logo

logo

logo

logo

logo

الإدارة المركزية

اداره مركزيه

central administration - administration centrale

 الإدارة المركزية

الإدارة المركزية

سعيد نحيلي

 

يتطلب إنجاز المهام الإدارية المتعددة والمتشعبة التي تقع على عاتق الدولة توافر جهاز إداري مسلّح بالعنصرين البشري والمادي.

وإذا كان واضحاً أن الإدارة تظهر في علاقتها مع المواطن من خلال عمالها وهيئاتها؛ فإن هذا يشكل ظاهر الحال فقط، أما الحقيقة فهي أن التصرفات التي يقوم بها عمال الإدارة (الموظفون) ينبغي أن تنسب إلى واحدٍ من مجموعة الأشخاص الإدارية العامة التي تشكل بمجملها التنظيم الإداري l’organisation administrative. ولا يختلف اثنان على أن التنظيم الإداري يعدّ ضرورة لابد منها لكي تنهض الإدارة بوظائفها، وتضطلع باختصاصاتها من أجل تحقيق أهدافها. وإذا كان التنظيم الإداري للدولة يتضمن العديد من الأجهزة الإدارية؛ فإن هذا التعدد لا يتبعه بالضرورة تعدد في الأشخاص الإدارية العامة، بل يختلف الأمر باختلاف الأسلوب المتبع في التنظيم الإداري. ويجمع الفقه الإداري على أن الدولة تمارس نشاطها الإداري، وتدير الخدمات العامة باتباع أي من أسلوبي التنظيم الإداري: المركزية الإدارية واللامركزية الإدارية.

فإذا أخذت الدولة بأسلوب المركزية الإدارية فإن هذا يعني أن هناك شخصاً إدارياً عاماً واحداً يمارس جميع الاختصاصات الإدارية في جميع أجزاء إقليم الدولة. بعبارة أخرى: فإنه لا يوجد في النظام الإداري المركزي سوى شخصية اعتبارية واحدة في الدولة هي شخصية الدولة ذاتها.

أما إذا أخذت الدولة بأسلوب اللامركزية الإدارية فإنه توجد أشخاص إدارية عامة أخرى إلى جانب شخصية الدولة سواء كانت هذه الأشخاص ذات طبيعة محلية (وحدات الإدارة المحلية) أم ذات طبيعة مرفقية (المؤسسات والهيئات العامة).

وينبغي ألا يفهم مما سبق أنه على الدولة أن تختار بين الأسلوبين (المركزية واللامركزية) من أجل ممارسة نشاطها، وذلك أنه لا توجد دولة في العصر الحديث تمارس جميع وظائفها على نحو مركزي فقط أو على نحو لا مركزي فقط، بل تأخذ الدول المعاصرة بكلا الأسلوبين في أداء وظائفها، بحيث تدير جزءاً من نشاطها وفق مقتضيات المركزية الإدارية في حين تدير الجزء الآخر وفق مقتضيات اللامركزية الإدارية. بيد أن تغليب الأخذ بأسلوب المركزية الإدارية أو أسلوب اللامركزية الإدارية يعدّ مسألة نسبية تختلف من دولة إلى أخرى، بل تختلف ضمن الدولة الواحدة من زمن إلى آخر. وتتحكم بذلك مجموعة من الظروف السياسية والاجتماعية والثقافية والتاريخية. كما تلجأ دول عالمنا المعاصر إلى إجراء نوع من الموازنة بين محاسن الأسلوبين ومساوئهما في أداء الخدمات العامة لجهة كلفة الخدمة وجودتها وزمن إيصالها للمنتفعين بها.

وكما هو واضح مما سبق فإن الأمر يدور حول مجموعة من المصطلحات الإدارية القانونية التي يتم تداولها واستخدامها في الأوساط العلمية دون أن يكون هناك وضوح للمدلول الحقيقي لكل مصطلح. فالاقتصاديون يستخدمون مصطلح المركزية الإدارية، والإداريون يستخدمونه والسياسيون والقانونيون أيضاً، وكل فئة من هؤلاء تفهمه من وجهة نظرها على نحو مختلف عن الأخرى، الأمر الذي يعدّ دافعاً للبحث في هذا الموضوع بغية إظهار مدلوله الحقيقي.

