logo

logo

logo

logo

logo

الجنسية والتجنس

جنسيه وتجنس

nationality and nationalization - nationalité et la nationalisation

 الجنسية والتجنس

الجنسية والتجنس

وفاء فلحوط

تعريف الجنسية وتحديد أركانها  
الطبيعة القانونية للجنسية أسس اكتساب الجنسية اللاحقة (المكتسبة)
المبادىء الناظمة لمسألة الجنسية آثار التجنس
مشكلة تعدد الجنسية أو انعدامها فقدان الجنسية (التغيير - التجريد)
أسس اكتساب الجنسية الأصلية استرداد الجنسية وردّها
   

أولاً- تعريف الجنسية وتحديد أركانها:

1- تعريف الجنسية nationalit:

تعرف الجنسية على أنها: تبعية قانونية وسياسية تحددها الدولة، ويكتسب الفرد بموجبها الصفة الوطنية في هذه الدولة، كما تعرف على أنها «علاقة قانونية جوهرها واقعة اجتماعية تربط بين الفرد والدولة، قوامها تضامن حقيقي في الوجود ومصالح وعواطف يساندها تبادل في الحقوق والواجبات». أو هي علاقة سياسية قانونية بين الفرد والدولة تُعيِّن حقوقاً وواجبات متبادلة.

وتكشف التعاريف المختلفة للجنسية عن حقيقة قيامها على عدة جوانب: جانب سياسي يبرز طبيعتها المرتبطة بكيان الدولة وإطلاق يدها في تنظيمها، على اعتبارها صاحبة السيادة، وجانب قانوني يبرز طبيعتها بصفتها عنصراً من عناصر الحالة المدنية للفرد، يقتضي تنظيمه وتحديد معالمه (من جهة بيان أحوال اكتساب الجنسية أو فقدها…) تدخلاً من جانب القانون. وفضلاً عن هذين الجانبين، فإن للجنسية جانباً اجتماعياً (روحياً) قوامه وحدة الشعور الوطني بين الفرد والجماعة السياسية، والذي يتولد إما من انتماء الفرد بأصله العائلي أو تربيته العائلية وإما من إقامته المستديمة أو رغبته في العيش المشترك.

2- ركنا الجنسية (طرفا رابطة الجنسية):

للجنسية مفترضان: مانح الجنسية أو مُصدِرها وهو الدولة، ومتلقي الجنسية وهو الفرد:

أ- الدولة: يقصد بالدولة، كطرف المنشىء لرابطة الجنسية، الوحدة السياسية التي تتمتع بصفة الدولة وفقاً لمبادىء القانون الدولي العام.

- ويستوي في الدولة أن تكون بسيطة أو مركبة، كالولايات المتحدة الأمريكية، فالدولة المركبة لا تثبت لها سوى جنسية واحدة، لأن انتساب الشخص، على المستوى الداخلي، لولاية (مقاطعة) معينة إنما يكون من باب الرعوية المحلية. أما إذا قامت عدة دول بتكوين اتحاد كونفدرالي فيما بينها (كاتحاد الجمهوريات العربية، الذي قام بين سورية ومصر وليبيا، في عام 1971) فإن ذلك الاتحاد لا يؤثر في جنسية الدول الأعضاء، إذ تظل لكل دولة منها جنسيتها الخاصة بها.

- كما يستوي أن تكون الدولة كبيرة أم صغيرة، غنية أم فقيرة، معترفاً بها أو غير معترف بوجودها؛ لأن مسألة الاعتراف أو عدمه لا تؤثر في حق الدولة بتنظيم جنسيتها وتحديد رعاياها، وكل ما هنالك أن هذه الجنسية لن يعترف بها من جانب الدول غير المعترفة بالدول المعنية. فالدول التي لا تعترف بإسرائيل، مثلاً، لا تسلم بالجنسية الإسرائيلية؛ وذلك تبعاً لإنكارها الوجود الدولي لإسرائيل، والاعتراض على حقها في تحديد ركن الشعب على الإقليم الفلسطيني.

- وبالمقابل ليس لغير الدولة من الجماعات أو الهيئات الدولية حق منح الجنسية، ولو كانت هذه الهيئات تسمو على الدول، فليس لهيئة الأمم المتحدة، مثلاً، أن تمنح الجنسية. ولئن منحت جوازات سفر لموظفيها، لتمكنهم من التنقل بيسرٍ بين الدول، فإن هذا لا يعدو أن يكون دليلاً على تبعيتهم إدارياً لهذه الهيئة ليس إلاَّ…

- واستناداً إلى تحديد وصف الدولة؛ فإن العلاقة التي تقوم ما بين شخص ما وأمة معينة كالأمة العربية، مثلاً،لا تعدُّ علاقة جنسية؛ لأن الأمة هي وحدة اجتماعية طبيعية تفتقر إلى الشخصية القانونية الدولية.

ب- الفرد: إن الجنسية بمعناها الحقيقي لا يمكن أن تلحق إلاَّ بالأشخاص الطبيعيين (الأفراد ذكوراً كانوا أم إناثاً) على اعتبارهم وحدهم من يؤلفون عنصر السكان في الدولة، مما يعني عدم إلحاق وصف الجنسية بمجموعات الأفراد أي الأسرة؛ لأن عنصر السكان في الدولة يقوم من الوجهة القانونية على الفرد، لا على الأسرة.

ونظراً لأن شعور الولاء والانتماء لا يتصور أن يحمله سوى الشخص الطبيعي فيمكن القول إنَّ الحديث عن جنسية الأشخاص الاعتبارية، أو جنسية الأشياء ما هو إلاَّ نوع من المجاز الحقوقي، الذي استُخدِمَ من جانب الفقه والتشريع والقضاء، بقصد ربط الشخص الاعتباري (كالشركات) بنظام قانوني لدولةٍ معينة، أو بقصد إخضاع الأشياء (كالطائرات والسفن…) للانضواء تحت علم دولة معينة، وذلك في معرض تحديد الحقوق التي يمكن أن تتمتع بها، والالتزامات التي يمكن أن تترتب عليها.

وفي النتيجة، تظل جنسية الشخص الطبيعي مختلفة عن جنسية الشخص الاعتباري أو الشيء المادي - إن صحت التسمية أصلاً- لأن الغرض من الأولى هو تحديد الأعضاء المكونين لعنصر الشعب في الدولة، في الوقت الذي تسعى فيه الجنسية الأخرى إلى تحديد الأشياء التي تعدُّ جزءاً من إقليم الدولة أو تمثل عنصراً من كيانها الاقتصادي.

