logo

logo

logo

logo

logo

الجرائم المخلة ب-الإدارة القضائية

جرايم مخله باداره قضاييه

crimes against judicial administration - crimes contre l'administration judiciaire

 الجَرَائِمُ المُخلَّةُ بِالإِدَا

الجَرَائِمُ المُخلَّةُ بِالإِدَارَةِ القَضَائيَّةِ

مصطفى أحمد التونسي

 جريمة كتم الجنايات والجنح التقرير الكاذب والترجمة الكاذبة
كتم الموظف الجرائم التي تتصل بعلمه اليمين الكاذبة
انتزاع الإقـرار والمعلومات التصرف بالأشياء المبرزة أمام القضاء
اختلاق الجرائم الحصانة القضائية
الافتراء مخالفة أمر الإخراج الصادر عن القاضي
الهوية الكاذبة استعطاف القاضي
شهادة الزور ما حظر القانون نشره
 

لقد أفرد القانون الجزائي السوري باباً خاصاً للجرائم المخلة بالعدالة أسماه الجرائم المخلة بالإدارة القضائية؛ لما لهذه الجرائم من خطورة تستحق الكثير من العناية والاهتمام، ذلك أن العدالة تعد ملح الأرض، والحَكَم بين الدولة والمواطنين، وبين المواطنين في علاقاتهم بعضهم مع بعض، تصون الحقوق والحريات العائدة للأشخاص الطبيعيين والاعتباريين، وتحول دون الافتئات والتجني والعدوان، وقد شبهها فقهاء القانون القدماء بامرأة أو آلهة معصوبة العينين، تحمل الميزان القسطاس في يدٍ، والسيف في اليد الثانية، وذلك بغية إبعادها عن الظنون والشبهات.

إذاً هدف العدالة حماية حياة الناس ورفع الظلم الذي قد يحل عليهم تعسفاً واقتداراً، أليس الأحرى بها أن تحمي وتصون طريقها المزروع بالمخاطر والمسالك الوعرة التي من الممكن أن تعترض حسن سيرها، لتضمن ذلك الهدف السامي، وتعود بالمجتمعات إلى توازنها المطلوب، وما وُجد قانون العقوبات إلا ليكون حصناً منيعاً يحيط بها ويحفظها من أن تتداعى، وهي شامخة وستبقى، إذ بانهيارها تتصدع المجتمعات البشرية.

وفي العصر الحاضر تجاوزت العدالة نطاقها المحلي الضيق ضمن الرقعة الجغرافية التي تنشأ فيها، لتصل العالم بعضه ببعض جاعلة منه ما يسمى القرية الصغيرة، وإذا كان مبدأ استقلال السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية فإن هذه الأخيرة تستمد استقلاليتها من ذاتها بوصفها مصدراً رئيسياً، فتفرض نفسها بالقوة التي أعطيت لها، وبالمنعة التي تتحلى بها، فيعلو شأنها، ويزيد في السيطرة والانضباط.

وقد خصص المشرع السوري للعدالة - إدارة وقضاء - المواد (388 حتى 421) من قانون العقوبات، وهو موضوع البحث ضمن النصوص، بدءاً بالأهم حتى المهم، بما تُجنى معه ومنه الفائدة القانونية والاجتهادية والعلمية، وما يحقق الغاية المنشودة بحسب قواعد المنطق والصواب والاستقراء، ووفق العناوين المطلقة على الأبحاث المعنية في هذا القسم من القانون، ويعطي الدراسة الحاضرة شكلاً يتناسب مع المضمون ومع روح المشترع.

أولاً- جريمة كتم الجنايات والجنح De la non- révélation des crimes et des Délits:

إن القاعدة العامة في القانون السوري أن عدم إبلاغ الشخص للسلطة العامة عما يتصل بعلمه عن جريمة ما لا يعد فعلاً يمكن أن يؤاخذ عليه.

ولكن المشرع ولاعتبارات معينة، وضرورات عملية، أو لخطورة الجريمة المرتكبة، أو المراد ارتكابها يضع استثناءات على هذه القاعدة وفق شروط خاصة، وتعد هذه الجريمة أحد النماذج عن هذه الاستثناءات، حيث رأى المشرع أن هناك واجباً وطنياً ملقى على كاهل المواطن العربي السوري والمتمثل بالإبلاغ عن الجرائم الواقعة على أمن الدولة وهذا ما يتفق مع الدستور السوري، حيث تنص المادة (40/1) من دستور الجمهورية العربية السورية على أن «جميع المواطنين مسؤولون في تأدية واجبهم المقدس بالدفاع عن سلامة الوطن واحترام دستوره ونظامه الوحدوي الاشتراكي».

فإذا كان إبلاغ السلطات المختصة بالجرائم المقترفة وبالأفعال التي تعد جرماً جزائياً يفيد من حيث الإعلام عن هذه الجرائم وبالتالي تسهيل مهامها فإن كتم هذه المعلومات يمكن تكييفه الامتناع المقصود وهو الغالب وغير المقصود في حالات نادرة، لذلك يعد هذا الموقف من قبيل جريمة الفعل بالامتناع وهي تشبه إلى حد ما جريمة إخفاء شخص اقترف جناية أو ساعده على التواري عن وجه العدالة، مع الاحتفاظ طبعاً بالفوارق والخصائص التي تميز كلاً من هاتين الحالتين.

وهناك عدة عوامل وأسباب حذت بالمشرع إلى تبرير وجوب التبليغ وشجب الامتناع عنه، ومن ذلك كشف الجريمة قبل وقوعها والحيلولة دون ذلك، أو على أقل تقدير معرفة مرتكبي الجريمة وبالتالي تعود الثقة للمواطنين ويتبدد خوفهم خاصة في الجنايات البشعة التي تترك أثراً عميقاً في النفوس.

مع العلم أن هذا النظام - أي إبلاغ السلطات - كان معروفاً في المجتمعات البشرية البدائية، فمثلاً حق الاتهام لم يكن من مهام السلطة فقط، وإنما يخص المواطنين الساهرين على الأمن العام كافة الذين يعدون أنفسهم ملتزمين بالإبلاغ عن كل الجرائم الحاصلة بوصفه واجباً مدنياً ووطنياً معاً؛ إلا أن هذه العملية أُسيء استعمالها وأصبحت أقرب إلى التشهير والإساءة كما حصل في بلاد الإغريق مع التسمية اليونانية الأصل وخاصة في أثينا حيث أضحت طريقة للابتزاز. وتفشت هذه العادة أيضاً في روما القديمة وتحديداً في عهد الأباطرة أغوسطس وطيباريوس حيث أودت بحياة الكثيرين من الأشراف والنبلاء في عهد الثورة، خاصة في الفترة الإرهابية، إذ كان الفاسدون والمفسدون يقومون بشكاية الغير إلى المحاكم الشعبية تشفياً وانتقاماً.

والجدير بالذكر وللأسف أن هذا النظام لا يزال معمولاً به في بعض البلدان حتى الآن، ومنها لبنان حيث يتقاضى الوشاة مكافأة على سبيل العمولة أو الجعالة في إفشائهم بعض المخالفات الجمركية والمالية العامة وأعمال التهريب، كالمخدرات وسواها من الجرائم التي لا حصر لها.

1- شروط قيام جريمة كتم الجنايات والجنح:

أ- أن يكون الفاعل سورياً: يشترط أن يكون الفاعل ممن يحملون الجنسية العربية السورية؛ لأن واجب التبليغ عن الجرائم المخلة بأمن الدولة الداخلي أو الخارجي هو وقبل كل شيء واجب وطني، يُفرض على الشخص العربي السوري الذي تربطه بالدولة رابطة الولاء، وبالتالي لا يقع على عاتق العربي غير السوري أو الأجنبي واجب الإبلاغ.

وهذا الحصر الوارد في المادة (388) من قانون العقوبات السوري يخالف ما أورده المشرع المصري تحديداً في المادتين (84 و98) من قانون العقوبات المصري الذي يفرض واجب التبليغ على المواطن والأجنبي سواء بسواء.

ب- أن تكون الجريمة التي علم بها من الجنايات الواقعة على أمن الدولة: يشترط في الجريمة محل الكتمان أن تكون جناية واقعة على أمن الدولة، سواء الخارجي منه أم الداخلي، أما إذا كانت جنحة مخلة بأمن الدولة أو لم تكن من الجرائم الواقعة على أمن الدولة فلا يترتب على كتمانها أي عقاب. وهذا أيضاً حصر وتقييد في القانون السوري ليس له مثيل في المادتين (84 و98) من قانون العقوبات المصري إذ لم يفرق هذا الأخير فيما بين أن تكون الجريمة المكتوم أمرها جناية أو جنحة من الجنايات أو الجنح المخلة بأمن الدولة الداخلي أو الخارجي.

ج- الزمن المطلوب الإبلاغ فيه: إن هذه الجريمة تقوم عند عدم إبلاغ السوري السلطات المختصة في الحال بما اتصل بعلمه عن الجناية الواقعة على أمن الدولة.

وعبارة (في الحال) تعبير لم يحدد الشارع مداه وإنما ترك أمر تقديرها لقاضي الموضوع حيث يراد من ذكرها في نص المادة إلى إبلاغ السلطة العامة لتتحقق الغاية من الإبلاغ على أكمل وجه ألا وهي (سرعة تمكين الدولة من استقصاء تلك الجناية المخلة بأمنها، وإحباط مساعي القائمين بها والحيلولة دون نفاذها لتفادي أخطارها).

د- النية الجرمية: ويكفي فيها توافر القصد الجرمي العام: من الواجب ذكر أنه حتى يستوفي هذا الجرم أركانه يستلزم في الحال إثبات أمرين: أولهما أن الشخص السوري على علم بهذه الجناية المخلّة بأمن الدولة. وثانيهما: كتمان هذه الجناية عن السلطات المختصة، وإقامة الدليل على الأمر الأول أمر بالغ الصعوبة.

2- عقوبة جريمة كتم الجنايات الواقعة على أمن الدولة:

أما فيما يتعلق بموضوع العقوبة فيلاحظ جنوح المشرع السوري إلى اعتبار جريمة كتمان الجناية الواقعة على أمن الدولة ذات طابع جنحوي؛ لأن العقوبة المنصوص عليها من أجل هذه الجريمة هي الحبس من سنة إلى ثلاث سنوات مع المنع من الحقوق المدنية.

ومن الملاحظ أن المشرع السوري صنَّف هذه الجريمة في فصل الجرائم المخلّة بالإدارة القضائية، وتحديداً في إطار الجرائم المخلّة بسير القضاء، وقد قام بعض الفقهاء بانتقاد هذا التصنيف واستحسن أن تصنّف هذه الجريمة في الباب الخاص بالجرائم المتعلقة بأمن الدولة.

3- الشمول والعمومية نظراً لطبيعة هذه الجريمة:

لم يعْتدَّ المشرع السوري بصلة القربى، وبالتالي لم يستثنِ أحداً من العقاب على أي أساس، فلا يعفى مرتكب جريمة الكتمان من الواجب القانوني المفروض عليه، حتى لو كان زوجاً، أو من أحد الأصول، أو الفروع للشخص المساهم في تلك الجناية أو المقترف لها. وبذلك اختلف المشرع السوري عن بعض التشريعات الأخرى كالتشريع المصري، حيث اعتد القانون المصري بصلة القربى ليمنح الفاعل عذراً محلاً من العقاب.

وقد أحسن المشرع السوري حيث لم يعْتدَّ برابطة الزوجية أو القرابة لما لهذه الجرائم من خطورة تمس أمن دولة كاملة، وليس شخصاً محدداً بعينه، وهو الأساس، فالمصلحة العامة أولى بالرعاية من المصلحة الخاصة، لأن كتم أمر بهذه الأهمية قد يعرض وجود الدولة وكيانها للانهيار.

ثانياً- كتم الموظف الجرائم التي تتصل بعلمه:

1- ويتناول موضوع كتم الموظف المكلف بالبحث عن الجرائم جريمة اتصلت بعلمه وأركانها:

أ- فاعل الجريمة: من أهم الشروط الواجب توافرها في الفاعل أن يكون موظفاً مكلفاً بالبحث عن الجرائم أو ملاحقتها، والمقصود بالموظف هنا أن يكون من ملاك الضابطة العدلية أن يقوم القانون بإضفاء هذه الصفة عليه، وبيَّن قانون أصول المحاكمات الجزائية الصادر بالمرسوم التشريعي رقم /112/ تاريخ 13/3/1950 وظائف الضابطة العدلية وعدد أعضائها وذلك في المواد (6-7-8) منه.

ب- ركن الجريمة المادي: إن قوام الركن المادي لهذه الجريمة هو عنصر الإهمال، أو إرجاء الإخبار عن جريمة معينة اتصلت بعلم الموظف المكلف بالبحث عن الجرائم أو ملاحقتها، على أن تكون من الجرائم المنوط بالموظف البحث عنها. وعلى هذا فإن مراقب التموين الذي يهمل أو يرجئ الإخبار عن جريمة سرقة اتصلت بعلمه لا يقع تحت النص موضوع البحث لأنه غير مكلف بالبحث عن جرائم السرقة أو ملاحقتها فهو من موظفي الضابطة العدلية ذوي الاختصاص الخاص، فالنص يفترض أن يهمل أو يرجئ الموظف المكلف بالبحث عن الجرائم الإخبار عما يتصل بعلمه من الجرائم، أما إذا لم تكن له صفة البحث فلا مجال لتطبيق هذا النص، كما في المثال السابق، أما لجهة الطريقة التي اتصل بها علم الموظف بهذه الجريمة فلا تهم سواء أكان ذلك بناءً على شكوى أو تلقي إخبار أو كان من خلال الدوريات.

ج- ركن الجريمة المعنوي: ساوى المشرع بين الإهمال الذي هو أحد صور الخطأ - المنصوص عليه بالمادة (189) من قانون العقوبات السوري: (يكون الخطأ إذا نجم الفعل الضار عن الإهمال أو قلة الاحتراز أو عدم مراعاة الشرائع والأنظمة) - وبين الإرجاء الذي هو فعل قصدي، والقصد الجرمي في هذه الحالة هو عنصر الإهمال، ويكون الإهمال قائماً متى كان هناك تراخي في إعلام السلطة ذات الاختصاص وهي السلطة العامة كما أطلقها عليها النص التشريعي، أما الإهمال الذي أورده المشرع السوري فهو أحد صور الخطأ.

د- العقوبة: وتصنيف الجريمة بحسب خطورتها: لقد حدد المشرع عقوبة مرتكب هذه الجريمة وهي الحبس من شهر إلى ثلاث سنوات، والغرامة مئة ليرة سورية وبالتالي اعتبرها المشرع جنحوية الوصف، ذلك ما لم تكن الجريمة التي لم يقم بالإخبار عنها من الجرائم الموقوفة على شكوى أحد الناس، إذ لا وجود للجريمة في هذه الحالة فعلى سبيل المثال في جريمة المزاحمة الاحتيالية مادة (700) من قانون العقوبات وجريمة الإيذاء المنصوص عليها في المادة (540) من قانون العقوبات حيث لا تتم الملاحقة في هاتين الجريمتين إلا بناء على شكوى تقدم من الشخص المتضرر.

ولابد هنا من الإشارة إلى أن اختصاص النظر في هذه الدعاوى يكون لمحكمة بداية الجزاء وفق أحكام المادة (169) من قانون أصول المحاكمات الجزائية.

q وقد جاء في اجتهاد لمحكمة النقض من أن الموظف الواجب عليه الإخبار عن الجرائم المكلف بها لا يتناول الجرائم التي يرتكبها بنفسه، حيث جاء في الاجتهاد المشار إليه ما نصه: «لئن كان إهمال المميز عليه باعتباره رئيساً للمكتب الثاني أمر إخبار رؤسائه عن جريمة انتساب غيره من الضباط لحزب سياسي يشكل جريمة مستقلة عن جريمة انتسابه مع الغير لحزب سياسي إلا أنه لما كان إخباره عنهم يعرضه حتماً لخطر جسيم في حريته لاشتراكه معهم في النشاط الحزبي حالة كونه عسكرياً قائماً بوظيفة رئيس المكتب الثاني، وكان وضعه هذا أشد من وضع الشاهد الذي كتم معلوماته دفعاً لخطر جسيم يلحق بحريته حتماً إذا قال الحقيقة وذلك لجامع العلة المنصوص عنها بالفقرة (آ) من المادة (400) من قانون العقوبات.

وكان واجب الإخبار عن الجرائم المكلف به كل موظف مناط به ملاحقتها بموجب المادة (389) من قانون العقوبات لا يتناول الجرائم التي يرتكبها نفس ذلك الموظف؛ فإن تمييز النيابة العامة العسكرية لا يرد على قرار منع المحاكمة الصادر عن قاضي التحقيق قض سوري - جنحة عسكرية - 1769 قرار 1721 تاريخ 22/10/1955).

علماً أن جميع التشريعات الجزائية الأوربية ما عدا التشريع الإيطالي قد لحظت هذه الجريمة في قانون أصول المحاكمات الجزائية وليس في قانون العقوبات.

2- ويتناول جريمة كتم الموظف جناية أو جنحة عَرِف بها أثناء قيامه بالوظيفة أو في معرض قيامه بها، وأركانها:

أ- فاعل الجريمة: يجب أن يكون الفاعل موظفاً ولكن يشرط ألا يكون من الموظفين المذكورين في المادة (390) من قانون العقوبات السابق شرحها.

ب- الركن المادي: هو إهمال الموظف إعلام السلطات المختصة ذات الصلاحية عن جناية أو جنحة علم بها أثناء قيامه بالوظيفة أو في معرض قيامه بها.

إذاً يشترط أن تكون هذه الجريمة من نوع الجناية أو الجنحة وليس من نوع المخالفة، كما يشترط أيضاً ألا تكون من الجرائم التي تتوقف ملاحقتها على شكوى أحد الناس. أما بالنسبة لوقت العلم بالجريمة محل الكتمان فمن الواجب أن يكون الفاعل قد علم بالجناية أو الجنحة أثناء قيامه بالوظيفة أو في معرض قيامه بها، وتعبير (أثناء قيامه بالوظيفة) معناه حال ممارسته أعمال وظيفته فيعلم الموظف بهذه الجريمة وهو يؤدي واجباً من واجبات وظيفته التي يشغلها وذلك كأن يكشف المحاسب في إحدى الدوائر أو الإدارات وأثناء عمله تزويراً في الحسابات أو الأوراق المقدمة إليه من قبل أحد مرؤوسيه.

أما تعبير (في معرض قيامه بها) فمعناه بسبب وظيفته أو بسبب كونه موظفاً، أما ما خلا هاتين الحالتين فلا يقع على عاتق الموظف الإبلاغ عما يعرفه من جنايات أو جنح حيث يعود الأمر في هذه الحالة إلى القاعدة الأساسية التي تجعل من الإخبار عما يصل إلى علم المواطن من جرائم التزاماً خُلقياً لا مؤيد جزائياً له.

ومن قبيل الفائدة العلمية هنالك مواطن اتفاق وتباين واردة في المادة (389) من قانون العقوبات وذلك بفقرتيها الأولى والثانية على النحو التالي:

t في نقاط الاتفاق:

&https://arab-ency.com.sy/law/details/25726#159; إن الفاعل في كلا الفقرتين موظف.

&https://arab-ency.com.sy/law/details/25726#159; إن الفعل في كلا الفقرتين هو إهمال أو إرجاء الإخبار عن جريمة.

&https://arab-ency.com.sy/law/details/25726#159; إن الفعل في كلا الفقرتين يشترط فيه ألا تكون ملاحقة الجريمة التي لم يخبر عنها موقوفة على شكوى أحد الناس.

&https://arab-ency.com.sy/law/details/25726#159; إن للجريمتين موضوع الفقرة الأولى والثانية الصفة السلبية من حيث تصنيف الجرائم بحسب صور الفعل.

&https://arab-ency.com.sy/law/details/25726#159; إن للجريمتين صفة الجنحة.

t في نقاط الاختلاف:

&https://arab-ency.com.sy/law/details/25726#159; في الفقرة الأولى ترتكب الجريمة من موظف مكلف بالبحث عن الجرائم أو ملاحقتها، أما في الفقرة الثانية فالفاعل موظف أيضاً لكنه غير مكلف بالبحث عن الجرائم أو ملاحقتها.

&https://arab-ency.com.sy/law/details/25726#159; إن الجريمة محل الكتمان هي أي جريمة جناية كانت أم جنحة أم مخالفة وذلك في الفقرة الأولى في حين هي جناية أو جنحة في الفقرة الثانية.

&https://arab-ency.com.sy/law/details/25726#159; إن العقوبة هي الحبس من شهر إلى ثلاث سنوات والغرامة مئة ليرة سورية فيما يتعلق بالجريمة موضوع الفقرة الأولى في حين أن العقوبة هي غرامة مئة ليرة فحسب فيما يتعلق بالجريمة موضوع الفقرة الثانية.