وسوف يتم التركيز في هذا البحث على الجوانب القانونية للمركزية الإدارية وتطبيقاتها العملية، الأمر الذي يقتضي تعريفها وبيان أركانها وتقديرها ومن ثم تطبيقاتها العملية سواءً في سورية أم في غيرها من الدول.

أولاً: تعريف المركزية الإدارية La centralisation administrative وتمييزها من غيرها من المفاهيم:

هناك شبه إجماع في الفقه الإداري على أن المركزية الإدارية تعني التجميع التنظيمي والوظيفي للمهام الإدارية بيد جهة واحدة وفق معايير محدّدة مسبّقاً. فالمركزية الإدارية تعني بعبارة أخرى حصر صلاحيات القرار وتجميعها في يد سلطة واحدة رئيسية تنفرد بالبت في جميع الاختصاصات الداخلة في الوظيفة الإدارية عن طريق ممثليها في عاصمة الدولة أو في الأقاليم تسمى السلطة المركزية Le pouvoir central. ويعني ذلك من الناحية القانونية أنه يوجد شخص اعتباري عام واحد مركزي هو الدولة يباشر جميع الاختصاصات، ولا توجد أشخاص إدارية عامة أخرى تشاركها في مباشرة الوظيفة الإدارية. وبهذا تعدّ  المركزية الإدارية المفهوم المقابل لمصطلح اللامركزية الإدارية La décentralisation administrative التي تسمح بتوزيع الوظيفة الإدارية بين عدة أشخاص إدارية إقليمية (الدولة ووحدات الإدارة المحلية) ومرفقية (مؤسسات وهيئات عامة). بيد أنه يمكن الحديث عن مركزية أيضاً حتى في حال سمحت الدولة بوجود عدد من الأشخاص العامة (كالمؤسسات العامة والوحدات المحلية)، ولكنها تمارس رقابة قوية على أعمالها، وتحد من صلاحيتها، فتقوم هي بتسمية أعضاء مجالسها أو إداراتها. وقد يحدث أن تجتمع جميع العناصر القانونية للامركزية الإدارية، لكن الصبغة المركزية للدولة تبقى طاغية ولاسيما عندما تشكو الوحدات المحلية عدم حصولها على الوسائل المالية اللازمة للقيام بعملها. وتختلف المركزية الإدارية وفق التعريف السابق عن المركزية السياسية التي تعكس شكل الدولة الموحدة التي تتميز بوحدة التنظيم السياسي للسلطة بحيث تتجمع السلطات العامة في يد مستوى سياسي واحد، وتخضع لدستور واحد وتباشر سيادتها على أرجاء إقليم الدولة  كافة، فلا وجود في ظل هذا النظام لكيانات سياسية أخرى على غرار ما هو عليه الحال في الدول الاتحادية التي تتألف من مستويين دستوريين، هما: الاتحاد والدويلات. أما المركزية الإدارية فهي تنحصر في الوظيفة الإدارية، بل هي لا تعدو أن تكون شكلاً من أشكال إدارة المرافق العامة modes de gestion des services publics في الدولة. كما تختلف المركزية الإدارية عن المركزية الاقتصادية التي تتحقق عندما يترك أمر توجيه الاقتصاد القومي للسلطة العامة المركزية، حيث لا مجال في ظل هذا النظام للأخذ بالتعددية الاقتصادية. وهذا ما نراه مطبقاً وعلى نحو واضح المعالم في الدول حديثة النشأة والدول النامية التي تسعى إلى رفع معدلات النمو الاقتصادي.

وبهدف تحقيق المزيد من الوضوح حول مفهوم المركزية الإدارية وجوانبها القانونية، فلا بد من حصر الأركان الأساسية التي تقوم عليها المركزية الإدارية، وهذا ما ستتم معالجته في الفقرة التالية.