ثانياً- الطبيعة القانونية للجنسية:

إن التعرض لدراسة طبيعة الجنسية القانونية يستوجب معرفة ما إذا كانت الجنسية نظاماً قانونياً أم نظاماً عقدياً؛ وهل هي من روابط القانون العام أم من مفردات القانون الخاص.

1- الجنسية ما بين النظام القانوني والنظام التعاقدي:

ذهب بعض الفقهاء إلى القول إن الجنسية ما هي إلاَّ رابطة تعاقدية ما بين الفرد والدولة، تفصح بموجبها الدولة عن إرادتها إما بطريقة عامة، من خلال ما تشرعه من أحكام متعلقة بالجنسية (الأصلية)، وإما بطريقة خاصة، وذلك عندما تعلن عن إرادتها، في معرض تقديم أحد الأفراد لطلب التجنيس بجنسيتها. وبالمقابل تصدر إرادة الأفراد إما على نحو صريح، كما هي الحال في التجنس، وإما على نحو ضمني، وذلك حينما تثبت للفرد جنسية الدولة، ولا يسعى إلى تغييرها (ردها)، عندما يكون له الخيار، أو على نحو افتراضي كالأطفال الذين تُفرض عليهم الدولة الجنسية بالميلاد.

إلاَّ أن الرأي الراجح يذهب إلى اعتبار الجنسية نظاماً قانونياً يقوم على احترام إرادة الأفراد، في ظل ظروف وشروط محددة. فالدولة حقيقةً هي مَنْ تنفرد بتحديد ركن الشعب، لذا تضع وحدها قواعد الجنسية مقدماً، ويكون دور الفرد قاصراً على الدخول في الجنسية، متى استكمل الشروط المحددة من قِبلها. فالمتأمل في أحكام الجنسية في التشريعات المقارنة يلحظ توجه الدولة لإقامة جنسيتها الأصلية المعاصرة للميلاد على أساس من حق الدم أو حق الإقليم أو الجمع بينهما من دون أن تأبه لإرادة الأفراد في هذا الصدد.

ولا ينال من سلامة التحليل السابق ما استقرت عليه الدول في العصر الحديث فيما يتعلق باحترام إرادة الفرد في بعض الحالات، ومنها: التجنيس الذي يتم بناء على إرادة طالب الجنسية، والزواج المختلط، حيث تظهر إرادة الزوجة الأجنبية في الدخول في جنسية زوجها الوطني من عدمه، وكذلك حالة العودة إلى الجنسية الوطنية التي تتم بناءً على طلب الشخص الذي يريد استرداد جنسيته. ففي مختلف تلك الحالات يتم تحديد دور الإرادة ضمن الأطر والشروط التي ترسمها الدولة نفسها.

2- الجنسية ما بين القانون العام والقانون الخاص:

لا خلاف على اعتبار الجنسية من المسائل التي يُترك تنظيمها للقانون الداخلي في الدول؛ لأنها تمثل علاقة فرد بدولة، لا علاقة بين دولة وأخرى. إلاَّ أن الخلاف يحتدم فيما يتعلق بتحديد موقعها من فروع القانون الداخلي، فهل هي من روابط القانون العام أم هي إحدى مفردات القانون الخاص؟

ذهب اتجاه فقهي (فرنسي) إلى اعتبار الجنسية من نظم القانون الخاص، وقد أسس رأيه على عدة أسباب، كان أولها اعتبار الجنسية عنصراً من عناصر حالة الأشخاص (كالأهلية) لأنها تبنى في جانب كبير منها على أساس البنوة والزواج، أما السبب الثاني فقد تعلق بإرادة الأفراد ودورها البارز في كسب الجنسية أو فقدها، مما يقربها من نظم القانون الخاص. والسبب الثالث هو أن الجنسية فكرة قانونية أخذت بها الكثير من التشريعات، كضابط إسناد في مسائل الأحوال الشخصية.

وبالمقابل، جاء الرد على الحجة الأولى بأن الجنسية تحدد حقيقةً حالة الأشخاص السياسية، ولا تمس فقط حقوقهم المدنية، إذ تظهر أكثر وضوحاً في معرض كسب الحقوق السياسية والعامة. وفيما يتعلق بالحجة الثانية فتمَّ الرد عليها من خلال حقيقة احتكار الدولة لمسألة تنظيم الجنسية. ولئن ظهر للفرد دور في هذا الشأن فلن يعدو أن يكون دوراً ثانوياً، ليس إلاَّ، أما ما يتعلق بالحجة الثالثة، فقيل إنها تحدد الطبيعة القانونية للجنسية بالنظر إلى جانب من وظائفها القانونية، عدا أن اعتبار الجنسية كضابط إسناد في مسائل الأحوال الشخصية ليس أمراً مسلماً به في تشريعات جميع الدول، إذ يذهب بعضها إلى إخضاع هذه المسائل لقانون موطن الشخص، لا لقانون جنسيته.

وبالنتيجة، يتجه الرأي الراجح إلى اعتبار الجنسية من روابط القانون العام خاصة، مع حق الدولة في تغيير شروطها وأحكامها وفقاً لمصالحها فحسب، ويسير على هذا الاتجاه كل من الفقه والقضاء، سواءً في سورية أم في مصر أم في فرنسا.

على أن الأخذ بهذا الرأي لا يتعارض مع دراسة الجنسية ضمن مباحث القانون الدولي الخاص، على اعتبارها إحدى موضوعاته الرئيسة حسب السائد في سورية ومعظم الدول العربية.

ثالثاً- المبادىء الناظمة لمسألة الجنسية:

يقوم تنظيم موضوع الجنسية عموماً على احترام مبدأين هما: مبدأ حرية الدولة في منح جنسيتها، واعتبار الجنسية حقاً من حقوق الإنسان:

1- مبدأ حرية الدولة واستقلالها في تنظيم جنسيتها:

يعدُّ مبدأ حرية الدولة في تنظيم جنسيتها من النتائج الطبيعية لتطبيق مبدأ سيادة الدول:

أ- مفهوم المبدأ: يقصد بمبدأ حرية الدولة في تنظيم جنسيتها أن للدولة وحدها حق تقرير الأحكام الخاصة بكسب جنسيتها أو فقدها، وفقاً لما تراه محققاً لمصلحتها وملائماً لظروفها السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

ب- نتائج تطبيق المبدأ: ينتج من تطبيق مبدأ حرية الدول في تنظيم جنسيتها ما يلي:

(1)- عدم الاعتراف لمحاكم دولةٍ ما بصحة النظر في جنسية شخص أجنبي بالنسبة إليها؛ لأن قضايا الجنسية من النظام العام، ولا يجوز لغير المحاكم الوطنية النظر فيها، وإلاَّ انطوى ذلك على مساس بسيادة الدولة التي يتبعها الشخص طالب التثبيت أو الإلغاء.

