logo

logo

logo

logo

logo

مبدأ شمول الموازنة

مبدا شمول موازنه

principle of universality of the budget - principe d’universalité budgétaire



مبدأ شمول الموازنة والصوافي

مبدأ شمول الموازنة والصوافي

جميل الصابوني

تعريف مبدأ شمول الموازنة

تعريف مبدأ الصوافي

مبررات مبدأ شمول الموازنة

استثناءات مبدأ شمول الموازنة

تطبيق مبدأ شمول الموازنة ومبدأ الصوافي في التشريع المالي السوري

 

يراد بهذا البحث إلقاء الضوء على مبدأ مهم جداً من المبادئ التي تنهض عليها الموازنة العامة للدولة، سواء في الفكر التقليدي القائم على تقديس حرية الفرد؛ أم في الفكر الحديث القائم على تدخل الدولة في الشؤون الاقتصادية وغيرها من ميادين الحياة، هذا المبدأ هو مبدأ شمول الموازنة، وأيضاً دراسة مبدأ الصوافي الذي كان يحظى بأهمية كبيرة في ظل الفكر المالي التقليدي، والذي ما زال سارياً في التشريعات المالية لبعض دول العالم.

أولاً ـ تعريف مبدأ شمول الموازنة:

يمكن الإشارة بداية إلى أن هذا المبدأ يعد مكملاً لمبدأ مهم آخر من مبادئ الموازنة العامة، وهو مبدأ وحدة الموازنة الذي درج الفقه المالي على تعريفه بأنه "إدراج كافة النفقات والإيرادات العامة للدولة في وثيقةٍ واحدة"؛ إذ يقصد بمبدأ شمول الموازنة "أن يدرج في الوثيقة الموحدة للموازنة العامة جميع الإيرادات العامة للدولة مهما كانت مصادرها، وجميع النفقات العامة مهما كانت أنواعها، دون إجراء أي إنقاصٍ أو اقتطاعٍ أو تقاصٍ بين تلك الإيرادات والنفقات العامة".

وبالتالي هناك ارتباط جدلي ضمن مبدأ شمول الموازنة ما بين نفقات الدولة وإيراداتها، بحيث لا يسمح هذا المبدأ أن تخفض (تنزَّل) من الإيرادات المراد جبايتها لخزانة الدولة النفقات المتوقع صرفها لتحقيق هذه الإيرادات.

ويترتب على تطبيق هذا المبدأ ثلاث نتائج مهمة وهي:

(أ) ـ في الموازنة العامة تدرج جميع الإيرادات اللازمة لتمويل جميع النفقات.

(ب) ـ في الموازنة العامة تسجل جميع النفقات العامة والإيرادات العامة.

(ج) ـ في الموازنة العامة تسجل جميع النفقات الناجمة عن جباية بعض الإيرادات.

علماً أن مبدأ الشمول لم يكن هو الأصل المطبق في بداية نشوء الفكر المالي التقليدي، بل كان مبدأ الصوافي ـ المناقض تماماً لمبدأ شمول الموازنة ـ هو السائد في معظم ماليات دول العالم، وخصوصاً في الدول العربية. بيد أن التطورات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية أدت إلى عدول الفكر المالي في غالبية دول العالم عن مبدأ الصوافي إلى مبدأ شمول الموازنة.

ومن الأمثلة على مبدأ شمول الموازنة حالة قيام الدولة بفرض رسوم إنفاق استهلاكي على السيارات بلغت حصيلتها عشرة ملايين ليرة سورية لعام 2000، وكانت النفقات اللازمة لتحصيل تلك الرسوم من ثمن مطبوعات وأجور عاملين…إلخ تساوي مليون ليرة سورية؛ وفق مبدأ الشمول تدرج في صحيفة الموازنة لجهة مديرية النقل عشرة ملايين ليرة سورية في جدول إيراداتها، ويدرج أيضاً مبلغ المليون ليرة في جدول نفقات تلك الجهة.

وتجدر الإشارة هنا إلى ضرورة التمييز ما بين مبدأ شمول الموازنة كما عُرِّف أعلاه؛ وبين مبدأ شيوع الموازنة الذي هو أيضاً أحد المبادئ الرئيسة للموازنة العامة، لأن الأخير يقضي بعدم جواز تخصيص إيرادات معينة لتغطية نفقات معينة، وبالتالي اعتبار الإيرادات العامة بمجملها بمنزلة كتلة واحدة متكاملة لازمة لتغطية مجمل النفقات العامة التي تشكل كتلة واحدة أيضاً.

علماً أن غالبية الفقه المالي الفرنسي كان سابقاً يشمل المبدأين معاً في مبدأ واحد يسميه مبدأ عمومية الموازنة Universalité budgétaire، وبالتالي كان هذا المبدأ يضم قاعدتي شمول الموازنة؛ وشيوع الموازنة (أو كما يسميها قاعدة عدم تخصيص الإيرادات).