ثانياً: أركان المركزية الإدارية:

بالعودة إلى تعريف المركزية الإدارية وتحليله يتبين أنها تقوم من الناحية القانونية على مجموعة من الأركان، أهمها:

1- حصر الوظيفة الإدارية بيد الإدارة الحكومية المركزية: حيث تقتضي المركزية الإدارية تركيز الوظيفة الإدارية في يد جهة محددة هي السلطة المركزية في الدولة. والجدير بالذكر أن اتخاذ القرار في شأن من الشؤون العامة التي تدخل في اختصاص الحكومة المركزية يكون بكل مراحله من اختصاص هذه الأخيرة. فهي تعدّ مشروع القرار، وهي تتخذ القرار بشكله النهائي، وهي تتابع تنفيذه. أي إنها تملك سلطة البت النهائي في جميع الشؤون الداخلة في الوظيفة، أي إن إقليم الدولة برمته يُدار عبر العاصمة أو ممثليها في الأقاليم.

2- حتمية البناء التسلسلي للإدارة المركزية: إن الأخذ بنظام المركزية الإدارية يستغرق بالضرورة أن تكون الإدارة ذات تركيبة تسلسلية أو هرمية. أي إن الجهاز الإداري في الدولة يقسم إلى ثلاثة مستويات إشرافية هي: المستوى الإشرافي الأعلى والمستوى الإشرافي المتوسط والمستوى الإشرافي الأدنى. وتدخل هذه المستويات الإشرافية في علاقة مع بعضها بعضاً وفق ما تقتضيه قاعدة التدرج الإداري؛ أي توزيع موظفي الإدارة المركزية على مراتب ودرجات تشكل سُلّماً إدارياً يقبع في قمته الوزير، ويوجد في قاعدته صغار العاملين. وينجم عن التدرج الإداري تطبيق مبدأ وحدة الرئاسة والأمر، وهو مبدأ من المبادئ الأساسية في التنظيم الإداري يعني أن تنحصر سلطة إصدار الأوامر في نطاق منظمة معيّنة في يد واحدة بحيث لا يكون للمرؤوس داخل المنظمة سوى رئيس مباشر واحد. بما يحقق استقرار النظام ومنع تشييع المسؤولية وضياعها. حيث إن تعدُّد الرئاسات الإدارية يلقي بظلاله على الكفاية الإنتاجية للإدارة، ويعوق تطبيق مبدأ سير المرافق العامة بانتظام واطّراد.

3- السلطة الرئاسية: يُشتق هذا العنصر من العنصر السابق. ويقصد بالسلطة الرئاسية تلك التي تقرر للرئيس على مرؤوسيه طبيعياً. أي إن هذه السلطة تجد أساسها ليس في القوانين والأنظمة فحسب، بل في الطبيعة القانونية لنظام المركزية الإدارية القائم أساساً على قاعدة التسلسل الإداري والتي تمنح بطبيعة الحال حقاً للرئيس الإداري يتمثل في مجموعة من الصلاحيات سواء على أشخاص مرؤوسيه أم على تصرفاتهم. وتجدر الإشارة إلى أن التطبيق العملي للسلطة الرئاسية يتطلب توافر مجموعة من التقنيات القانونية technique juridique.

غير أنه وقبل التعرض لهذه التقنيات وتفاصيلها نجد من الضروري تحديد الصفات التي تتصف بها السلطة الرئاسية:

أ- صفات السلطة الرئاسية:

(1) أنها سلطة شاملة: يفسر بعض الفقه هذا الشمول استناداً إلى محل الرقابة. حيث يرى أنصار هذا الرأي أن الرقابة تشمل أعمال المرؤوسين (أي تصرفاتهم القانونية المتمثلة في القرارات والعقود وغيرها) وأشخاص المرؤوسين على أن تتناوله بوصفه موظفاً عاماً في خدمة الدولة وجزءاً من الهيكل التنظيمي للإدارة.

بيد أن هذا الرأي وإن كان صحيحاً، لكنه لا يمثل كل الحقيقة. حيث يوجد معيار آخر لتحديد لفظة (الشمولية)، ألا وهو مدى هذه الرقابة وحجمها، فلا يقتصر مدى هذه الرقابة على النواحي القانونية (رقابة مشروعية)، بل تمتد لتشمل نواحي الملاءمة أيضاً.