&https://arab-ency.com.sy/law/details/25726#159; إن اختصاص النظر في الدعوى بالنسبة للجريمة موضوع الفقرة الأولى هو لمحكمة بداية الجزاء في حين ينعقد لمحكمة صلح الجزاء بالنسبة للجريمة موضوع الفقرة الثانية.

3- ويتناول جريمة كتم الجنايات والجنح الواقعة على المصاب، وأركانها:

أ- مرتكب الجريمة (الفاعل): لقد أوردت المادة (390) من قانون العقوبات السوري شروط الفاعل وهو الشخص الذي يزاول إحدى المهن الصحية مع اشتراط النص لمسألة المزاولة، حيث جعل المشرع من التزام الإبلاغ الملقى على عاتق الشخص المزاول للمهنة الصحية جزءاً من مسؤولياته الأخرى والمرتبطة بالمهنة التي يزاولها.

أما الشخص الخارج عن نطاق المزاولة الذي قد يضطر بحسب الظروف إلى القيام بإجراءات إسعاف شخص مصاب اعتماداً منه على معلوماته المتعلقة بالشؤون الطبية فلا مجال لتطبيق النص في حقه في حال امتناعه عن إبلاغ السلطة عن الحالة التي قام بإسعافها، خاصة وأن القاعدة الأساسية هي أن الشخص غير ملزم بالإبلاغ عما يتصل بعمله من جرائم إذا لم يوجد نص خاص يلزمه بذلك، والنص هنا قاصر على الأشخاص الذين يزاولون إحدى المهن الصحية.

ولحظت التشريعات الجزائية الأوربية هذا الجرم، غير أنَّ منها من حاول التوسع في مفهوم النص ليكون شاملاً لغير أصحاب المهن الطبية، كالمحامين مثلاً في اكتشافاتهم عبر القضية الموكولة إليهم جريمة غير تلك التي يتولون الدفاع فيها عن موكليهم، ولكن هذا الأمر موضوع جدل حمل الكثير من القوانين على إهماله.

ب- الركن المادي للجريمة: ويتجلى بعدم إعلام السلطات عن جناية أو جنحة يبدو أنها وقعت على الشخص المصاب، وخير مثال على ذلك أن يسعف الطبيب شخصاً أُصيب بطلق ناري ولا يقوم بإبلاغ السلطة عن هذه الحالة لتقوم بعملها في البحث عن هذه الجريمة وجمع أدلتها والقبض على فاعلها، وإحالته إلى المحكمة المختصة. ويلاحظ أن هذه الجريمة موضوع البحث تتسم بالصفة السلبية كما هو الحال في الجرائم الأخرى الواردة تحت عنوان (كتم الجنايات والجنح).

ج- الركن المعنوي للجريمة: إن القصد العام هو القصد الجرمي الواجب أن يتوافر في هذه الجريمة بصرف النظر عن قصد الفاعل من وراء هذا الكتمان، مثلاً التستر على المجرم أو تسهيل فراره أو الحيلولة بينه وبين العقاب.

ومن الواجب ذكره أن هذه الجريمة موضوع الكتمان يجب أن تكون من نوع الجناية أو الجنحة التي تجوز ملاحقتها من دون شكوى، فإذا لم تكن كذلك فلا مجال لتطبيق هذا النص كما في جريمة الإيذاء، وينعقد الاختصاص لمحكمة صلح الجزاء في الدعاوى المقامة بخصوص هذه الجريمة طبقاً لحكم المادة (166/ب) من قانون أصول المحاكمات الجزائية.

ثالثاً- انتزاع الإقـرار والمعلومات:

إن الإقرار يتمتع بأهمية كبيرة في اكتشاف الجرائم وإقامة الشواهد، وهو في هذا الحال سيد القرائن والبيّنات، وبحسب التعبير القضائي القديم يسهل سير العدالة وإكمال التحقيقات، ويساعد على تطبيق العقوبات والجزاءات المستحقة، إذ يدخل في ذهن المحاكم الجزائية ما قد يكفي لتكوِّن قناعتها الشخصية. وتتشابه المعلومات مع الإقرار إذ قد تكون من قبيله أو في سبيله مع ما توفره من التحريات والأبحاث وتخلفه من الشبهات وتؤيد الكثير من الإفادات، وتنزع عن الإنكار صفة النفي والسلبية ليحل محلها طابع الثبوت والإيجابية. وبالعودة السريعة إلى التاريخ القديم يتبين أن الشرائع القديمة كانت تجيز للمحققين والقضاة ممارسة الشدة والعنف لانتزاع الإقرار لجريمة غير مقترفة أحياناً، أو عن فاعل مجهول لجريمة واقعة، وقد بلغت هذه الأساليب ذروتها في أوربا وخاصة في القرون الوسطى وما بعدها، إذ كانت محاكم التفتيش الشهيرة تلجأ إلى ضروب التعذيب اللاإنسانية، لا بل المجرمة، في أفعال أقل ما يقال عنها إنها مخالفة حتى للضمير والدين والوجدان. وقد تنوعت الطرق المستعملة في الإيذاء الجسدي والإكراه المعنوي ضمن أجواء من الإخافة والتهويل، مما أثار حفيظة الفلاسفة والمصلحين، خاصة في فرنسا وإسبانيا وإيطاليا، وحملهم على ثورة فكرية وعقلانية كرَّسوها في مؤلفاتهم المتعددة وما وصل إلينا منها في العصر الحاضر يكفي لبيان قسوتها وفسادها.

وإن سبب قبول الاعتراف الإرادي هو استبعاد إقرار الشخص بأي شيء ضد مصلحته ما لم يكن حقيقياً، وهذا ما تم تأكيده مراراً وتكراراً في المؤتمرات الدولية من حيث الإقرار لا يكون جديراً بالثقة وبالتالي لا يكون دليلاً في الإثبات إلا إذا صدر عن إرادة سليمة وبعد تروٍّ، وقد صدرت عدة توصيات عن لجنة حقوق الإنسان بهيئة الأمم المتحدة على أنه: «كل إقرار للمتهم تم الحصول عليه بواسطة إحدى الوسائل الممنوعة - إكراه مادي أو معنوي، أو غش وحيل خداعية أو إيحاء أو استجوابات مطولة أو تنويم مغناطيسي، كما لا يجوز إعطاؤه محاليل مخدرة أو أي (أياً) من المواد الأخرى التي من طبيعتها أن تخل أو تشل حريته في التصرف أو تؤثر على ذاكرته أو تمييزه - يكون غير مقبول، وكذلك كل عناصر الإثبات التي تترتب على مثل هذا الإقرار، ليجوز تقديمها كأدلة ضده أثناء أية محاكمة» وهذا ما حدا المشرع السوري على اعتبار انتزاع الإقرار والمعلومات فعلاً مجرماً قانوناً وأورده في قانون العقوبات في المادة (391) وهي مطابقة لنص المادة (401) من قانون العقوبات اللبناني وتنسجم مع نص المادة الخامسة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10/12/1948، ولا بد لقيام هذه الجريمة من توافر أركانها وهي:

1- الفـاعل:

هو أي شخص يقوم بالفعل المنصوص عليه في المادة (391) من قانون العقوبات السوري، فلم يورد المشرع شرطاً معيناً كأن تتوافر في الفاعل الصفة الوظيفية،لأن كلمة (من) الواردة في متن المادة تعني أي شخص من دون ذكر أي صفة يجب توافرها فيه.

وإن هذه المادة تتطابق مع نص المادة (126) من قانون العقوبات المصري مع فارق بسيط من حيث إن المشرع المصري وخلافاً للمشرع السوري قد قصر إمكانية ارتكاب الجريمة موضوع البحث على الموظف أو المستخدم العام (المجموعة الجزائية للأستاذ ياسين دركزلي، الجزء 2، القاعدة 299، ص 1277).

2- الركن المادي للجريمة:

ويشكل هذا الركن المظهر الموضوعي للجريمة أي جسمها المادي في حيز الواقع، وهذا المظهر الذي قوامه أن يقوم مرتكب الجريمة (فاعلها) بإنزال الشدة والأذى على جسم المعتدى عليه، كالضرب والجرح، والمشرع لم يحدد درجة الجسامة الواجب توافرها في الفعل، مما يعطي للقاضي سلطة واسعة غير مقيدة في تقدير هذا الأمر، مع الأخذ في الحسبان ظروف كل حالة من الحالات على حدة من حيث أوضاع المجني عليه المحيطة به، والأمثلة على ضروب الأذى كثيرة لا حصر لها، ولكن للاستئناس يذكر منها نزع الأظفار، والضرب بالسياط، والحرمان من النوم والطعام، مع العلم أن هذا الأذى لا يقع على الناحية الجسدية والبدنية فحسب بل قد يقع هذا الفعل على الناحية المعنوية أيضاً وهذا ما عناه الدستور السوري في المادة (28/ ف3) منه، فالمعاملة المهينة تعد إحدى صور هذه الجريمة أو القيام بتعذيب ابن الشخص المراد انتزاع الاعتراف منه على مرأى ومسمع منه.

3- الركن المعنوي للجريمة:

تعد جريمة انتزاع الإقرار والمعلومات من الجرائم القصدية التي يتطلب لقيامها (القصد الجرمي الخاص) حيث يكون هدف الفاعل وقصده من وراء هذا التعذيب متجهاً نحو الحصول على إقرار من المجني عليه أو على معلومات بشأنها، ولكن مع الانتباه إلى أن الجريمة هنا تعد قائمة ومستوفية لجميع أركانها حتى لو لم يتم الاستحصال من المجني عليه على أي إقرار أو لم ينتزع منه أي معلومة.

فإذا قام أحد رجال الشرطة بالاعتداء على المشتبه به من قبيل التأديب له عما صدر منه من شتم وإهانة بحقه فلا يعد الاعتداء والضرب الحاصل منطبقاً على نص هذه المادة؛ لأن الهدف منه لم يكن إجبار الشخص على الاعتراف، مع ملاحظة أن القصد الجرمي الخاص الذي ذكر آنفاً والذي هو العنصر الأساسي هو ما يميز هذه الجريمة من جرائم الإيذاء المقصود الوارد في نصوص قانون العقوبات، فللوهلة الأولى هناك تشابه بين هاتين الجريمتين من ناحية الركن المادي إلا أن القصد الجرمي هو المميز بين هذين النوعين من الجرائم.

وأخيراً لابد من ذكر أن الاختصاص للنظر في الدعاوى المقامة بخصوص هذه الجريمة يعود إلى محكمة بداية الجزاء طبقاً لنص المادة (169) من قانون أصول المحاكمات الجزائية حيث فرض عقوبة جنحية على مرتكبيها تتمثل بالحبس من ثلاثة أشهر حتى ثلاث سنوات مع تشديد لها بحيث يكون حدها الأدنى الحبس سنة إذا نجم عن الفعل مرض أو جرح بالمعتدى عليه مادة (391/2) من قانون العقوبات).

رابعاً- اختلاق الجرائم:

إن تقديم البلاغات والشكاوى من الحقوق التي أجازها القانون على اعتبار أنها من أهم الطرق التي تساعد على كشف الجرائم، وبالتالي إمكانية معاقبة مرتكبيها.

أما من يقدم بلاغاً كاذباً مسبباً أضراراً وأخطاراً جسيمة تُعرِّض الأشخاص المشكو منهم للشبهات والاتهامات والتحقيقات وتخلخل النظام العام والأمن الداخلي - لأنها تنال من أهم سلطة من سلطات الدولة الثلاث وتضطرها إلى القيام بتحقيقات وتحريات لا جدوى أو طائل منها - فهدفه دنيء، مستغلاً القضاء وسيلة للانتقام وإرضاء أحقاده الشخصية. وحرصاً من المشرع السوري على عدم العبث بهذه المؤسسة القضائية التي بنهوضها تنهض الأمم وبتداعيها تسقط الدول، وعلى منع إشغال السلطات وإلزامها بالتحري والتحقيق والبحث عن جرائم وادعاءات لا أساس لها من الصحة وغير حاصلة حقيقة أورد نص المادة (392) من قانون العقوبات السوري حيث جرَّم مثل هذه الأفعال، أما المشرع المصري فأوردها في قانون العقوبات وتحديداً في المادة (135) منه. ولكن والحق يقال إن المشرع السويسري كان أكثر توفيقاً عندما عرّف هذه الجريمة على أنها إيقاع العدالة في الغلط؛ أي إنه عدها اعتداء على حرمة القضاء حتى لو قام شخص ببلاغ كاذب ضد شخص مجهول، أما القانون اللبناني فقد قام بنسخ هذه المادة من قانون العقوبات الإيطالي مادة (367) مع بعض التصرف وأوردها في تشريعه في المادة (402) من قانون العقوبات النافذ لديه، ولقيام هذه الجريمة لابد من توافر أركانها وهي:

1- الفاعل:

إن الفاعل هنا هو أي شخص من دون ذكر أي شرط خاص يجب توافره في الفاعل كالجنسية أو الجنس أو الوظيفة.

2- الركن المادي:

إن ركن الجريمة المادي يمكن أن يتجلى في إحدى هاتين الصورتين:

أ- إعلام القضاء أو أي جهة من واجبها إبلاغ السلطة القضائية عن جرم معين مع علم صاحب البلاغ أن هذا الفعل لم يرتكب أو يقترف.

وخير مثال يمكن أن يوضح هذه الحالة في قضايا اختلاس أموال خزينة الدولة حين يقوم الجاني بإلحاق الأذى بنفسه جرحاً أو إيذاءً ويخفي المال المختلس ثم يتقدم بشكاية إلى المرجع القضائي المختص مفادها أن المال المفقود قد سُلب منه بالعنف من قبل شخص ما حيث قام بضربه وإيذائه وتعذيبه وأخذ المال منه بالقوة.

ب- تسبب هذا الشخص في البدء بتحقيق عن طريق القضاء أو الجهات الشرطية المختصة وذلك بافتعال أدلة صورية على فعل جرمي لم يرتكب.

والمثال في معرض تبيان هذه الحالة أبلغ من الشرح، كما لو جاء أحد التجار من ذوي النفوس الدنيئة ورغب بإظهار أن مخزنه أو متجره قد تعرض للسرقة هادفاً التخلص من الوفاء بالتزاماته تجاه الغير فيقوم بكسر أقفال ذلك المخزن أو المتجر ثم يُفرِّغ محتوياته ويغادر المكان وكأن شيئاً لم يكن، وفي صباح اليوم التالي يأتي العامل المكلف بفتح المخزن ليفاجأ بما رأى ويقوم على الفور بإبلاغ الشرطة لتبدأ التحقيقات والتحريات على جريمة أصلاً لم ترتكب.

وهنا لابد من ملاحظة أن المشرع السوري ومثله المصري لم يشترط في الإخبار المنصوص عليه في المادة السابقة أن يكون خطياً بل يمكن أن يكون شفهياً لأن النص جاء على إطلاقه.

ويشترط في هذا البلاغ أن يكون صادراً عن محض إرادة المُبلِّغ من دون أن يكون واجباً أو مفروضاً عليه وإلا فلا جريمة وبالتالي لا عقوبة، وهذا من المبادئ الثابتة التي قررها القضاء في أحكامه وبالتالي لا يمكن اعتبار الشخص المتهم بجريمة عند استقدامه للاستجواب يقدم معلومات كاذبة يسند من خلالها التهمة إلى غيره بغية الدفاع عن نفسه، مع ملاحظة أن الإخبار يجب أن يقع على فعل معاقب قانوناً، أما إذا كان الإبلاغ عن فعل لا يشكل جرماً فلا مجال هنا لتطبيق هذا النص.

3- الركن المعنوي:

يتطلب هذا الجرم القصد الجرمي العام، أي علم الفاعل بأن هذا البلاغ هو إخبار كاذب عن فعل مُجرَّم قانوناً مع علمه بأنه لم يرتكب أو أنه يختلق أدلة مادية على هذا الفعل المُجرَّم ستكون سبباً في البدء بتحقيق تمهيدي أو قضائي، وهو إضافة إلى هذا العلم يود أن ينفذ ذلك الفعل. أما لو كان هذا المُخبِر معتقداً بصحة هذه الوقائع وهذا الأمر المُبلَّغ عنه لظروف معينة أحاطت به، أو ما يمكن تسميته بملابسات الحالة، وبالتالي لا يوجد لديه القصد السيئ فلا يمكن إعمال نص المادة (392) هنا من قانون العقوبات إذ لا جريمة ولامجال لمعاقبة الفاعل لعدم وجود القصد الجرمي، وبالتالي زوال الركن المعنوي للجريمة. ومؤدى ذلك أن الإخبار المقدم للنيابة العامة على فرض انتفاء صحته مثلاً لا يكفي لاعتبار المخبر مرتكباً لهذا الجرم، وإنما يجب التثبت من وجود القصد الجرمي لديه من سوء نية وعلمه بكذب بيانه ورغبته بذلك «وإثبات العلم بكذب الإخبار… يمكن الوصول إليه من خلال ما تستنتجه محكمة الموضوع من وقائع الدعوى وظروفها، كأن يقدم شخص إخباراً بأن أمواله قد سرقت، ثم يتضح أن المال المدعى بسرقته قد وضع أمانة لدى شخص آخر أو يتضح أن المخبر لا يملك مالاً أصلاً».

4- العقوبة وتصنيف الجريمة بحسب خطورتها:

لقد أسبغ المشرع على هذه الجريمة الصفة الجنحية دوماً سواء أكان البلاغ عن جناية أم جنحة أم مخالفة وأورد العقوبة في متن المادة ألا وهي الحبس مدة لا تتجاوز ستة أشهر وبغرامة قيمتها مئة ليرة سورية أو بإحدى هاتين العقوبتين حيث كانت الغرامة خمسين ليرة سورية، ولكن بعد التعديل الحاصل بالقانون رقــــــــــــــــم /27/ تاريـــــــــــــــــــــــــــــــخ 7/2/1979 جعلها القانون مئة ليرة سورية، وجعل الاختصاص لمحكمة صلح الجزاء وفقاً لأحكام المادة 166/ب من قانون أصول المحاكمات الجزائية.

خامساً- الافتراء (De la Dénonciation Calomnieuse):

إن جريمة الافتراء من الجرائم الهامة والدقيقة الواردة في قانون العقوبات لما لها من خطر وضرر ليس على الأشخاص فحسب بل على المجتمع كله. إذ لها تأثير في تكوين القناعة الخاطئة عن الواقعة الكاذبة، أو عن الشخص المتهم الذي حقيقة هو بريء مما نسب إليه، وقد تودي بأمواله وكرامته وجسده حبساً أو إعداماً.

لذلك كله أوردت معظم إن لم تكن كل التشريعات نصوصاً واضحة رادعة زجرية محاولة منع الناس من سلوك الطرق الملتوية التي قد تنقلب عليهم عند كشف الحقيقة، وتعد الركيزة الرئيسة لهذا الجرم مبدئياً دخول الافتراء في نصوص قانون أصول المحاكمات الجزائية، وذلك في الدعوى العامة بوصفها طريقة من طرق عرقلة الملاحقة الجزائية، لذلك عد المشرعون في أرجاء العالم أن الافتراء - في حال التأكد من عدم صحته - جريمة قائمة بذاتها محددة المعالم والأركان مستقلة تمام الاستقلال تقع تحت طائلة قانون العقوبات حتى لو كانت تتطلب تقديم شكوى لتحريك الدعوى العامة، أي إنها تبدأ من قانون الأصول في مرحلتها الأولى والمتمثلة بالإبلاغ لتنتهي في قانون العقوبات بوصفها جريمة لها وصفها القانوني الخاص باعتبار أنها جريمة متعلقة بالقضاء لا بأحد سواه.

وقد تناول المشرع السوري جريمة الافتراء في المادة (393) من قانون العقوبات.

1- شروط الإبلاغ أو الشكاية:

لقد حدد المشرع شروط الشكاية في متن المادة (27) من قانون أصول المحاكمات الجزائية وذلك تماشياً مع اجتهادات محكمة النقض المستقرة.

ولذلك قضت محكمة النقض بأنه: «إن المادة 393 من قانون العقوبات قد نصت على عقوبة من قدم شكاية أو إخباراً إلى السلطة القضائية فعزا إلى أحد الناس جنحة أو مخالفة يعرف براءته منها».

