logo

logo

logo

logo

logo

العقد الاجتماعي

عقد اجتماعي

social contract - contrat social

 العقد الاجتماعي

العقد الاجتماعي

حسن البحري

مفهوم نظرية العقد الاجتماعي

أصحاب نظرية العقد الاجتماعي (أهم المنظرين لها)

تقدير نظرية العقد الاجتماعي

 

أولاً ـ مفهوم نظرية العقد الاجتماعي:

العَقْد الاجتماعي Contrat Social / Social Contract ـ كما جاء في المعجم الفلسفي ـ هو: "اتفاقٌ افتراضيٌّ بين أفراد المجتمع يوجب على كل منهم وهو في الحالة الطبيعية أن يعهد في شخصه وفي كل ما لديه من قدرات إلى "الإرادة العامة" La volonté générale التي تنتظم بها حياة الكُلّ"، قال روسو: "إنَّ الإنسان يربح بالعقد الاجتماعي حريَّتَه المدنية، وإنْ خسِرَ به حريَّتَه الطبيعية".

وهكذا، فإنَّ فكرة العقد الاجتماعي تقوم على أساس وجود حياةٍ فطريةٍ تسبق قيام الجماعة، وإنَّ الانتقال من حياة الفِطرة إلى حياة الجماعة السياسية المنظَّمة قد تمَّ بناءً على "عقد اجتماعي" بين الأفراد بقصد إقامة أو إنشاء السلطة الحاكمة. فأصل نشأة الدولة وأساس السلطة السياسية فيها ـ طبقاً لهذه النظرية ـ يرجع إلى الإرادة المشتركة لأفراد الجماعة، أي إن الأفراد اجتمعوا واتفقوا على إنشاء مجتمعٍ سياسيّ يخضع لسلطةٍ عليا، ومعنى ذلك أنهم اتفقوا على إنشاء دولةٍ بإرادتهم المشتركة؛ فالدولة إذن وجِدت نتيجةَ عقدٍ أبرمته الجماعة أُطلِق عليه "العَقْد الاجتماعي".

وفكرة العقد هنا فكرة افتراضية Hypothetical أي قائمة على الافتراض وليست فكرة واقعية، أي إنه لم يُبرم عقدٌ حقيقي بين الأفراد من جهة وبين الحاكم من جهة أخرى، بل حدَثَ الاتفاقُ ضمنياً.

ثانياًـ أصحاب نظرية العقد الاجتماعي (أهم المنظرين لها):

اقترنت "نظرية العقد الاجتماعي" بأسماء ثلاثة من أهم رواد الفلسفة السياسية خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، وهؤلاء هم: الإنكليزيان "توماس هوبز" و"جون لوك"، والفرنسي "جان جاك روسو". وقد كان لكل منهم تفسير معيَّن للنظرية، أراد به تدعيم الأفكار السياسية التي كان ينادي بها. وينحصر الخلاف بينهم في تفسير النظرية في نقطتين: النقطة الأولى، هي حالة الإنسان السابقة على وجود العقد. والنقطة الثانية، هي تحديد طرفَيْ العقد وآثاره.

وقد كان طبيعياً أن يسفر هذا الخلاف المزدوج بينهم عن نتائج متباينة رتَّبها كل منهم على التعاقد بما يتفق وآراءه السياسية كما سلف البيان.

والواقع أن الفكر التعاقدي برمته قد أُسيء فهمه وتفسيره لما شابه من غموض واضطراب في بعض المواقع لدى أصحابه، ولاختلاف الناس في تفسير أقوالهم بحسب ميولهم وأهوائهم حتى أنهم جعلوا من "هوبز" داعية للدكتاتورية والسلطة المطلقة للحاكم، ومن "لوك" نصيراً للديمقراطية الليبرالية، ومن "روسو" مؤيداً لحكم الأغلبية المطلق. وقد يكون السبب في هذا التضارب هو ما لفكرة العقد الاجتماعي من نتائج عملية خطيرة في النظام السياسي للدولة، فهي ليست مجرد نظرية لتفسير الأصل في وجود الحكومة والمجتمع المدني، وإنما هي الأساس في تحديد حلول بعض المشاكل الأساسية السياسية، مثل: مصدر السيادة في الدولة، قيمة حقوق الأفراد إزاء الدولة، مدى الحريات الفردية، كيفية تحديد الحقوق والواجبات في الدستور، إلى غير ذلك من أمهات المسائل السياسية في الدولة.

