logo

logo

logo

logo

logo

الوعد بـ-جائزة

وعد بجايزه

promise of reward - promesse d'une récompense

 الوعد بجائزة

الوعد بجائزة

زهير حرح

مفهوم الوعد بجائزة

شروط الوعد بجائزة

آثار الوعد بجائزة

سقوط دعوى المطالبة بالجائزة

 

الوعد بجائزة هو تصرف يتم بالإرادة المنفردة، ويراد بالإرادة المنفردة كل تعبير عن الإرادة يتم وينتج أثره بإرادة صاحبه وحدها، وهو في هذا يختلف عن العقد الذي يتم بإرادتين، لا بإرادة واحدة. وقد اختلف الفقه بشأن إمكانية أو استطاعة الإرادة المنفردة إنشاء الالتزام، وقد وجدت نزعتان أو نظريتان متطرفتان، إحداهما وهي النظرية السائدة في القانون الفرنسي تأبى وتنكر على الإرادة المنفرة صلاحيتها لأن تولد أو تنشئ التزاماً، وبهذا أخذ واضعو القانون المدني الفرنسي، إذ إن العقد طبقاً لهذه النزعة هو المصدر الوحيد للالتزامات الإرادية، في حين أن النزعة الأخرى التي نادى بها الفقهاء الألمان تذهب إلى الاعتراف بصلاحية الإرادة المنفردة لأن تكون مصدراً عاماً للالتزامات الإرادية فلا تقتصر على أحوال معينة.

وقد أقر الفقه الألماني بدور الإرادة المنفردة في إنشاء الالتزام منذ القرن التاسع عشر. وقد تأثر فريق من الفقه الفرنسي بوجهة النظر هذه، وطالب بالاعتراف بإمكانية الإرادة المنفردة أن تنشئ الالتزامات. وقد ظل العقد إلى القرن التاسع عشر يعد المصدر الوحيد للالتزامات الإرادية، أما الإرادة المنفردة فلا تنشئ التزاماً. وقد ذهب الفقهاء المطالبون بالاعتراف للإرادة المنفردة بقدرتها على إنشاء الالتزام بأن الاعتراف لها بهذه الإمكانية إنما هو تطبيق لمبدأ سلطان الإرادة، إذ لا يمكن أن يكون الأخذ بهذا المبدأ كاملاً إلا إذا تم الاعتراف للإرادة المنفردة بقدرتها على إنشاء الالتزامات. ونتيجة لذلك عدت بعض القوانين الحديثة الإرادة المنفردة مصدراً إرادياً للالتزامات في الحالات التي نص فيها القانون على ذلك، وقد عدت هذه التشريعات، ومنها القانون المدني السوري والمصري، الإرادة المنفردة مصدراً استثنائياً من مصادر الالتزام لا مصدراً عاماً للالتزامات. إذ إنها لا تنشئ الالتزامات، إلا في حالات معينة، وبنصوص قانونية خاصة إذ لا تستطيع إنشاء الالتزام إلا إذا كان هناك نص قانوني يعطيها إمكانية ذلك. كالتزام الموجب بعدم العدول عن إيجابه خلال المدة التي حددها له، والتزام من وجه إلى الجمهور وعداً بجائزة بالوفاء بوعده. وقد نص القانون المدني السوري على عدة حالات تعد فيها الإرادة المنفردة مصدراً للالتزام منها، الإيجاب الملزم المادة (94) مدني سوري، والمؤسسة الخاصة المادة (57) من قانون المؤسسات الخاصة عام 1959، والوصية المادة (207) أحوال شخصية وهي تصرف في التركة مضاف إلى ما بعد الموت تنشأ بإرادة الموصي وحدها، والوعد بجائزة، وهي من التصرفات التي تنشأ بإرادة منفردة بنص خاص في القانون المادة (163) مدني سوري، إذ ينشأ الالتزام فيها بالإرادة، لا بالقانون فالآثار التي تترتب عليها إنما تنشأ، لأن الإرادة اتجهت إليها. وبذلك يكون المشرع السوري قد نهج منهجاً وسطاً بين نظريتين متطرفتين، الأولى تأبى أن تكون الإرادة المنفردة مصدراً للالتزام، والثانية تذهب إلى منح الإرادة المنفردة هذه الإمكانية.