وجاء في المادة (27) من أصول المحاكمات الجزائية «أن الإخبار يحرره صاحبه ويوقع على كل صحيفة منه، ونصت المادة (59) منه على أن أحكام الإخبار تسري على الشكوى أيضاً، وكان ظاهراً من ذلك أن الإخبار أو الشكوى يجب أن يكون خطياً وموقعاً عليه من صاحبه وهذا غير متوفر في هذه الدعوى فإن الشعبة السياسية اطلعت على الحادثة وأوعزت إلى رجال الشرطة بالتحقيق وهذا ما يؤدي إلى فقدان الوثيقة المؤلفة لكيان الجريمة وينتهي الأمر إلى اعتباره كأن لم يكن. ومتى فقد الإخبار أو الشكوى أو انعدم وجودها القانوني فإن ما يترتب عليها من الافتراء يصبح غير موجود أيضاً وينعدم كذلك التحريض عليه». (المجموعة الجزائية للأستاذ ياسين دركزلي، الجزء الأول، القاعدة 572).

وقضت في حكم آخر بأنه: «حيث أن (إن) وقائع الدعوى تشير إلى أن المطعون ضدها قدمت للمحكمة الشرعية دعوى تفريق على زوجها ذكرت فيه مبرراتها بأنه يجامعها على خلاف الطبيعة ويسمح لرفاقه بالتحرش بها، وبعد أن قضي بالتفريق بينهما أقام الزوج عليها دعوى الافتراء طالباً مجازاتها والحكم عليها بالتعويض.

وحيث أن (إن) الأصل في دعاوى التفريق انتخاب محكمين وعند اختلافهما يُحكِّم القاضي غيرهما أو يضم إليهما حكماً ثالثاً مرجحاً وقد أوجب القانون على المحكمين أن يتعرفا على أسباب الشقاق وأن يجمعا الزوجين في مجلس عائلي يعقد بإشراف القاضي وأن يرفعا تقريرهما إليه دون أن يكون معللاً وذلك كله حفاظاً على الأسرار الزوجية من أن تهتك.

وحيث أنه (إنه) لا يجوز اعتبار الدفوع التي قدمت في الدعوى الشرعية سواء أثناء المحاكمة أو في المجلس العائلي من قبيل الافتراء ذلك أن تلك الدفوع سيقت كمبررات لطلب التفريق ولا تعتبر من قبيل الشكاية أو الإخبار ليعتبر من ساقها مفترياً والقول بغير ذلك معناه استحالة تقديمه أي مبررات مخالفة للنظام العام أو الآداب في دعوى التفريق بحيث يفوت على المدعي سبيل الدفاع المقدس الذي صانه الدستور وحماه». (المجموعة الجزائية للأستاذ ياسين دركزلي، الجزء 3، القاعدة 2531).

وهذا معناه أنه على الفاعل أن يجعل من الشكاية بذاتها جرماً، أما استعمال الدفوع في الدعوى والمقدمة في أثناء المحاكمة فإنها لا تعد صورة من صور الشكاية أو الإخبار وبالتالي لا يعد من ساقها مفترياً وفق ما استقر عليه الاجتهاد القضائي.

تجدر الإشارة أخيراً أن الاتهام الصادر عن أحد الأشخاص المدعى عليهم في دعوى ضد الطرف الآخر- حتى بما يتعلق بفعل جرمي يزعم حدوثه - يخرج من دائرة جرم الافتراء وذلك من ركائز الحصانة القضائية في ضرورات الدفاع وموجباته.

2- مدى الارتباط بين جرم الافتراء والجرم المفترى به:

بخصوص هذا الموضوع خير طريقة لشرح المعنى المراد من ذلك وتفسيره وبيانه هو ما ورد في قول لمحكمة النقض حيث اجتهدت: «أن التقادم في القضايا الجزائية من النظام العام. وحيث أن (إن) قاضي التحقيق قد أشار في قراره المؤرخ 29/10/1975 إلى أنه منع المحاكمة لا لعدم قيام الدليل فقط وإنما لتقادم الجريمة المدعى بها وهذا يعني أن جريمة التزوير يوم ادعي بها كانت متلاشية بالتقادم بحيث لم يبقَ لها وجود بعد مرور الزمن عليها وبالتالي لا محل لِوَصْم المُبلِّغ عن جريمة مر عليها الزمن وتلاشت بالتقادم بأنه مفتري (مفترٍ)؛ ذلك لأن جريمة الافتراء إنما تدور مع الجريمة المُبلَّغ عنها فتقوم بقيامها وتنتفي بانتفائها وتحمل نفس وصفها وتحدد عقوبتها تبعاً لذلك الوصف المادتان /392/ و/393/ من قانون العقوبات» (القاعدة /1097/ من المجموعة الجزائية - الجزء الثاني).

3- المفترى عليه:

إن الاتهام يجب أن يقدم ضد شخص محدد ومعين تماماً كما يكون في هوية من تقدَّم به؛ إذ من الواجب أن يكون هنالك فاعل أو مفترٍ ومفترى عليه في آن واحد، ولمحكمة النقض هنا قول وهو: «ظاهر من نص المادة 393 عقوبات أن الشكوى بصورة مجملة دون تعيين المشكو منه لا تتوفر فيها عناصر الافتراء وإنما تعتبر تبعاً لصيغتها من قبيل القدح أو الذم» (نقض سوري تاريخ 12/5/1954). وعلة هذا الشرط هو منع الادعاء ضد شخص وهمي كمن يبلغ عن جريمة خيالية لا يمكن أن تقع. وفي هذا الموضوع كان لعلماء القانون وقفة وجدل كبير حول عواقب جرم الافتراء وآثاره بحق شخص قد توفي بعد قيامه بالإخبار وبعد أن باشر القضاء تحقيقاته في الموضوع المُبلَّغ عنه، وانقسموا قسمين: فمنهم من يرى زوال الفعل بحكم الوفاة بوصفها سبباً مسقطاً، ومنهم وهم الأغلبية يميل نحو اعتباره ذماً مفسحين المجال أمام الورثة لتقديم ادعاء به.

والجدير بالملاحظة أنه ليس من المفروض تسمية المفترى عليه تسمية صريحة بكامل تفاصيل هويته ومعلوماته الشخصية بدقة متناهية، لعدم ورود ذلك في نص المادة صراحة، وإنما يكفي الدلالة عليه ولو تلميحاً يستدل منه معرفة ذلك الشخص بطريقة واضحة.

4- الركن المعنوي:

ويتجسد هذا الركن بالنسبة لجرم الافتراء بالقصد الجرمي العام، أي علم المخبر السابق ببراءة المفترى عليه، وعليه لا يجوز للمحكمة أن تعد من حكم البراءة الصادر بحق الفاعل سبباً للإدانة، حيث إن ذلك غير كافٍ خاصة أن المخبر يمكن أن يكون قام بهذا البلاغ نتيجة اعتقاده الخاطئ بأن المفترى عليه قد قام بالجريمة التي نسبها إليه، وهذا ما أكدته محكمة النقض في الكثير من أحكامها من حيث اشتراط قصد الإضرار بالمُبلَّغ عنه إضافة إلى علمه ببراءته، وهذا ما لا يتبين له سند في النص (نقض سوري - جناية أساس 1318 قرار 1983 تاريخ 26/11/1986)، (قانون العقوبات تنسيق الأستاذ أديب استانبولي، الجزء الأول، ص589).

5- الاختصاص القضائي للنظر في جريمة الافتراء والعقوبة المفروضة:

عدَّ المشرع السوري جرم الافتراء من الجرائم الجنحية الوصف إذا كان الجرم المفترى به من جرائم الجنحة أو المخالفة، وفرض على مرتكبه عقوبة الحبس من شهر إلى ثلاث سنوات. والاختصاص هنا ينعقد لمحكمة بداية الجزاء للنظر في هذه الدعاوى. ولكنه أيضاً عاد وشدد العقوبة إذا كان الجرم المفترى به من الوصف الجنائي، لما له من خطورة وأهمية حيث فرض على فاعله الأشغال الشاقة من ثلاث إلى عشر سنوات، أما إذا أفضى جرم الافتراء إلى الحكم على المفترى عليه بالإعدام، أو بإحدى العقوبات المؤبدة فاشترط المشرع في هذه الحالة ألا تقل عقوبة الأشغال الشاقة عن عشر سنوات ويمكن أن تصل إلى خمس عشرة سنة، وهنا جعل المشرع اختصاص النظر في هذه الدعاوى يعود لمحكمة الجنايات عملاً بأحكام المادتين (169) و(172) من قانون أصول المحاكمات الجزائية.

6- الرجوع عن الافتراء والأثر المترتب على ذلك:

لقد أورد المشرع هذا الأمر في نص المادة (394) من قانون العقوبات، حيث عد رجوع المفتري عن افترائه قبل حدوث أي ملاحقة دليلاً على صحوة ضمير المفتري، وعودته إلى طريق الهداية والصواب، وبالتالي خفف له العقوبة السابقة وفق نص المادة (241) من قانون العقوبات. ولكن لا يتحقق هذا التخفيف إلا بتوافر أمرين هامين: أولهما أن يرجع عن افترائه قبل حدوث أي ملاحقة، وثانيهما أن يكون هذا الرجوع طوعياً لا إكراه فيه.

ولهذا الموضوع اجتهادات قضائية كثيرة صادرة عن محكمة النقض يذكر منها وعلى سبيل الفائدة والاستزادة ما يلي: «إن ما جاء في المادة (394) من قانون العقوبات من التخفيف عن المفتري إذا رجع عن افترائه قبل أية ملاحقة فإن المراد منه هو الرجوع طوعاً قبل المباشرة بأي عمل ضد المفترى عليه منعاً لأذى افترائه الذي قدمه، وفي هذه القضية نرى أن النيابة العامة اطلعت على الإخبار وأذنت بالتحري وتم ذلك فعلاً ثم اعترف الطاعن أثناء التحقيق بما قام به من الافتراء فلم يكن رجوعه طوعاً ولا قبل الملاحقة فلا يسوغ له أن يطالبها بالتخفيف الوارد في المادة المذكورة». (المجموعة الجزائية للأستاذ ياسين دركزلي، الجزء 1، القاعدة 588).

وجاء أيضاً في اجتهاد آخر: «أن المادة (394) من قانون العقوبات تنص على أنه إذا رجع المفتري عن افترائه قبل أي ملاحقة بمعنى أن الاستفادة من حكمها لا يكون إلا إذا وقع الرجوع قبل إجراء الملاحقة القانونية وأن الرجوع عن الافتراء أمام قاضي التحقيق هو رجوع واقع بعد الملاحقة القانونية» (القاعدة رقم /590/ من المجموعة الجزائية).

وأخيراً والجدير بالذكر أنه إن وجد نص قانوني عام وآخر خاص وجب إعمال النص الخاص عملاً بأحكام المادة (180) من قانون العقوبات وهو ما يجب التنويه عنه حتى يكون كافياً ووافياً حيث إنه جاء في قانون المخدرات الجديد رقم /2/ لعام 1993 نص خاص عن جرم الافتراء وتحديداً في المادة (54) منه، وهو واجب الإعمال في هذه الحالة، ومثاله أن يقوم شخص ما بوضع كمية من الحبوب المخدرة أو الحشيش في سيارة المفترى عليه أو منزله والإخبار عنه شفهياً أو كتابياً إلى السلطات المختصة من أمن جنائي أو فرع مكافحة المخدرات بأن هذا الشخص يتعاطى أو يتاجر بهذه الحبوب المخدرة.

7- الافتراء والمسؤولية المدنية:

يذهب بعض الفقهاء إلى القول إن في حال صدور حكم قضائي ببراءة المفتري أو منع محاكمته أو بعدم مسؤوليته الجزائية فإن ذلك لا يمنع من إمكانية مساءلته مدنياً وفقاً للقواعد العامة ووفق ما جاء في المادة (164) من القانون المدني من أن كل خطأ سبب ضرراً للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض (جندي عبد الملك - الموسوعة الجنائية - الجزء الثاني صفحة /138/).

وقد نهجت محكمة النقض هذا النهج وسارت عليه في أحكامها واجتهاداتها كما جاء في القرار 287 لعام 1960.

سادساً- الهوية الكاذبة:

تتسم العدالة الإنسانية في المجتمعات المتحضرة بصدقها ونزاهتها في إعطاء كل ذي حق حقه، ومعاقبة المخلين بالأمن والأمان، والحفاظ على المبادئ الدستورية المقررة في تلك المجتمعات.

ولكن لا يمكن تحقيق هذا الأمر عن طريق السلطة القضائية وحدها، وإنما تحتاج إلى تضافر الجهود وتعاضدها بين الدولة والأفراد بحيث يسهم كل شخص بمؤازرة العدالة من أفراد وشهود وخبراء، ولكن قد تصدر أخطاء عن هؤلاء تعطل العدالة وتفسد الرسالة السامية المنشودة من المؤسسة القضائية. لذلك اضطر المشرعون الجزائيون إلى وضع النصوص الرادعة لمن يسعى إلى إيقاف سير العدالة في قوانين العقوبات، وهذا ما نهجه المشرع السوري في عدة مواضع من قانون العقوبات تضمن صدق العدالة، ومنها الهوية الكاذبة. المنصوص عليها في المادتين (395) و(396) منه.

1- المتعلق بالمادة (395) من قانون العقوبات:

أ- ركن الجريمة المادي: ويتحقق الركن المادي لهذه الجريمة بأن يذكر الفاعل اسماً أو صفة ليست له وينسبها إليه، أو أن يقوم الفاعل بالإدلاء بإفادة كاذبة عن محل إقامته أو عن محل سكناه، أو في ما معناه جعل واقعة مزورة في صورة واضحة صحيحة. والأمثلة الواردة على ذلك كثيرة، كأن يرفع شخص دعوى مدنية كدعوى استرداد ما للمدين لدى الغير أو حجزه باسم شخص آخر ويوقع على استدعاء دعوى بإمضاء الشخص وتوقيعه، أو ختمه أو أن يتسمى باسم آخر محكوم عليه بعقوبة لكي يحبس بدلاً منه، وتُثبَّت هذه الواقعة الكاذبة في سجلات السجن على اعتبار أنها صحيحة.

ب- الركن المعنوي لجرم الهوية المزورة: ويتمثل الركن المعنوي في القصد الجرمي العام والمتطلب علم الفاعل بأنه يذكر اسماً أو صفة ليست فيه، أو أن يؤدي إفادة كاذبة عن مكان إقامته أو محل سكناه أمام أحد القضاة أو ضابط من ضباط الشرطة العدلية أو أحد رجالها. ولذلك لم يشترط المشرع وجود القصد الجرمي الخاص لتحقق هذا الركن في جرم الهوية الكاذبة.

ج- المؤيد القانوني للجريمة: وهو العقاب الذي حدده المشرع في نص المادة بالحبس ستة أشهر على الأكثر أو بغرامة مئة ليرة سورية، وبالتالي يتبين أنها تتسم بالصفة الجنحية وهي مطابقة لنص المادة (405) من قانون العقوبات اللبناني فيما عدا قيمة الغرامة.

2- انتحال الصفة وفق المادة (396) من قانون العقوبات:

ومعنى هذا التعبير أن يقوم شخص كائناً من كان باستعارة اسم غيره محدد ومعروف وليس مجرد اسم وهمي في تحقيق قضائي أو محاكمة قضائية وينسبها إليه كذباً وبهتاناً.

أ- الركن المادي للجريمة: ويتحقق الركن المادي لهذه الجريمة بقيام الفاعل بانتحال اسم غيره كذباً في تحقيق أو محاكمة قضائية، شرط أن يكون معيناً ومحدداً لا لبس فيه. ويستنتج من نص المادة (396) أن المشرع هنا لم يورد إلا عبارة (انتحل اسم غيره) فحددها بالاسم، أما في المادة السابقة (395) فذكر الاسم أو الصفة.

وأيضاً شدد العقوبة لما تسببه هذه الجريمة من ضرر كبير بمصالح الغير يمكن أن يلحقه فاعلها جرّاء استعارته لاسم غيره، كما لها من أضرار تتمثل بالإخلال بسير القضاء وتضليل العدالة جرّاء المعلومات الكاذبة. ومثال على ذلك انتحال أحد الأشخاص بالاتفاق مع المدعي المؤجر - في دعوى إخلاء - اسم المستأجر المدعى عليه وإيراده دفوعاً تؤكد ادعاءات المؤجر الكاذبة وتمكنه من كسب دعواه وإخلاء العقار الذي يشغله المستأجر الحقيقي الذي قد يكون جاهلاً بأمر الدعوى ابتداء.

ب- الركن المعنوي: ويتطلب قيام هذ الجريمة توافر القصد الجرمي العام المتمثل بتحقق عنصري العلم والإرادة، ولم يشترط المشرع السوري في هذا الجرم عنصراً آخر وهو توافر القصد الخاص وراء الفعل كالرغبة في الانتقام مثلاً. ووضع لها عقوبة الحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات، فقد عدها المشرع من الجنح فجعل الاختصاص للنظر في الدعاوى لمحكمة بداية الجزاء على النحو المبين في المادة (169) من قانون أصول المحاكمات الجزائية.

سابعاً- شهادة الزور:

الشهادة لغة: كلمة مشتقة من الفعل شهد، وقد وردت في القرآن الكريم وفي جميع الكتب السماوية الأخرى عدة مرات ليكون لها معنى يدل على من يرى بالعين المجردة أشخاصاً أو أشياء أو أفعالاً ولا يصح معناها إلا إن أرفقت بعبارة (أشهد) مع حلف اليمين.

إن المشرع السوري لاعتبارات ارتآها نتيجة الضرر الذي يمكن أن ينجم للمشهود ضده بسبب ذلك الشاهد الكاذب في شهادته التي أدلى بها جرَّم في نصوص القانون الشهادة الكاذبة وأوردها في المواد (397-401) من قانون العقوبات.

1- العذر الكاذب:

إن السلطة القضائية في معرض تطبيقها للعدالة قد تحتاج إلى شهادة أحد الأشخاص ضماناً للحقوق، ومن الواجبات الأساسية المفروضة على كاهل الشاهد (وجوب الحضور) عند استدعائه للإدلاء بشهادته وفق الأصول والقانون سواء كان ذلك أمام القضاء المدني أم الجزائي، فإذا تخلف عن الحضور وجبت عليه الغرامة، ولكن في حال حضور ذلك الشاهد المتخلف بعدما وجهت بحقه عقوبة الغرامة وقام بإبداء عذر مشروع فيمكن إعفاؤه من الغرامة المفروضة عليه بعد استطلاع رأي النائب العام وفق نصوص القانون (المادة 74 قانون البينات والمواد 82، 83، 194، 195، 302 قانون أصول المحاكمات الجزائية).

وعند تقديم الشاهد لعذره الذي دعاه إلى التخلف عن الحضور أمام المحكمة أو قاضي التحقيق أو أي جهة قضائية أخرى دعته للشهادة تقوم بالتحقق من عذره من حيث صحته وجديته وإلى ما هنالك من الأسباب القاهرة كالمرض الشديد أو تركه لمحل إقامته وبالتالي لم يتبلغ مذكرة الدعوة. ولكن إن ثبت لتلك المحكمة أو ذلك المرجع القضائي المختص كذب الشاهد في عذره الذي اضطره إلى التخلف عن الحضور للشهادة فرضت بحقه العقوبة المنصوص عليها في متن المادة (397) من قانون العقوبات وهي الحبس ثلاثة أشهر على الأكثر إضافة إلى عقوبة الغرامة المفروضة عليه بسبب تخلفه عن المجيء.

2- الشهادة الزور:

المبدأ العام يقتضي أن يعاقب الشاهد في حالة زوَّر شهادته المدلي بها أمام القضاء إن كان لها في ذاتها قوة الإقناع، وصالحة لبناء الأحكام عليها، أما تلك المجردة من المصداقية التي يتعذر التحقق من صحتها فلا يمكن عدها شهادة بالمعنى المقصود، فإن مثل هذه الشهادة لا تتوافر فيها أركان جريمة الشهادة الزور والتي يمكن إدراجها على النحو التالي:

أ- فاعل الجريمة: هو الشخص أو ما يسمى الشاهد الذي يدلي بشهادته زوراً وبهتاناً وذلك خلاف الحقيقة بأنه رأى بعينه واقعة الجريمة ويؤكد إفادته رغم انتفاء رؤيته لتلك الواقعة.

ب- مكان حدوث الجريمة: لقد عدّ المشرع الشهادة الكاذبة – الزور - المجرِّمة قانوناً هي تلك الحاصلة أمام جهة قضائية معينة عادية أو عسكرية أو إدارية، ولكن ما يُلاحظ على نص المادة (398) عقوبات عام أنها فرَّقت بين القضاء العسكري والإداري لفظياً رغم أنهما جزء من السلطة القضائية، فكان الأولى لو ورد تعبير السلطة القضائية بدلاً من تلك التسميات لأنها تعد جهة واحدة.