1ـ دور نظرية العقد الاجتماعي لدى توماس هوبز:

يعد الفيلسوف الإنكليزي توماس هوبز Thomas Hobbes ت(1588ـ 1679) من أبرز الذين سبقوا إلى صوغ نظرية العقد الاجتماعي في كتابه الشهير الذي أصدره سنة 1651 بعنوان: "لَوِيَاثَانَ"

وهذا الكتاب ـ كما يبدو ـ غريبٌ في عنوانه جديدٌ في فلسفته، أما العنوان "لَوِيَاثَانَ" فهو لفظ عِبْري يصف وحشاً بحرياً هائلاً يقهر الوحوش الأخرى، ويسيطر سيطرةً تامةً على جميع الحيوانات الموجودة في مملكته، ويبثّ الرعبَ فيها. أما موضوعه فهو "إقامة الدولة القوية المنيعة التي تقضي على ضروب الفوضى والاضطراب والفتن والحروب الأهلية، وتحقِّق الأمن والحماية لرعاياها…، وعلى هذا الأساس فإنَّ البشر العقلاء الواقعيين سوف يرون أنهم في حاجةٍ ماسةٍ إلى أن يُحكَموا بواسطة دولةٍ تكون على غرار "التنين" حتى تقوم بحمايتهم، دولة صلدة منيعة، تغدو محاولة تقويضها ضرباً من الجنون…" لأنه لا توجد قوة على الأرض تعادل قوته، كما جاء في سِفْر أيوب وهو يصف "اللوياثان" (أي التنين) بأنه: "لَيْسَ لَهُ فِي الأَرْضِ مَثيلٌ. وقد طُبِعَ على عدَمِ الْخَوْفِ. يُسَدِّدُ نَظَرَه إلى كُلِّ مُتَعَالٍ. وهُوَ مَلِكٌ عَلَى جميع بَنِي الْكِبْرِيَاءِ".

وقد استعان هوبز في طرح فلسفته السياسية في كتابه المذكور بالمعاني الرائجة في عصره، مثل المساواة، القانون الطبيعي، الحقوق الطبيعية للإنسان، العقد الاجتماعي، السيادة، العدالة،..الخ. لكنه يعالج هذه المعاني على نحو يختلف كثيراً عن معالجة فلاسفة السياسة السابقين عليه، مثل أفلاطون وأرسطو، والقديس توما الأكويني، وجان بودان Jean Bodin، وهوغو غروتيوس Hugo Grotius. كذلك تأثر هوبز بآراء ميكيافلي في الأنانية وحاجة الحاكم إلى السلطة المطلقة.

أ ـ الحالة الطبيعية للجنس البشري قبل قيام الدولة:

تحدث هوبز في القسم الأول من كتابه "لَوِيَاثَان" عن حالة الطبيعة الأولى التي كانت عليها البشرية، وتحديداً في الفصل الثالث عشر الذي يحمل عنوان "الحالة الطبيعية للجنس البشري وما فيها من سعادة أو بؤس" Of the natural condition of mankind as concerning their felicity and misery، فأشار إلى أن حالة الفوضى هي "الحالة الطبيعية" في حياة الإنسان، في حين أن المجتمع المنظَّم هو "مجتمع صناعي" خلقه الإنسان بإرادته، معارضاً بذلك فكرة أرسطو التي ظلت سائدة في تاريخ الفكر السياسي طوال العصر القديم، والوسيط، حتى عصر النهضة وهي الفكرة التي تذهب إلى أن "الإنسان مدني بالطبع" وأنه يُقبِل على الحياة في جماعة سياسية منظَّمة بفِطرته.

وهكذا، فالإنسان عند "هوبز" ليس كائناً اجتماعياً بطبعه (أي ليس لديه استعداد أو ميل طبيعي إلى الاجتماع) كما يقول أرسطو، وليس كائناً عقلياً مجرداً كما سيقول فلاسفة عصر التنوير، أي في القرن الثامن عشر، بل هو كائن شرير يضارع في الوحشية أضرى الحيوانات وأشدها شراسة "الإنسان ذئب للإنسان"، جبان، فاسد، خبيث، تدفعه المصلحة الذاتية، وتتحكم فيه الغرائز الأوّلية من أنانية وجشع. وهو لا يذعن إلا إذا خاف، ولا يضحّي بمصالحه إلا مرغماً، ولا يحب السلام للسلام؛ بل فزعاً من نتائج الحرب.

ومن هنا، فإن "هوبز" يعد من أصحاب النزعات الفردية، إذ كان يعتقد بأن الإنسان بطبعه عاشق لفرديته، لا يتوقف عن البحث عن القوة، لتحقيق الأمان، وتجنب خطر الموت، ولا مفر من أن يسلك نحو الآخرين سلوك الذئب مع أقرانه. وفي ذلك يقول هوبز: إن الإنسان يتميز من الحيوان بالعقل ورغبة المعرفة والقلق من المستقبل والخوف من المجهول. والإنسان بهذا التكوين لا يعيش وحده بل مع أمثاله الذين يحملون الصفات ذاتها. وبناء عليه، لكل إنسان مَثيله ومنافسه وتدفعه إرادة القوة على اختلاف أشكالها. فكل فرد، إذن، مساوٍ للفرد الآخر. والمساواة بين الأفراد تعني أن كل واحد يريد أن يحقق أهدافه وأن يحطِّم أو يُخضِع الآخر.

وبناء على ذلك، يقرر هوبز أن حياة الفرد عملية متصلة من الصراع لأجل إشباع غرائزه، أما الطريقة التي يشبع بها الإنسان غرائزه ورغباته إنما تكون عن طريق القوة، فالحياة الإنسانية ليست في جملتها وتفصيلها إلا صراعاً أبدياً للحصول على القوة تلو القوة.