(2)- عدم سريان نصوص تشريعات الدول التي تتدخل في تنظيم جنسية غيرها، كالمادة /14/ من القانون المدني البوليفي التي تذهب إلى اكتساب المرأة الوطنية جنسية زوجها الأجنبي بالزواج.

ومن هنا، إذا ما قرر المشرع الوطني في دولةٍ ما دخول أجنبي في جنسيته لتحقق سببٍ من الأسباب المكسبة لها فليس له أن يحدد بقرار منه أن الدخول في هذه الجنسية يترتب عليه بقوة القانون تجريد هذا الشخص من جنسيته الأجنبية.

(3)- ظهور مشكلة تعدد أو انعدام الجنسية نتيجة لازمة لانفراد كل دولة في تنظيم جنسيتها على النحو الذي تراه.

ج- قيود المبدأ: إن حرية الدولة في تنظيم مسائل الجنسية ليست حرية مطلقة، فقد تُقيَّد إما بموجب الاتفاقات الدولية وإما بموجب العرف الدولي وإما بموجب المبادىء القانونية المعترف بها في مواد الجنسية.

فمن المسلمات الأساسية في القانون الدولي العام ضرورة احترام الدول لالتزاماتها الناشئة من معاهداتها الدولية مع الدول الأخرى، ومثالها، في هذا الخصوص، اتفاقية 1952 بين بعض دول الجامعة العربية حول جنسية أبناء الدول العربية المقيمين في بلادٍ غير التي ينتمون إليها بأصلهم.

أما فيما يتعلق بالعرف الدولي، فقد أكدت المحكمة الدائمة للعدل الدولي تقييد سلطة الدولة في تنظيم جنسيتها بهذا العرف. ومن قبيله ما ذهب إليه جانب من الفقه، من أنه لا يجوز للدولة أن تفرض جنسيتها على أفراد يفتقرون إلى أي صلة واقعية بها، وإلاَّ فإنها ستعدُّ متعسفة في استعمالها الحقوق المطبقة في المجال الدولي، أو بعبارة أخرى ستعتبر معتدية على الحقوق المماثلة للدول الأخرى.

وعلى صعيد آخر يؤكد فريق من الشراح أن مبدأ حرية الدولة في تنظيم جنسيتها مقيدٌ بضرورة مراعاة الدول للمعايير القانونية المتعارف عليها في هذا السياق، ومن هنا واستناداً إلى ما ذهبت إليه مختلف الدول في منح جنسيتها بناءً على معيارين محددين، هما حق الدم وحق الإقليم، فإن التشريعات التي شذت عن هذين المعيارين، ومن قبيلها تشريع الجنسية الإسرائيلي القائم على رباط الدين، يجب أن تواجه بالاعتراض من جانب الجماعة الدولية.

2- الجنسية حق من حقوق الإنسان:

تعتبر الجنسية من المعطيات الأساسية في حياة كل فرد، فالشخص الذي لا يحمل جنسية لا يستطيع مثلاً ضمان حقه في الإقامة أو العمل، كما لا يستطيع تأمين الحماية الدولية التي يتمتع بها الوطنيون خارج دولهم. ومن هنا اقتضت الاعتبارات الإنسانية الاعتراف بحق كل إنسان في أن يكون له جنسية، وهذا هو حقيقة نص المادة /15/ من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948).

ويُفترض تفسير هذا الحق على أنه يعني:

أ- حق الفرد في التمتع بجنسية دولةٍ ما منذ ولادته، وذلك إما بموجب حق الدم فيما لو ولد لأبوين أحدهما أو كليهما يحمل جنسية هذه الدولة، وإما بموجب حق الإقليم فيما لو ولد على إقليمها.

ب- حق الفرد في تغيير جنسيته، وذلك نتيجة عدم النظر إلى رابطة الجنسية على أنها رابطة أبدية ما بين الفرد والدولة التي اكتسب جنسيتها عند الولادة.

ومن هنا تفسح التشريعات الوطنية - عادة - مجالاً محدداً يتمكن من خلاله الفرد من تغيير جنسيته، مع تفاوتها في القيود التي تفرضها على ممارسة حقه في التخلي عن جنسيته.

ج- عدم جواز نزع جنسية الفرد بصورةٍ تعسفية خشية ألاَّ يتمكن من جُرِّدَ من جنسيته من اكتساب جنسية جديدة. ومن هنا تحصر الدول الحالات التي تمارس من خلالها سلطتها في التجريد، كحالة ارتكاب الفرد جرائم مخلةً بأمن الدولة، أو حالة دخوله في الخدمة العسكرية لدولة أجنبية غير صديقة، أو حالة اكتسابه الجنسية عن طريق الغش…. وبالمقابل تأخذ تشريعات بعض الدول صوراً لإزالة الجنسية تلقى ارتياحاً في الأوساط الفقهية، مثالها التشريعات التي تقرر فقد المرأة الوطنية لجنسيتها نتيجة زواجها من أجنبي فيما لو كان قانون دولة الزوج يكسبها جنسيته.

د- عدم جواز تعدد الجنسية للفرد الواحد؛ لأن تعدد الجنسيات يعني تعدد التزامات الفرد تجاه أكثر من دولة على نحو يصعب معه، إنْ لم يستحل، الوفاء بها مجتمعة.

ولذلك تعمل الدول على تجنب حالات تعدد الجنسية بعدة طرق، منها تجنب الثغرات التشريعية التي تفضي إلى ذلك التعدد.

رابعاً- مشكلة تعدد الجنسية أو انعدامها:

1- أسباب المشكلة:

يعود السبب الرئيس لظهور مشكلة تعدد الجنسية أو انعدامها إلى اختلاف القواعد التي تأخذ بها الدول في معرض تنظيم مسألة الجنسية، بما في ذلك اختلاف الأسس المتبعة في منح الجنسية.