ج- حلف اليمين: لقد اشترط المشرع اقتران الشهادة باليمين بصريح نص القانون بوصفه شرطاً جوهرياً ومهماً حتى تتحقق جريمة شهادة الزور، وهذا ما تم تأكيده في اجتهادات محكمة النقض حيث أوردت: «إن الشهادة لا تؤدى إلا بعد حلف اليمين، وقد حددت المادة (398) من قانون العقوبات للشهادة الكاذبة عقوبة تختلف بين أن يكون أداؤها مقترناً باليمين أو غير مقترن بها، ولذلك فإن اليمين في الشهادة عنصر من عناصرها وجزء منها ولا يشكل جرماً مستقلا». (المجموعة الجزائية للأستاذ ياسين دركزلي، القاعدة 1795).

وإن حلف اليمين مبدأ معروف منذ أقدم الأعراف والشعائر الدينية، ويستند إلى القناعة الوجدانية التامة لكون الحنث باليمين كفراً بالآلهة، حيث يبقى الطابع المميز لهذا العمل الديني البحت القَسَم بالإله الخالق. ولقد جرى العرف القضائي على التزام الشاهد بترديد العبارة التي يمليها عليه القاضي حرفياً وذلك بعد رفعه ليده اليمنى أو وضعها على أحد الكتب الدينية المقدسة بحسب الديانة السماوية التي يؤمن بها الشاهد من التوراة أو الإنجيل أو القرآن، وعبارة اليمين تختلف من محكمة لأخرى، ولكن غالباً ما تكون كالتالي:

أشهد بالحق كله، ولا أشهد إلا بالحق، أو تكون أشهد بالحق دون زيادة أو نقصان، وهي ما جرت عليه المحاكم السورية. أما في لبنان فقد جرى العرف على اعتماد العبارة التالية:

أشهد بأن أقول الحقيقة - كل الحقيقة، ولا شيء سوى الحقيقة، ولكن على أن تسبق بعبارة (أقسم بالله العظيم أن…) عرفاً.

د- الركن المادي للجريمة: إن تحريف الحقيقة وبهتان الشهادة له أشكال مختلفة منها:

¦ الجزم بالباطل: وهو الصورة التقليدية الأكثر شيوعاً لشهادة الزور، وذلك بأن يشهد - خلاف الحقيقة - عكس ما سمع أو رأى زوراً ونفاقاً قاصداً تشويه الحقائق وتلفيقها.

¦ إنكار الحق: وهو يمثل الموقف السلبي للشاهد من خلال نفيه رؤية حادثة معينة مع أنه على علم بكل بتفاصيلها أو تأكيد أحد الأشخاص في دعوى طلاق أنه لم يشاهد الزوجين يتشاجران معاً ولا مرة واحدة مع أن هذا الواقع قد تردد أكثر من مرة بحضوره شخصياً.

¦ الإغفال المقصود: إن ضرورات البحث تقتضي هنا تقسيمه إلى عدة أقسام:

&https://arab-ency.com.sy/law/details/25726#159; الكتمان: ومعنى ذلك قيام الشاهد بتجريد الفعل الجرمي الذي شاهده من بعض الأمور التي من شأنها تغيير وصفها الجرمي، ومثاله قيام الشاهد بكتمان حدوث عنف على الأشخاص الذين تعرضوا للسرقة مما يقلب الجرم من سلب بالعنف إلى سرقة عادية.

&https://arab-ency.com.sy/law/details/25726#159; التردد: وهو تعبير يظهر على ملامح الشاهد يعبر عن موقف الحيرة والتحير في أثناء إدلائه بشهادته نتيجة القلق والاضطراب المترافق مع شهادته لما يصيبه من انفعالات نفسية، وهذا الأمر مما يدخل في تقدير المحكمة على اعتباره يدخل في جرم شهادة الزور أو لا.

&https://arab-ency.com.sy/law/details/25726#159; السهو: وذلك لعدم قدرة الشاهد على فهم السؤال فهماً واضحاً وبالتالي يبدأ بالارتباك في أثناء إجابته عن السؤال المطروح عليه، والحل الأمثل في هذه الحالة إعادة طرح السؤال على الشاهد مما يستشعر معه فقه الشاهد للمعنى المبتغى من السؤال وإدراكه.

&https://arab-ency.com.sy/law/details/25726#159; الصمت: إن الأصل هو أن امتناع الشاهد عن الإجابة حق من حقوقه، خاصة إذا كان السؤال المطروح متعلقاً بتفاصيل دقيقة حول حادثة مدونة في محضر التحقيق؛ لأن الشاهد في هذه الحال قد يتعرض لخطر الاستدراج في الحديث وبالتالي نسب فعل معين إليه يعد جرماً معاقباً عليه وفق نصوص القانون، وسكوته يعد بمنزلة الدفاع عن النفس.

&https://arab-ency.com.sy/law/details/25726#159; التضارب والتناقض في الشهادة: إن قيام الشاهد بتغيير إفادته أمام المحكمة لا يعد من قبيل كذبه أو زور شهادته من حيث المبدأ، وهذا الأمر أكثر ما يتجلى عندما يتم سماع منظمي المحضر بوصفهم شهوداً، إما لمرور وقت طويل على الحادثة وإما لنسيان تفاصيل الواقعة، أو قيامه بتبديل بعض ما ذكره سابقاً من قبيل تصحيح معلومات شهادته من حذف أو إضافة ما لم يُستشف معه تأكيد الشاهد إفادته بصورة تحمل اليقين بالكذب. ومن الأمور الملحة في معرض البحث بشهادة الزور طرح هذا التساؤل ماذا لو حضر الشاهد المدعو للمحكمة ولكنه امتنع عن حلف اليمين القانونية وأداء الشهادة؟ حقيقة لم يورد المشرع السوري نصاً في القانون يعالج هذه الحالة على نحو مباشر وصريح، وهو للأسف نقص في التشريع يتوجب تداركه، في حين لحظ المشرع المصري ذلك في المادة (284) من قانون الإجراءات الجزائية حيث فرض عقوبة الحبس مدة لا تزيد على أسبوع أو بغرامة لا تزيد على جنيه في المخالفات، والحبس مدة لا تزيد على ثلاثة أشهر أو بغرامة لا تزيد على ستين جنيهاً في جرائم الجنح والجنايات، وفي القانون السوري لا يوجد حل لهذه المشكلة سوى نص مادتين الأولى رقم (82) من قانون أصول المحاكمات الجزائية التي تنص على:

«1- كل من يدعى لأداء الشهادة يجبر على الحضور أمام قاضي التحقيق وأداء شهادته وإلا استهدف لغرامة لا تتجاوز ثلاثمائة ليرة سورية يفرضها عليه قاضي التحقيق بعد استطلاع رأي النائب العام بموجب قرار نافذ في الحال.

2- ولقاضي التحقيق أن يقرر إحضار الشاهد».

وعدت وزارة العدل في بلاغها رقم /27/ تاريخ 1959 أن هذه الغرامة تتسم بالصفة الجزائية (قانون العقوبات تجميع وتنسيق الأستاذ أديب استانبولي، الجزء 1، القاعدة 931).

والمادة الثانية رقم (78) من قانون البينات والتي تنص على أنه:

«إذا امتنع الشاهد عن أداء اليمين أو عن الإجابة بغير سبب قانوني يقضي عليه بحكم مبرم بغرامة من عشر ليرات إلى خمسين ليرة ما لم يتنازل الخصم عن شهادته».

وأيضاً لوزارة العدل كتاب موجه إلى المحامي العام في السويداء يعد الغرامة المذكورة ذات صفة مدنية (مجلة القانون، الأعداد 1-10 لعام 1973، وهي خاص بمطالعات إدارة التشريع من عام 1950 حتى 1972) مع العلم أن جريمة شهادة الزور لا يشترط لقيامها أن تكون الشهادة المدلى بها زوراً برمتها، بل يمكن أن يكون الكذب والبهتان في بعض الوقائع دون الأخرى، شرط أن تكون تلك الوقائع من الأمور الجوهرية التي يمكن أن يكون لها التأثير في وضع المشهود له القانوني أو المشهود عليه، أما إذا كانت من الأمور الثانوية غير المؤثرة في الدعوى فلا مجال لعقاب الشاهد. وهذا ما أكدته محكمة النقض في عدد من اجتهاداتها.

هـ- طبيعة جريمة الشهادة الكاذبة: تعد هذه الجريمة من جرائم الجلسات أي التي تقع أثناء انعقاد جلسات المحاكمة، وتقع أمام محاكم الدرجة الأولى أو الدرجة الأخيرة بغض النظر عمّا إذا كانت مدنية أو جزائية، وتقام دعوى الحق العام بأحد شكلين: إما عن طريق تنظيم ضبط بالواقعة وإصدار الحكم في الدعوى المقامة من قبل المحكمة بجريمة الشهادة الزور، وإما أن تقام دعوى الحق العام وفق القواعد العامة، وذلك في حالة إصدار الحكم ثم اكتشاف أن الشهادة التي أُدلي بها في أثناء المحاكمة هي شهادة كاذبة.

و- العقوبة المفروضة على جرم شهادة الزور: لقد فرض المشرع عقوبة الحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات بحق شاهد الزور، أما لو أُدلي بالشهادة بتحقيق جنائي، أو على جرم جنائي فالعقوبة المفروضة في هذه الحالة هي الأشغال الشاقة من ثلاث إلى عشر سنوات مع ملاحظة أنه لو أدت الشهادة الكاذبة إلى حكم بالإعدام، أو بعقوبة مؤبدة لا تنقص عقوبة الأشغال الشاقة عن عشر سنوات، ويمكن أن تصل إلى خمس عشرة سنة (المادة 398 من قانون العقوبات)، ولكن هذه الحالة لا يعمل بها إلا بشروط يجب توافرها، وهي:

¦ أن تكون الشهادة الكاذبة المدلى بها هي التي أدت إلى الحكم بالإعدام أو بعقوبة مؤبدة لما لها من دور جوهري في الحكم الصادر.

¦ لكن المشرع لم يشترط في معرض تشديده للعقاب في هذه الحالة أن يكون حكم الإعدام الصادر المبني على الشهادة الكاذبة قد نفذ.

¦ وأيضاً لم يشترط نص المادة (398) من قانون العقوبات أن يكون ذلك الحكم مبرماً بل يكفي صدور الحكم حتى لو كان قابلاً لأي طريقة من طرق الطعن.

والجدير بالذكر أن جريمة الشهادة الكاذبة تعد من الجنح الشائنة بحسب القرار رقم (856/ن) الصادر عن وزير العدل بتاريخ 7/12/1985، وفاعل تلك الجريمة يمنع من التعيين في أي جهة من الجهات العامة المحددة في المادة الأولى من القانون الأساسي للعاملين في الدولة.

ن- الشهادة على سبيل المعلومات: في بعض الحالات قد يلجأ القاضي إلى سماع بعض الشهود فقط للاستئناس وعلى سبيل المعلومات من دون أن يقوم بتحليف الشاهد اليمين القانونية، وهذه الشهادة لا تصل إلى مرتبة الدليل الذي يكون أساساً لبناء الأحكام عليه، والهدف من مثل هذه الشهادة يكون لتعزيز أدلة أخرى موجودة في الدعوى. ومثال ذلك شهادة أصول المتهم وفروعه وإخوته وزوجه. والمشرع عد هذه الحالة في جرم الشهادة الزور سبباً مخففاً حيث تخفض العقوبة للنصف (المادة 398/4 من قانون العقوبات).

ز- الأمور الواجب مراعاتها في جريمة الشهادة الكاذبة: يجب على الحكم الصادر بالتجريم في جريمة الشهادة الكاذبة توافر أركان هذا الجرم تماماً كما أوردها المشرع في النص القانوني، ولمحكمة النقض في هذه النقطة قول:

«استقر الاجتهاد القضائي على أنه لابد في جرم الشهادة الكاذبة من ذكر الشهادة الصادقة والكاذبة والفرق بينهما والأدلة عليها» (المجموعة الجزائية للأستاذ ياسين دركزلي، الملحق الدوري، القاعدة 3374).

وجاء أيضاً: «إن المادة 398 من قانون العقوبات قد نصت على عقاب من شهد أمام سلطة قضائية أو قضاء عسكري أو إداري فجزم بالباطل أو أنكر الحق أو كتم كل ما يعرفه أو بعضه، ومؤدى ذلك أن يبحث القرار المطعون فيه عن الشهادة الصادقة والشهادة الكاذبة ثم يبين الفرق بينهما ويذكر أنواع الكذب الذي تعمده الشاهد في أقواله والأدلة القائمة عليه، فإذا خلا القرار المذكور من هذه البيانات فهو قاصر في تعليله وأسبابه وجدير بالنقض» (المجموعة الجزائية 1- الجزء الثالث، القاعدة 1790). وفي اجتهاد آخر جاء «…لذلك فإنه لابد في الشهادة الكاذبة من بيان خلاصة الدعوى الأصلية التي أديت الشهادة فيها وموضوع الشهادة الكاذبة وما غاير الحقيقة منها وتأثيرها في مركز الخصوم والضرر الذي يترتب عليها، وأن الشاهد كتم معلومات أو كذب فيها بقصد تضليل القضاء إضراراً بالغير أو طلباً لمصلحته، وهل كانت الشهادة مبنية على السماع أو المعاينة» (المجموعة الجزائية - الجزء الثالث، القاعدة 1789).

3- الأعذار المُحِلَّة والمخففة في الشهادة الزور:

ارتأى الفقهاء المعاصرون الذين بحثوا في هذا الموضوع وتوسعوا فيه، منح الشاهد إعفاء من قبيل المكافأة له إن رجع عن إفادته الكاذبة التي أدلى بها أثناء التحقيق قبل انتهاء أعمال التحقيق، وقبل أن يُقدَّم بحقه إخبار، الأمر الذي يشجعه على الاحتكام لضميره ووجدانه، مما يحثه على الرجوع عن الشهادة الزور وإظهار الحقيقة التي كان يحاول طمس معالمها، وهو حقيقة ما يهم العدالة. أما لو لم يوجه مثل هذا الإعفاء فقد يصر الشاهد على إفادته الكاذبة لأن النتيجة بالنسبة له واحدة.

ولقد سار المشرع السوري على هذا النهج حيث أورد ذلك في المادة (399) من قانون العقوبات والمطابقة للمادة (409) من قانون العقوبات اللبناني التي تنص على إعفاء الشاهد من العقاب في حالتين:

¦ وتتجسد في رجوع الشاهد عن إفادته الكاذبة التي أداها أثناء التحقيقات الجارية قبل أن ينتهي التحقيق ويقدم بحقه الإخبار.

¦ وهي اشتراط الرجوع عن تلك الشهادة الكاذبة التي أدلى بها في أثناء المحاكمة قبل صدور حكم في الدعوى حتى لو كان غير مبرم.

وأيضاً قام المشرع بإيراد نص قانوني آخر لموضوع الإعفاء من العقاب في المادة (400) من قانون العقوبات حيث جاء فيها أنه: «يعفى من العقوبة:

أ - الشاهد الذي يتعرض حتماً إذا قال الحقيقة لخطر جسيم له مساس بالحرية أو الشرف، أو يعرض لهذا الخطر زوجه ولو طالقاً أو أحد أصوله أو أحد فروعه أو إخوته أو أصهاره من الدرجات نفسها.

ب - الشخص الذي أفضى أمام القاضي باسمه وكنيته وصفته ولم يكن من الواجب استماعه كشاهد أو كان من الواجب أن ينبه إلى أن له أن يمتنع عن أداء الشهادة إذا شاء».

هناك أشخاص يجب ألا يستمع لأقوالهم على أنهم شهود ومن حقهم الامتناع عن الشهادة، كمن له اسم ورد في زمرة ممن أُسندت الواقعة الجرمية إليهم في الشكوى المقدمة، فعندما يدعى للشهادة يجب على القاضي الذي يود الاستماع إلى إفادته لفت انتباهه إلى حقه في الامتناع عن الإدلاء بأقواله بوصفه شاهداً.

وقد نص المشرع على أنه إذا عرَّضت الشهادة الكاذبة شخصاً آخر لملاحقة قانونية نتيجة تلك الإفادة الملفقة، أو لحكم ولو كان قابلاً لأي طريقة من طرق الاستئناف أو الطعن خفضت العقوبة المفروضة عليه من النصف إلى الثلثين.

وفي هذا الموضوع خرج المشرع عن المألوف في نصوص القانون إذ كما هو معلوم بحسب المادة (217) من قانون العقوبات أن المشرع يعاقب المحرض بعقوبة الفاعل نفسها حتى لو لم تنجز الجريمة، في حين عد القانون السوري المحرض هنا خاضعاً لتخفيف حدده نص المادة 401 من قانون العقوبات بنصف العقوبة وهي مطابقة لنص المادة (411) من قانون العقوبات اللبناني.

ثامناً- التقرير الكاذب والترجمة الكاذبة:

من المؤكد أن القاضي لا يستطيع أن يلم بكل العلوم، لذلك وفي معرض دراسته لعدد من القضايا قد يحتاج إلى الاستعانة بالخبراء لتوضيح أمر معين، أو تقدير قيمة شيء ما. والمفروض عند لجوء القاضي إلى الاستعانة بالخبير حصوله على رأي سليم يعينه في تحقيق العدالة المنشودة التي تساعده على اتخاذ قراره في القضية المعروضة أمامه. ولكن قد يحدث أن يقوم الخبير عند تقديم خبرته للمحكمة قصداً وعن سوء نية ما يعكس الحقائق هادفاً عرقلة سير العدالة مما استدعى المشرعين لإيراد النصوص اللازمة لتجريم هذا الفعل.

1- التقرير الكاذب:

لقد أورد المشرع السوري كغيره من المشرعين العرب والأجانب نصوصاً خاصة بالخبراء وطرق الاستعانة بهم وواجباتهم، والجزاءات المفروضة عليهم في حال قاموا بالتلاعب والتزوير في الحقائق المراد إبداء رأيهم فيها، حيث نظمت المادة /402/ من قانون العقوبات موضوع الخبير المخالف لواجباته، وفيما يلي شرحها:

أ- الخبرة: لقد نظم المشرع موضوع الخبرة وعدّه وسيلة من وسائل الإثبات، لما لها من أهمية علمية وفنية تلجأ إليها المحاكم للتثبت من واقعة معينة تحتاج إلى علم خاص غالباً لا يلم القاضي به وتحقيقاً للعدالة. وقد فُصِّلت في قانون البينات رقم /359/ لعام 1947 في المواد /138حتى 157/، كما صدر القانون رقم /42/ لعام 1979 المسمى بقانون الخبراء لدى المحاكم. وهنالك الكثير من الاجتهادات الصادرة عن محكمة النقض أوضحت مهام الخبراء ومتى يُلجأ إلى الخبرة ومنها:

«إن الخبرة مهمة علمية وفنية تعمد المحكمة إلى الاستعانة بها كلما كانت أمام مشكلة تستدعي معرفة خاصة ودراسة دقيقة، وليس لها أن تفصل في أمور فنية لا يستوي في معرفتها ذوو الاختصاص مع غيرهم. فإذا عجز الطب عن معرفة منشأ الإصابة هل كانت بسبب مرضي أو رضِّي فلا يسوَّغ للمحكمة أن تجزم من نفسها وتحكم بقناعتها بأن منشأ الإصابة رضي» (جناية 746- ق743 تاريخ 30/11/1964).

وجاء أيضاً: «إن الخبرة مهمة علمية وفنية تعمد المحكمة إليها كلما وجدت نفسها أمام مشكلة تستدعي معرفة خاصة ودراسة دقيقة ليكون ذلك أقرب إلى الاطمئنان وأبعد عن الريبة، ولها أن تستعين بالخبراء من تلقاء نفسها أو بناء على طلب الخصوم إذا رأت في ذلك ما يساعد على اكتشاف الحقيقة وينير أمامها السبيل لفصل الدعوى، وليس لها أن تستغني عن إجراء الخبرة إلا إذا تأكد لديها أنها غير منتجة في الحكم، كما وأنه ليس لها أن تقضي بأمور فنية وعلمية لا يستوي في معرفتها ذوو الاختصاص مع غيرهم بل عليها أن تستعين بالخبراء في كل علم لتحقيق ما هو داخل ضمن اختصاصهم» (جناية 160 - ق 204 تاريخ 31/3/1965).

