحريض ركنين: ركن مادي وركن معنوي. فالركن المادي قوامه النشاط الذي يصدر عن المحرض ولولاه ما وقعت الجريمة، والركن المعنوي وهو القصد الجرمي المتجه إلى تنفيذ الجريمة موضوع التحريض عن طريق شخص آخر.

أ- الركن المادي للتحريض: يقوم الركن المادي للتحريض على النشاط الإيجابي الذي يتجه به المحرض للتأثير في تفكير شخص آخر بغية خلق فكرة الجريمة لديه، ثم خلق التصميم على ارتكابها لديه، ويفترض أن من وُجِّه إليه التحريض قد أقدم على ارتكاب الجريمة بناء على هذا التحريض.

ويتبين من ذلك أن المحرض يلجأ إلى الوسائل النفسية لتنفيذ الجريمة، فهو لا يرتكبها مباشرة كما يفعل الفاعل الأصلي، ولا يستعين بقوانين الطبيعة لتحقيقها، بل هو يتجه إلى نفسية الفاعل ليؤثر فيه فيدفعه إلى ارتكاب الجريمة.

فالتحريض لايقوم بموقف سلبي لأن جوهره هو خلق الفكرة والدفاع عنها لإقناع من عرضت عليه بقبولها، فلا يقوم التحريض بمجرد العلم بالمشروع الإجرامي وعدم الاعتراض عليه.

ولابد أن يكون التحريض جدياً ومؤثراً، ومن شأنه أن يحقق غايته، فلا يعد تحريضاً والحال هذه صدور كلمة عابرة أو اقتراحاً أو أمنيات أو تعبيراً عن حقد أو غضب لأن مثل هذا النشاط ليس عاملاً أساسياً حاسماً يحرك من وجهت إليه نحو الجريمة.

كما يشترط في التحريض أن يوجه إلى شخص لم يصمم من قبل على الجريمة، أما إذا كان هذا الشخص يفكر في الجريمة من قبل، وجاء من يؤيده في موقفه ويشجعه عليه فلا يعد ذلك تحريضاً، بل يعد تدخلاً بسبب تشديد عزيمة الفاعل.

وقانون العقوبات السوري لم يحدد وسائل التحريض، فيجوز أن يتم التحريض بأي وسيلة من شأنها التأثير في الفاعل وحمله على ارتكاب الجريمة، كالتهديد والوعد والعطية وإساءة استعمال السلطة أو التدليس أو أي وسيلة أخرى، وقد أقر المشرع السوري مساواة كاملة بين الوسائل التي يتصور الاستعانة بها لخلق ذلك التصميم، وقد عبر عن ذلك بقوله «بأية وسيلة كانت».

كما يشترط في التحريض أن يكون موجهاً إلى ارتكاب جريمة أو جرائم معينة،  فمن يذكي الكراهية بين شخصين فتمتلئ نفساهما بالحقد فيقدم أحدهما على جريمة ضد الآخر لا يعدّ ذلك تحريضاً؛ لأن محله لم يكن جريمة وإنما مجرد إفساد العلاقة بين شخصين، وليس ذلك الإفساد جريمة.

والأصل أن تترتب على التحريض نتيجة جرمية تتمثل في خلق التصميم لدى من اتجه إليه التحريض، ولكن الشارع لم يجعل تحقق هذه النتيجة عنصراً في التحريض، ذلك أن القانون عدّ التحريض متحققاً بمجرد الحمل على الجريمة، أي الشروع في خلق التصميم الإجرامي، ويتحقق هذا الشروع إذا بدأ المحرض في نشاطه المتجه إلى خلق التصميم الإجرامي ولكن لم تترتب عليه النتيجة فلم ينشأ التصميم، إذ رفض المحرض فكرة الجريمة.