ومثال الحالات التي تتعدد فيها الجنسية أن يكتسب شخص ما الجنسية السورية بموجب حق الدم، نظراً لولادته من أب سوري، والجنسية الأمريكية بموجب حق الإقليم، استناداً إلى ولادته على الأراضي الأمريكية من الأب المقيم فيها.

وقد يتحقق التعدد رغم اتحاد الأسس في منح الجنسية، كما لو اتحدت دولتان في أساس المنح، بناءً على معيار حق الدم، لكنهما اختلفتا في تحديد الطرف الذي يُستمد منه هذا الحق، فأخذت إحداهما بحق الدم من جهة الأب، في حين أخذت الأخرى بحق الدم من جهة الأم. مما يفضي إلى تعدد جنسية المولود لأبٍ يحمل جنسية الدولة الأولى وأم تحمل جنسية الدولة الثانية.

وقد تتعدد الجنسية عقب الميلاد، كما لو تزوجت فتاة سورية من شاب لبناني فتكتسب جنسيته إضافة إلى جنسيتها السورية.

أما مثال حالة انعدام الجنسية فهو ولادة شخصٍ لأبوين مجهولين في دولةٍ لا تأخذ بحق الإقليم، كما يمكن أن تنعدم الجنسية بصورة لاحقة على ميلاد الشخص، ومثالها تجريد الشخص من جنسيته وعدم تمكنه من كسب جنسية أخرى، ومثالها أيضاً زواج الوطنية من أجنبي وفقدها جنسيتها، بموجب قانون وطنها، الذي يقضي بذلك كأثر مباشر للزواج، في الوقت الذي لا يكسبها قانون دولة الزوج جنسيته.

2- الحلول المقترحة لتفادي مشكلة تعدد الجنسية أو انعدامها:

ذهب جانب من الفقه، في محاولة للقضاء على ظاهرة تعدد الجنسيات، إلى اقتراح توحيد تشريعات الجنسية بين مختلف الدول، إلاَّ أنهم سرعان ما أدركوا عدم منطقية هذا الحل؛ لاختلاف ظروف الدول ومصالحها المؤثرة في صياغة قواعد الجنسية عموماً.

وكان بالنتيجة أن اتجهت الدول، في محاولة للحد من هذه الظاهرة، (مع إيمانها بصعوبة القضاء عليها تماماً) إلى عقد اتفاقات دولية للتنسيق فيما بينها لإنجاح هذه المحاولة، إضافة إلى اقتراح مجموعة من القواعد العامة، كتطبيق فكرة التقادم المسقط للجنسية التي لا يزاولها متعدد الجنسية، أو تعليق فقد الجنسية السابقة على اكتساب الفرد للجنسية الجديدة تحاشياً لانعدام جنسيته.

وأياً كان الأمر، فإنه من الملاحظ تعامل الكثير من التشريعات مع احتمال تعدد الجنسية أو انعدامها كحقيقة قائمة تستوجب المعالجة، وهذا ما فعله، مثلاً، المشرع السوري عندما أورد في القانون المدني مادة خاصة - وهي المادة (27) -  لمعالجة هذا الموضوع، فجاء نصها كالآتي: «1- يعين القاضي القانون الذي يجب تطبيقه في حالة الأشخاص الذين لا تعرف لهم جنسية، أو الذين تثبت لهم جنسيات متعددة في وقت واحد. 2- على أن الأشخاص الذين تثبت لهم في وقت واحد بالنسبة إلى سورية الجنسية السورية وبالنسبة إلى دولة أجنبية أو عدة دول أجنبية جنسية تلك الدول، فالقانون السوري هو الذي يجب تطبيقه».

والحقيقة أن هذا النص يساير التوجهات السائدة في مجالي تعدد الجنسية وانعدامها، والتي تتفق على أنه إذا ثبت للشخص الواحد عدة جنسيات وكان من بينها جنسية القاضي فإن القاضي يطبق قانونه، أما في حالة ما إذا كانت تلك الجنسيات أجنبية بالنسبة إلى القاضي، أو في حالة انعدام الجنسية، فإن الأمر يترك للقضاء. على أن الرأي السائد في الفقه وفي القضاء، سواء على مستوى القضاء الداخلي للدول أو على مستوى القضاء الدولي، يرجّح الأخذ بمعيار الجنسية الفعلية للفرد، أو الأخذ بمعايير مشابهة له إلى حد كبير (وخاصة فيما يتعلق بعديمي الجنسية)، ويقصد بالجنسية الفعلية عموماً تلك التي يعيش الفرد في كنفها بالفعل، حيث تكشف الظروف الواقعية ارتباطه بها أكثر من غيرها، ويمكن أن يستدل عليها مثلاً من خلال أداء الفرد لخدمة العلم في دولةٍ ما، أو من خلال التحاقه بوظيفة عامة فيها، أو من خلال موطنه أو محل إقامته وخاصة بالنسبة إلى الأفراد عديمي الجنسية.

خامساً- أسس اكتساب الجنسية الأصلية:

تثبت الجنسية الأصلية للفرد إما بموجب البنوة أو حق الدم وإما بموجب محل الميلاد أو حق الإقليم وإما بموجب الحقين معاً:

1- اكتساب الجنسية بموجب البنوة أو حق الدم jus sanguinis:

حق الدم هو حق الفرد في أن تثبت له الجنسية الأصلية استناداً إلى رابطة البنوة، وذلك بأن يدخل في جنسية الدولة التي ينتمي إليها آباؤه، فهذه الجنسية أساسها رابطة النسب.

لذلك يثور التساؤل هنا عن المقصود بالنسب: فهل هو النسب من جهة الأب أم من جهة الأم؟

في الحقيقة أن نسب الأب هو الأصل في التشريعات العربية، إلا أنه يجوز الأخذ بنسب الأم على سبيل الاستثناء في حالات معينة ولأغراض محددة، كغرض تلافي حالات انعدام الجنسية، ومثالها الطفل الذي لم يثبت نسبه إلى أبيه قانوناً، أو كان أبوه عديم الجنسية أو مجهولها، بحيث يتعذر - برغم شرعية النسب - نقل جنسية الأب إلى ابنه.

2- اكتساب الجنسية بموجب محل الميلاد أو حق الإقليم jus soli:

يقوم حق الإقليم على منح الشخص جنسية الدولة التي ولد على إقليمها، بصرف النظر عن جنسية آبائه سواء أكانوا وطنيين أم أجانب.