ب- الفاعل: فاعل هذه الجريمة يشترط أن يكون خبيراً وفق ما جاء في نص المادة (402) من قانون العقوبات، صراحة معيناً من قبل السلطة القضائية. فلا مجال لتطبيق هذه المادة إن كان الخبير يدلي برأيه الخاص ويقوم بالاستنتاجات، كما لا يعمل بهذه المادة إن جرت الخبرة من قبل الشرطة ولو بمعرفة خبير معين من قبلهم، إذ لا يمكن اعتبار تلك الخبرة دليلاً تبنى عليه الأحكام القضائية. إذ إن الشرطة أصلاً لا تستطيع تحليف الخبير اليمين القانونية لأن ذلك ليس من صلاحيتها، وهذا ما أكدته محكمة النقض في قولها: «إن محكمة الموضوع قد اعتمدت في حكمها المطعون فيه الخبرة الجارية من قبيل الخبير (أ) ومن حيث إن هذا الخبير قد استمع من قبل موقعي ضبط الشرطة العريف (ع) والشرطي (ش) المؤرخ في 23/11/1961 بعد أن حلفاه اليمين القانونية المنصوص عنها بالمادة /41/ من قانون الأصول الجزائية استناداً لتفويض وكيل النيابة العامة المؤرخ في 22/11/1961، ومن حيث إن العريف والشرطي لا يملكان حق تحليف اليمين الذي هو من اختصاص القضاة مما سبب وقوع بطلان في الإجراءات أثر في الحكم المطعون فيه وعرضه للنقض» (جناية 19440، رقم القرار 2936).

ج- الركن المادي: ويتجسد في اللجوء إلى الكذب في التقرير تضليلاً للعدالة على نحو منافٍ للحقيقة قصداً بحيث تطمس الحقيقة. وأكثر ما يشرح هذا الأمر التقارير في الجنايات من حيث إطلاق المقاذيف النارية، ومدى إصابتها ومصدرها خاصة إن كانت الأسلحة متعددة التي خرجت منها الطلقات النارية وبيان سبب وفاة الضحية، ومن أي سلاح خرج المقذوف المسبب للوفاة، ومتى قامت هذه العناصر نهضت الجريمة وتوجبت العقوبة.

د- الركن المعنوي: يُستَنتج من نص المادة (402) من قانون العقوبات أن المشرع لم يوجب وجود أي قصد جرمي خاص، وإنما اكتفى بالقصد العام وما يؤكد ذلك ما جاء في اجتهاد لمحكمة النقص: «إن جريمة التقرير الكاذب المنصوص عليها في المادة (402) من قانون العقوبات من الجرائم القصدية التي تعتبر فيها النية الجريمة عنصراً من عناصر تكوينها فتتم بوجودها وتنتفي بانتفائها» (المجموعة الجزائية للأستاذ ياسين دركزلي، الملحق الدوري الثاني، القاعدة /4161/). هذا مع العلم أن المحاكم السورية قد حكمت أن ركن القصد في التزوير يستلزم وجود أكثر من مجرد العلم والإرادة، فلا يتحقق هذا الركن ما لم يقترن بسوء النية وقصد الضرر، وخاصة عندما تكون الخبرة في قضية جنائية الوصف، ولكن من الناحية القانونية لامجال لمعاقبة الخبير حسن النية ولو أخطأ من الناحية الفنية إذ انتفى القصد الجرمي لديه.

هـ- عقوبة الجريمة وتوصيفها القانوني: عدّ المشرع هذه الجريمة من الجرائم الجنحية حيث قرر حبس الخبير المرتكب جرم التزوير من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات مع الغرامة مئة ليرة سورية، وإضافة إلى ذلك منع الفاعل من أن يكون خبيراً أبداً أي شطب اسمه من جدول الخبراء نهائياً. وإذا كانت خبرة تتعلق بقضية جنائية فتشدد عقوبة الخبير لتصل إلى الأشغال الشاقة من ثلاث إلى خمس عشرة سنة (المادة 402/ 1-2 من قانون العقوبات). ولقد عُدت هذه الجريمة من قبيل الجنح الشائنة التي تمنع مرتكبها من التعيين في جميع الجهات العامة المحددة في المادة الأولى من القانون الأساسي للعاملين في الدولة وفق القرار رقم (856/ن) الصادر عن وزير العدل بتاريخ 7/12/1985.

2- الترجمة الكاذبة:

قد تستوجب بعض الدعاوى المرفوعة أمام القضاء إبراز بعض الوثائق لإثبات الحقوق مكتوبة باللغة الأجنبية، وتلك السندات لا تعتمد أمام المحاكم ما لم يتم ترجمتها ترجمة مُحلَّفة مصدقة أصولاً. وهنا قد ترتكب جريمة الترجمة الكاذبة وأساساً على تلك الترجمة قد تبنى الأحكام القضائية.

ولقد نظم المرسوم التشريعي /162/ لعام 1952 مهنة المترجمين المحلفين حيث عرَّفت المادة الأولى مهنة الترجمان المحلف بأنه كل شخص سُمِح له بموجب أحكام هذا القانون تعاطي مهنة الترجمة والتي تتناول ترجمة جميع العقود والنصوص وسائر الأوراق والوثائق من لغة إلى أخرى. وواضح من ذلك كله سبب ورود جريمة الترجمة الكاذبة تحت عنوان الجرائم المخلة بالإدارة القضائية لما لها من دور في الإخلال بسير العدالة وإصدار الأحكام الخاطئة المبنية على تلك الترجمة.

أ- فاعل الجريمة: هو الشخص الذي يقوم بترجمة الوثائق والمستندات في قضية منظورة أمام القضاء.

ب- ركن الجريمة المادي: يتجلى هذا الركن من خلال قيام الفاعل بالترجمة كذباً كتابة أو شفاهاً في قضية منظورة أمام القضاء، أي إذا عمد المترجم إلى قلبِ الحقائقِ أو تحويرِها في معرِض ترجمته لأقوال الأشخاص الناطقين باللغة الأجنبية، أو لعقود وسندات وتعهدات مكتوبة باللغة الأجنبية، وذلك في قضية معينة منظورة أمام القضاء أو يتم التحقيق فيها سواء أكانت مدنية أم جزائية أم إدارية، بشرط أن يحلف الترجمان قبل مزاولته لعمله اليمين القانونية المنصوص عليها في المادة /7/ من المرسوم التشريعي رقم /162/ الناظم لمهنة التراجمة المحلفين إذ جاء في اجتهاد لمحكمة النقض أنه: «لا يؤخذ بالترجمة الجارية في ضبط الشرطة خلافاً للقانون إذ لابد أن يحلف الترجمان اليمين القانونية ولا يتم ذلك إلا أمام القضاء» (المجموعة الجزائية للأستاذ ياسين دركزلي، الملحق الدوري الأول، القاعدة /3632).

ج- ركن الجريمة المعنوي: يتطلب قيام هذا الجرم مجرد توافر القصد الجرمي العام من سوء نية في قيام الفاعل بالترجمة الكاذبة في قضية قضائية وإلا لا يعد الأمر سوى مجرد خطأ أو غلط غير مقصود يعود أمر تقديره للمحكمة المختصة بغض النظر عن الدافع أياً كان وبالتالي في هذه الحال لا مجال لتطبيق هذا النص القانوني.

د- وصف الجريمة القانوني وعقوبتها وصاحب الاختصاص للنظر في الدعاوى: العقوبات المفروضة هنا هي ذاتها المنصوص عليها فيما يخص التقرير الكاذب وهي الحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات والغرامة مئة ليرة، إضافة إلى المنع من مزاولة مهنة الترجمة المحلفة نهائياً مع اعتبارها من الجنح الشائنة المانعة من تعيين مرتكبها في أي من الجهات العامة المحددة في المادة الأولى من القانون الأساسي للعاملين في الدولة، فضلاً عن الظرف المشدد الذي أورده المشرع إذا تمت الترجمة الكاذبة في قضية جنائية بحيث تصبح العقوبة المفروضة هي الأشغال الشاقة المؤقتة من ثلاث سنوات إلى خمس عشرة سنة. وقد عُقد الاختصاص للنظر في مثل هذه الدعاوى لمحكمة بداية الجزاء في الحالة الأولى الجنحية الوصف وإلى محكمة الجنايات في الحالة الثانية جنائية الوصف مع مرورها في هذه الحال بمرحلة التحقيق الابتدائي.

تاسعاً- اليمين الكاذبة:

من أهم مميزات العدالة الإنسانية الصدق والاستقامة والنزاهة في توزيع الحقوق بين الناس، ومعاقبة المجرمين المخلين بالتوازن الاجتماعي. ولكن هذه العدالة لا يمكن تحقيقها إلا بطريق واحد هو القضاء الذي لا يستطيع وحده مهما أُوتي من إمكانات في الحفاظ على سير العدالة بنهجها المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، وإنما يحتاج إلى تضافر الجهود وإسهام الجميع في المجتمع من أشخاص عاديين واعتباريين وخبراء وتراجمة وشهود للحفاظ على المبادئ الدستورية وإسناد العدالة وإبقائها على الطريق القويم.

وإن فساد أي واحد من هؤلاء ومحاولته التلاعب بالعدالة والقضاء سيؤثر في المجتمع سلباً ويجعله في حالة من التداعي والانهيار.

وإن اليمين المعتبرة وسيلة للإثبات أحد أهم الوسائل لإعطاء الحقوق لأهلها وإبقاء الجماعة البشرية في منأى عن العيش على أسس وهمية أفلاطونية لمصطلح العدالة.

لذا فقد جرم المشرع السوري من يحلف اليمين الكاذبة في نص المادة (405) من قانون العقوبات.

1- الركن الأول: يمين تؤدى أمام القضاء:

أول ما اشترطه القانون لهذا الجرم حتى يتحقق هو وجود يمين تم حلفها أمام القضاء، بغض النظر عمّا إذا كانت اليمين حاسمة، أو متممة، منصبة على واقعة معينة ومحدّدة واضحة المعالم والتعبير، تنصب على محور الدعوى التي يتعلق عليها أمر قبولها أو ردها. ويشترط في اليمين أن تكون قد حصلت في نزاع عالق أمام القضاء المدني ويدخل في عبارة (المواد المدنية) اليمين التي يؤديها أحد الخصوم في دعوى تجارية. إلا أن التوسع في الاجتهاد القضائي الجزائي توصل إلى نوع من الشمولية بحيث تدخل في نطاق اليمين وقائع تتعلق بالأحوال الشخصية أو بالشؤون الضريبية على سبيل المثال، كما أن نص المادة (405) سابقة الذكر لا يطبق إلا على اليمين التي تحلف أمام المحاكم القضائية، وبالتالي لا يدخل تحت نص هذه المادة اليمين التي يؤديها الشخص خارج المحكمة في غير خصومة قضائية.

2- الركن الثاني: كذب اليمين المؤداة:

يستنتج من نص المادة (405) من قانون العقوبات السوري أنه جاء على إطلاقه بمعنى أن الفاعل يعد حالفاً لليمين الكاذبة سواء أكانت تلك اليمين التي قام بحلفها متممة أم حاسمة في دعوى مدنية. وقد عدت المادة (120) من قانون البينات أن توجيه اليمين يعد تنازلاً عمّا سواها من البينات بالنسبة إلى الواقعة التي ترد عليها، وبالتالي لا يجوز للخصم أن يثبت كذب اليمين بعد أن يؤديها الخصوم وذلك وفق ما استقر عليه الاجتهاد القضائي (جناية 641 قرار4145 تاريخ 28/10/1963). ويجب أن تكون اليمين قد حلفت كذباً ومن أحد أطراف الدعوى وفي دعوى مدنية. ولا تكتمل أركان التجريم المادية إلا إذا كانت اليمين المؤداة كذباً قد حلفت في مجلس القضاء وفي إحدى جلسات المحاكمة.

3- الركن الثالث: القصد الجرمي:

لقد انقسم فقهاء القانون في معرض بحثهم بهذا الركن إلى فئتين، كل منهما تبنى موقفاً تجاه النية الجرمية، فبعضهم نادى بالنظرية القائلة بموضوعية اليمين، وليس بعنصرها الشخصي، مما يستشعر معه على عدم ضرورة توافر القصد الإجرامي والاكتفاء بالفعل المادي، وهو حلف اليمين فقط.

والبعض الآخر قال بوجوب تحقق سوء النية لدى الفاعل حالف اليمين الكاذبة، مقروناً بعلمه الأكيد بأنها كذلك، وبالتالي انتفاء الجرم في حال انعدام القصد، ووفقاً للقواعد العامة في الجرائم العادية، وأكثر من ذلك عدم وجود قاعدة ثابتة؛ لأن الاجتهاد القضائي لم يتوقف عند هذا الركن والبحث فيه، ولكن استقر الاجتهاد على ضرورة توافر النية الجرمية في حال ثبوت كذب اليمين، وهذا حقيقة ما نهجه المشرع السوري حيث اشترط توافر علم الفاعل بالجريمة ونيته على إتمام ارتكابها، وفيما يلي البحث في خصوصية هذه الجريمة وأثرها وإثباتها وتوصيفها.

أ - خصوصية هذه الجريمة: إن من يوجه اليمين لخصمه يعد متنازلاً عن باقي البينات، وبالتالي لا يجوز له إثبات كذب اليمين بعد أن يؤديها خصومه إلا إذا أثبته بحكم جزائي، ويمكن للخصم أن يطالب بالتعويض. وهذا ما أكدته محكمة النقض في قراراتها حيث ورد: «قد أشارت الأسباب الموجبة إلى أن اليمين لم تكن من وسائل الإثبات، فإذا وجه الخصم اليمين إلى خصمه كان ذلك إقراراً منه بعدم وجود دليل لديه فالتجأ إلى ذمة خصمه فليس له بعد ذلك أن يثبت كذبها. أما إذا أثبت الكذب فإن الجرم هو مصدر التعويض. وكان ظاهراً من ذلك أن الخصم لا يملك الحق بإقامة الدعوى بجرم اليمين الكاذبة ولا يحق له أن يتخذ صفة المدعي الشخصي لأن النيابة وحدها هي التي تملك الحق بإقامة الدعوى، ومؤدى ذلك أن المحكمة لا تقضي بالحق الشخصي ولا يسوغ للمتضرر أن يستأنف أو أن يطعن بالنقض في مثل هذه الدعاوى بل عليه أن ينتظر اكتساب الحكم بالعقوبة درجته القطعية وحينئذٍ يستطيع المطالبة بالتعويض» (نقض أساس170- قرار 108 تاريخ 1/2/1968).

وجاء في اجتهاد آخر لمحكمة النقض أن دعوى اليمين الكاذبة تستقل النيابة العامة في إقامتها حيث ورد: «إن دعوى اليمين الكاذبة لا تقام بناء على ادعاء المدعي الشخصي أو شكواه ويشترط فيها أن يحركها النائب العام، وإن مجرد الإحالة من قبل النيابة العامة لا يجيز لقاضي الصلح السير فيها باسم الحق العام» (نقض أساس 1346- قرار 1440 تاريخ 4/11/1954).

وأيضاً وتأكيداً على ما ذكر آنفاً، فإن النيابة العامة مخيرة في إقامة دعوى اليمين الكاذبة أو عدم إقامتها، حيث جاء في اجتهاد لمحكمة النقض: «لا يقبل في الدعوى الجزائية من وجه اليمين ولا يكلف بدفع سلفة ولا تسمع أقواله ولا يكلف الإثبات ولئن كان للمدعي الشخصي في الدعاوى الجزائية صفة الادعاء المدني وهو مساعد للنيابة العامة في إثبات الدعوى، إلا أنه لما كانت المادة 120 المذكورة قد منعته صراحة من هذا الإثبات بحيث أصبح الادعاء بجريمة اليمين الكاذبة من اختصاص النيابة العامة وحدها ولا يحق للمتضرر تحريكها لأن استدعاءه ولو اعتبر كإخبار فإن النيابة العامة مخيرة إن شاءت حركت الدعوى العامة بموجبه وإن شاءت أهملته باعتبار أن حق الإثبات ومتابعة الدعوى يعود إليها وحدها وكذلك قاضي الصلح عندما يمثل النيابة. ولما كانت المحكمة الصلحية استندت في إثبات هذه الدعوى على الأدلة التي أوردها المدعي الشخصي الممنوع عليه قانوناً الإثبات وحتى حضور جلسات المحاكمة لأنه لم يكن خصماً في الدعوى الجزائية إنما خصومته تبدأ من اكتساب الحكم الجزائي الدرجة القطعية لصراحة الفقرة الثانية من المادة المذكورة فكان قبوله بالدعوى الصلحية كمدعي شخصي وتكليفه لدفع السلفة والاستماع إلى أقواله وتكليفه للإثبات خلافاً للمادة 120 المذكورة يجعل حكم محكمة الصلح مخالفاً للإجراءات القانونية التي أوجبتها المادة المذكورة» (نقض أساس 2391، قرار 2397 تاريخ 4/11/1957).

ب- أثر تحريك دعوى الحق العام في الدعوى المدنية: يمكن إيجاز هذا الموضوع في قول لمحكمة النقض: «إن إقامة الدعوى الجزائية بشأن اليمين الكاذبة لا يستوجب بذاته اعتبار الدعوى مستأخرة أخذاً بنص المادة 120 بينات كما هو عليه الفقه والاجتهاد» (نقض أساس 437 قرار 818 تاريخ 26/4/1982).

ج- إثبات الجرم: إن مباشرة الدعوى العامة في جريمة اليمين الكاذبة تعترضها القواعد الخاصة بالإثبات، ذلك لأن النيابة العامة التي خولها المشرع من الحقوق في سبيل المصلحة العامة ما لم يخوله لمن أضرت به اليمين شخصياً إذ يجب عليها أن تثبت كذب اليمين من ناحيتين اثنتين: حلف اليمين وكذب تلك اليمين.

فمن ناحية حلف اليمين يجوز إثباتها بكل الطرق القانونية. وأما من ناحية كذب هذه اليمين ينبغي لإثباته إقامة الدليل على وجود الواقعة المدنية التي جرى عليها الاستحلاف. والأمر المفروض على القاضي الجزائي كلما اقتضى الحال الفصل في عقد مدني أن يطبق القواعد المدنية؛ لأن قواعد الإثبات تتعلق بنوع الواقعة المراد إثباتها لا بنوع المحكمة الناظرة بالنزاع. فإذا كانت الواقعة التي جرى عليها الاستحلاف مما لا يجوز إثباته بالبينة، فلا يجوز إثبات كذب اليمين بشهادة الشهود وهذا ما تم تأكيده في المادة (177) من قانون أصول المحاكمات الجزائية حيث جاء فيها أنه: «إذا كان وجود الجريمة مرتبطاً بوجود حق شخصي وجب على القاضي اتباع قواعد الإثبات الخاصة به».

د- توصيف الجريمة والاختصاص القضائي للنظر فيها: يتضح من النص القانوني اعتبار المشرع هذا الجرم جنحوي الوصف بحسب العقوبة المقررة وهي الحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات والغرامة مئة ليرة سورية. وقد أورد المشرع عذراً محلاً هادفاً من ورائه إلى تشجيع فاعل هذا الجرم على التراجع عن موقفه المجرم قانوناً تحقيقاً لسلامة سير العدالة، وعدّ أن حالف اليمين الكاذبة معفى من العقاب إذا رجع عن يمينه قبل البت في الدعوى موضوع اليمين بحكم في الأساس ولو كان غير مبرم، وقد جعل المشرع اختصاص النظر في الدعاوى المقامة بجرم اليمين الكاذبة من اختصاص محكمة بداية الجزاء وفقاً لنص المادة (169) من قانون أصول المحاكمات الجزائية مع مراعاة أحكام المادة (166/ج/8) من القانون ذاته التي جعلت الاختصاص ينعقد لمحكمة الصلح في الجرائم الآتية من قانون العقوبات المندرجة جريمة اليمين الكاذبة تحتها في حال حصولها أثناء المحاكمة الصلحية.

عاشراً- التصرف بالأشياء المبرزة أمام القضاء:

لقد أورد المشرع هذا الموضوع في المادة (406) من قانون العقوبات السوري هادفاً من خلال ذلك عقاب من يعبث بالمستندات المقدمة في دعوى منظورة لدى القضاء، رغبة من المشرع إلزام الخصوم سلوك سبيل الذمة والأمانة في التقاضي، لأن المستند أو الورقة المقدمة إلى المحكمة تصبح حقاً شائعاً، ويتعلق به حق الخصم الآخر، ويكون له حق الاستناد إليه في إثبات حقوقه، وبالتالي إن اختلاسه أو إتلافه أو تشويهه قد يسبب له ضرراً جسيماً ويعرقل حسن سير العدالة. وهذا الفعل لو لم تعاقب عليه المادة (406) لما وقع تحت أي نص من نصوص قانون العقوبات.

1- فاعل الجريمة:

إن هذه الجريمة ترتكب من قبل الشخص الذي قام بإبراز المستند أو الورقة أو الوثيقة إلى المحكمة الناظرة بالدعوى دون غيره. أما إذا ارتكب الفعل ذاته من قبل الخصم لوقع تحت مظلة المادة (386) من قانون العقوبات. وقد قال بعض الفقهاء إنه يجوز أن يكون الفاعل هو محامي الخصم الذي قدم الورقة أو وكيله، في حين ارتأى البعض الآخر عدم جواز ذلك.