أولاً ـ مفهوم الوعد بجائزة:

1ـ تعريف الوعد بجائزة:

الوعد بجائزة هو تصرف قانوني ينشأ بإرادة منفردة، وهي إرادة الواعد الذي يعلن للجمهور عن جائزة لمن يقوم بعمل معين، كالإعلان عن جائزة لمن يعثر على شيء ضائع، أو لمن يقوم بوضع أحسن تصميم لبناء معين.

كما يعرف الوعد بجائزة بأنه، إعلان موجة إلى الجمهور من شخص معين يعلن فيه بإرادته المنفردة التزامه بمنح جائزة معينة لمن ينجز عملاً معينًا وفق شروطه المعلنة.والجائزة قد تكون مبلغاً نقدياً، أو شيئاً عينياً، كسيارة، أو منزل.

وقد نصت المادة (163) من القانون المدني السوري على ما يلي: « من وجه للجمهور وعداً بجائزة يعطيها عن عمل معين التزم بإعطاء الجائزة لمن قام بها ولو قام به دون نظر إلى الوعد بالجائزة أو دون علم بها.

وإذا لم يعين الواعد أجلاً للقيام بالعمل، جاز لـه الرجوع في وعده بإعلام للجمهور، على ألا يؤثر ذلك في حق من أتم العمل قبل الرجوع في الوعد. وتسقط دعوى المطالبة بالجائزة إذا لم ترفع خلال ستة أشهر من تاريخ إعلانه العدول للجمهور».

من هذا النص يتضح أن الوعد بجائزة هو وعد يوجه من شخص يدعى الواعد إلى الجمهور من أجل القيام بعمل ما يطلبه الواعد مقابل منح جائزة معينة لمن يقوم بهذا العمل، كالوعد بمنح جائزة لمن يجد شيئاً مفقوداً للواعد، أو لمن يصل إلى اكتشاف علاج لمرض ما، أو لمن يقوم باختراع معين، وغير ذلك من الصور الكثيرة للوعد بجائزة.

2 ـ ماهية الوعد بجائزة:

قد يكون الوعد بجائزة معاوضة إذا كان العمل الذي يبذله الغير يحقق مصلحة للواعد، كالوعد بجائزة لمن يجد خاتماً ذهبياً أثرياً فقده الواعد. ويمكن أن يكون تبرعاً، إذا كان العمل الذي يبذله الغير يحقق للموعود له مصلحة ما ولا يحقق أي مصلحة للواعد، كالوعد بجائزة لمن يكتشف دواء لمرض السرطان أو إنفلونزا الخنازير.

3ـ خصائص الوعد بجائزة:

الوعد بجائزة هو تعبير موجه من شخص يدعى الواعد إلى شخص غير معين من الجمهور (وهو بذلك يختلف عن الإيجاب)، ولا يحتاج الوعد بجائزة لقيامه إلى صدور أي تعبير من شخص آخر (وهو بهذا يختلف عن الإيجاب الموجه إلى الجمهور)، كما أن الوعد بجائزة هو تعبير ملقى يتم من دون حاجة إلى علم المستفيد بخلاف الإيجاب الذي هو تعبير متلقى لا يتم إلا بعلم المخاطب به.