(2) أنها سلطة تلقائية: يعني ذلك أن الرئيس الإداري يمارس هذه الرقابة من تلقاء نفسه؛ أي إنه يمارسها سواءً بناءً على طلب أم شكوى من الأفراد أم حتى من دون ذلك. بل إنها تمارس في أغلب الحالات من دون طلب انطلاقاً من خصوصية طبيعة العملية الإدارية حيث تعدّ الرقابة إحدى الوظائف الأساسية في الإدارة الحكومية، وتصبح الرقابة من هذه الزاوية واجباً على الرئيس الإداري، وليس حقاً بيده، أي ينبغي على الرئيس الإداري أن يمارسها سواء أشار إليها النص القانوني أم لم يشر.

ويفرِّق الفقه الإداري الألماني بين نوعين للرقابة التي تمارس على المرؤوس، فهناك الرقابة القطاعية (التخصصية) التي تهدف إلى التأكد من أن إنجاز الواجبات الإدارية قد تم وفقاً للقوانين والأنظمة النافذة من جهة، وأنه جاء منسجماً مع الغرض من المهام الإدارية من جهة ثانية. والنوع الآخر هو رقابة الخدمة أو الرقابة التسلسلية (Dienstaufsicht) (يقابله باللغة الفرنسية tutelle administrative)، وهي تنسحب على التنظيم الداخلي للإدارة، ونظامها الداخلي وشؤون العاملين فيها. وتجدر الإشارة إلى أن التفريق بين كلا النوعين له آثار عملية؛ لأن الرقابة تمارس من قبل سلطات مختلفة. فمثلاً ممثل الحكومة في محافظة ما Regierungspräsident - وهو ما يقابل باللغة الفرنسية (préfet) - يخضع وفق أدبيات رقابة الخدمة (الرقابة التسلسلية) لوزير الداخلية, ويخضع وفق أدبيات الرقابة التخصصية لكل وزير حسب القطاع الذي يقوده.

فلو أراد مواطن ما أن يشتكي سلوك موظف ما؛ فعليه أن يتقدم بشكوى للسلطة الرئاسية، أما عندما يرى أن عملاً إدارياً (acte administrative) صادراً عن موظف ما قد خالف القوانين والأنظمة contraire au droit فعليه أن يتصل بالسلطة الرقابية المختصة قطاعياً من خلال شكوى الرقابة recours hiérarchique علماً أن كلا النوعين من الشكاوى لا يتعدى توجيه اللوم.

ب- تقنيات السلطة الرئاسية:

(1) تقنيات الرقابة على أشخاص المرؤوسين لجهة مراكزهم وأوضاعهم الوظيفيّة القانونية: لابدّ هنا من التذكير أن السلطة الرئاسية على شخص المرؤوس تبدأ مع بداية الحياة الوظيفية للموظف، وتنتهي بانتهاء خدمته، فهي بذلك تشمل سلطة الرئيس في تعيين المرؤوس ومتابعته في مسيرته الوظيفية (التحرك الزمني والمكاني) حيث يمكن للرئيس نقل المرؤوس وترفيعه وترقيته ومنحه التعويضات والعلاوات والإجازات والحوافز وإيقاع العقوبات المسلكية عليه، غير أن ممارسة هذه السلطة على أشخاص الموظفين تنحصر بمراكزهم وأوضاعهم الوظيفية، لذا يشترط من ممارسيها التقيد بمتطلبات حسن سير العمل الإداري.

(2) تقنيات الرقابة على أعمال المرؤوسين: تتناول السلطة الرئاسية التي يمارسها الرئيس على المرؤوس أعمال هذا الأخير. وقد درج الفقه الإداري على تقسيم تقنيات هذه الرقابة إلى قسمين اثنين، هما: الرقابة السابقة على صدور تصرفات المرؤوسين، وتتمثل في التوجيه، والرقابة اللاحقة على صدور تصرفات المرؤوسين وأعمالهم، وتتجلى في التعقيب. وسنوضح فيما يلي مضمون كل سلطة على حدة.