ب- الركن المعنوي للتحريض: التحريض من الجرائم  المقصودة التي تقوم على العلم والإرادة. فلا بد أن يكون المحرض عالماً بدلالة عباراته وبمدى تأثيرها في الشخص الموجهة إليه وتوقعه أن يقدم من حرضه على ارتكاب الجريمة. ولابد أيضاً أن تكون إرادته متجهة إلى خلق فكرة الجريمة والتصميم عليها وإلى وقوع الجريمة أو الجرائم موضوع هذا التصميم. فإذا لم يتوفر العلم والإرادة انتفى الركن المعنوي للتحريض وبالتالي فلا عقاب، ومثال ذلك إذا قام رجل الأمن الذي يتنكر ويأتي إلى شخص يتاجر بالبضائع الممنوعة مثلاً ويعرض عليه شراء قسم من بضاعته، حتى إذا انطلت عليه الحيلة وبدأ بتنفيذ جريمته قبض عليه. فرجل الأمن لايعد محرضاً ذلك أنه لم يتوفر لديه القصد الجرمي للتحريض. فهو إذا كان يريد البدء بتنفيذ الفعل فإنه لا يريد أن تتحقق نتيجته، بل هو عازم على إيقافه بمجرد البدء بالتنفيذ. ويذهب الفقه إلى تسمية هذا النوع من التحريض «بالتحريض الصوري».

2- مسؤولية المحرض وعقوبته: يستقل المحرض في مسؤوليته عن مسؤولية فاعل الجريمة، وقد أشارت إلى ذلك  الفقرة الثانية من المادة 216 بقولها «تبعة المحرض مستقلة عن تبعة المحرض على ارتكاب الجريمة»، فالمحرض لا يستمد إجرامه من إجرام الفاعل وإنما يستمده من نشاطه. وتؤدي هذه القاعدة إلى عدد من النتائج:

أ- إن العقوبة التي توقع على المحرض هي عقوبة الجريمة التي حرض عليها سواء أنجزها الفاعل أم بقيت في طور الشروع، ولكن المشرع خفف العقاب على المحرض «اذا لم يفضِ التحريض على ارتكاب جناية أو جنحة إلى نتيجة».

ب- تُوقع العقوبة على المحرض سواء لقي تحريضه قبولاً -ولكن لم يقدم من حرضه على ارتكاب الجريمة- أم لم يلقَ قبولاً على الإطلاق. وهذه الأحكام تتعلق بالتحريض الذي يكون موضوعه ارتكاب جناية أو جنحة، أما في المخالفة فيشترط للمعاقبة أن يلاقي التحريض قبولاً، ولو لم يرتكب المخالفة بعد أن قبل. وتنزل التدابير الاحترازية بالمحرض كما لو كان فاعل الجريمة.

ج- كما أن عدول المحرض عن تحريضه لا يفيده حتى لو أبلغه إلى المحرض بإلغاء المشروع الإجرامي وثناه عن عزمه على المضي في طريق الجريمة.

د- عدم تأثر المحرض بظروف الفاعلين والمتدخلين، فهو لا يضار بها ولا يستفيد منها، وسواء في ذلك الظروف المادية أم الظروف الشخصية أم الظروف المزدوجة.

ثالثاً: المتدخل

لم يعرف قانون العقوبات السوري المتدخل ولكن على ضوء الأسس التي تقوم عليها نظرية الاشتراك الجرمي في التشريع السوري يمكن تعريف المتدخل بأنه «من يقدم مساعدة لارتكاب جناية أو جنحة بحيث يدخل نشاطه ضمن الصور والحالات التي حددتها المادة 218 من قانون العقوبات، وعلى أن يكون هذا النشاط خارجاً عن الأعمال التنفيذية للجريمة». لهذا يسمى التدخل في الفقه (المساهمة التبعية في الجريمة) .

وبهذا يختلف المتدخل عن الشريك، فالشريك هو من يقوم بدور أساسي في تنفيذ الجريمة، سواء ارتكب فعلاً تنفيذياً أم كان له دور رئيسي في إبراز عناصر الجريمة إلى حيز الوجود. أما المتدخل فيفترض أنه يرتكب مجرد عمل تحضيري يساعد على ارتكاب الجريمة. ففيصل التفرقة بين عمل الفاعل أو الشريك وبين عمل المتدخل هو بعينه المميز بين العمل التنفيذي والعمل التحضيري، فمن يرتكب عملاً يعد به شارعاً إذا لم تتم الجريمة ويكون فاعلاً أصلياً وشريكاً فيها اذا ما وقعت.