وتستلزم بعض الدول التي تأخذ بحق الإقليم ميلاد الأب كذلك في إقليمها، وهذا ما يعرف بشرط الميلاد المضاعف، أي ميلاد الابن وأبيه في هذا الإقليم (ومثالها المادة  23 من قانون الجنسية الفرنسي). كما يشترط بعضها الآخر إضافة إلى واقعة الولادة، توطن الأسرة في إقليمها لمنح الجنسية للابن.

3- أسس اكتساب الجنسية الأصلية في القانون السوري:

بالعودة إلى قانون الجنسية العربية السورية الصادر بالمرسوم التشريعي رقم /276/ لعام 1969 يتبين أن المشرع قد غلّب حق الدم على حق الإقليم،  بحيث أخذ بالأول بصفة رئيسة، وقبل بالآخر بشكل ثانوي بالنسبة إلى فئات محددة، وهذا ما يتضح من نص المادة الثالثة الذي جاء كالآتي:

«يعتبر عربياً سورياً حكماً:

أ- من ولد في القطر أو خارجه من والد عربي سوري.

ب- من ولد في القطر من أم عربية سورية ولم تثبت نسبته إلى أبيه قانوناً.

ج- من ولد في القطر من والدين مجهولين أو مجهولي الجنسية أو لا جنسية لهما، ويعتبر اللقيط في القطر مولوداً فيه وفي المكان الذي عثر عليه فيه ما لم يثبت العكس.

د- من ولد في القطر ولم يحق له عند ولادته أن يكتسب بصلة البنوة جنسية أجنبية.

هـ- من ينتمي بأصله للجمهورية العربية السورية، ولم يكتسب جنسية أخرى، ولم يتقدم لاختيار الجنسية السورية في المهل المحددة بموجب القرارات والقوانين السابقة، ويسري حكم هذه المادة ولو كان الميلاد قبل تاريخ العمل بهذا المرسوم».

وفي شرح هذه المادة يُلاحظ أن المشرع السوري قد أخذ في الفقرة (أ) بحق الدم لجهة الأب بصفة رئيسة، أما في الفقرة (ب) فقد أخذ بحق الدم من جهة الأم (الأم عربية سورية) مضافاً إلى حق الإقليم (الولادة في القطر السوري).

بينما أخذ في الفقرتين (ج) و(د) بحق الإقليم (الولادة في القطر) ولكن بالنسبة إلى فئات محددة، أما الفقرة الأخيرة (هـ) فإنها تنظم حالة خاصة لتقرير الجنسية السورية الأصلية بحكم القانون، ويمكن اعتبارها - في الواقع - امتداداً للأحكام التي نظمت الانتقال من الجنسية التركية إلى الجنسية السورية.

سادساً- أسس اكتساب الجنسية اللاحقة (المكتسبة):

الجنسية اللاحقة هي الجنسية التي تثبت للشخص بعد ولادته، إما بدلاً من جنسية الأصل وإما فوقها.

1- أسباب اكتساب الجنسية اللاحقة (عموماً):

تتعدد الأسباب المؤدية لكسب الجنسية اللاحقة، إلاَّ أنه يمكن التفريق  بوجه عام ما بين أسباب غير عادية، كحالة تبدل السيادة، وبين أسباب عادية، تعدُّ من أهم أمثلتها حالتا التجنس والزواج المختلط:

أ- تبدل السيادة بالضم أو بالانفصال: يترتب على تبدل السيادة تغيير في جنسية سكان الإقليم المضموم أو المنفصل بحيث يكتسبون جنسية الدولة التي ألحق بها الإقليم المضموم أو جنسية الدولة الجديدة التي نشأت نتيجة الانفصال.

ب- التجنس: التجنس هو طريق لكسب الجنسية، بمنحها من الدولة، حسب تقديرها المطلق للأجنبي الذي يطلبها، بعد تحقيقه الشروط المحددة قانوناً.

ومن هذا التعريف يُستنتج قيام التجنس على خاصتين: الخاصة الأولى: هي أن التجنس ليس حقاً للفرد بل منحة من الدولة؛ لأنها تستطيع رفض التجنس على الرغم من توافر شروطه. أما الخاصة الثانية فهي أن التجنس لا يفرض على الشخص، بل لا بُدَّ من إفصاحه عن إرادته في كسب جنسية الدولة المعنية.

وتختلف شروط التجنس سعة أو ضيقاً من دولة إلى أخرى وذلك تبعاً لسياسة الدولة واختلاف ظروفها، وخاصة من جهة فقرها في السكان أو اكتظاظها بهم.

ومع ذلك، ثمة شروط عامة تكاد تتفق عليها عادةً مختلف الدول، مثالها شرط اكتمال أهلية الأجنبي، وشرط إقامته في الدولة مدةً زمنية معينة، ومع ذلك تختلف الدول هنا في التفاصيل، فمدة الإقامة المطلوبة مثلاً هي في القانون الكويتي والإماراتي والقطري /20/ عاماً، وهي /10/ سنوات في القانونين المصري والليبي، و/5/ سنوات في القانونين السوري والتونسي.

وهناك بالمقابل، بعض الشروط التكميلية تطلبها بعض الدول، كتلك المتعلقة بالتأكد من اندماج الأجنبي في المجتمع، وذلك من خلال معرفته باللغة الوطنية، أو تلك المتعلقة بأمن الجماعة ونظمها الاقتصادية، كشرط حسن الخلق، أو وجود سبب مشروع لكسب الرزق.

وثمة شروط مختلف عليها في هذا السياق، أهمها شرط تعليق كسب الجنسية على فقد طالب التجنس للجنسية التي يحملها، ففي الوقت الذي تبنت فيه تشريعات بعض الدول صراحة هذا الشرط، كما في القانون الأردني والعماني، سكتت تشريعات دول أخرى عن طلبه، كما في مصر وسورية والعراق ولبنان.

ج- الزواج المختلط: في الزواج المختلط يكون الزوج والزوجة من جنسيتين مختلفتين، وقد يكون الزواج سبباً لحصول الزوجة على جنسية الزوج، إلاَّ أن قوانين العالم تختلف حقيقة حول مسألة إعطاء الزوجة جنسية زوجها، إذ تأخذ قوانين بعض الدول بمبدأ (وحدة الجنسية في الأسرة) مما يستلزم منح الزوجة جنسية زوجها بمجرد الزواج، بحكم القانون، وتبرر هذه الدول مسلكها بعدة أسباب، منها ما قد تتعرض له الأسرة من أخطار، إثر قيام مشكلات سياسية (أو حالة حرب) بين دولة الزوج ودولة الزوجة على نحو قد يؤدي إلى إبعاد الزوجة عن إقليم الزوج.