- سلطة التوجيه: تتمثل هذه السلطة بمجموعة من الصلاحيات والأوامر يقررها المشرع للرئيس الإداري، وتظهر على شكل أوامر شفوية أو مكتوبة، أو إعداد كتب ومنشورات (circulaire) ودليل استرشادي. وتتضمن هذه التعليمات والمنشورات تفسيراً للنصوص التي يتولى الموظف تنفيذها. وبما أن سلطة التوجيه كما يدل اسمها تتضمن من جملة ما تتضمنه توجيه أوامر إلى المرؤوس الإداري؛ فلا بد من طرح السؤال التالي: هل تعدّ هذه الأوامر ملزمة للمرؤوس، يطيعها وينفذها كما هي؟

في الحقيقة أن واجب الطاعة الملقى على عاتق المرؤوسين في إطاعة أوامر الرئيس يستمد أصله من عدّ الموظف جزءاً من الهيكل التنظيمي للمنظمة التي يعمل لديها. ولهذا السبب فإن أوامر الرئيس لا ترتقي من حيث الطبيعة الحقوقية إلى مرتبة القرار الإداري. وبالتالي فهي - وإن كانت مخالفة للقانون - لا تقبل الطعن بالإلغاء أمام المحكمة الإدارية المختصة لكونها تتناول الموظف بعدّه عضواً في الهيكل التنظيمي للمنظمة، ولا تتناوله في مركزه الشخصي. ولكن ومن زاوية أخرى يتحمل المرؤوس مسؤولية شخصية عن مشروعية تصرفاته الوظيفية (مسؤولية مسلكية، مسؤولية جزائية، مسؤولية مدنية). وبالتالي ينشأ هنا نوع من الصراع: فمن جهة، على الموظف أن يلتزم توجيهات الرئيس، ومن جهة ثانية عليه أن يتجنب المسؤولية الشخصية بشتى صورها، فكيف يحل النزاع؟ يرى الفقه الألماني أن هذا النزاع لا يمكن حله إلا من خلال عملية الاعتراض. فعندما يكون لدى الموظف العام تحفظات على مشروعية الأوامر التي يتلقاها من الرئيس الإداري؛ فعليه أن يسلك طريق الاعتراض لدى رئيسه. فإذا قام هذا بالإصرار على الأمر؛ فعلى المرؤوس أن يقوم بالتنفيذ، ولكن بالوقت نفسه تسقط عنه المسؤولية الذاتية. غير أن الحال يختلف إذا كان توجيه الرئيس يتضمن أمراً للقيام بتصرف أو سلوك يعاقب عليه القانون الجزائي (أي ارتكاب جريمة جزائية)، أو كان هذا التصرف أو السلوك المطلوب القيام به مناهضاً لكرامة الإنسان؛ فيحق عندئذٍ رفض الأمر شريطة أن يكون الأمر دالاً دلالة واضحة على ارتكاب الجرم الجزائي. إذ إن أوامر الرئيس الإداري لا تعدّ من أسباب التبرير والإباحة في مجال المسؤولية الجزائية (مبدأ المسؤولية الجزائية الشخصية).

- سلطة التعقيب على أعمال المرؤوسين:

تتجلى هذه السلطة بمجموعة من الصلاحيات أهمها:

حق الرئيس في إجازة أعمال مرؤوسيه وإقرارها وحقه في تعديل قراراتهم  أو إلغائها أو سحبها أو حتى الحلول محلهم في إصدارها إذا كان هناك نص قانوني صريح.

وبخصوص سلطة الرئيس في إقرار أعمال المرؤوسين وتصديقها، فهو يمارس رقابة شاملة على التصرف الذي قام به المرؤوس حيث يتأكد من مشروعيته ومن ملاءمته للعمل الإداري. أي إنه من حق الرئيس الإداري أن يلغي قراراً أصدره أحد مرؤوسيه إذا كان سليماً من الناحية القانونية، ولكنه غير ملائم للعمل الإداري.

ولابدَّ من الإشارة في نهاية هذه الفقرة إلى أن السلطة الرئاسية يقابلها دوماً مسؤولية الرئيس الإداري أمام الرئيس الأعلى إلى أن نصل إلى مسؤولية الوزير أمام رئيس الجمهورية. أما أساس هذه المسؤولية فيكمن في المبدأ الشهير من مبادئ التنظيم الإداري، ألا وهو مبدأ التلازم والتناسب بين السلطة والمسؤولية.