ثانياً ـ شروط الوعد بجائزة:

الوعد بجائزة، هو تصرف قانوني يتم بإرادة منفردة، ولذلك يجب أن تتوافر في هذا التصرف حتى ينتج آثاره شروط التصرف القانوني، إذ يجب أن يكون الواعد متمتعاً بالأهلية القانونية اللازمة لانعقاد الوعد، ويتعين أن تكون إرادة الواعد سليمة خالية من عيوب الإرادة (الغلط والإكراه والتدليس). كما يجب أن تتجه إرادة الواعد في الوعد بجائزة إلى إلزام نفسه بالوعد الذي قطعه على نفسه. ويجب إضافة إلى ما سبق من شروط أن يكون محل الوعد بجائزة قيمة مالية، سواء كانت هذه القيمة مالية خالصة، كمبلغ من النقود أو سيارة، أو كانت قيمتها الأساسية قيمة أدبية كوسام، أو كأس.

ويتعين إضافة إلى ماسبق بيانه أن تتوافر في الوعد بجائزة الشروط التالية:

1ـ أن يكون الوعد بجائزة جدياً: وذلك بأن تتجه إرادة الواعد إلى إحداث أثر قانوني، يتمثل في إلزام نفسه بدفع جائزة لمن يقوم بعمل ما طلب القيام به مقابل دفعه جائزة لمن يقوم بالعمل المطلوب، ومن ثم فلا ينعقد إذا كان الوعد غير جدي، وجدية الوعد من عدمه هو أمر يعود تقديره إلى المحكمة الناظرة في الدعوى. فإذا اتضح من الإعلان الموجه إلى الجمهور، أن المعلن لم يقصد أن يلزم نفسه بدفع جائزة، إنما قصد الترويج لسلعته فلا يكون هناك وعد منشئ للإلزام، كما لو أعلن تاجر عن جائزة لمن يجد له عيباً في السلعة التي ينتجها، أو من يجد سلعة أفضل منها، فهذا التصرف إنما قصد منه ترويج الواعد لسلعته.

أن يكون الوعد موجهاً إلى الجمهور: أي إلى الكافة، أو إلى جمهور من الناس لا إلى شخص معين. فإذا وجهت الإرادة إلى شخص ما، أو أشخاص معينين لا يكون وعداً، حتى لو كانوا هم الذين سيقومون بالعمل، وتطبق على هذا الإعلان أحكام الإيجاب فقط لا أحكام الوعد بجائزة، فإذا اقترن به قبول قام عقد بين الطرفين، وبما أن الوعد موجه إلى الجمهور، يتعين أن يكون الوعد علنياً، أي أن يتم بصورة علنية، ويترتب على عدم علانية الوعد بطلانه. ولا تهم الوسيلة التي يحمل بها إلى علم الجمهور، فقد يكون الإعلان في الإذاعة، أو الصحف، أو الإنترنت، أو التلفزيون، أو بأي طريقة أخرى، بحيث يعلم به عدد كبير ممن وجه إليهم. ولا يقصد بالعلانية هنا أن يعلم كل فرد من أفراد الجمهور بالوعد، وإنما يكفي أن يتاح لهؤلاء الأفراد إمكانية العلم به.

3ـ حصول العمل محل الوعد بعد الوعد: إذا أُنجز العمل محل الوعد بعد الوعد فإن هذا لا يمنع من انصراف الوعد بجائزة إلى ما تمّ وأنجز من أعمال سابقة له، إذ يجوز تقديم جائزة لمن أنجز أفضل بحث علمي، أو وضع تصميماً هندسياً، أو رسم لوحة فنية مميزة خلال العام المنصرم، بشرط أن يتبين من عبارة الوعد أن الواعد قصد تقديم الجائزة عن عمل أنجز في الماضي.

ويشترط أن يكون العمل معيناً، أي يتعين تحديد العمل للجمهور الذي يجب أن يقوم به من يريد الحصول على جائزة، وكذلك يتعين أن تكون الجائزة محددة لمن يقوم بهذا العمل، إذ يتعهد الواعد بإعطائها لمن يحقق الغرض المقصود بالالتزام ابتداءً من تاريخ إعلان أو إطلاق الوعد، وذلك لأن التزام الواعد يعد التزاماً معلقاً على شرط واقف هو القيام بالعمل الموعود بالجائزة من أجل القيام به، فإذا كان العمل قد تم قبل صدور الوعد، فإن الالتزام يعد منجزاً ومستحقاً من وقت صدوره، وليس مجرد وعد بجائزة. وقد تكون الجائزة مبلغاً من النقود، ويمكن أن تكون شيئاً آخر، كمنح سيارة، أو دفع نفقات رحلة معينة كالحج، ولا يشترط أن تكون الجائزة مالية، فقد تكون قيمتها معنوية، أو أدبية كمنح وسام، أو كأس، أو لوحة تذكارية مثلاً.