وبالمقابل تأخذ قوانين الدول الأخرى بمبدأ (استقلال الجنسية في الأسرة) استناداً إلى فكرة المساواة بين المرأة والرجل وما يترتب على الأخذ بها من احترام لإرادة المرأة بعدم فرض جنسية عليها قد لا ترغب في حملها أصلاً.

2- أسباب كسب الجنسية اللاحقة وفقاً للقانون السوري:

حدد المرسوم التشريعي رقم 276 لعام 1969 أسباب كسب الجنسية اللاحقة في حالتي التجنس والزواج:

أ- التجنس حسب القانون السوري: ميّز قانون الجنسية السوري ما بين تجنس الأجانب وتجنس العرب وتجنس بعض الأشخاص ممن قام بتحديدهم على نحو استثنائي:

فيما يتعلق بتجنس الأجانب أجازت المادة /4/ من المرسوم التشريعي رقم 276 لعام 1969 منح الأجنبي الجنسية بمرسوم بناء على اقتراح الوزير وعلى طلب خطي يقدمه طالب التجنس فيما لو توفرت فيه الشروط الآتية:

- أن يكون كامل الأهلية وفقاً للقانون السوري - أن يكون مقيماً في القطر بصورة مشروعة إقامة فعلية متتالية مدة خمس سنوات على الأقل سابقة لتقديم طلب التجنس - خالياً من الأمراض السارية والعاهات - حسن السلوك وغير محكوم عليه بعقوبة جنائية أو مقيدة للحرية في جريمة شائنة إلا إذا ردَّ إليه اعتباره - ذا اختصاصٍ أو خبرة أو لديه وسيلة مشروعة لكسب الرزق - ملماً باللغة العربية.

أما عن تجنس العرب فقد أجازت المادة /16/ من المرسوم نفسه منح الجنسية لأبناء البلاد العربية بقرار من وزير الداخلية بناءً على طلبهم، على أن يتم إعفاؤهم من بعض الشروط المطلوبة لتجنس الأجانب، كشرط الاختصاص والخبرة، وشرط الإلمام باللغة العربية، مع الاكتفاء، فيما يتعلق بشرط الإقامة، بإقامة العربي العادية حين تقديمه الطلب.

كما أجاز المشرع السوري الخروج عن شروط التجنس العادي بالنسبة إلى أشخاص معينين حددتهم المادة /6/ من المرسوم على النحو الآتي:

- من يحمل شهادة مواطن مغترب، أي كل من ينتمي بأصله إلى بلدٍ عربي، إذا كان لا يقيم في دولة عربية، ولا يحمل جنسية دولة عربية - من أدى للدولة أو للأمة العربية خدمات جليلة - من كان ينتمي بأصله إلى بلدٍ عربي، أي من كان أحد أصوله لأبيه مولوداً في بلدٍ عربي.

ب- الزواج: كرَّس المشرع السوري مبدأ (استقلالية الجنسية في الأسرة) سواء أكانت الزوجة أجنبية أم عربية، إلاَّ أنه أعفى الزوجة العربية من بعض الشروط التي تطلبها من الزوجة الأجنبية لمنحها الجنسية السورية.

وقد حددت المادة /9/ من المرسوم رقم 276 شروط اكتساب المرأة الأجنبية الجنسية السورية (نتيجة زواجها من سوري أو متجنس بالجنسية السورية) بما يلي: - تقديم طلب للوزارة - استمرار الزوجية قائمة لمدة سنتين من تاريخ الطلب - الإقامة في القطر بصورة مشروعة خلال المدة السابقة - صدور قرار من الوزير بإكسابها الجنسية.

ويمكن القول نتيجة ما سبق: صحيح أن المشرع السوري لم يأخذ بمبدأ وحدة الجنسية بأن تصبح الزوجة الأجنبية سورية بحكم القانون عند زواجها من سوري إلا أنه تطلب منها شروطاً أكثر يسراً من تلك الشروط المطلوبة في حالة التجنس العادي.

أما المرأة التي تتمتع بجنسية بلدٍ عربي، أو تكون من أصل سوري، أو كانت تتمتع بالجنسية السورية وتتزوج من سوري فإنها تصبح عربية سورية بمجرد إبداء رغبتها بطلب خطي وبقرار من الوزير، وذلك حسب نص المادة /19/ من المرسوم التشريعي 276/1969.

سابعاً- آثار التجنس:

1- آثار التجنس في شخص المتجنس:

يتمتع المتجنس بصفة الوطني، فترتب عليه الدولة ما على مواطنيها من التزامات، أما ما يتعلق بالحقوق فلا تأخذ الدول عادةً بمبدأ المساواة الفورية ما بين المتجنس وبين الوطني الأصل، فمنهم من يعلق تحقيق المساواة على مرور فترةٍ زمنية معينة، ومنهم من يحرم المتجنس مدى الحياة من حق ممارسة بعض المهام السياسية.

أما في سورية فلم يتعرض المرسوم التشريعي 276/1969 لمسألة تحديد أثر التجنس في حقوق المتجنس؛ مما يوحي باتجاهه للأخذ بمبدأ المساواة الفورية ما بين المتجنس وبين الوطني الأصل، إلاَّ أن تتبع التشريعات اللاحقة لهذا المرسوم، كقانون الانتخابات المتضمن شروط الترشيح لعضوية مجلس الشعب سوف يثبت العكس.

2- آثار التجنس في أفراد أسرة المتجنس «الزوجة والأولاد»:

أ- بالنسبة إلى أولاد المتجنس: إن آثار التجنس لا تمتد - من حيث المبدأ - إلى الأولاد البالغين سن الرشد، ومع ذلك تيسر بعض التشريعات لهؤلاء الأولاد إمكانية الدخول في جنسية أبيهم إذا ما أبدوا رغبتهم في ذلك.

أما الأولاد القاصرون فإنه يمكن التمييز في مسلك الدول حيالهم ما بين ثلاثة اتجاهات رئيسة: الأول يقضي بإكسابهم جنسية أبيهم بقوة القانون، أما الثاني فيشترط ذكر أسمائهم في طلب التجنس، والاتجاه الثالث يتطلب اللجوء إلى طريق التجنس، ولكن ضمن شروطٍ مخففة بعض الشيء.