ثالثاً: صور المركزية الإدارية:

تأخذ المركزية الإدارية صورتين، هما: التركيز الإداري وعدم التركيز الإداري.

1- التركيز الإداري (الوزارية):

بمقتضى هذه الصورة تنحصر الصلاحيات الإدارية بكل جزئياتها في يد الوزير، بحيث لا يكون لممثل الوزير في الأقاليم أي سلطة، أي ينبغي على ممثلي السلطة المركزية في الأقاليم الرجوع إلى وزاراتهم في كل جزئية. ومن هنا جاء وصف (الوزارية) للدلالة على الدور العظيم للوزير وهيمنته على شؤون الوزارة كافة في المركز وفي الأقاليم، ومن هنا تمَّ وصف التركيز الإداري بالمركزية المتطرفة أو الحصرية الإدارية.

وتعليقاً على هذه الصورة من المركزية الإدارية يمكن القول: إنها تؤدي إلى إهدار مبدأ التلازم بين السلطة والمسؤولية. إذ كيف يتسنى تحميل الرئيس الإداري مسؤولية سير العمل وانتظام المرفق العام في الوقت الذي لا يملك فيه أي سلطة. ناهيك عن العيوب الأخرى التي يمكن توجيهها لنظام التركيز الإداري، ولاسيّما أنه يؤدي إلى انشغال الوزير بأمور ثانوية، ويبعده عن أهم الأمور (رسم السياسات العامة للدولة). واستناداً إلى هذه العيوب فلم يعد لهذه الصورة تطبيق من الناحية العملية؛ إلا في مجالات ضيقة جداً.

2- عدم التركيز الإداري (اللاوزارية):

أمام إخفاق أسلوب الوزارية في إدارة الشؤون والخدمات العامة كان لابدَّ من التفكير بأسلوب آخر يجنبنا الوقوع في مخاطر المركزية المتطرفة. من هنا كان الاعتماد على أسلوب عدم التركيز الإداري أو ما يسمى المركزية النسبيّة. وهذا الأسلوب يخوِّل بعض موظفي الوزارة في العاصمة أو في المحافظات سلطة البت النهائي في بعض الأمور دون حاجة إلى الرجوع إلى الوزير، الأمر الذي يُوفر وقتاً طويلاً للوزير يستطيع أن يستثمره في إنجاز المهام الرئيسية في وضع السياسة العامة للدولة.

بيد أن السؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف يتم الانتقال إلى أسلوب عدم التركيز الإداري؟ بسؤال آخر: ما هي آليات ممارسة السلطة في نظام عدم التركيز الإداري (اللاتمركز الإداري)؟

أ.ـــ أساليب ممارسة السلطة في نظام عدم التركيز الإداري (صور عدم التركيز الإداري)

يتحقق عدم التركيز الإداري من خلال تقنيتين اثنتين، هما:

(1) توزع الاختصاص بنص تشريعي أو لائحي: حيث يتولى المشرِّع منح أكثر من شخص أو أكثر من جهة اختصاصات سلطة اتخاذ القرارات الإدارية، وهنا يتعين الرجوع إلى النصوص القانونية لتحديد مراكز اتخاذ القرار وبيانها دون العودة إلى الحكومة المركزية في العاصمة.

(2) أسلوب التفويض الإداري: وهو أكثر الأساليب المتبعة لممارسة السلطة في نظام عدم التركيز الإداري. حيث يعهد الإداري ببعض اختصاصاته إلى إداري آخر ليمارسها دون الرجوع إليه مع بقاء مسؤوليته عن تلك الاختصاصات المفوضة. أي إن التفويض لا يعني تخلي الإداري عن سلطاته ومسؤولياته، بل هو مجرد آلية فضلى لتقديم الخدمات وإنجاز الأعمال الإدارية بسرعة وبكفاءة، وهذه في حقيقة الأمر هي ذاتها فوائد الأخذ بنظام عدم التركيز الإداري، والتي يضاف إليها ما يلي:

l التخلص من التركيز الشديد للسلطة.