2- ركن الجريمة المادي:

ويتجسد هذا الركن وحسب نص المادة بالتصرف، أو الإخفاء، أو الإتلاف، أو التشويه بوثيقة، أو بأي شيء آخر، كفاتورة، أو رسالة، أو مذكرة، أو محضر ضبط، أو إيصال، أو ما يقدمه الخصوم ليكون قرينة مادية، دعماً لصحة دفوعهم، وإثباتاً لأقوالهم، أو بمعنى آخر جميع الأوراق التي تقدم للمحكمة وتبرز في الدعوى المنظورة أمامها، بغض النظر عن أهميتها، أو تأثيرها في الدعوى. ومن خلال الاطلاع على الأفعال الواردة في صلب المادة (406) يتضح أن جميعها تخرج الوثيقة أو المستند من نطاق سلطة المحكمة كلياً أو التأثير في قيمة تلك الوثيقة، بحيث لا تصبح منتجة في الدعوى، وذلك بتشويهها وإسقاط قيمتها أو إنقاصها. واشترط أيضاً المشرع لتطبيق نص المادة أن يتم التصرف، أو الإخفاء، أو الإتلاف، أو التشويه بعد أن تبرز الوثيقة للقضاء، أما إذا تم قبل ذلك فلا مجال لإعمال نص هذه المادة لأن الوثيقة قبل ذلك لا تعد حقاً شائعاً للأطراف. ويقصد بهذا القضاء القضاء المدني أو الجزائي العسكري أو الإداري أو… لأن كلمة القضاء جاءت على إطلاقها لم يتم تحديدها من قبل المشرع.

ويجب هنا التفريق بين هذه الحالة وحالة ما إذا قدم الخصم ورقة أو سنداً للاستدلال به في الدعوى، فلا يجوز له سحبه إلا برضاء خصمه أو بإذن خطي من رئيس المحكمة بعد أن تحفظ صورة مصدقة عنه في إضبارة الدعوى، وبالتالي تزول عنه المسؤولية الجزائية المترتبة على فعله لأنه تم على نحو قانوني والمحكمة احتفظت بصورة مصدقة عن تلك الوثيقة داخل ملف الدعوى وفق المادة (45) من قانون أصول المحاكمات الجزائية.

3- ركن الجريمة المعنوي:

يشترط أن يكون الفاعل قد عبث بالورقة، أو المستند، أو الوثيقة تصرفاً أو إخفاءً أو إتلافاً أو تشويهاً بقصد سيئ مع توافر العلم والإرادة لديه، أما على فرض لو قام ذلك الشخص باستخراج الوثيقة من ملف الدعوى قاصداً الاطلاع عليها ثم فقدت منه بسبب إهماله أو نتيجة حادث قهري لا علاقة له به فلا عقاب عليه.

4- الوصف القانوني للجريمة والعقوبة المفروضة:

أسبغ المشرع على هذا الجرم الصفة الجنحية وذلك من خلال العقوبة المفروضة على فاعله وهي الغرامة من مئة إلى ثلاثمئة ليرة سورية، وعقد الاختصاص للنظر في الدعاوى المقامة بهذه الجريمة لمحكمة صلح الجزاء ما لم ينطبق عليها صفة جريمة من جرائم الجلسات؛ إذ إن لهذا النوع من الجرائم خصوصيته وأحكامه الخاصة به والناظمة له وفق ما استقر عليه الاجتهاد القضائي حيث ورد في قرار لمحكمة النقض ما يلي: «الجرم الذي يقع في أثناء انعقاد جلسات المحاكمة يبقى من اختصاصها، دون حاجة لادعاء النيابة العامة» (نقض سوري جنحة أساس 2988 قرار 3080 تاريخ 5/3/1966).

حادي عشر- الحصانة القضائية:

وتعني حماية أشخاص معينين من التتبعات القانونية والملاحقة القضائية عما يرتكبونه من أعمال يعدها القانون أفعالاً مجرمة في معرض قيامهم بواجبهم الوظيفي، ويمكن اعتبار هذا الموضوع من أكبر المعوقات والصعوبات التي تعترض سير العدالة وأهمها لمعاصرته حتماً سير القضاء وتلازمه معه نظراً لما يظهره من صعوبة التوفيق بين ثلاثة مبادئ رئيسة وأساسية: أولها حق الدفاع المقدس لكل أطراف الدعوى وهو حق وارد في الدستور العربي السوري وتحديداً في المادة 28/4 التي تنص على أن: «حق التقاضي وسلوك سبل الطعن والدفاع أمام القضاء مصون بالقانون». ولهذا السبب وُجدت المادة (47) من قانون العقوبات هادفة منح الحصانة القضائية وإتاحة المجال أمام الخصوم في الدعاوى للتحدث بحرية مطلقة وإبداء كل دفوعهم من دون أي خوف في المذكرات المكتوبة المقدمة للمحكمة الناظرة بالدعوى مع يقينهم بعدم تعرضهم للمساءلة بدعوى أو قدح من الخصم المتعرض له في الكلام الملفوظ أو المكتوب مع الانتباه إلى أن هذه الحصانة جاءت حالة خاصة عن تلك الواردة في المادة (182) من قانون العقوبات التي تنص على ما يلي: «الفعل المرتكب في ممارسة حق دون إساءة استعمال له لا يعد جريمة»، يستنتج مما ذكر آنفاً أن ممارسة حق الدفاع مقررة في الدستور والقانون الناظمين للعلاقة بين المتقاضين ما دامت الشروط الواردة في النصوص متوافرة.

أما المبدأ الثاني وهو احترام المحكمة الذي يفرض على المتقاضين التهذيب والتزام الأدب والتحفظ أمام الجهة القضائية الناظرة بالدعوى مدنية كانت أم جزائية، وخاصة بجلسات المحاكمة العلنية، وأيضاً ينهى من لفظ العبارات النابية قليلة التهذيب والمخلة بآداب التقاضي في محضرها، كما يطبق على كل ما يُنظر من قبل المحكمة من كتابات ومستندات ومذكرات تسبب لها الاشمئزاز والنفور. ويترتب على ذلك أن كل الأفعال والأقوال المرتكبة في معرض ممارسة حق الدفاع المشروع أمام القضاء مباحة ومسموحة إذا لم يتم الإساءة والتعدي على هيبة السلطة القضائية ووقارها. وأخيراً وليس آخراً المبدأ الثالث ويتعلق بكرامة الإنسان بغض النظر عن صفته أمام المحكمة مدعياً أو مدعى عليه، هادفاً المطالبة بحقوقه أو دافعاً التهمة المنسوبة إليه عنه، وليس لإلحاق الأذى و الضرر بسمعته وشرفه، حتى لو كان شاهداً ماثلاً لبيان الحق وإزهاق الباطل وإنارة طريق العدالة، فليس من المعقول أن يتعرض للإهانة وأن يمس عرضه وتهان كرامته.

وعليه فقد ارتأت كل التشريعات وجوب ورود نص يتناول على نحو واضح وصريح ضمان التوازن والتساوي بين هذه المعطيات جميعاً على حد سواء، لكن المشرعين اختلفوا في مكان ورود هذا النص، فمنهم من ذكره في نصوص قانون العقوبات العام، أو في قانون أصول المحاكمات الجزائية، أو حتى في قانون المطبوعات. أما التشريع السوري ومثله التشريع اللبناني فقد أورده في قانون العقوبات العام تحت عنوان الجرائم المخلة بسير القضاء بوصفها عقبة تعترض طريق العدالة الأمثل والقويم.

أ- المحامي وحقه في الدفاع عن موكليه:

لقد نظم القانون /39/ تاريخ 21/8/1981 مهنة المحاماة وأورد في المادة (57) منه واجب المحامي في الدفاع عن موكله بجميع الطرق الناجعة والقانونية. فالمحامي يعد بحكم موكله ويلتزم بالدفاع عنه، بحيث لا يمس كرامته ويؤذي شعور الخصم ما لم يضطر إلى ذلك، وفقاً لمعطيات كل دعوى على حدة. وبشرط توافر حسن النية هادفاً الدفاع القانوني عن موكله، فإذا أخل بهذه الالتزامات الملقاة على عاتقه وجبت مساءلته وعقابه، وقد جاء ما يؤكد هذا الكلام في اجتهاد لمحكمة النقض ما نصه: «حيث أن المحامين عن المتقاضين يعدون في حكم الخصوم ويحظر عليهم ذكر ما يمس كرامة خصومهم ما لم يستلزم ذلك حالة الدعوى أو ضرورات الدفاع فإذا تجاوزوا في مرافعاتهم الحدود المرسومة لهم قانوناً وبنية غير حسنة تعرضوا للعقاب» (الغرفة الجنحية - بتاريخ 21/9/1980) المفهوم المعاكس للمادة (407) من قانون العقوبات بدلالة المادة 53 من قانون المحاماة رقم 14 لعام 1972، «وحيـــــــــــــــــــث إن المحكمة مصدرة الحكم المطعون فيه وجدت في المذكرة المقدمة من الطاعن بجلسة 21/2/1974 بالدعوى الجزائية رقم أساس 485 عبارات لا تستلزمها مقتضيات الدفاع عن موكلته وقصد منها المس بكرامة الخصم والنيل منه فألزمته بالتعويض المناسب بعد تشميلها الجريمة بالعفو العام. وحيث إن ما يستلزمه الدفاع عن الحق والفصل فيما يجاوز حدوده متروك لقاضي الموضوع يقدره حسب ما يراه من حالة الدعوى وفحوى العبارات التي قيلت والغرض المقصود منها ولا يقبل الجدل أمام هذه المحكمة» (المجموعة الجزائية للأستاذ ياسين دركزلي، الجزء 3، القاعدة 2535).

ب- ما يترتب على موضوع الحصانة القضائية:

إن الحصانة القضائية التي قررتها المادة (407) من قانون العقوبات من شأنها أن تمنع إقامة أي دعوى ذم أو قدح مبنية على ما قد تحتويه الخطب والكتابات التي تلفظ، أو تبرز خطياً أمام المحاكم عن حسن نية بارزها، وضمن حدود حق الدفاع المشروع والمقدس. وهي تتصف بالديمومة أي إنها تمنع إقامة تلك الدعوى ب نهائياً وسواء في أثناء النظر في الدعوى التي ارتكب فيها فعل الذم أو القدح أم حتى بعد انتهائها، مهما كانت النتيجة التي توصلت إليها وفق المادة (407) المعتبرة حالة خاصة من المادة (182) في قانون العقوبات، وما تحمله من أسباب التبرير فلا مجال للمساءلة الجزائية أو المدنية، حيث تؤسس الأخيرة على أساس العمل غير المشروع وسبب التبرير يتضمن إباحة الفعل ومشروعيته.

ثاني عشر- مخالفة أمر الإخراج الصادر عن القاضي:

إن ما يهم العدالة سير المحاكمات الجارية بصورة علنية في أجواء هادئة تتسم بالانضباط والمحافظة على النظام ولاسيما في بعض الجلسات ذات الخطورة الشديدة والأهمية الكبيرة بالنسبة للرأي العام. إذ غالبا ما ينتظر الناس انعقاد تلك الجلسات لحضورها، ومتابعة نتائجها التي سيتوصل إليها القضاء في معرض نظره بالدعوى؛ وهذا يتطلب منح القضاة السلطات الزجرية للحفاظ على انضباط الجلسات، ومنع حدوث ما يخل بسير المحاكمات. وهذا يشعر الناس بسيادة القضاء وهيبته في مكان عمله. فعاقب المشرع من يخالف أمر القاضي بالخروج من مكان التحقيق القضائي، وذلك تمكيناً للقاضي من الاستمرار في عمله على النحو المناسب، من دون حدوث أي تعكير، أو تشويش، أو لفظ، أو إزعاج من الممكن أن يؤثر في إجراءات التحقيق وصحتها، ويعرقل حسن سير العدالة. وهذا الأمر يطبق سواء وقع الأمر أمام منصة القضاء أم في حال انتقالها إلى الخارج لإجراء الكشف الحسي أو لدى المستشار المنتدب للقيام بتحقيق قضائي، وهم بذلك يتمتعون بالاختصاص ذاته، ويحق لهم الاستعانة بالقوة الأمنية والشرطية عند الحاجة إليها.

وتجدر الإشارة إلى أن قانون العقوبات السوري قد نص على هذا الأمر في المادة (408) وهي مطابقة ومماثلة في المعنى لنص المادة (418) من قانون العقوبات اللبناني، وعدها المشرع من جرائم الجلسات التي تحدث خلال قيام المحاكم أو القضاة بعملهم، وهذا يستتبع ضرورة العمل بالقواعد الاستثنائية التي خص بها المشرع مثل هذا النوع من الجرائم التي تعد خروجاً عن الأصل، وتجاوزاً للقاعدة العامة القاضية بمبدأ الفصل بين وظائف الادعاء والتحقيق والحكم.

1- ركن الجريمة المادي:

يتجسد هذا الركن بقيام الفاعل بمخالفة أمر الإخراج الصادر عن القاضي. وتأخذ هذه الجريمة أحد شكلين: إما قيام أحد الأشخاص في المكان الجاري فيه التحقيق القضائي بإحداث ضوضاء، أو شغب، أو تشويش، فيقوم القاضي المسؤول عن الجلسة بالأمر بإخراج ذلك الشخص من مكان التحقيق، أو أي مكان آخر يرى القاضي من وجهة نظره ضرورة إخراجه منه. فإذا لم يطع الشخص الأمر الصادر بحقه بإخراجه من ذلك المكان يكون من الناحية القانونية قد ارتكب الجريمة المنصوص عليها في المادة (408) موضوع البحث. والشكل الثاني الذي تأخذه هذه الجريمة هو امتثال الشخص لأمر القاضي والخروج من المكان المعنى ومن ثم العودة إليه مرة أخرى بما يستشعر منه الرغبة في عدم إطاعة الأوامر وبالتالي تكون جريمة المخالفة لأمر الإخراج.

2- ركن الجريمة المعنوي:

من خلال نص المادة (408) يتضح أن القصد المطلوب توافره لدى الفاعل هو القصد الجرمي العام، ولم يشترط المشرع توافر أي قصد خاص، مع العلم أن العقوبة المقررة هي الحبس التكديري مدة 24 ساعة، وبالتالي تأخذ طابع المخالفة، ما لم يقرر القاضي إنزال عقوبات أشد بحقه في حال رفض الامتثال لأمر الخروج، وفوق ذلك قام بإهانة القاضي وهيئة المحكمة ونال من هيبة القضاء حينئذٍ تفرض بحقه عقوبات أشد بحسب الجرم المرتكب.

ثالث عشر- استعطاف القاضي:

لقد ضمن دستور الجمهورية العربية السورية استقلال القضاء، وذلك في المادة (133) منه. إذ عد أن القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون، وأن شرف القضاة وضميرهم وتجردهم ضمان لحقوق الناس وحرياتهم؛ لذلك فقد أورد المشرع نص المادة (409) من قانون العقوبات التي جرَّمت الشخص الذي يستعطف القاضي لمصلحة أحد أطراف الدعوى أو ضدهم ضماناً لحسن سير العدالة، وذلك عن طريق منع الناس من التأثير في عواطف القاضي، ومن حيث النتيجة إصدار أحكام تناقض وتخالف قناعته، مبعدة إياه عن مضمار النزاهة. وتعد هذه الجريمة من الجرائم التي تخل بتجرد القاضي الذي بدوره يصون العدالة، وأركانها هي:

1- الفاعل:

يمكن لأي شخص ارتكاب هذا الفعل المجَّرم قانوناً، إذ إن المشرع السوري لم يشترط أن تتوافر في الفاعل صفة معينة كأن يكون موظفاً مثلاً مثلما اشترطت بعض القوانين الجزائية كالقانون المصري الذي نص في المادة (120) من قانون العقوبات على أن: «كل موظف توسط لدى قاضٍ أو محكمة لصالح أحد الخصوم أو إضراراً به بطريقة الأمر، أو الطلب، أو الرجاء، أو التوصية، يعاقب بالحبس مدة لا تزيد عن ستة أشهر، أو بغرامة لا تتجاوز خمسمئة جنيه مصري، وبالتالي إن الفاعل هنا له شرطٌ خاص وهو كونه موظف (موظفاً)».

2- الركن المادي:

يكون الاستعطاف عادة بعدة طرق أهمها طريق الأمر، أو الطلب، أو الرجاء، أو التوصية، ومعنى الاستعطاف محاولة التأثير في القاضي من ناحية مشاعره وعواطفه لتوجيه حكمه بطريق معين، بعيد عن النزاهة التي يتصف بها لمصلحة أحد الخصوم أو ضده في الدعوى المنظورة أمامه. ولكن الاستعطاف يجب أن يوجه إلى القاضي شخصياً دون غيره، بغض النظر عمَّا إذا كان قاضياً للتحقيق، أو قاضياً للحكم، أو أحد قضاة النيابة العامة حتى لا يطعن في أحد القرارات على سبيل المثال. أما لو وُجِه ذلك الاستعطاف لغير القاضي المنظورة أمامه الدعوى كأن يوجه مثلاً لكاتب الضبط لدى قاضي التحقيق فلا وجود للجريمة لأن الكاتب لا يحق له البت أو إعطاء القرار في أي موضوع أو طعن في القرار الصادر. ولا يهم إن كان الاستعطاف موجهاً إلى قاضٍ فرد أو أحد قضاة المحاكم الجماعية كتابة كتوجيه رسالة إلى القاضي، أو مشافهة عن طريق حديث شخصي أو اتصال، وذلك بغض النظر عن موضوع الدعوى الوارد الاستعطاف بصددها مدنية، أو جزائية، أو عسكرية، أو إدارية… ويكون الاستعطاف لمصلحة أحد الخصوم في الدعوى أو ضده، سواء أكانت صفته مدعياً أم مدعى عليه أم مسؤولاً بالمال. ومصلحة الخصم قد تكون في الحكم له بما يطلبه، أو برفض ما يطلبه الخصم الآخر، أو بتأخير الحكم في الدعوى، أو الامتناع عن الحكم فيها أو ما شاكل ذلك وما يكون في مصلحة أحد الخصوم قد يضر بمصلحة الخصم الآخر. وتعد الجريمة مستوفية لأركانها ومستوجبة العقاب بمجرد حصول الاستعطاف وإن لم يؤدِّ ذلك الفعل إلى نتيجة.

3- الركن المعنوي:

تتطلب هذه الجريمة من مرتكبها توافر القصد الجرمي العام لديه، وبالتالي لا يمكن تصور قيام مثل هذا النوع من الجرائم على أساس الخطأ، فالفاعل هنا يجب أن يعلم أن الشخص الذي يتحدث معه هو القاضي الناظر بالدعوى، إضافة إلى يقينه بأنه يوجه إليه عبارات وألفاظاً تدل على الاستعطاف بوضوح لا لبس فيه لمصلحة أحد الخصوم، أو ضده، التي قد تؤثر في مجرى القرار في نهاية المطاف، إضافة إلى إرادته القيام بهذا الفعل وساعياً إلى رؤية النتيجة تتحقق على أرض الواقع.

4- العقوبة والوصف القانوني:

عد المشرع هذه الجريمة من الجرائم الجنحية، وجعل عقوبتها الحبس من أسبوع إلى شهر، والغرامة مئة ليرة، أو إحدى هاتين العقوبتين مع العلم أن الشروع في هذه الجريمة غير معاقب عليه؛ لأنه بحسب المادة (201) من قانون العقوبات لا يعاقب الشروع في الجنحة إلا بنص خاص. وقد جعل المشرع الاختصاص للنظر في الدعاوى المقامة حول هذا الموضوع منعقداً لمحكمة صلح الجزاء وفقاً لأحكام المادة (166/ب) من قانون أصول المحاكمات الجزائية.