ثانياً ـ تعريف مبدأ الصوافي:

تم الإشارة آنفاً أن مبدأ الصوافي يناقض تماماً في مضمونه مبدأ شمول الموازنة؛ لأنه يسمح بأن يسجل ضمن الموازنة العامة للدولة الرصيد الحاصل ما بين الإيرادات العامة والنفقات العامة، بحيث يذكر في الموازنة العامة للدولة صافي حساب كل مرفق أو جهة عامة في الدولة؛ بعد إجراء التقاص ما بين نفقات ذلك المرفق وإيراداته، أي يدرج صافي حساب كل عمل يقوم به ذلك المرفق أو الجهة العامة.

واستناداً إلى المثال السابق ذكره يصبح الأمر ـ بحسب مبدأ الصوافيـ أن يتم مباشرة حسم مبلغ المليون المنفق من إيراداتها كرسوم أو تخفيضه، فلا يدرج في موازنة تلك الجهة سوى مبلغ الرصيد الصافي وهو (9) مليون ليرة سورية.

وتجدر الإشارة إلى أن العرب منذ القديم أخذوا بمبدأ الصوافي، أو كما كانوا يسمونه "مبدأ الارتفاعات"؛ إذ كان الولاة ينفقون من الأموال التي تجبى لتسيير أمور الولاية، ثم يرسلون ما بقي منها للخليفة، وهو المبدأ ذاته الذي اتبعته الدولة العثمانية. ومن أشهر الدول العربية التي طبقت مبدأ الصوافي كانت مصر في القرن التاسع عشر، وذلك بهدف عدم تقييد الحكومة المصرية لحريتها في أداء عملها المالي، خصوصاً أنها في تلك الفترة كانت تسعى إلى تسديد قروضها الأجنبية الضخمة بحيث كانت نصف إيرادات الحكومة تحول إلى صندوق الديون. وبذلك تكون الحكومة المصرية قد نأت بنفسها عن المراقبة المالية لمجلس الشعب المصري.

ثالثاً ـ مبررات مبدأ شمول الموازنة:

هناك مجموعة مبررات تؤيد تطبيق هذا المبدأ، وتتمثل فيما يلي:

> مبررات سياسية: إن تطبيق هذا المبدأ من شأنه أن يساعد ممثلي الشعب (مجلس الشعب أو البرلمان) على ممارسة حقهم في الرقابة على مالية الدولة على نحو دقيق، ومنح الإذن بالإنفاق والجباية بأسلوب ينسجم مع الواقع؛ لأن شمول الموازنة العامة للدولة على جميع الإيرادات والنفقات العامة يتيح لمجلس الشعب أن يطّلع على الصورة الكاملة والواضحة لإيرادات الدولة ونفقاتها، ومن ثم يكون ملماً بحقيقة الأوضاع المالية في الدولة، مما يسمح له بتحقيق رقابة صارمة ودقيقة على أموال الدولة، خصوصاً عندما تتواجد في ذلك المجلس العناصر المؤهلة لإجراء مثل هذه الرقابة.

> مبررات اقتصادية: إن تطبيق مبدأ شمول الموازنة يساعد على معرفة مقدار مساهمة السلطات العامة المختلفة في تكوين الدخل القومي، على اعتبار أن الدخل القومي يتضمن مقدار الدخل الذي تحققه الدولة بسلطاتها العامة ومؤسساتها؛ وكذلك مجموع دخول الأفراد. كما أن مبدأ الشمول يسّهل عملية قياس العبء الضريبي بالنسبة إلى الدخل القومي؛ لأن هذه المعادلة تبين مدى المقدرة التكليفية للممول، كما أن تطبيق مبدأ شمول الموازنة من شأنه أن يوضح المردود الاقتصادي والمالي لمختلف أنواع الضرائب والرسوم.

> مبررات مالية: يحول تطبيق مبدأ شمول الموازنة دون إسراف الجهات الحكومية والإدارية وتبذيرها، وذلك لأن تلك الجهات والهيئات لا تستطيع إخفاء أي قسم من الإيرادات أو النفقات عن السلطة التشريعية تحت مظلة التقاص ما بينهما، وهذا ما كان يحدث فعلاً عند تبني مبدأ الصوافي في الموازنة العامة.