4ـ أن يكون للوعد بجائزة سبب مشروع: أي يتعين أن يكون هناك سبب أدى إلى قيام، أو وجود الوعد بجائزة، ويتعين أن تتوافر في الوعد السبب بمعنييه الفني والمصلحي. فوفق المعنى الأول (الفني)، يتعين أن يكون هناك سبب للوعد بالقيام بعمل ما رصدت الجائزة من أجل القيام به، ويجب أن يكون هذا السبب موجوداً، وسبب التزام الواعد بإرادته المنفردة بوعده، هو قيام الشخص بالعمل المطلوب الذي خصصت الجائزة من أجله، على أساس أنه إذا قام الغير بالعمل المطلوب التزم الواعد قٍبَله.

أما السبب بمعناه المصلحي فيقصد به، أن يكون سبب الوعد الباعث الذي حدا بالواعد إلى إطلاق وعده مشروعاً، إذ لا يصح الوعد بجائزة لمن يقتل شخصاً معيناً، أو لمن يقوم بتهريب شيء ممنوع قانوناً كالمخدرات وإذا كان سبب الوعد غير مشروع كان الوعد باطلاً.

ثالثاً ـ آثار الوعد بجائزة:

إذا توافرت الشروط السابقة التزم الواعد بوعده، ولكن الحكم يختلف بحسب ما إذا كان الواعد قد حدد مدة معينة يجب إنجاز العمل المطلوب خلالها، أو لم يحدد مدة للقيام بالعمل المطلوب. ويُفرق في هذا الشأن بين حالتين: وهما آثار الوعد بجائزة قبل إنجاز العمل محل الوعد، وآثاره بعد إنجاز هذا العمل.

1ـ آثار الوعد بجائزة قبل إنجاز العمل:

إذا كان الواعد قد حدد أجلاً معيناً، أو مدة يجب إنجاز العمل محل الوعد خلالها، التزم الواعد بإرادته، ولا يجوز له بعد ذلك أن يرجع عن وعده خلال المدة التي حددها، وكل من أتم العمل خلالها أصبح دائناً بالجائزة ولو كان جاهلاً وجودها.

ففي هذه الحالة ينشأ التزام في ذمة الواعد من وقت الوعد معلقاً على شرط موقف، هو إنجاز العمل المطلوب، والتقدم به في المدة المحددة، ويتقيد الواعد بهذا الالتزام طوال المدة المحددة، ويستوي أن يكون من قام بالعمل قد قام به من أجل الحصول على الجائزة، أو قام بالعمل المطلوب من دون وجود هذه الرغبة. كما يستوي أن يكون وقت قيامه بالعمل يعلم، أو لا يعلم بوجود الجائزة، وسواء أتم العمل بعد إعلان ذلك الوعد، أم قبل إعلانه. إذ إن الشرط هو التقدم بالعمل في الوقت المناسب لا إنجاز العمل فحسب، لأن العمل المطلوب إذا كان قد تم قبل الوعد أو وقت صدور الوعد، فإنه لا يصلح أن يكون شرطاً موقفاً، في حين أن الغالب أن نية الواعد منصرفة إلى تعليق وعده على شرط بلوغه نتيجة معينة وهو لا يبلغ هذه النتيجة إلا عندما يقدم له العمل المطلوب، ولهذا الاختلاف فيما يعد شرطاً ثمرة عملية في حالة الوعد غير المقترن بتحديد مدة، إذ إن هذا الوعد يجوز الرجوع فيه قبل تحقق الشرط لا بعده، فإذا كان مجرد تحقق العمل المطلوب هو الشرط وكان هذا العمل قد تحقق قبل الوعد أو وقت صدوره امتنع الرجوع في الوعد كلياً. أما إذا كان الشرط هو التقدم بالعمل المطلوب كان هناك حتى في هذا الفرض الأخير مجال للرجوع ما دام لم يقدم العمل المطلوب إلى الواعد.