رابع عشر- ما حظر القانون نشره:

القاعدة العامة في القضاء، وفي جلسات المحاكم هي العلنية، وهذا حقيقة ما أكده التشريع السوري حفاظاً على حقوق المدعى عليه، وضماناً للمصلحة العامة في آن معاً. ومبدأ العلنية يقتضي أن جميع الإجراءات القضائية في مرحلة المحاكمة من تحقيقات ومرافعات وأقوال الشهود والأحكام يجب أن تتم علناً بحضور من يرغب من الناس، حتى إن لم تكن له صفة في تلك الدعوى، ويجوز نشر كل ما يحدث في المحاكم في مختلف وسائل النشر من صحف ومجلات وكتب. ويرد على ذلك عدة استثناءات أوردها المشرع كلاً على حدة في مواضع مختلفة من القانون لا مجال لبحثها كلها، وإنما سيرد بعضها في مستهل هذا البحث وذلك بالنسبة لمرحلة المحاكمة، أما فيما يتعلق بمرحلة التحقيق الابتدائي في القضايا الجزائية فإنه لا مجال لإعمال مبدأ العلنية المطبق أمام المحاكم لأنه يتصف نوعاً ما بالسرية بالنسبة للجمهور أما بالنسبة للخصوم أنفسهم ولوكلائهم فهو بالتأكيد علني مما يستوجب منع نشر وثائق هذا التحقيق قبل تلاوتها في جلسة علنية. وأركان هذه الجريمة:

أ- فاعل الجريمة: يصح أن يكون الفاعل أي شخص من دون اشتراط توافر أي صفة معينة في مرتكب الجرم لا من حيث الجنسية ولا من حيث الوظيفة. أما قانون المطبوعات وتحديداً في المادة (4) منه حددت المسؤولين بوصفهم فاعلين أصليين في العقوبات التي تفرض على المخالفات الواقعة وفق هذا القانون، وهم المدير المسؤول، ورئيس التحرير، والمؤلف، أما الشخص صاحب المطبوعة فإنه لا يعدو كونه مسؤولاً بالمال عن جميع النفقات المترتبة من رسوم وبدل العطل والضرر، وفي حال ثبت اشتراكه الفعلي في إدارة المطبوعة فإنه يعامل كالمدير المسؤول سواء بسواء.

ب- ركن الجريمة المادي: ويتمثل في عملية النشر أي إذاعة ما حُظر نشره عن طريق ما يسمى العلنية مهما كانت الوسيلة المتبعة في هذا الإعلان من مذياع أو تلفاز أو مطبوعات. وقد عرفت المادة (2/د) من قانون المطبوعات النشر بأنه عرض المطبوعات على الجمهور وبيعها وتوزيعها.

جـ- المنع الوارد في المادة (410) من قانون العقوبات: لقد منعت المادة المذكورة من نشر أي وثيقة من وثائق التحقيق قبل تلاوتها في جلسة علنية، والحكمة من هذا المنع هو أنه من المحتمل أن يظهر الشخص بريئاً، وبالتالي لا يقدم إلى المحاكمة، فيعد النشر بالنسبة له جرحاً لمشاعره وإهانة لكرامته. أما بعد مرحلة التحقيق الابتدائي وتحديداً في مرحلة المحاكمة حيث تطرح تلك الوثائق لنقاش الخصوم فيما بينهم بصورة تتسم بالعلانية وبالتالي لا مانع من نشر هذه الوثائق.

كما منعت نشر مذكرات القضاة في غرفة المذاكرة حيث يتم التداول بين القضاة بشكل سري ضماناً لحرية رأي القضاء، وأيضاً نشر محاكمات الجلسات السرية، ونشر وقائع المحاكمات في دعاوى النسب والطلاق أو الهجر لما لها من خصوصية في مسائل عائلية حفاظاً على قدسية العلاقات بين الأهل. كما منع نشر وقائع كل محاكمة منعت المحاكم نشرها، وبالاطلاع على القوانين الأخرى يتبين أن قانون الأحداث الجانحين رقم /18/ لعام 1974 في المادة (54) حظر نشر صورة المدعى عليه الحدث، ونشر وقائع المحاكمة أو ملخصها أو خلاصة الحكم في الكتب والصحف والسينما أو بأي طريقة كانت ما لم تسمح المحكمة المختصة بذلك.

وأيضاً ورد في قانون أصول المحاكمات الجزائية في المادة (458) حظر نشر أي بيان في الصحف يتعلق بالتنفيذ أي تنفيذ عقوبة الإعدام عدا المحضر المبين في المادة السابقة.

وجاء قانون المطبوعات في المادة (39) منه وحظر على جميع المطبوعات أن تنشر أوراق الاتهام ووسائل التحقيق الجنائي أو الجنحي قبل تلاوتها في جلسة علنية، ووقائع دعوى الإهانة والقدح والذم، ووقائع المحاكمات السرية، وسائر المحاكمات التي تتعلق بالطلاق أو الهجر أو بدعوى النسب، وجميع وقائع الدعوى التي تحظر المحكمة أو دوائر التحقيق نشرها، وتقارير الأطباء الشرعيين حول الجرائم الأخلاقية، ومذكرات مجلس النواب السرية، والمقالات والأخبار التي تتعلق بأمن الجيش وسلامته وبحركاته وعدده وتسلحه وتجهيزه ومعسكراته باستثناء التي تصدر عن وزارة الدفاع الوطني أو التي تسمح هذه الوزارة بنشرها، والكتب والرسائل والمقالات والرسوم والأخبار التي تمس الحياة الخاصة بطعن.

د- العقوبة والوصف القانوني: لقد عاقبت المادة (410) من قانون العقوبات فاعل هذا الجرم بالغرامة مئة ليرة سورية وبالتالي أسبغ المشرع على هذه الجريمة الصفة الجنحية.

خامس عشر- فتح اكتتاب علناً تغطية لمبالغ محكوم بها:

لقد أورد المشرع هذا الموضوع ونص عليه في المادة (411) من قانون العقوبات وهي مطابقة لنص المادة (421) من قانون العقوبات اللبناني فيما عدا قيمة الغرامة، وفيما يلي شرح مفصل لأركان هذا الجرم:

1- الفاعل:

إن المشرع لم يشترط على فاعل هذه الجريمة توافر أي صفة خاصة من وظيفة أو جنسية أو مدنية أو عسكرية، وبالتالي يمكن أن ترتكب من قبل أي شخص.

2- الركن المادي:

ويتجلى هذه الركن من خلال إقدام الفاعل بشكل علني على فتح اكتتابات أو الإعلان عنها للتعويض عمَّا قضت به محكمة جزائية من غرامات أو رسوم أو عطل وضرر. وفتح الاكتتاب يكون بدفع شخص أو أكثر مبالغ معينة كقدوة يحذو حذوها آخرون في دفع مبلغ من المال من دون أن يكون أحد ما قد دفع فعلاً.

أما الهدف الواجب توافره من خلال القيام بفتح تلك الاكتتابات، أو الإعلان عنها يكون لتعويض عما قضت به محكمة جزائية من غرامات أو رسوم أو عطل وضرر وذلك بصرف النظر عن صفة الجريمة المحكوم فيها مخالفة كانت أم جنحة أم جناية.

وأخيراً يشترط لكل ذلك أن يتصف بالعلانية، ولمحكمة النقض هنا قولٌ: «… مؤدى ذلك أن العلنية وهي الذيوع والانتشار إنما يقصد فيها وصول العلم إلى الناس وصولاً حقيقياً أو مفترضاً، فحصول الواقعة في محل عام أو مباح للجمهور ونقل الحديث بالوسائل الآلية والتوزيع والعرض للبيع إنما يراد منه النشر والإعلان، لذلك فإنه يجب أن يطلع عليه شخص غير معين ولا يؤثر بعد هذا أن يكون العدد قليلاً أو كثيراً، أما إذا علم بالحادثة أشخاص معينون فيبقى الأمر سرّيّاً ولو كان عددهم كثيراً. فالمحاكمة تبقى محتفظة بالطابع السري ولو استمع إليها القضاة والمحامون والمتداعون من ذوي العلاقة بها، وتأخذ صفة العلنية بمجرد فتح الباب ولو لم يحضر أحد إلى القاعة، وكذلك التوزيع يجب أن يكون بقصد النشر والإذاعة ولشخص غير معين حتى تتوافر فيه عناصر الإعلان، أما الوسائل المقدمة من صديق فلا تحمل معنى الإذاعة والنشر ولا تتوافر فيها عناصر العلنية المطلوبة بنص القانون» (المجموعة الجزائية للأستاذ ياسين دركزلي، الجزء الأول، القاعدة /797/).

3- الركن المعنوي:

يتجسد الركن المعنوي لهذه الجريمة بعلم الفاعل ورغبته وإرادته الإقدام علانية على فتح الاكتتابات أو الإعلان عنها للتعويض عمَّا قضت به المحكمة الجزائية من غرامات أو رسوم أو عطل وضرر. ولقد هدف المشرع في معرض تجريمه لهذا الفعل إلى احترام الأحكام القضائية مع أخذه لمبدأ شخصية العقوبة وإلزام من صدر بحقه الحكم أن ينفذه دون غيره، ولكي لا يكون هذا الفعل طريقاً للاستخفاف بالأحكام القضائية من خلال تحميلها وتوزيعها على أشخاص غير معنيين بالقضية، وبالتالي تخفيف العبء عن شخص المحكوم عليه.

4- العقوبة والوصف القانوني:

لقد فرض المشرع على فاعل هذا الجرم عقوبة الحبس من عشرة أيام إلى ستة أشهر والغرامة مئة ليرة سورية أو إحدى هاتين العقوبتين، وبالتالي تتسم هذه الجريمة بالصفة الجنحية مما يعني أنه لا عقاب على الشروع فيها وفقاً لأحكام المادة (201) من قانون العقوبات السوري. وتماشياً مع القواعد العامة في قانون أصول المحاكمات الجزائية الناظمة للاختصاص بالنظر في هذه الدعاوى المقامة يعود لمحكمة صلح الجزاء ولكن مع ملاحظة أنه إذا ارتكبت الجريمة بواسطة المطبوعات عُقد الاختصاص لمحكمة بداية الجزاء طبقاً لأحكام المادة (70) من قانون المطبوعات.

سادس عشر- الجرائم التي تمس قوة القرارات القضائية:

إن الجرائم المخلة بالإدارة القضائية تأخذ أحد ثلاثة أشكال، فإما أن تتم في المرحلة السابقة لممارسة المحاكمة القضائية أو في المرحلة المعاصرة أو في المرحلة اللاحقة، وتحدد الأخيرة بأنها تلك التي تلي مباشرة اختتام المحاكمة وصدور القرار النهائي متضمنة فترة تنفيذ هذه القرارات حتى انقضائها واستنفاذها قانوناً، وعندها فقط يمكن القول باكتمال العدالة، لأن ما يهم في هذا الأمر هو التنفيذ الفعلي للأحكام وليس فقط الحكم المبدئي الصادر. والجرائم التي تمس قوة القرارات القضائية هي:

1- جريمة التصرف بالمحجوز:

إن واقع جريمة الحارس القضائي يعد من الجرائم حديثة العهد في كل التشريعات، فرضته ضرورة المحافظة على الضمانات الشرعية التي تكفل حقوق الدائن تجاه مدينه الذي يسعى إلى تهريب أمواله من وجه دائنه. وقد نص المشرع السوري على هذه الجريمة في المادة (412) من قانون العقوبات، وقد استقر الاجتهاد القضائي السوري على أن الجريمة التي يرتكبها الحارس القضائي تنحصر في التصرف بالمنقولات المقرر حجزها من قبل القضاء المدني حجزاً احتياطياً كان أو تنفيذياً أو حجز استحقاق.

ويمكن تعريف مفهوم الحراسة بأنه عقد يعهد الطرفان بمقتضاه إلى شخص آخر بمنقول أو عقار أو مجموع من المال يقوم حوله نزاع أو يكون الحق فيه غير ثابت، فيُعطَى لهذا الشخص ليقوم بحفظه وإدارته، وعندما يثبت الحق لصاحبه في نهاية المطاف يقوم بإعادته مع غلته المقبوضة لذلك الشخص.

والواقع فقد وقع الكثير في اللغط وعدم التمييز بين جريمة التصرف بمحجوز وبين غيرها من الجرائم كالسرقة التي تستوجب أخذ مال الغير، في حين تصرف الحارس القضائي يتناول الشيء الذي لا يزال جارياً على ملكيته. وكذلك لا تشابه بين جريمة إساءة الأمانة وجريمة التصرف بمحجوز مع أن الأفعال في الأخيرة تتم في الأشكال التي تتميز الجريمة الأولى بها، لأن أساس الحق هو دين متوجب للحاجز على الحارس القضائي، في حين تقوم إساءة الأمانة على أحد العقود المعددة على وجه الحصر في المادة (656) من قانون العقوبات.

أما بالنسبة لهذه الجريمة وجريمة الاحتيال فلا يوجد أي تقارب إذ الفرق شاسع بينهما، فالاحتيال هو حمل الغير على تسليم المجرم مالاً منقولاً أو غير منقول أو أسناداً، والفقهاء الجزائيون حاولوا معرفة ما إذا كانت جريمة الحارس القضائي تعد تعدياً على السلطة القضائية في اعتراض القرار الصادر عنها، أو تعرضاً لحق الملكية الفردية في تهريب المال المحجوز عليه من وجه الدائن.

تتكون هذه الجريمة بتوافر عدة أركان وهي:

أ- وجود حجز على الأموال بموجب قرار قضائي: وهو شرط رئيسي وضروري لأنه بانتفائه ينتفي الجرم من أصله حتى لو كان هناك منازعة قضائية بشأن حق ما يجيز إلقاء الحجز، كحالة إقدام المدين على تبديد أمواله في أثناء تصفيتها، أو قيام الزوج مثلاً بتهريب مفروشات المنزل خلال نظر القضاء بدعوى الطلاق المقامة عليه من قبل زوجته. والحجز هنا يشمل كل الأنواع الواردة في قانون أصول المحاكمات المدنية، كالاحتياطي والتنفيذي وحجز الاستحقاق. ولقد قيس على هذا الأمر وفق مبدأ القياس الحجوزات الملقاة من السلطات الإدارية أو من الأجهزة الشرطية كالضابطة العدلية على اعتبار أن حجز الأموال لمصلحة الدولة يساوي ويوازي الحجز لمصلحة الأفراد العاديين. هذا ما أكدته محكمة النقض السورية في قرارها المؤرخ في 5/3/1960، حيث جاء فيه أنه: «لما كان خفراء الأحراج وضباطها هم من رجال الضابطة العدلية وفقاً للقانون رقم 86 المؤرخ 20/9/1953 وكانت الأعمال التي يقومون بها ذات صفة قضائية لأنهم يساعدون النيابة العامة في عملها، فإن الشخص الثالث الذي يستلم منهم الأموال المصادرة ليحفظها لديه يعتبر حارساً قضائياً لأن مهمته مستمدة من صفة الدائرة التي تأتمنه على تلك الأموال، فإذا امتنع عن تسليمها وإعادتها فإن جرمه ينطبق على المادة 412 من قانون العقوبات».

ب- وجوب تسليم الأموال المحجوزة للحارس القضائي: إن القواعد الناظمة لهذا الشرط منصوص عليها في قانون أصول المحاكمات المدنية وتحديداً المادة (869) والمواد (903 وما بعدها) المتعلقة بالحجز التنفيذي على المنقول، لأن معاملة الحجز تعد مدنية الأصل ولا يوجد في قانون العقوبات ما ينص على هذا التسليم، فإذا لم تسلم الأموال المحجوزة وتوضع تحت يد الشخص الثالث مباشرة فلا يكون مسؤولاً جزائياً عن تصرفه بها حتى لو أقدم على ذلك إذ تحل التبعة المدنية في هذا المجال.

ج- قيام الحارس القضائي بالتصرف بالأموال المحجوزة: وهو ما يعد ركن الجريمة المادي وهو محورها والجريمة فعلياً تدور حوله وجوداً وعدماً، مع العلم أن الحارس يعد أساء التصرف حتى لو لم يقم بذلك بنفسه بل أوعز إلى الغير إخفاء الشيء المحجوز، أو أي إجراء آخر مماثل. وقد جاء في قرار محكمة النقض السورية: «إن الحارس القضائي الذي يقدم قصداً على إلحاق الضرر أو التصرف بالأموال المسلمة إليه يعتبر عمله من قبيل الجرائم التي تمس قوة القرارات القضائية ويدخل في شمول المادة (412) من قانون العقوبات ولا تنطبق عليه المادة (656) منه لأنها نص عام في جرائم إساءة الأمانة، وهذه تعتبر نصاً خاصاً في موضوع القضية وهو مرجح على غيره وفقاً للمادة 180 عقوبات» (نقض سوري أساس 173، قرار 337، تاريخ 17/5/1960).

وفي هذا الصدد يمكن أن تثار مسألتان:

الأولى: وتتعلق بالقيام بنقل المال المحجوز من مكانه الذي وضع فيه إلى أي مكان آخر لأسباب ضرورية من دون العودة للدائرة المختصة بذلك؛ فإن الفعل لا يعد من قبيل التصرف إذا لم يكن من شأنه إنقاص حق الدائن ما لم يكن الحجز من قبيل الحبس كضمان تحصيل بدلات الإيجار.

أما الثانية تولدت عن المادة (909) من قانون أصول المحاكمات المدنية في حال كون الحارس القضائي المكلف مالكاً للأشياء المحجوزة أو صاحب حق الانتفاع بها، فيجوز له الاستمرار في استعمالها لما خصصت له ما لم يقم رئيس دائرة التنفيذ بمنعه في قرار الحجز أو في قرار لاحق.

د- النية الجرمية لدى الحارس القضائي: اشترط المشرع السوري توافر القصد الإجرامي العام المبني على العلم والإرادة. ولكن ذلك لا يكفي بل يستتبع وجود نية خاصة هي نية الغش، بمعنى آخر نية تملك الشيء وحرمانه صاحبه منه. فإن القصد الإجرامي ينعدم إذا كان المدين الحائز لا يعلم أن حيازته ناقصة بل توافرت لديه النية الحسنة في حقه التصرف بالشيء. ومثال على ذلك الوارث الذي يتصرف في شيء كان مودعاً عند مورثه على اعتقاد أن ذلك الشيء من أموال التركة، في هذه الحالة لا عقاب عليه، وكذلك فإن القصد لا يتحقق إلا إذا تم التصرف بقصد الإضرار بصاحبه. وتأكيداً على ذلك جـــــــــــاء في اجتهاد لمحكمة النقض الصادر بتاريـــــــــــــــــــــخ 29/11/1958 ما يلي: «إلا أن الضرر المشروط إلحاقه الوارد في المادة /412/ هو الضرر الذي يقع على المال المحجوز حصراً، وبصورة مباشرة، لأن من الضرر ما لا يعاقب عليه القانون لعدم وجود النص».

هـ- الطلب الموجه للحارس القضائي لتسليم الأموال المحجوزة: لا يمكن القول بتحقق هذه الجريمة إلا بعد أن يُطلب من الحارس القضائي تسليم الأموال المذكورة تمهيداً لبيعها بالمزاد العلني أو بناءً على أي عمل قضائي آخر. وقد جاء في اجتهاد لمحكمة النقض ما يلي: «إن الجرم المنصوص عنه في المادة /412/ من قانون العقوبات إنما تتم عناصره بعد أن يطلب إلى الحارس القضائي لزوم تسليم ما اؤتمن عليه من الأشياء ويتمنع عن ذلك أو يثبت أنه أساء التصرف بها. وإن ما ذهبت إليه محاكم الاستئناف بحلب من أن جرم إساءة الأمانة يعتبر واقعاً من تاريخ تسليم الأشياء إلى الحارس القضائي وبالتالي فإن مدة التقادم من هذا التاريخ لا سند له في القانون» (نقض سوري أساس 2331، قرار 2388، تاريخ 18/10/1965).

و- العقوبة التي قررها نص المادة: لقد فرق المشرع بالعقوبات بين تلك التي تنزل بالحارس القضائي وهي الحبس من شهرين إلى سنتين وبالغرامة مئة ليرة سورية وبين التي توقع بالمالك أو مدعي الملكية أو حق الانتفاع وهي الحبس من شهر إلى سنة وبالغرامة مئة ليرة سورية. ولم يقم بإيراد أي سبب مشدد للعقوبة خلافاً لبعض النصوص الأجنبية التي ضاعفت العقاب في حال توافق التصرف مع العنف والإكراه، هذا ويمكن وضع جريمة التصرف بمحجوز بالفئة ذاتها مع جنحة السرقة وجريمة الاحتيال وإساءة الأمانة تطبيقاً لعقوبات التكرار، مع ملاحظة أن المشرع لم يعفِ فاعل جريمة التصرف بمحجوز من العقاب إن أقدم عليها إضراراً بأحد أصوله أو فروعه أو زوجه، لأن هذا النوع من الجرائم قد يستقيم حتماً بين هؤلاء. وقد استقر الاجتهاد القضائي على اعتبار تاريخ الطلب من الدائرة المعنية إلى المحجوز عليه بتسليم المال مقروناً بواقعة التصرف بدءاً لسريان مهلة مرور الزمن.

2- مخالفة القرارات والتدابير القضائية:

وقد نص عليها المشرع السوري في قانون العقوبات في المادة (413) حيث عرض حالتين غلب عليهما الطابع المدني بسبب موضوع النزاع المعروض على القضاء، إلا أن تدخل القانون الجزائي جاء من قبيل دعم القرار أو التدبير الحقوقي والحفاظ على هيبة القضاء وعزته.