رابعاً ـ استثناءات مبدأ شمول الموازنة:

هناك بعض الاستثناءات الواردة على مبدأ شمول الموازنة، وجميعها تنبثق من فكرة الصوافي، بيد أنها تتخذ أشكالاً متعددة، تختلف باختلاف الدول التي تتضمن موازناتها استثناءات على مبدأ شمول الموازنة، وأهمها:

1ـ موازنات الدول الاتحادية: تعتمد تلك الدول في موازنتها على المساهمات المالية من الدويلات الداخلة في الاتحاد؛ أو على بعض الضرائب التي تجبى لمصلحتها من قبل تلك الدويلات الأعضاء، كالضرائب غير المباشرة مثل الضريبة على الإنفاق أو الضرائب الجمركية. وفي هذه الحالة تقوم الدويلات الأعضاء بتحقق تلك الضرائب وجبايتها وتحصيلها، وإرسال رصيدها ـ فقط ـ إلى الدولة الاتحادية من دون ذكر نفقات جبايتها؛ لأن الدويلات هي التي تدرج نفقات التحصيل تلك في موازناتها.

2ـ الموازنات المستقلة: هي موازنات منفصلة عن الموازنة العامة للدولة، وترتبط بها فقط بواسطة الرصيد (الفائض)، بمعنى أن بعض الجهات ذات الطابع الاقتصادي والبلديات ـ على سبيل المثال كما في سورية ـ تحال وتدرج فوائضها فقط في موازنة الدولة العامة في حال حققت أرباحاً في جدول الإيرادات، أما إذا ما تعرضت لخسائر؛ فيتم تقديم إعانات لموازناتها من الموازنة العامة للدولة في جدول النفقات.

3ـ صوافي بعض أنواع الإيرادات: انطلاقاً من ضرورات عملية معينة قد يتم اللجوء إلى فكرة الصوافي بشأن إيرادات معينة للدولة، ومثال ذلك: أن تمنح الدولة بائعي الطوابع نسبة مئوية من رقم المبيع، هذه النسبة يتم حسمها مباشرة من ثمن الطوابع، وحينئذ لا يعدّ هذا الحسم بمنزلة نفقة على موازنة الدولة تدرج بشكل مستقل، وإنما يدرج فقط صافي ثمن الطوابع المباعة في جدول الإيرادات في موازنة الدولة. وكذلك الحال بالنسبة إلى الإيرادات القنصلية الفخرية التي تعد استثناء من مبدأ شمول الموازنة للسبب نفسه.

خامساً ـ تطبيق مبدأ شمول الموازنة ومبدأ الصوافي في التشريع المالي السوري:

أُشير آنفاً إلى أن الأصل في التشريع المالي هو تطبيق مبدأ الصوافي باعتباره أسهل وأيسر تطبيقاً من مبدأ الشمول، بيد أن انتصار فكرة السيادة الشعبية، وضرورة متابعة البرلمان لجميع نفقات هيئات ومؤسسات الدولة ومؤسساتها؛ وكذلك متابعة إيراداتها؛ هو الذي قاد إلى تبني مبدأ الشمول. وتاريخياً تعد الولايات المتحدة الأمريكية أول دولة طبقت مبدأ شمول الموازنة، حيث كان ذلك في بداية القرن التاسع عشر، أما فرنسا فقد طبقت هذا المبدأ على مرحلتين: الأولى كانت عام 1817 عندما صدر قانون يلزم الدولة بتسجيل جميع الضرائب في موازنة الإيرادات؛ وجميع نفقات جبايتها وتحصيلها في موازنة النفقات، ثم المرحلة الثانية كانت عام 1822 عندما ألزم المشرع الفرنسي الحكومة بأن تدرج جميع الإيرادات في جدول، وجميع النفقات في الجدول المقابل ضمن الموازنة العامة.

أما في الجمهورية العربية السورية فقد طبق هذا المبدأ أول مرة عام 1921 وأصبح لزاماً على الدولة أن تدرج في جدول الإيرادات جميع المبالغ المحصلة، وتدرج في المقابل جميع نفقات التحصيل والإدارة وكل النفقات الإضافية في جدول النفقات. وجاء التشديد على تطبيق مبدأ الشمول عام 1923 عندما جاء قرار تنظيم المحاسبة العامة في عام 1923، فقد منع إغفال ذكر الموارد الناشئة من بعض النفقات أو إهمالها، إذ يتوجب إضافتها إلى جانب بقية الموارد العامة في الموازنة العامة.

بيد أن تطور دور الدولة؛ وازدياد تدخلها في ميدان الحياة الاقتصادية؛ تأثراً بالتيار التدخلي للدولة الذي انتشر حينذاك على صعيد العالم بأكمله؛ وتحديداً بعد استقلالها عن الاحتلال الفرنسي؛ أدى إلى انتشار بعض الاستثناءات المهمة من مبدأ شمول الموازنة، خصوصاً موازنة البلديات والأوقاف. ولكن حسماً لأي تشتت مالي في سورية فقد أكد المؤتمر القومي لحزب البعث العربي الاشتراكي المنعقد عام 1965 أهمية مبدأي وحدة الموازنة وشمول الموازنة وضرورة تطبيقهما، وذلك بعد التحولات الاقتصادية المهمة الحاصلة في سورية؛ مثل تملك الدولة لمعظم وسائل الإنتاج؛ وبالتالي تزايد أهمية دور القطاع العام الاقتصادي.