ويبدو من هذا أن التزام الواعد قِبَل من قام بالعمل، يعد التزاماً بالإرادة المنفردة، وليس التزاماً عقدياً بينه وبين من قام بالعمل، خاصة إذا روعي أن هذا الالتزام يقوم، حتى لو كان من قام بالعمل قد أتمه قبل إعلان الواعد عن جائزة لمن يقوم بهذا العمل، أو حتى من دون علم بالجائزة، أي تم القيام بالعمل من دون نظر إلى الجائزة.

ومن ثم يمكن القول إن التزام الواعد يقوم، ولكن قِبَل دائن غير معين. ويقوم الالتزام في هذه الحالة على أساس الإرادة المنفردة، ويظل الالتزام قائماً خلال المدة المحددة، إلى أن يقوم شخص بالعمل المطلوب قبل انتهاء تلك المدة. فإذا قام شخص بالعمل خلالها، نشأ حقه في الجائزة وأصبح دائناً بمواجهة الواعد. ويصير كذلك منذ إتمام العمل خلال المدة المحددة، حتى لو لم يعلم بالجائزة. وبهذا يوجد مدين من دون نظر إلى الدائن الذي لا يكون معيناً منذ البداية، ولكنه قابل للتعيين فيما بعد.

وإن تخلف الشرط بأن انقضت المدة المحددة من دون أن يتقدم أحد بالعمل المطلوب، انقضى التزام الواعد وأصبح كأن لم يكن ولو تم تقديم العمل المطلوب بعد انقضاء المدة، ولا يكون لمن قام بالعمل المطلوب بعد انقضاء المدة المحددة للقيام بالعمل المطلوب أي حق في الحصول على الجائزة.

 إلا أنه إذا ترتب على العمل الذي قام به الشخص تحقق إثراء للواعد ففي هذه الحالة يكون للشخص الذي قام بالعمل رفع دعوى الإثراء على الواعد، بمقتضى أحكام الإثراء بلا سبب.

ولا يجوز للواعد الرجوع عن وعده، ويكون رجوعه قبل انقضاء المدة عديم الأثر، ومن ثم يمكن القول إن الواعد يبقى ملزماً بإعطاء الجائزة الموعود بها لمن أنجز العمل المطلوب خلال الأجل المحدد، حتى لو كان من قام بالعمل يجهل الأجل. وإذا رجع الواعد عن وعده قبل حلول الأجل، فلا ينتج هذا الرجوع أي آثر.

أما إذا لم يحدد الواعد بجائزة أجلاً محدداً للقيام بالعمل، أو مدة يتم خلالها إنجاز العمل المطلوب فإن الواعد يكون ملتزماً أيضاً بالوعد الصادر عنه، ويكون في هذه الحالة التزام الواعد هو التزام معلق على شرط، ويكون الشرط هو التقدم بالعمل المطلوب في مدة معقولة في حدود الوقت الذي يجدي فيه القيام بذلك العمل، وعند الخلاف على تقدير المدة المعقولة يفصل القاضي في ذلك. ويكون الحكم كما في الفرض السابق سواء في حالة التقدم بالعمل المطلوب في المدة المعقولة، أو في حالة انقضاء المدة المعقولة من دون التقدم بالعمل، أي إنه في الحالة الأولى تصبح الجائزة مكتسبة لمن تقدم بالعمل المطلوب، وفي الحالة الثانية ينقضي التزام الواعد.