أما في سورية فقد ميَّز المشرع السوري في قانون الجنسية ما بين أولاد المتجنس الأجنبي وبين أولاد المتجنس العربي، كما ميَّز الأولاد الراشدين عن الأولاد القاصرين:

(1)- أولاد المتجنس الأجنبي: للراشدين من أولاد المتجنس الأجنبي أجازت المادة /7/ منح الجنسية إذا طلبوها، بعد أن تخفض مدة الإقامة المطلوبة قانوناً إلى سنتين على الأقل.

أما القاصرون فقد نصت المادة /8/ على تمتعهم بالجنسية، إلاَّ إذا كانت إقامتهم العادية في الخارج، وبقيت لهم جنسية أبيهم الأصلية بمقتضى التشريع الناظم لها (ف2).

(2)- أولاد المتجنس العربي: منح المشرع الأولاد القاصرين منهم الجنسية بقوة القانون، وذلك حسب نص المادة/17/، ولو كانت إقامتهم العادية خارج القطر، أما الراشدون فلم يرتب المشرع السوري على تجنس أبيهم العربي أي أثر في جنسيتهم مما يفترض لجوءهم إلى طريق التجنس العادي ضمن شروط تجنس أبناء البلاد العربية.

ب- زوجة المتجنس: يختلف مسلك الدول كذلك في تحديد أثر التجنس في زوجة المتجنس، فمنهم من يقرر دخول الزوجة في جنسية الزوج الجديدة بحكم القانون، ومنهم من يستلزم اتباع طريق التجنس العادي، إلاَّ أنه يلاحظ، بوجه عام، توجه التشريعات لاحترام إرادة الزوجة في اللحاق بجنسية زوجها كلما حصل تجنس الزوج في أثناء قيام الرابطة الزوجية، وذلك لعلة عدم تبين الزوجة لأمر جنسيتها سلفاً، كما في حالة الزواج المختلط.

أما في سورية فلم يقر المشرع باكتساب الزوجة الأجنبية للجنسية السورية بقوة القانون نتيجة تجنس زوجها الأجنبي، كما أنه لم يستلزم منها كامل شروط التجنس العادي، فقد أعفاها من بعضها وخفف عنها بعضها الآخر، إذ علق دخولها في الجنسية على إرادتها مع توافر بعض الشروط التي حددتها المادة 8/1 كالآتي: تقديم طلب إلى وزارة الداخلية - استمرار الزوجية قائمة مدة سنتين من تاريخ الطلب - الإقامة المشروعة خلال المدة السابقة - موافقة الوزير على طلب الزوجة…

ثامناً- فقدان الجنسية (التغيير - التجريد):

1- فقدان الجنسية بالتغيير أو التخلي:

تعترف الدول عادةً بإرادة الفرد في تغيير جنسيته، في حالات معينة وضمن شروط محددة، ومن أكثر تلك الحالات شيوعاً:

أ- فقدان الجنسية بسبب التجنس بجنسية دولة أجنبية: تختلف مواقف الدول من مسألة التجنس كسبب لفقد الجنسية، ففي الوقت الذي تذهب فيه بعض الدول، كالعراق والكويت، إلى اعتبار الشخص فاقداً للجنسية بحكم القانون كأثر مباشر للتجنس، تستلزم دول أخرى، كالسعودية والبحرين ومصر والسعودية وسورية، الحصول على إذنٍ بذلك، في حين تعتبر بعض الدول، كقطر والإمارات، تغيير الجنسية إثماً يستوجب التجريد عن طريق الإسقاط.

ب- فقدان الجنسية بالزواج: غالباً ما تعلق الدول فقدان الجنسية بالزواج على دخول الزوجة في جنسية زوجها خشية بقائها من دون جنسية.

ج- فقدان الجنسية (المكتسبة بالتبعية) بالرجوع عنها إلى الجنسية السابقة، كرجوع الزوجة التي اكتسبت جنسية زوجها إلى جنسيتها السابقة بوفاة الزوج أو بطلاقها منه، أو رجوع الأولاد القاصرين ممن اكتسبوا جنسية أبيهم إثر تجنسه إلى جنسيتهم السابقة، وعادةً ما يتمُّ ذلك خلال مدة زمنية من بلوغهم سن الرشد.

أما في سورية فقد أخذ المشرع بالحالات نفسها السابقة لتقرير الفقدان، وذلك على النحو الآتي:

- فقدان الجنسية بالتجنس: نصت المادة (10/1) على أن يفقد العربي السوري جنسيته إذا تجنس بجنسية أجنبية، بشرط أن يكون قد صدر مرسوم، بناء على طلبه واقتراح الوزير، بالسماح له بالتخلي عنها بعد قيامه بجميع واجباته تجاه الدولة.

- فقدان الجنسية بالزواج: نصت المادة /12/ على أن تحتفظ المرأة العربية السورية التي تتزوج من أجنبي بجنسيتها، إلاَّ إذا طلبت اكتساب جنسية زوجها، وكان قانون الزوج يكسبها إياها، شريطة أن يكون عقد الزواج صحيحاً بموجب القانون السوري.

كما ذهبت المادة /13/ إلى أن الزوجة التي اكتسبت الجنسية السورية بزواجها من سوري أو من متجنس بالجنسية السورية ثم انقضت الرابطة الزوجية فإنها تفقد الجنسية إذا تزوجت من أجنبي واكتسبت جنسيته بموجب قانونه.

- فقدان الجنسية السورية بالرجوع عنها إلى الجنسية السابقة: فقد نصت المادة /13/ على أن إمكانية استرداد الزوجة، التي اكتسبت الجنسية السورية، جنسيتها الأجنبية الأصلية يلي انقضاء الرابطة الزوجية. كما نصت المادة /8/ على حق الأولاد القاصرين بالرجوع عن جنسيتهم السورية (المكتسبة بالتبعية لوالدهم المتجنس) إلى جنسيتهم السابقة، وذلك خلال السنة التالية لبلوغهم سن الرشد.

2- فقدان الجنسية بالتجريد:

يتمُّ التجريد من الجنسية بإرادة الدولة فحسب، وذلك إما بالإسقاط وإما بالسحب، مع العلم أن التفرقة ما بين الإسقاط والسحب، وإن كانت واضحة المعالم في بعض القوانين، كالقانون المصري أو الكويتي أو السعودي، إلاَّ أنها ليست كذلك في الكثير من القوانين الأخرى، كالقانون السوري والعماني والأردني والمغربي والجزائري.