1- أركان التدخل: يتطلب التدخل وجود أركان ثلاثة: فالتدخل يتطلب أن يكون الفعل الذي تم  التدخل من أجله جريمة، وأن يتخذ نشاط المتدخل إحدى  الوسائل المنصوص عليها حصراً في المادة 812 من قانون العقوبات وأخيراً أن يكون له ركن معنوي.

أ- وقوع جريمة: لا يتحقق التدخل إلا إذا ثبت خضوع نشاط الفاعل الأصلي لنص تجريم واكتسابه تبعاً لذلك الصفة غير المشروعة وامتدادها إلى نشاط المتدخل. فالتدخل لا يعد جريمة بذاته، وإنما يستمد صفته الجزائية من الجريمة الأصلية.  فقد يقتصر نشاط المتدخل على إعطاء الفاعل سلماً يتسلق به سور المنزل المراد سرقته، أو إعطائه معلومات عن مكان وجود المجني عليه، وهذا النشاط مباح في الأصل، ولكنه يستمد جرميته من علاقته بجريمة السرقة أو القتل التي ارتكبت.

فلو كان الفعل الذي قام به الفاعل الأصلي مباحاً فلا عقاب على المتدخل، كما لو تقررت براءة الفاعل الأصلي أو كان الفعل يخضع لسبب من أسباب التبرير كالدفاع الشرعي، أو التطبيب، أو الألعاب الرياضية. وكذلك إذا تقادم الزمن على الفعل، أو إذا عفوا عنه عفواً عاماً، أو لأن القضية مدنية ولا تشكل جرماً معاقباً.

ولكن إذا تقرر وجود الجرم فإن المتدخل يعاقب ولو لم يعاقب الفاعل الأصلي لظرف شخصي خاص به، فمن تدخل في فعل يرتكبه شخص غير أهل للمسؤولية الجزائية يعد متدخلاً في الفعل ويعاقب عليه، رغم أن الفاعل الأصلي غير مسؤول عن فعله، فمن عاون مجنوناً أو صغيراً لم يتم العاشرة من عمره على ارتكاب قتل أو سرقة عوقب بوصفه متدخلاً ولو كان الفاعل لا يعاقب.

ومن تدخل في فعل يرتكبه شخص يستفيد من عذر محل يعد متدخلاً في الفعل ويعاقب عليه، رغم أن الفاعل يعفى من العقاب. فمن يساعد شخصاً على خطف أنثى يعاقب ولو تزوج الخاطف من خطفها زواجاً شرعياً وأصبح عقابه ممتنعاً طبقاً للمادة 508 من قانون العقوبات. وكذلك يعاقب المتدخل فيما لو توفي الفاعل أو هرب أو كان مجهولاً.

والتدخل لا يكون إلا في الجنايات والجنح، فإذا كانت الجريمة مخالفة فقط فلا عقاب على المتدخل. وهذا الشرط مستخلص من نص المادة 218 من قانون العقوبات التي حصرت نطاق التدخل في الجنايات والجنح.

ب - حصول التدخل بإحدى الطرق المحددة في القانون: وردت هذه الحالات في المادة 218 من قانون العقوبات على سبيل الحصر، وعليه لا يجوز عدّ الشخص متدخلاً في جريمة إذا اتخذ نشاطه صورة وسيلة أخرى لم ترد في هذا النص، مهما بدت صلتها بالفعل ونتيجته واضحة. وفيما يلي شرح موجز لهذه الحالات:

(1) إعطاء إرشادات لاقتراف جناية أو جنحة وإن لم تساعد هذه الإرشادات على الفعل. ومثال ذلك إعطاء إرشادات عن مكان وجود المال في جريمة السرقة، أو تعليمات عن كيفية استعمال وسيلة ارتكاب الجريمة.