فإذا قام شخص بالعمل المطلوب خلال مدة معينة استحق الجائزة، وإذا ثار خلاف حول المدة المعقولة فإن القاضي هو الذي يفصل في ذلك. ولما كان الواعد لم يحدد مدة معينة فإنه يجوز له الرجوع عنه في أي وقت حتى قبل انقضاء المدة المعقولة.

ولكن الرجوع يجب أن يكون أو يتم بالوسيلة الإعلانية ذاتها التي تم بها الإعلان عن الجائزة. فإذا أتم أحد الأشخاص العمل المطلوب قبل رجوع الواعد عن وعده، استحق الجائزة ولا يؤثر في حقه في الجائزة رجوع الواعد عن وعده، وإذا لم يكن هناك من أتم العمل فإن الواعد برجوعه يتحلل نهائياً من وعده الذي قطعه. بحيث إذا تقدم له بعد ذلك أحد بالعمل المطلوب كان هو في حل من إعطائه الجائزة الموعود بإعطائها.

غير أنه إذا تقدم شخص بالعمل الذي خصصت من أجله الجائزة بعد رجوع الواعد عن وعده وكان قد بدأ في هذا العمل قبل رجوع الواعد اعتماداً منه على هذا الوعد، وأنجزه في المدة المعقولة، فإنه على الرغم من عدم استحقاقه الجائزة يكون له حق في التعويض عما أنفقه أو تكبده وفقاً لقواعد المسؤولية التقصيرية، لأن الرجوع عن الوعد بعد اعتماد الغير عليه وقبل انقضاء المدة المعقولة يعد إخلالاً بالثقة المشروعة يوجب التعويض عما ترتب عليه من ضرر للغير على ألا يجاوز هذا التعويض قيمة الجائزة بأي حال لأن العامل ما كان يطمع في أكثر من هذه القيمة لو أنه أتم العمل وتقدم به قبل الرجوع.

كذلك الحال إذا كان من قام بالعمل المطلوب قبل الرجوع في الوعد قد توقف عنه بمجرد علمه بالرجوع، ففي هذه الحالة الأخيرة يجوز للواعد أن يثبت أن العمل الذي بدأ فيه من قام بالعمل ما كان ليؤدي إلى تحقيق المطلوب في مدة معقولة، وينبغي في هذه الحالة لكي يتخلص الواعد من التزامه بدفع الجائزة توافر علاقة السببية بين الرجوع في الوعد وبين عدم حصول العامل على الجائزة الموعود بها.

ويكون للشخص الذي بدأ بالعمل ولم يتمه أن يرجع على الواعد بتعويض مناسب يساوي ما أصابه من ضرر، والتعويض هنا لا يكون على أساس الإرادة المنفردة لأن الوعد قد سقط برجوع الواعد، وإنما يكون التعويض على أساس المسؤولية التقصيرية. ومن أجل ذلك يجب أن تتوافر شروط المسؤولية التقصيرية من خطأ وضرر وعلاقة سببية. وقد يتمثل الخطأ في هذه الحالة في عدول الواعد عن وعده، قبل أن تمضي مدة معقولة بين الوعد والعدول عنه، على الرغم من قيام الشخص بالعمل المطلوب في مدة معقولة. أما إذا كان الواعد قد عدل عن وعده، ولم يكن هناك أحد قد أتم العمل خلال الفترة التي ظل فيها الوعد قائماً، أي قبل العدول عنه، أو لم يكن أحد قد بدأ العمل اعتماداً على هذا الوعد، فإن الواعد يتحلل من وعده نهائياً.

ويحق للواعد الرجوع عن وعده قبل إنجاز العمل، ويجب أن يكون الرجوع بالعلانية ذاتها التي صدر الوعد بها، وإلا فلن يكون للرجوع أي أثر. وإذا تم الرجوع بعد إنجاز العمل، فإن من أتمه يستحق الجائزة الموعود بها، على الرغم من رجوع الواعد عن وعده. ويجب على من أنجز العمل أن يرفع دعوى بطلب الجائزة أمام القضاء خلال مدة ستة أشهر من تاريخ إعلان الرجوع تحت طائلة سقوط حقه في المطالبة بها. وهذه مدة سقوط لا مدة تقادم وقد أراد المشرع بذلك قطع الطريق على كل محاولة مصطنعة يراد بها استغلال الوعد بجائزة بعد إعلان الرجوع عنه.