l توفير الوقت والجهد والمال.

l حل المشكلات والصعوبات التي تواجه سير العمل الإداري على نحو أكثر فعالية؛ لأن سلطة اتخاذ القرار تكون في يد المرؤوس الأكثر قرباً من الواقع، ورغم ذلك يجب عدم الخلط بين اللاتركيز الإداري واللامركزية الإدارية، ففي اللاتركيز الإداري تكلف الدولة ممثليها في الدوائر والتقسيمات الإدارية بالمزيد من الاختصاصات، أما في اللامركزية فتقوم الدولة بالاعتراف بالمزيد من الصلاحيات للهيئات المحلية المنتخبة، فالمفهومان مختلفان قانونياً، لكن العمليتين شبيهتان، حيث إن اللامركزية لا يمكن أن تكون فعالة إلا إذا صحبها عدم تركيز إداري.

بقي أن نذكر أن التفويض الإداري يجد له أساساً قانونياً عاماً في سورية يتمثل في المرسوم التشريعي/69/ لعام 2005    إضافة إلى التشريعات الإدارية الخاصة التي تتضمن بعض الأحكام التي ترخص للرئيس الإداري استعمال مؤسسة التفويض لأداء بعض المهام الإدارية، من هذه التشريعات نذكر على سبيل المثال لا الحصر قانون تنظيم الجامعات رقم /6/ لعام 2006، وقانون الإدارة المحلية الصادر بالمرسوم التشريعي رقم /15/لعام 1971…إلخ

رابعاً: تقدير المركزية الإدارية (المركزية الإدارية في الميزان):

كأي نظام بشري يحقق نظام المركزية الإدارية بعض الفوائد (الحسنات)، ولكن تسجل عليه بالوقت ذاته بعض العيوب. ومن أهم الحسنات التي سجلها الفقه لنظام المركزية الإدارية نذكر: أن نظام المركزية الإدارية يحقق الوحدة القانونية والسياسية للدولة, ويقوي السلطة التنفيذية, كما يساعد على الاستقرار والدقة ووضوح الإجراءات الإدارية والاقتصاد في الإنفاق العام، ناهيك عن أن نظام المركزية الإدارية هو الأسلوب الأمثل والأصلح لإدارة المرافق العامة القومية التي تعدّ بطبيعتها غير قابلة للتوزيع، بل ينبغي أن تدار بأسلوب موحد عن طريق المركز, مثل: مرفق الدفاع ومرفق القضاء والأمن (الوظائف الكلاسيكية للدولة). غير أن هذه الحسنات -وهي أصلاً محل اختلاف في وجهات النظر- لا ولن تستطيع الصمود أمام (العيوب) التي تعتري نظام المركزية الإدارية، ولاسيما إذا أمعنا النظر في التغيرات التي طرأت على دور الدولة، وفرضتها التطورات الاقتصادية والسياسية والثقافية والنظام العالمي الجديد، فلم يعد نظام المركزية الإدارية صالحاً لإدارة المهام المتعددة والمتنوعة في دول عالمنا المعاصر إدارة كفوءاً وفعالة وفق مقاييس جودة الخدمة، فهو نظام بعيد عن المرونة، ولا يشجع على الابتكار وعلى مشاركة المواطنين في تحمل المسؤولية في الشأن العام. ناهيك عن أنه يؤدي إلى الهدر في الوقت والمال. أمام هذه العيوب التي لا تخفى على أي من المتتبعين كان لابد من ابتكار نظام إداري آخر لإدارة الخدمات العامة، نظام يراعي المتغيرات التي طرأت على دور الدولة، ويقوم على أساس توزيع السلطات لا على أساس حصرية السلطات: إنه نظام اللامركزية الإدارية ونظام التشاركية بين العام والخاص في أداء الخدمات العامة.