(2) تشديد عزيمة الفاعل بوسيلة من الوسائل، وهذه الصورة تفيد بأن فكرة الجريمة قائمة في ذهن الجاني لكنها تحتاج إلى دعم وتعزيز، وهذا الدور هو الذي يقوم به المتدخل. وأمثلة هذه الوسيلة أن يحبذ المتدخل فعل الفاعل، أو يطري شجاعته، أو يعده بالوقوف إلى جانبه إذا ما احتاج إلى المساعدة، أو برعاية أسرته أثناء المدة التي يمضيها في تنفيذ عقوبته. 

(3) قبول عرض الفاعل ارتكاب الجريمة ابتغاء مصلحة مادية أو معنوية: وتفترض هذه الحالة وجود عرض من جانب الفاعل صادفه قبول من جانب المتدخل، أي وجود اتفاق إرادتين على الإجرام. ومثاله لو أراد شخص سرقة ورقة تؤذي مصلحته من سجل حكومي، واتفق مع حارس الدائرة على أن يدعه يأخذ الورقة المذكورة مقابل منفعة مادية أو معنوية، فإن الذي يباشر الفعل هو الفاعل المادي والذي سهل مهمته متدخل معه.

(4) مساعدة الفاعل أو معاونته على الأفعال التي هيأت للجريمة أو سهلتها أو على الأفعال التي أتمت ارتكابها. وتتضمن هذه الوسيلة صوراً متنوعة من الوسائل المادية التي يمكن أن يقدمها المتدخل إلى الفاعل. والأفعال المهيئة للجريمة تفترض نشاطاً سابقاً لارتكاب الجريمة كتقديم السلاح للقتل أو المفتاح للسرقة. أما الأفعال المسهلة فتفترض نشاطاً مصاحباً لوقوع الجريمة كتلهية الحارس ليتمكن الفاعل من الاستيلاء على المال، أو مراقبة الطريق في أثناء قيام الفاعل بالسرقة. والأفعال التي تساعد على إتمام ارتكاب الجريمة تكون بعد أن يكون الجرم قد ارتكب ومثالها أن يعوق شخص وصول الطبيب لإنقاذ المجني عليه الذي أصابه الفاعل بجراح مميتة، أو تقديم سيارة لنقل المسروقات.

(5) إخفاء معالم الجريمة أو تخبئة الأشياء الناجمة عنها أو تصريفها، أو إخفاء شخص أو أكثر من الذين اشتركوا فيها عن وجه العدالة، ويشترط في هذه الصورة وجود اتفاق مسبّق على ارتكاب الجريمة سواء مع الفاعل أم مع أحد المتدخلين، أما إذا لم يكن هناك اتفاق سابق فلا عقاب عليه بوصفه تدخلاً، وإن كان يمكن معاقبته بوصفه مخبئاً إذا انطبقت عليه شروط المخبئين.

(6) من كان عالماً بسيرة الأشرار الجنائية الذين دأبهم قطع الطرق أو ارتكاب أعمال العنف ضد أمن الدولة أو السلامة العامة، أو ضد الأشخاص أو الممتلكات وقدم لهم طعاماً أو مأوىً أو مختبأً أو مكاناً للاجتماع. وفي هذه الصورة يعاقب الشخص بوصفه متدخلاً في جرائم الأشرار لمجرد علمه بسيرتهم، ولا يشترط أن يكون معهم على اتفاق مسبّق.

ج- الركن المعنوي في التدخل: لا يسأل المتدخل عن الجريمة المرتكبة إلا اذا توفر لديه الركن المعنوي المتطلب لها، وينبغي أن نميز الجرائم المقصودة من الجرائم غير المقصودة. فإذا كانت الجريمة مقصودة فإن الركن المعنوي للتدخل يتخذ صورة القصد الجرمي، أما في الجريمة غير المقصودة فإن صلاحيتها محل خلاف في الفقه.

(1) في الجرائم المقصودة: يقوم القصد الجرمي في التدخل على العلم والإرادة. فلابد أن يعلم المتدخل أنه يساهم في فعل مجرم، وأنه يريد وقوع هذا الفعل وتحقق نتيجته، فـإن لم يعلم المتدخل بهذا الفعل ولم يرده فلا يعد القصد الجرمي متوفراً لديه. فلا يعاقب بوصفه متدخلاً في القتل من يعير سلاحه لشخص فيقتل به إنساناً إذا كان يجهل قصده.