وفي عام 1967 صدر القانون المالي الأساسي بموجب المرسوم التشريعي رقم (92) الذي شدّد بوضوح على تطبيق مبدأ وحدة الموازنة؛ تسهيلاً لفرض رقابة مجلس الشعب بإحكام على نفقات الدولة وإيراداتها، وبالمقابل وفيما يخص تطبيق مبدأ شمول الموازنة؛ فإن القانون ميز بين نوعين من الجهات العامة:

1ـ الوزارات والإدارات والهيئات العامة ذات الطابع الإداري، وتلك يطبق بخصوصها مبدأ شمول الموازنة، بحيث تدرج إيراداتها ونفقاتها كاملة في جدولي الموازنة العامة، من دون أي تقاص بينهما.

2ـ المؤسسات العامة ذات الطابع الاقتصادي، ووحدات الإدارة المحلية كالمجالس البلدية والقروية…إلخ؛ والدوائر الوقفية، فتلك تحوز موازنات مستقلة عن الموازنة العامة للدولة، وبالتالي ـ وتطبيقاً لمبدأ الصوافي ـ فإن موازنات تلك الجهات ترتبط بموازنة الدولة العامة بالرصيد الصافي بعد مقاصة نفقاتها مع إيراداتها، بمعنى أن الفائض الذي تحققه موازنات تلك الجهات هو الذي يظهر فقط في الموازنة العامة للدولة بوصفه إيراداً استثمارياً. وفي حال عجزها فإن تغطية هذا العجز تتم من الموازنة العامة كإعانة في باب خاص بذلك ضمنها؛ موجود إلى جانب باب النفقات العامة، هذا ولم يغير القانون المالي الأساسي الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 54/2006 أياً من القواعد السابقة.

وعلى الرغم من تطور دور الدولة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، ومع الاستثناءات المتعددة التي طرأت عليه؛ فإن مبدأ شمول الموازنة ما زال يمثل أحد أهم مبادئ الموازنة العامة المعاصرة في سورية، وذلك استناداً إلى المسوغات المهمة التي سـبق وأشير إليها.

لكن ذلك لا يمنع من ملاحظة كثرة الاستثناءات الواردة على مبدأ شمول الموازنة؛ والمستندة كلها إلى فكرة الصوافي، وذلك سواء فيما يخص الموازنة العامة في سورية؛ أم في معظم دول العالم، وربما يعود ذلك إلى أن مبدأ الصوافي هو الأقل تعقيداً في فهمه، والأكثر سهولة ويسراً في تطبيقه، والأشد وضوحاً ومرونة؛ لأنه يعطي الدولة قدراً كبيراً من الديناميكية في العمل، إضافة إلى الوقوف على الأرقام النهائية المدرجة في الموازنة، والتي لن تكون أرقاماً هائلةً جداً كما لو تم الاعتماد على مبدأ الشمول.

أياً يكن فإن لكل مبدأ أو فكرة محاسنها ومساوئها، وبالتالي فإن منطق العقل يقتضي إعمال الموازنة والمقارنة ما بين المحاسن والمساوئ لاختيار تطبيق المبدأ الأفضل، والذي يدل واقع الحال على أنه مبدأ شمول الموازنة لما فيه من مزايا سياسية واقتصادية واجتماعية ذكرت سابقاً.

 

مراجع للاستزادة:

 

ـ عصام بشور، المالية العامة والتشريع المالي (مطبعة جامعة دمشق، 1975ـ 1976).

ـ السيد عبد المولى، المالية العامة (دار الفكر العربي، القاهرة 1975).

ـ محمد سعيد فرهود، مبادئ المالية العامة، الجزء الأول (منشورات جامعة حلب، 1990).

ـ يوسف شباط، المالية العامة والتشريع المالي، الجزء الثاني (منشورات جامعة دمشق، 2009ـ 2010).

- H.LAUFENBURGER, Budget et trésor, (librairie du Recueil Sirey, Paris, 1948).

- Maurice DUVERGER, Institutions financières (P.U.F., Paris, 1957).

 


التصنيف : القانون المالي
النوع : القانون المالي
المجلد: المجلد السابع: المحكمة الجنائية الدولية _ ولاية المظالم في الإسلام
رقم الصفحة ضمن المجلد : 313
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 83
الكل : 12587275
اليوم : 3655