 أما إذا رجع الواعد عن وعده بعد بدء أحد المستفيدين بالعمل محل الوعد، فقد اختلف الفقه في ذلك، ففريق من الفقه، يرى أن حق الواعد في الرجوع بوعده إنما هو حق مطلق يجوز له أن يباشره في أي وقت شاء ولو أضاع برجوعه على المستفيد ما بذله من وقت وجهد ومال، وذلك لأن حق المستفيد الذي قام بالعمل لا يعدو كونه مجرد أمل ضعيف لا يتمتع بحماية القانون، في حين ذهب فريق آخر من الفقه إلى القول إنه ليس للواعد الحق في الرجوع في وعده مادام المستفيد قد بدأ بالأعمال التمهيدية، وذهب فريق ثالث من الفقه إلى القول إنه يجوز للواعد الرجوع في وعده ولكن بشرط أن يرد إلى من بدأ في المراحل التنفيذية النفقات والمصاريف التي دفعها، على ألا تتجاوز هذه النفقات قيمة الجائزة الموعود بها وذلك على أساس التعسف في استعمال الحق، لا على أساس الوعد بجائزة، إذ إن الوعد قد سقط برجوع صاحبه عنه.

أما المشرع السوري فإنه أجاز للواعد الرجوع نظراً لصراحة نص المادة (163/2) مدني سوري، ولكن يجب على الواعد أن يعوض هذا الأخير عما أنفقه من مصاريف بشرط ألا يجاوز ذلك قيمة الجائزة. ويكون التعويض هنا على أساس المسؤولية التقصيرية عن العمل الشخصي، وفقاً لأحكام المادة (164) مدني سوري.

2 ـ آثار الوعد بجائزة بعد إنجاز العمل:

إذا أنجز المستفيد العمل المطلوب خلال الأجل المحدد، إذا كان قد حُدد له أجلٌ، أو أنجز قبل رجوع الواعد عن وعده، إذا لم يكن قد حَدَّد أجلاً لوعده، فإن الجائزة الموعود بها تصبح حقاً لمن أنجز العمل، ومن ثم لا يحق للواعد الرجوع عن وعده وتغدو الجائزة حقاً للمستفيد الذي أنجز العمل. ولا يستحق المستفيد الجائزة إلا من وقت إنجاز العمل لا من وقت إعلان الواعد عن الجائزة.

ويترتب على ذلك أن حق المستفيد في الجائزة لا يعد معلقاً على شرط موقف وهو قيام المستفيد بالعمل المطلوب في المدة المعينة، وذلك لأنه في التصرف الشرطي تكون شخصية الدائن الاحتمالي معينة ومعروفة منذ البداية، أي إن الدائن في التصرف المعلق على شرط معروف منذ تاريخ التصرف وإن كان احتمالياً، فإن تعينه غير متوقف على واقعة مستقبلية احتمالية. ويترتب على عدم اعتبار تمام العمل شرطاً موقفاً لالتزام الواعد عدم جواز إعمال الأثر المستند. ومن ثم فإنه لا يكون المستفيد مستحقاً للجائزة إلا من وقت إتمام العمل المطلوب، لا من وقت إعلان الوعد، هذا في حالة ما إذا كان العمل قد تم إنجازه بعد إعلان الوعد، أما إذا كان إنجاز العمل قد تم قبل الوعد فيكون استحقاق الجائزة من وقت صدور الوعد وذلك كي لا يسبق المسبب السبب في هذه الحالة.