ويجب أن يثبت علمه وإرادته بأنه يرتكب أحد أفعال التدخل في جريمة محددة، كالسرقة والقتل والإجهاض والتزوير. ولا يكفي أن يكون اتجاهه منصرفاً إلى المساهمة في أي جريمة كانت يقوم بها الفاعل الأصلي. ومثاله إذا قدم شخص لآخر قطعة سلاح يعلم أنه من المحتمل أنه سيستخدمها في ارتكاب جريمة لا يعد متدخلاً فيها إذا ارتكبت فعلاً؛ لأنه لم يكن عالماً بوقوع جريمة معينة، ولم تتجه إرادته إلى المساهمة فيها.

ويكفي في القصد الجرمي العلم بالجريمة المتدخل فيها، وإرادة إحداثها، ولا يشترط أن يتعدى ذلك إلى اتفاق سابق بين الفاعل والمتدخل على ارتكاب الجريمة. وهذا الرأي تؤيده الفقرة د من المادة 218 من قانون العقوبات، فلم يرد فيها لفظ الاتفاق صراحة (كما ورد في الفقرة هـ من المادة المذكورة) ولا ضمناً، كما ورد في الفقرات الأخرى. ومثال ذلك الخادم الذي يعلم باتفاق عدد من اللصوص على سرقة منزل مخدومه فيترك لهم باب المنزل مفتوحاً من دون سابق اتفاق بينهم، فإنه يعد متدخلاً في هذه الجريمة إذا دخل اللصوص من هذا الباب المفتوح وارتكبوا السرقة.

(2) التدخل في الجرائم غير المقصودة: هذه القضية محل خلاف في الفقه: فيذهب رأي إلى القول إن التدخل لا يتصور في الجرائم غير المقصودة، محتجاً بأن القصد ركن في التدخل، وهو ركن يستحيل توفره بالنسبة لهذه الجرائم. وسند هذا الرأي أن التدخل يتطلب اتفاقاً بين المتدخل والفاعل أو الشركاء، والاتفاق يفترض علماً وإرادة منصرفين إلى عناصر الجريمة، ويعني ذلك وجوب توفر القصد الجرمي لديهم جميعاً، وهذا لا يمكن أن يحدث إلا في الجرائم المقصودة.  ولكن ليس معنى ذلك أن ينجو المساهم في جريمة غير مقصودة من المسؤولية الجزائية، بل إنه يسأل بوصفه شريكاً فيها.

ويعيب هذا الرأيَ عدمُ توفر سند له في القانون، فليس صحيحاً القول إن القصد ركن في التدخل، كما أنه ليس صحيحاً القول إن القصد الجرمي في التدخل يتطلب دائماً وجود اتفاق مسبّق بين الفاعل والمتدخل، إذ يمكن أن يتكون من مجرد علم المتدخل بجريمة الفاعل وإرادته لها وهذا الرأي يؤيده عدد من الفقهاء.

وعليه فالتدخل كما أنه متصور في الجرائم المقصودة، فانه متصور كذلك في الجرائم غير المقصودة، حيث يظهر الركن المعنوي فيها بصورة الخطأ، فإذا جانب المتدخل واجب الحيطة والحذر، ولم يتوقع النتيجة، وكان من واجبه توقعها، وبإمكانه توقعها والحيلولة دونها فإنه يكون متدخلاً في جريمة غير مقصودة. فمن يوجه شخصاً يعمل على سطح منزل لإلقاء حجر إلى الشارع، فيؤذي الحجر إنساناً يكون متدخلاً في جريمة إيذاء غير مقصود.