أ- الحالة الأولى: قرار الإخلاء: وقد ورد في الفقرة الأولى من المادة (413) من قانون العقوبات التي بدورها لم تفرق في أن يكون الموضوع إخلاء مأجور، أو الإخراج من أرض كالأرض الزراعية أو الإجارة الموسمية مع اشتراط اقتران النزاع بحكم قضائي مبرم قيد التنفيذ. وبعد ذلك الإخراج أو الإخلاء العودة، وتستوي في المأجور أو العقار بعد ترك كل منهما مع الإصرار على البقاء وعدم الإذعان للحكم القضائي. إذ في الحالة الأولى يكون المدعى عليه غاصباً، أما الحالة الثانية يكون وجوده بلا مسوغ قانوني. وقد ورد في قرار محكمة استئناف جزاء بيروت تاريخ 20/10/1956 ما يلي: «حيث إن المدعى عليه عاد فور انصراف مأمور الإجراء، ودخل المأجور من باب لم يكن انتبه له المأمور المذكور، لأنه كان مسقوفاً بالقش، ومنه احتل دكاناً يعطي على المأجور الذي تم إخلاؤه. وحيث إن في ذلك مخالف للتدابير المتخذة قانوناً تنفيذاً للإخلاء ويقع تحت طائلة المادة 423 عقوبات». ويمكن حل كامل الأمر عن طريق مراجعة النيابة العامة من قبل المتضرر أو دائرة التنفيذ فتأمر في حال ثبوت صحة الشكوى بإعادة الحال إلى ما كان عليه مع الاحتفاظ بالملاحقة، وقد ورد في مذكرة مدعي عام استئناف بيروت تاريخ 15/1/1949 ما يلي: «بما أن دائرة الإجراء سلمت المأجور لمالكه تنفيذاً لحكم مبرم، فإن رجوع المحكوم عليه بالإخلاء أو غيره إلى هذا المأجور مستعملاً العنف يكون عملاً تعسفياً واعتداء على الحق، ويصبح من واجب النيابة العامة أن تعمل لإزالة هذا التعدي غير المشروع وإعادة الحالة إلى ما كانت عليه عند تنفيذ الحكم المبرم. وبما أن تلك الحالة كانت وجود المأجور فارغاً فيبقى على النيابة العامة أن ترغم المعتدي لإخلاء المأجور…».

ب- الحالة الثانية: تدابير الصيانة: وقد وردت في الفقرة الثانية من المادة المذكورة سابقاً، وتعني هذه الحالة دون حصر تعيين حارس قضائي على عقار معين منازع على ملكيته وفق قرار قاضي الأمور المستعجلة في حال كانت الدعوى قائمة أمام محكمة الدرجة المدنية الأولى، أو في حال كانت الدعوى في الدرجة الاستئنافية، وقد توسع العرف القضائي إلى اكتساب هذه الصفة للأمور المستعجلة، حتى المدنية منها، إذا لم يكن من شأنها المس بأساس المنازعة، ويستوي أن يكون هذا التدبير تمهيدياً، أو لاحقاً، مؤقتاً أو بانتظار فصل الموضوع، ومثال على ذلك قرارات التوقيف عن متابعة أعمال البناء أو تأمين وصول المياه.

3- تمزيق الإعلانات الجزائية القضائية:

إن ما يسمى بالإعلان القضائي الجزائي أو ما يعرف عادة نشراً بالإلصاق هي خلاصات الأحكام الصادرة بحق المتهمين من المحاكم الجنائية سواء أكانت مطبوعة أم بخط اليد، يقرر القاضي تعليقها مستنداً إلى نص قانوني يقضي بذلك في الأماكن والساحات العامة، هادفاً من وراء ذلك التشهير بسمعة المحكوم بين الناس والسماح للناس كافة وبشكل علني على الاطلاع على الأحكام الصادرة بحق المحكوم عليه. وكذلك فإن الإلصاق قد يكون في بعض الحالات الخاصة بمنزلة تعويض في الإلزامات المدنية كجرائم التقليد إجمالاً بناء على طلب المحكوم له. ومن أبسط الواجبات صون هذه الوسيلة الإعلامية المقررة قانوناً والمطبقة قضاء لتحقيق الغاية المرجوة منها ومنعاً للازدراء بالسلطة القضائية وحفاظاً على هيبتها وكرامتها.

وهذا النوع من الجرائم عُرف منذ القدم في قوانين العقوبات حيث عاقبت الشرائع المتعاقبة منذ عهد روما حتى الثورة الفرنسية مروراً بقانون نابليون على فعل تمزيق وإتلاف الإعلانات عن القرارات التي كانت بشكل كامل حتى وصلت العقوبة أحياناً مدة العقوبة المحددة في الخلاصة الملصقة إضافة إلى الغرامات المالية الكبيرة المفروضة على فاعل هذه الجريمة.

ولقد أوردت المادة (414) من قانون العقوبات السوري الموافقة للمادة (424) من قانون العقوبات اللبناني هذا الجرم حيث فرضت على مرتكبه من إخفاء أو تمزيق ولو بشكل جزئي الغرامة مئة ليرة. في حين شددت الفقرة الثانية من المادة المذكورة العقوبة وجعلتها الحبس حتى ستة أشهر إضافة إلى الغرامة، وذلك في حال قيام المحكوم عليه بعقوبة إلصاق الحكم بتمزيق الإعلان المعلق تنفيذ الحكم الصادر بحقه أو نزعه.

سابع عشر- فرار السجناء (Evasion des Détenus):

ليست الغاية المستوحاة من النص على العقوبات والتدابير الاحترازية في القرارات الصادرة عن المحاكم الجزائية التجريم والإدانة، وإنما هي التنفيذ السريع تطبيقاً للسياسة الجنائية. لكن قد يحدث وأن يتعرقل حسن التنفيذ أو تمنع متابعته على الوجه المحدد نتيجة بعض الطوارئ، ويمكن تسمية هذا النوع من الأفعال بالجرائم التي تعترض تنفيذ الأحكام القضائية الجزائية. ومن أهم هذه الجرائم موضوع فرار السجناء.

الفرار لغوياً هو الفر والفرار: الروغان والهرب، ومن يفر فراراً: هرب وفرَّ، وصف بالمصدر فالواحد والجمع فيه سواء، وفي حديث الهجرة: قال سراقة بن مالك حين نظر إلى النبي[، وإلى أبي بكر] مهاجرين إلى المدينة فمرّا به فقال: هذان فرّ قريشٍ، أفلا أرد على قريش فَرَّها.

لقد نصت التشريعات الجزائية الأجنبية على جريمة فرار السجناء أو تسهيل ذلك، مع أن موضوع فرار السجناء يدخل في الأصل في القوانين والأنظمة العقابية الخاصة بإدارة العمل في السجون وتسيير شؤونها وإنزال العقوبات التأديبية بمستحقيها من السجناء وذلك مع حفظ حق القضاء الجزائي العادي بملاحقة الأشخاص المسؤولين عن جريمة فرار السجناء. وتختلف هذه الجريمة عن جريمة إخفاء الفارين من وجه العدالة وتقديم العون والمساعدة لهم.

لقد أورد المشرع السوري في المواد (415 حتى 418) من قانون العقوبات الزجر التي يفرضها على مرتكبي جرم فرار السجناء ممن هم قيد التوقيف الاحتياطي أو في معرض تنفيذهم للعقوبات المحكومين بها بعد صدور الأحكام بحقهم بعقوبات سالبة للحرية.

أركان جريمة الفرار:

1- تسهيل الفرار لسجين:

وهذا يعني إعطاء السجين المحكوم بحكم جنحوي الوصف أو مخالفة وفق أحكام قانون العقوبات السوري فرصة ترك المجال له لهروبه، أو تسليمه مفتاح السجن أو النظارة الموقوف فيها، أو نتيجة إهمال ضبط السجن وما يمكن أن يتسرب من خلاله إلى خارج مكان توقيفه، أو تغافل عنه، أو سهي عنه، أو وضع نفسه موضع النائم أو المستلقي أو المستريح حتى يخرج من محل التوقيف وذلك بفعل إرادي أو إهمالي كان مسؤولاً عنه، وقد جاء في اجتهاد لمحكمة النقض: «إن قانون العقوبات تعرض لمن يتيح فرار الموقوفين والسجناء في المادة 415 منه وفرض في المادة 59 العقاب على مَن يهرب مِن المحكوم عليهم فقط، ولم يرتب عقاباً على الفارين الموقوفين وإن مجرد فرار من يقبض عليه لا يشكل جرماً إلا إذا رافق هذا الفرار عمل من أعمال المقاومة الفعلية أو السلبية المنصوص عليها بالمادة 370 عقوبات» (نقض سوري، جنحة أساس 250، قرار 806، تاريخ 8/4/1968).

وقد يقوم بعض السجناء المحكومين غالباً بحكم جنائي بالكسر والعنف تحت طائلة السلاح وتغطيته، أو بواسطة آلات أو رافعات أو فاتحات للأبواب أو مقارس أو ما يتم به خلع النوافذ والأبواب الحديدية الكبيرة أو بواسطة المثاقب، وتبين من كل ذلك أن تسهيل فرار السجين له وصفان: جنائي أو جنحوي الوصف، وقد جاء في اجتهاد لمحكمة النقض جناية 232 - ق207 تاريخ 4/4/1951: «إن فعل هرب المحكوم عليه من السجن حين تنفيذ العقوبة عليه مقصود به التخلص من تنفيذ العقوبة التي حكم القانون بتنفيذها بعد اكتساب الحكم الصادر عليه قوة القضية المقضية ولذلك لم يجعل له القانون عقوبة مستقلة عن العقوبة المحكوم بها قبلاً والتي انبعثت عنها فعل الهرب، فنص المادة 59 عقوبات على زيادة العقوبة المذكورة من الثلث إلى النصف أي أن الجرم متصل بأصله وتابع لنفس العقوبة المقضي به وهو بهذا الاعتبار لا يؤلف جرماً مستقلاً يستوجب عرضة للنظر به مبدئياً على قبل قاضي الإحالة بل إن للمحكمة ملء الحق بوضع يدها مباشرة على الإضبارة المتعلقة بالهرب وفرض العقوبة التي ترتئيها كلما تكرر الفعل دون حاجة للاتهام، ولهذا لا يعد الهرب المكرر والمتعدد صالحاً للأخذ بالقاعدة المنطبقة على المكررين بنص المادة 248 من قانون العقوبات» (نقض سوري، جناية أساس 232 قرار 207، تاريخ 4/4/1951). وجاء في اجتهاد آخر فيما يتعلق بالعفو العام «إن العقوبة المستحقة على الفار من السجن وهي إضافة الثلث إلى النصف من أصل العقوبة الجاري تنفيذها بحقه، جناية كانت أو جنحة توجب اعتبار جرم الفرار المذكور جرماً غير مستقل لأنه متفرع عن الجرم الأصلي وهو بحكم هذه الصلة أو التبعية لا يجوز تشميله بالعفو إلا إذا كان الجرم الأصلي مشمولاً به» (نقض سوري جنحة أساس 861، قـــــــــــرار 876، تاريـــــــــــــــــــخ 7/3/1955).

2- القصد الجرمي:

إن الفرار وتسهيله إذا لم يكن بفعل إرادي أو تواطؤي أو تدبيري مع الحارس فلا مجال لإعمال نص المادة (415) من قانون العقوبات. ولا يسأل عن ذلك ما لم يكن للحارس شأن فيه. وقد رتب المشرع عقوبة جنحوية الوصف على إهمال الحارس أو السائق أو من كانت حراسة ذلك السجين منوطة به (المادة 416 من قانون العقوبات).

3- العقوبة المقررة قانوناً:

وقد رتب المشرع عقوبة لكل حالة من حالات فرار السجناء المنصوص عليها في المواد (415-418) من قانون العقوبات، وهي:

1- الأشغال الشاقة المؤقتة لا أقل من خمس سنوات من وكل إليهم حراسة السجناء أو سوقهم وأمدوهم تسهيلاً لفرارهم بأسلحة أو بآلات سواها تؤاتيهم على ارتكابه بواسطة الكسر أو العنف.

2- الأشغال الشاقة من ثلاث سنوات إلى سبع سنوات إذا كانت عقوبة الجناية أشد.

3- الحبس من سنة إلى ثلاث سنوات إذا كان الفار قد أوقف أو سجن من أجل جناية يعاقب عليها بعقوبة جنائية مؤقتة.

4- الحبس حتى ستة أشهر على الأكثر من أتاح الفرار أو سهله لشخص أوقف أو سجن وفقاً للقانون عن جنحة أو مخالفة.

5- الحبس من شهر إلى سنة في حالة الإهمال من الحارس أو السائق إذا كانت العقوبة عن جنحة أو مخالفة، والحبس من ستة أشهر إلى سنتين في حال الإهمال إذا كان الفار قد أوقف أو سجن من أجل جناية يعاقب عليها بعقوبة جنائية، والحبس من سنة إلى ثلاث سنوات في حالة الإهمال إذا كانت عقوبة الجناية أشد.

6- تخفض نصف العقوبة إذا أمن المجرم القبض على الفار أو حمله على تسليم نفسه خلال ثلاثة أشهر من فراره دون أن يكون قد ارتكب جريمة أخرى توصف بالجناية أو الجنحة.

ثامن عشر- منع استيفاء الحق بالذات:

نصت غالبية التشريعات الجزائية الغربية على تجريم بعض الوقائع والأفعال التي يغلب عليها طابع التجريم لا لسبب ماهيتها وطبيعتها، وإنما بحسب تأثيرها في ما ينشأ عنها من جرائم كان من الممكن تلافيها لولا حدوث الأمور الممهدة لها. ويعد منع استيفاء الحق بالذات من المراحل السابقة المعرقلة للعدالة وهي تتصدر الصور المتعددة الخارقة للعدالة التي تؤدي إلى إعمال مبدأ الممارسة الذاتية، فهي في الحقيقة كانت معروفة منذ القدم بالنسبة لتمرد الناس ضد العدل. ورغم أهمية هذا الفعل لم تأخذ التشريعات الجزائية بهذا الجرم إلا على نحو قليل ونادر وبالكثير من الاقتضاب، غير أن قانون العقوبات الإيطالي يعد القانون شبه الوحيد إن لم يكن الفريد الذي توسع في هذا الموضوع فاستبدل عبارة «الحق» بكلمة «المزاعم» التي يدعيها المجرم على ما هو في حيازة الغير لينتزعها منه تعسفاً بالطرق غير القانونية المشروعة، وقد نقل القانون العثماني ذلك التعريف عن التشريع الإيطالي. وقد جاء المشرع السوري ووضع المادة (419) وما يليها من قانون العقوبات متأثراً بكلا النصين ولكنه قام بالتفريق في هذه المواد بين أربع حالات كالتالي:

(1) حالة القيام بهذا الفعل من دون اقترانه بالعنف بسبب رضوخ المجني عليه وإن كان بالإكراه، وهي ما تصنف من الحالات الهادئة.

(2) حالة استعمال العنف بالأشياء والمسبب إضراراً بها، وتعد هذه الحالة من الحالات العادية.

(3) حالة استخدام العنف على الأفراد، أو اللجوء إلى الإكراه المعنوي، وهي حالة متشددة نسبياً.

(4) وهي الحالة الأكثر تشديداً على الإطلاق، وتتمثل بقيام شخص مسلح أو جماعة من ثلاثة أشخاص - ولو كانوا غير مسلحين - أو أكثر باستعمال العنف أو الإكراه.

غير أن المشرع اشترط في نص المادة (421) من قانون العقوبات لملاحقة الفاعل تقديم شكوى من الفريق المتضرر، أو المجني عليه ما لم تقترن هذه الجريمة بواحدة أخرى مما يجوز ملاحقتها بلا شكوى.

أما بالنسبة لعناصر جريمة استيفاء الحق بالذات وفقاً لأحكام قانون العقوبات السوري فيمكن إيجازها بما يلي:

1- استيفاء الشخص الحق الذي يدعيه مع قدرته على مراجعة السلطة بالحال: إن قيام الشخص بالذات أو بواسطة وكيله أو مناباً عنه باستيفاء حقه بالذات مستعملاً العنف والقسوة ضد الأشخاص أو الأشياء أو الهيئات مع قدرته على مراجعة القضاء يعد تجاوزاً خطيراً لحقوقه. ولا فرق أن يكون هذا الشيء خاصاً بالمعتدى عليه وحده أو مشتركاً مع الجاني أو مع غيره أياً كان، لما في ذلك من انتهاك فاضح لحق الغير وتجاوز للطريق الذي قرره وعبَّده القانون للوصول إلى ذلك الحق المزعوم. وكذلك لا يكفي لانتفاء الجريمة مجرد القول إن الحق الذي ارتكب فعل الانتزاع من أجل الحصول عليه لا يملكه المجني عليه وأنه محل منازعة مدنية؛ لأن هذا القول يبتعد عن علَّة التجريم الواردة في هذا النص وعن ضرورة الخضوع والامتثال للإجراءات القضائية الأصولية الواجبة الاتباع وفقاً للأحكام الواردة في متن نصوص القانون.

2- استيفاء الحق بنزع المال الواقع في حيازة الغير: بحسب نص المادة (419) من قانون العقوبات العام يستوي أن يكون هذا الاستيفاء بصورة هادئة من دون رضا الحائز وإذنه أو باستعمال العنف بالأشياء ملحقاً بها الضرر، أو بواسطة العنف على الأشخاص أو باللجوء إلى الإكراه المعنوي. كما يُلاحظ من نص المادة ذاتها أن الفعل المجرم المنصوص عليه يتناول المنقول وغير المنقول لأن الكلمة الواردة في النص القانوني (مال) و(أشياء) هما مترادفتان بالمعنى القانوني لا فرق بينهما. وهذا ما أكده الفقه القانوني إذ عد أن الأموال هي الأشياء بالمعنى القانوني وبالتالي فنص المادة يشمل المنقولات وغير المنقولات على حد سواء؛ لأن العقارات هي الأشياء التي لها قاعدة ثابتة والمنقولات هي الأشياء التي يمكن نقلها.

3- النية الجرمية: لقد اشترط المشرع بالشخص المُقدم على استيفاء حقه بالذات أن يتخلل فعلَه إرادةٌ ورغبة متجهة ومدركة لعواقب فعله سلباً أو إيجاباً، وكذلك الحال إن اقترن الفعل بواسطة العنف، واللجوء إلى الإكراه بنوعيه المادي والمعنوي يحمل بين طياته القصد الجرمي لهذه الجريمة.

4- العقوبة المقررة لهذه الجريمة: لقد فرض المشرع على الشخص مرتكب هذه الجريمة العقوبات التالية:

1- الغرامة بحيث لا تتجاوز مئة ليرة سورية إذا أقدم الشخص - استيفاء لحقه بالذات وهو قادر على مراجعة السلطة ذات الصلاحية بالحال- على نزع مال في حيازة الغير، أو استعمال العنف بالأشياء فأضر بها.

2- الحبس ستة أشهر على الأكثر فضلاً عن الغرامة المذكورة أعلاه إذا اقترف جرم استيفاء الحق بالذات بالعنف أو اللجوء إلى إكراه معنوي.

3- الحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين إذا استعمل العنفَ أو الإكراه شخصٌ مسلح أو جماعة من ثلاثة أشخاص أو أكثر ولو كانوا غير مسلحين.

مراجع للاستزادة:

 

- عبد الوهاب بدره، جرائم التزوير في التشريع السوري (المطبعة الجديدة، دمشق 1990).

- رمسيس بهنام، القسم الخاص في قانون العقوبات (منشأة المعارف، الإسكندرية 1982).

- رغيد توتنجي، الجرائم المخلة بالإدارة القضائية في قانون العقوبات السوري، ط1 (دمشق 1995).

- حسن جوخدار، أصول المحاكمات الجزائية (جامعة دمشق، 1985-1986).

- عبد الوهاب حومد، أصول المحاكمات الجزائية، ط4 (المطبعة الجديدة،  دمشق 1987).

- فريد الزغبي، الموسوعة الجزائية، المجلد الخامس عشر، ط3 (دار صادر، بيروت 1995).

- محمود زكي شمس، التحقيق والاعتراف، ط2 (مطبعة الداوودي، دمشق 2006).

- محمود زكي شمس، الموسوعة العربية، ط2 (مطبعة الداوودي، دمشق 2004).

- جندي عبد الملك، الموسوعة الجنائية، ط2 (دار العلم للجميع، بيروت 1932).

- محمود محمود مصطفى، شرح قانون العقوبات، القسم الخاص، ط 8 (القاهرة 1984).

 


التصنيف : القانون الجزائي
النوع : القانون الجزائي
المجلد: المجلد الثاني: بطاقة الائتمان ــ الجرائم الواقعة على السلطة العامة
رقم الصفحة ضمن المجلد : 374
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 24
الكل : 12091777
اليوم : 797