ويتم التجريد من الجنسية بسحبها ممن كسبها بصورة لاحقة على ميلاده (بالتجنس مثلاً) أو ممن كسبها بالتبعية (الزوجة والأبناء) وذلك نتيجة قيامه بأعمال تدل على عدم ولائه للدولة أو عدم اندماجه في مجتمعها.

أمَّا التجريد من الجنسية بإسقاطها فعادةً ما يتم عقاباً لمواطني الدولة على ما ارتكبوه من أفعال أو جرائم خطيرة بحق دولتهم.

وتختلف الدول في تحديد نطاق أثر الإسقاط، إذ تقصره بعضها على الشخص نفسه، وتمدّه دول أخرى ليشمل زوجته وأولاده كذلك.

أما في سورية فقد حدد المشرع حالات التجريد من الجنسية مميزاً ما بين حالة التجريد القضائي المادة /20/ وحالات التجريد الإداري المادة /21/، إذ نصت المادة /20/ على أن يجرد من الجنسية، بحكم قضائي، من ثبت اكتسابه إياها بناءً على بيان كاذبٍ أو بطريق التدليس، على أن يشمل هذا التجريد من اكتسبها كذلك بالتبعية.

أما حالات التجريد الإداري فقد حددتها مادة /21/ بالآتي:

أ- تجنس المواطن السوري بجنسية أجنبية قبل السماح له بالتخلي عن جنسيته. ب- دخول المواطن السوري باختياره في الخدمة العسكرية لدولة أجنبية دون ترخيص سابق. جـ - الاستخدام لدى دولة أجنبية مع عدم تلبية طلب الوزير بترك خدمته ضمن المدة المحددة لذلك. د- النشاط أو العمل لصالح بلدٍ هو في حالة حرب مع سورية. هـ- مغادرة سورية بصورة غير مشروعة إلى بلد هو في حالة حرب معها. و- التجريد لمصلحة أمن البلاد وسلامتها. ز- مغادرة البلاد نهائياً بقصد الاستيطان في بلدٍ غير عربي…

وفي مختلف تلك الحالات تسقط الجنسية عن الشخص المعني وحده، ما لم ينص على خلاف ذلك صراحةً (المادة 23).

تاسعاً- استرداد الجنسية وردّها:

1- استرداد الجنسية:

يتم استرداد الجنسية عادةً من قِبَلِ من فقدها نتيجة زوال السبب الذي أدى إلى فقدانها، ولاسيَّما سبب اكتسابه جنسية أجنبية.

وتختلف مواقف الدول من موضوع استرداد الجنسية، فإذ تعتبره بعض الدول حقاً للفردِ، يثبت له بمجرد توافر شروط معينة، تتعامل معه دول أخرى على أنه مجرد منحة من الدولة.

وفي سورية سمح المشرع لبعض الأشخاص باسترداد الجنسية السورية، وهم:

- الأولاد القاصرون الذين فقدوا الجنسية السورية، نتيجة تجنس والدهم السوري بجنسية أجنبية، واكتسبوا جنسيته الجديدة، إذ لهؤلاء استرداد الجنسية السورية خلال السنة التالية لبلوغهم سن الرشد، إذا كانت إقامتهم العادية في القطر، أو كانوا قد عادوا إليه بقصد الإقامة الدائمة، على أن يسمح لهم بذلك بقرار من وزير الداخلية (المادة 11/3).

- المرأة السورية التي فقدت جنسيتها إما بسبب زواجها من أجنبي، وإما بسبب تجنس زوجها السوري بجنسية أجنبية، إذ يجوز لها استرداد جنسيتها عند انتهاء الزوجية، شريطة تقديمها طلب استرداد وموافقة الوزير على ذلك الطلب (المادة 14).

2- رد الجنسية:

تردُّ الجنسية عادةً لمن فقدها نتيجة التجريد، لذلك يعتبر الرد عملاً من أعمال السلطة يخضع لتقديرها المطلق. ولئن تحدثت تشريعات بعض الدول عن مسألة رد الجنسية، كالقانون العماني والأردني والكويتي والقطري، إلاَّ أن تشريعات عربية أخرى سكتت عن هذه المسألة، كما في القانون اللبناني والجزائري والمغربي والسعودي والبحريني، وهذا يعني أنه لا سبيل أمام مَن جُرِّدَ من جنسيته - في سبيل العودة إليها - سوى اللجوء إلى طريق التجنس العادي.

أما في سورية فقد أجازت المادة /24/ من المرسوم التشريعي 276/1969 ردَّ الجنسية لمن جُرِّدَ منها، بشرط أن يتم ذلك بمرسوم صادر عن رئيس الجمهورية بناء على اقتراح معلل من وزير الداخلية يمكن أن يبين فيه صورية أسباب التجريد، أو منفعة الرد للمصلحة العامة.

مراجع للاستزادة:

- أحمد عبد الحميد عشوش، عمر أبو بكر باخشب، أحكام الجنسية ومركز الأجانب في دول مجلس التعاون الخليجي «دراسة مقارنة مع الاهتمام بالنظام السعودي» (مؤسسة شباب الجامعة، الإسكندرية 1990م).

- أحمد مسلم، القانون الدولي الخاص (في الجنسية ومركز الأجانب)، الجزء الأول (مكتبة النهضة المصرية، القاهرة 1956).

- سامي بديع منصور، الوسيط في القانون الدولي الخاص، الطبعة الأولى (دار العلوم العربية، بيروت 1994).

- عكاشة محمد عبد العال، الوسيط في أحكام الجنسية اللبنانية «دراسة مقارنة مع التشريعات العربية»، الطبعة الأولى (منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت 2001م).

- فؤاد ديب، القانون الدولي الخاص «الجنسية»، الطبعة الخامسة (منشورات جامعة دمشق 1994- 1995م).

- محمد عزيز شكري، الجنسية العربية السورية (منشورات دار الفكر، 1969 و1971).

- ممدوح عبد الكريم حافظ، القانون الدولي الخاص وفق القانونين العراقي والمقارن، الطبعة الثانية (دار الحرية للطباعة، بغداد 1977م).

- هشام علي صادق، الجنسية والموطن ومركز الأجانب، المجلد الأول في الجنسية والموطن (منشأة المعارف، الإسكندرية 1977م).

 


التصنيف : القانون الدولي
النوع : القانون الدولي
المجلد: المجلد الثالث: الجرف القاري ــ الرسم والنماذج الصناعية
رقم الصفحة ضمن المجلد : 90
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 17
الكل : 12091820
اليوم : 840