2- عقاب المتدخل: ميز المشرع في المادة 219 من قانون العقوبات بين نوعين من المتدخلين: المتدخل الذي لولا مساعدته ما ارتكبت الجريمة، وهذا يعاقب بالعقاب المنصوص عنه في القانون لفاعل الجريمة. والمتدخل الذي أدى دوراً ثانوياً في ارتكاب الجريمة، وهذا يعاقب بعقوبة أخف من عقوبة الفاعل. وتحدد المادة 219 مقدار التخفيف على النحو الآتي: يعاقب المتدخل بالأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة من اثنتي عشرة سنة إلى عشرين سنة إذا كان الفاعل يعاقب بالإعدام. وإذا كان عقاب الفاعل الأشغال الشاقة المؤبدة أو الاعتقال المؤبد حكم على المتدخلين بالعقوبة نفسها لا أقل من عشر سنين. وفي الحالات الأخرى تنزل عقوبة الفاعل بعد أن تخفض مدتها حتى النصف، ويمكن إنزال التدابير الاحترازية بالمتدخل كالفاعل.

3- مدى تأثر كل من الفاعل والشريك والمتدخل بالظروف التي تتوافر لدى غيره من المساهمين: القاعدة أن كل مساهم في الجريمة يستقل بأحواله وظروفه وبقصده، ضمن استثناءات أشارت إليها المادة 215 من قانون العقوبات، فالأسباب المادية التي من شأنها تشديد العقوبة أو تخفيفها أو الإعفاء منها تسري على كل من الشركاء في الجريمة والمتدخلين فيها. وكذلك تسري على هؤلاء جميعاً الظروف المشددة الشخصية أو المزدوجة التي سهلت اقتراف الجريمة. وأما ما سوى ذلك من الظروف فلا يتناول مفعولها إلا الشخص الذي تتوافر فيه.

4- مسؤولية المتدخل عن الجرائم الأخرى التي يرتكبها الفاعل: القاعدة أن المتدخل لا يسأل إلا عن الجريمة التي انصرف قصده إلى التدخل فيها، أما اذا ارتكبت جريمة غيرها أخف أو أشد منها، أو ارتكبت إضافة إليها جريمة أخرى لم يكن للمتدخل يد فيها فإن مسؤولية المتدخل تتحقق كما يلي:

¯ إذا ارتكب الفاعل الأصلي جرماً أخف من الجرم المتفق عليه فإن المتدخل يعاقب بعقوبة الجرم الأخف الذي اقترف، كما لو تدخل في القتل فارتكب الفاعل الأصلي إيذاء، لأن المتدخل يستعير جرميته من الفعل المقترف.

¯ إذا ارتكب الفاعل الأصلي جرماً أشد من الجرم المتفق عليه، كما لو تم الاتفاق على القيام بسرقة عادية واقترف الفاعل الأصلي جريمة موصوفة، فالرأي الغالب هنا أن المتدخل لا يسأل عنها إلا اذا كان قد توقع احتمال ارتكاب الفاعل للأفعال التي قام بها، ثم قبل مع ذلك بهذا الاحتمال، وتابع نشاطه الإجرامي.

¯ إذا ارتكب الفاعل الأصلي جريمة مختلفة عن الجريمة التي تم الاتفاق عليها، ومغايرة لها، كما لو تم الاتفاق على السرقة فأقدم الفاعل على اقتراف السرقة وعلى اغتصاب صاحبة المنزل، فهنا لا يعاقب المتدخل إلا على جريمة السرقة لأنها هي الجريمة التي قصدها وعاون على وقوعها. وهذا ما أكدته محكمة النقض بقولها« إن المتدخل معاقب مع الفاعل لاشتراكه معه في النية الجرمية وفي حدود الجرم المتفق عليه. وعليه إذا ارتكب الفاعل الأصلي جرماً آخر غير المتفق عليه فلا عقوبة على المتدخل، لأنه لم يشترك لا مادياً ولا معنوياً في هذا الجرم الأخير، وإن المتدخل لا يسأل إلا في حدود نيته ومن أجل الفعل المتفق عليه فقط.

رابعاً: المخفي

الإخفاء نشاط إجرامي يقدم عليه صاحبه بعد أن تكون الجريمة قد ارتكبت، ومن دون اتفاق مسبّق مع مرتكبيها، ويكون لهذا النشاط صلة وثيقة بالجريمة المرتكبة. وهذا ما يفسر خطة الشارع في إدراج الأحكام الخاصة به في الفصل الذي خصصه للاشتراك الجرمي. والمخبئون صنفان: مخبئو أشياء ومخبئو أشخاص، وقد وردت أحكام المخبئون في المادتين220 و221 من قانون العقوبات.