خامساً: هيكلية الإدارة المركزية في سورية كتطبيق من تطبيقات المركزية الإدارية:

ورد مصطلح السلطة المركزية في المادة /2/ من المرسوم التشريعي رقم /15/ لعام 1971 المتضمن قانون الإدارة المحلية كما وردت في المادة /2/ فقرة /2/ من اللائحة التنفيذية لقانون الإدارة المحلية حيث جاء فيها: «يقصد بالسلطة المركزية: أ. مجلس الوزراء ب. الوزارة المختصة جـ. وزارة الإدارة المحلية». غير أن هذا التحديد للسلطة المركزية وفق قانون الإدارة المحلية لا يشمل هيكلية الإدارة المركزية برمتها، حيث يعدّ إدارة مركزية بالمعنى الذي تتطلبه أدبيات المركزية الإدارية كل جهة تتبع للسلطة المركزية وتمارس نشاطاً حكومياً يشمل إقليم الدولة برمته. هذا المعنى ينطبق على رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء ومجلس الوزراء والوزراء والمحافظين ومديري المناطق ومديري النواحي، إضافة إلى الوحدات الإدارية المساعدة العاملة والاستشارية والملحقة مباشرة برئاسة الحكومة. وإذا حاولنا تصميم هيكل تنظيمي للمستوى المركزي للإدارة الحكومية في سورية فإنه يبدو كما في الشكل (1).

 

 

 

وفق هذه الهيكلية تتألف الإدارة المركزية في سورية من مستويين إداريين، هما:

1- الدولة (ممثلة برئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء والوزراء ووحدات الإدارة المركزية الملحقة بها، كالهيئة المركزية للرقابة والتفتيش والجهاز المركزي للرقابة المالية).

2- المحافظات (ممثلة بالمحافظ ومديري المديريات والمصالح التابعة لسائر وزارات الدولة ومديري المناطق والنواحي).

على خلاف تنظيم الإدارة المركزية في فرنسا والتي تتألف من عدة مستويات، هي:

État الدولة  ï  رئيس الدولة + رئيس الحكومة + الوزراء

Région الإقليم  ï   ممثل السلطة المركزية في الإقليم

Département  المحافظة  ï  ممثل السلطة الإدارية المركزية في المحافظة

وعلى خلاف التنظيم الإداري المركزي في جمهورية ألمانيا الاتحادية الذي يتألف من ثلاثة مستويات:

الاتحاد (المستشار والوزراء)

 

Bund

 

 

ò

الدويلات (رؤساء حكومات الدويلات والوزراء)

 

Länder

 

 

ò

المحافظات (ممثلي الحكومة المركزية في المحافظات) 

 

Bezirke

مراجع للاستزادة:

- إبراهيم عبد العزيز شيحا، الإدارة العامة - العملية الإدارية (الدار الجامعية للطباعة والنشر، بيروت 1982).

- خالد الظاهر، القانون الإداري- الكتاب الأول (دار المسيرة للنشر، عمان 1998).

- سام دلّه، القانون الدستوري والنظم السياسية (منشورات جامعة حلب، 2005).

- سعيد نحيلي، إبراهيم الهندي، عبسي الحسن، المرافق العامة (منشورات جامعة حلب، 2004).

- فوزت فرحات، القانون الإداري العام- الكتاب الأول (منشورات مكتبة الحلبي، بيروت 2004).

- عبد الغني بسيوني عبد اللّه، القانون الإداري (الدار الجامعية، الإسكندرية، بلا تاريخ).

- عبد الله طلبة، الإدارة العامة (منشورات جامعة دمشق، 1998).

- محيي الدين القيسي، القانون الإداري (دراسة مقارنة) الكتاب الأول (مكتبة الحلبي الحقوقية، بيروت 1998).

- Hartmut MAURER, Allgemeines Verwaltungsrecht, 12. Aufl, München 1999.

- BRANDER, Grenzen des ministeriellen Weisungsrechts gegenüber nachgeordneten Behörden, DÖV,1990 .

- Agathe VAN LANG, Geneviève GONDOUIN, Véronique INSERGUET-BRISSET, Dictionnaire de droit administratif, (2e édition, Dalloz, Paris, 1999).

 


التصنيف : القانون العام
النوع : القانون العام
المجلد: المجلد الأول: الإباحة والتحريم ـ البصمة الوراثية
رقم الصفحة ضمن المجلد : 152
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 36
الكل : 10414519
اليوم : 1143