 وبمجرد إنجاز العمل محل الوعد تصبح الجائزة حقاً للمستفيد، ومن ثم يحق له اعتباراً من هذا التاريخ التنازل عنها، كما يمكنه أن ينقل حقه فيها، كما تؤول إلى ورثته إذا توفي بعد إنجاز العمل.

 رابعاً ـ سقوط دعوى المطالبة بالجائزة:

إذا تحقق الشرط الموقف، بأن تقدم أحد الأشخاص من الجمهور للواعد بالعمل المطلوب في الميعاد المحدد، أو في ميعاد معقول إذا لم يكن ثمة ميعاد محدد ولم يحصل رجوع من الواعد عن وعده صار الواعد ملزماً بإعطاء الجائزة إلى الشخص الذي قام بالعمل المطلوب وثبت لهذا الشخص الحق في الحصول على الجائزة ويعد القانون هو المصدر المباشر لذلك الالتزام وما يقابله من حق.

وقد نص القانون على أن تسقط دعوى المطالبة بالجائزة إذا لم ترفع خلال ستة أشهر من تاريخ إعلانه العدول للجمهور.

وعلى ذلك إذا لم ترفع دعوى المطالبة بالجائزة خلال ستة أشهر من تاريخ إعلان العدول الجمهور، فإنها تسقط والمدة هنا مدة سقوط لا مدة تقادم ولهذا لا توقف ولا تنقطع.

ويتعين على الدائن الذي قام بالعمل أن يثبت أنه أتم العمل قبل الرجوع في الوعد. وهذا ما حدا بالمشرع إلى وضع نص يحسم الأمر، بحيث تسقط دعوى الدائن إذا لم ترفع خلال فترة وجيزة هي ستة أشهر من تاريخ إعلانه العدول للجمهور.

وإذا ما حددت مدة لإنجاز العمل وتم العمل خلالها، أو إذا لم يرجع الواعد في وعده، وتم العمل وكان الوعد لا يزال قائماً، فإن حق من قام بالعمل، وهو الذي يصير دائناً لا يسقط قِبَل الواعد المدين، إلا طبقاً للقواعد العامة في سقوط الحقوق بالتقادم، إذ ينقضي حق المستفيد في الجائزة بالتقادم العادي ومدته خمس عشرة سنة من يوم تمام العمل.

 

مراجع للاستزادة:

 

ـ أحمد حشمت أبو ستيت، نظرية الالتزام في القانون المدني الجديد،

ـ سليمان مرقس، الوافي في شرح القانون المدني، 2، في الالتزامات، المجلد الأول: نظرية العقد والإرادة المنفردة (1987).

ـ عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني الجديد، نظرية الالتزام بوجه عام، مصادر الالتزام، المجلد الأول (القاهرة، بلا تاريخ).

ـ عبد الفتاح عبد الباقي، موسوعة القانون المدني المصري، نظرية العقد والإرادة المنفردة، دراسة معمقة ومقارنة بالفقه الإسلامي (1984).

ـ عبد المنعم البدراوي، النظرية العامة للالتزامات في القانون المصري، الجزء الأول، مصادر الالتزام (القاهرة 1975).

ـ فواز صالح وأيمن أبو العيال، مصادر الالتزام، كتاب جامعي مقرر لطلاب السنة الثانية، دراسات قانونية (جامعة دمشق 2008 /2009).

ـ مصطفى أحمد الزرقاء، شرح القانون المدني السوري، نظرية الالتزام العامة، 1، المصادر، العقد والإرادة المنفردة، ط 4، (مطبعة دار الحياة، دمشق 1964).

ـ محمد وحيد الدين سوار، النظرية العامة للالتزام، الجزء الأول مـصادر الالتزام، 1، المصادر الإرادية (مطبعة رياض، دمشق 1976).


التصنيف : القانون الخاص
النوع : القانون الخاص
المجلد: المجلد السابع: المحكمة الجنائية الدولية _ ولاية المظالم في الإسلام
رقم الصفحة ضمن المجلد : 527
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 47
الكل : 12469017
اليوم : 9906