1- إخفاء الأشياء: نصت المادة 220 من قانون العقوبات على جريمة إخفاء الأشياء بقولها «من أقدم فيما خلا الحالة المنصوص عليها في الفقرة الخامسة من المادة 218 وهو عالم بالأمر على إخفاء أو بيع أو شراء أو تصريف الأشياء الداخلة في ملكية الغير والتي نزعت أو اختلست أو حصل عليها بجناية أو جنحة عوقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين، وبالغرامة من مئة ليرة إلى مئتي ليرة. على أنه إذا كانت الأشياء المبحوث عنها في الفقرة الأولى ناجمة عن جنحة فلا يمكن أن تجاوز العقوبة ثلثي الحد الأعلى لعقوبة الجنحة المذكورة».

ويتبين من هذا النص أنه لابد لقيام جريمة إخفاء الأشياء من توافر ركن مادي وركن معنوي:

أ- الركن المادي: يتمثل في قيام الفاعل بإخفاء الأشياء الداخلة في ملكية الغير أو بيعها أو شرائها أو تصريفها. وهذه الأشياء نزعت أو اختلست أو حصل عليها بجناية أو جنحة من دون اتفاق سابق مع الفاعل. وقد حدد الشارع في المادة 220 سالفة الذكر مصدر الأشياء المخبأة بأنها تلك التي نزعت أو اختلست أو حصل عليها بجناية أو جنحة، وقد أراد الشارع بذلك الإشارة إلى الأساليب الإجرامية المتصورة للاعتداء على الملكية. ويتعين أن تقوم بهذا النزع أو الاختلاس أو الحصول جناية أو جنحة، وبالتالي فإن جريمة الإخفاء لا تقوم إذا كانت الجريمة مخالفة.

ب- الركن المعنوي: ويتمثل في علم الفاعل مصدر هذه الأشياء الجرمي، أي أن يعلم أن الذين يخبئون عنده هذه الأشياء أو يطلبون إليه تصريفها قد حصلوا عليها بطريقة غير مشروعة، وأن تتجه إرادته إلى استلامها أياً كان السبب في هذا الاستلام أو الغرض منه، ولا يشترط فيها نية التملك.

وقد حدد النص عقوبة إخفاء الأشياء بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين، وبالغرامة من مئة ليرة إلى مئتي ليرة. وهذه العقوبة ثابتة لا ارتباط بينها وبين الجريمة السابقة، ويؤكد ذلك استقلال كل منهما عن الأخرى. وقد حرص المشرع أن تكون عقوبة الإخفاء أقل من عقوبة الجريمة السابقة، فنص على أنه إذا كانت الأشياء المبحوث عنها في الفقرة الأولى ناجمة عن جنحة فلا يمكن أن تجاوز العقوبة ثلثي الحد الأعلى لعقوبة الجنحة المذكورة.

2- إخفاء الأشخاص: نصت المادة 221 من قانون العقوبات على جريمة إخفاء الأشخاص بقولها «من أقدم فيما خلا الحالات المنصوص عليها في الفقرتين الـ 5 و6 من المادة  218 على إخفاء شخص يعرف أنه اقترف جناية أو ساعده على التواري عن وجه العدالة، عوقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين».

ويستفاد من ذلك ضرورة التمييز بين إخفاء الأشخاص بوصفها أحد صور التدخل التي جاءت على ذكرها الفقرتان 5 و6 من المادة 218 وبين إخفاء الأشخاص بوصفها جريمة مستقلة. فما يميز الأولى أنها تكون نتيجة لاتفاق سابق بين المتدخل ومرتكب الجريمة، أما الثانية فتفترض عدم حصول اتفاق سابق، وأن الإخفاء كان لاحقاً لارتكاب الجريمة السابقة. وكذلك فإن هذا النص لا يطبق على حالة الإخفاء  المشار إليها بالفقرة الأخيرة من المادة 218 التي تعاقب الشخص بوصفه متدخلاً في جرائم الأشرار لمجرد علمه بسيرتهم، ولا يشترط أن يكون معهم على اتفاق مسبّق.

ولقيام جريمة إخفاء الأشخاص يتعين توافر ركن مادي وركن معنوي:

أ- الركن المادي: ويتمثل في صورتين؛ هما الإخفاء والمساعدة على التواري عن وجه العدالة، وجوهر تلك الصورتين هو إبعاد مقترف الجناية عن قبضة السلطات العامة حتى لا تتمكن من محاكمته وجاهياً وتنفيذ العقاب بحقه. ويتعين أن يكون موضوع الإخفاء شخصا اقترف جناية، وبالتالي فإن جريمة إخفاء الأشخاص لا تقوم إذا اتجه الإخفاء لمقترف جنحة أو مخالفة. وتعبير مقترف الجناية يشمل فاعل الجريمة والشريك فيها والمتدخل كما يشمل المحرض.

ب- الركن المعنوي: ويتمثل في علم الفاعل ماهية الفعل الذي ارتكبه الشخص المخبأ، أي أن يعلم أن الذي قام بتخبئته هو مرتكب جناية، وأن تتجه إرادته إلى الفعل الجرمي ونتيجته أياً كانت دوافعه إلى الجريمة، ومن ثم لا يتوفر القصد الجرمي إذا كان المخبِّئ مكرهاً على إخفاء الجاني أو مساعدته على التواري عن وجه العدالة.

وقد حدد النص عقوبة إخفاء الأشخاص بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين. وهذا ما يؤكد استقلال جريمة الإخفاء عن الجناية المرتكبة. وقد منح الشارع  في الفقرة الثانية من المادة 221 عذراً محلاً يستفيد منه «أصول الجناة المخبأين أو فروعهم أو أزواجهم أو زوجاتهم حتى الطالقات أو أشقاؤهم أو شقيقاتهم أو أصهارهم من الدرجات نفسها».

 

مراجع للاستزادة:

 

- محمد الفاضل، المبادئ العامة في التشريع الجزائي (مديرية الكتب والمطبوعات الجامعية، 1965).

- عبد الوهاب حومد، المفصل في شرح قانون العقوبات القسم العام (المطبعة الجديدة، دمشق 1990).

- عبود السراج، قانون العقوبات، القسم العام (مديرية الكتب والمطبوعات الجامعية، 1997).

- سعدي بسيسو، مبادئ قانون العقوبات (مديرية الكتب والمطبوعات، الطبعة الأولى، 1964).

- محمود نجيب حسني، شرح قانون العقوبات اللبناني القسم العام، طبعة ثالثة جديدة (منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت 1998).

- محمود نجيب حسني، المساهمة الجنائية في التشريعات العربية (1960-1961).

 




التصنيف : القانون الجزائي
النوع : القانون الجزائي
المجلد الأول: الإباحة والتحريم ـ البصمة الوراثية
رقم الصفحة ضمن المجلد : 241
مستقل

البحوث الأكثر قراءة

للحصول على اخبار الموسوعة

عدد الزوار حاليا : 1
الكل : 7989488
اليوم : 1418

الحلول

 انقضاء الالتزام انقضاء الالتزام الحلول محمود جلال حمزة أولاً: مفهوم نظام الحلول وتعريفه: 1- مفهوم الحلول: يتم وفاء الدين استناداً إلى القواعد المقررة في القانون المدني السوري إما من المدين نفسه أو من نائبه أو من غير المدين ممن له مصلحة في الوفاء، أو من شخص آخر ليس له مصلحة في الوفاء، ويترتب على قيام غير المدين بوفاء الدين أن ينقضي الدين بالنسبة إلى الدائن، ويترتب دين جديد مصدره مستقل عن مصدر الدين القديم في مواجهة المدين ما لم يكن الموفي متبرعاً. وللموفي أن يرجع على المدين بقدر ما دفعه للدائن (المادة 323/1 م س) بدعوى شخصية هي دعوى الوكالة، أو دعوى الإثراء...

المزيد »