يقول هوبز: "فأنا في المقام الأول أرى أن هناك ميلاً عاماً عند البشرية جمعاء يتمثل في الرغبة الدائمة القلقة في الحصول على القوة، التي لا تتوقف إلا عند الموت.

ولكن القوة لا يمكن الحصول عليها إلا عن طريق الصراع، فعلى الرجال أن يصارعوا أولاً للحصول على المصادر الطبيعية النادرة، وعليهم ثانياً أن يدافعوا عن أنفسهم حتى لا تضيع القوة التي حصلوا عليها، ثم عليهم ثالثاً في حالة ندرة المصادر الطبيعية وتوافر الأمن والاستقرار البحث عن الاستعلاء الذي لا يكون إلا بالحصول على قوة تضاف إلى القوة الأصلية. ولهذا، فإننا نجد في طبيعة الإنسان ثلاثة دوافع أساسية للنزاع، هي: التنافس، وانعدام الثقة المتبادلة Diffidence، والرغبة الجامحة في المجد والشهرة".

وهذه الدوافع أو العِلَل العظيمة الثلاث للنزاع بين الناس، تجعل حالة الطبيعة حالة حرب بالفعل، وهذه الحرب تكون "حرب كل إنسان ضد كل إنسان" War of every Man against every Man؛ فالحياة، إذن، مجال للقوة الباطشة، عند الأقوياء، وللخداع والمكر والتحايل عند الضعفاء. وهذا هو الوضع البائس للإنسان في حالة الطبيعة.

ب ـ النتائج المنطقية المترتبة على "حالة الطبيعة":

وفقاً لهوبز، فإن أولى النتائج المترتبة على حالة الطبيعة هي أنك لن تجد مِن الناس مَن هو سيِّدٌ على غيره. وإذا لم يكن أحدٌ سيداً عليَّ، فإنني أستطيع أن أقولَ بالمِثْل إنه لا أحد عبدٌ لي، فالجار أو الرفيق لديه من القوة مثل ما لديّ، وهو يميل مثلي إلى تأكيد ذاته. وكلٌّ منا يخاف الآخر ويهابه، ونحن عرضة لأن يدخل كلٌّ منا مع الآخر في صراعٍ إذا ما رغبنا في شيءٍ واحدٍ بعينه، لا أحدَ لديه القدرة لكي يجعل من نفسه سيِّداً على الآخر، ومن ثم فلا أحد عبدٌ لغيره.

وهكذا يدخل الكلّ في الخوف المتبادل والشكّ المتبادل، فكل فردٍ يرتاب في غيره، وبين الفينة والفينة تنشب معارك هنا وهناك يتعرَّض فيها كلُّ شخصٍ لأن يفقدَ حياتَه.

وهناك نتيجةٌ أخرى مترتبةٌ على حالة الطبيعة هذه، وهي عدم وجود أيَّ ضَرْبٍ من ضروب الحضارة.

وعلى هذا فالحياة عند هوبز ليست سباقاً بين الأفراد، وإنما هي معركة حامية الوطيس، وهي معركة بلا قوانين، ولا قواعد تقيِّدها، مما يٌنتج  في نهاية المطاف خسارة الجميع. ومعنى ذلك، أن قيام الدولة شرط أساسي لقيام الحضارة، ولهذا قال هوبز إنه "لا حضارة في حالة الطبيعة"، ولا علم ولا فن ولا ثقافة… إلخ إلا مع وجود المجتمع المستقر الذي تظهر فيه القوانين والنظم التي تحدّ من دوافع الناس الطبيعية.

وهناك نتيجة أخيرة يذكرها هوبز، وهي أنه لا توجد مِلْكيَّة خاصة في حالة الطبيعة، فهو يقول: "هناك نتيجة أخرى لنفس هذه الحالة، وهي أنه في مثل هذه الحالة (حالة الطبيعة أو حرب الكل ضد الكل) لا وجود لشيء اسمه المِلْكيَّة الخاصَّة، ولا شيء اسمه السيادة على شيء ما أو السيطرة على شيء ما، فلا شيء يمكن أن تميِّزه بقولك هذا ملكي أو ملكك أنت، وإنما كل ما نستطيع أن نقوله إن هذا الشيء، وكل شيء، هو ملك لكل إنسان يستطيع الحصول عليه، ويظل الشيء ملكه بمقدار ما يستطيع المحافظة عليه، وتلك هي الحالة السيئة التي يوضع فيها الإنسان بالفعل في حالة الطبيعة المحض، رغم أن هناك إمكاناً للخروج منها، وهذا الإمكان يعتمد في جانب منه على العواطف Passions، وفي جانب آخر على العقل. فأما العواطف التي تحثّ الناس على السلام فهي الخوف من الموت والرغبة في تلك الأشياء التي هي ضرورية للحياة، والأمل في الحصول عليها، أما العقل فإنه يقترح بنوداً أو مواد مناسبة للسلام يستطيع الناس أن يتفقوا عليها. وهذه البنود أو المواد هي التي نسميها في مكان آخر باسم: قوانين الطبيعة Laws of Nature".

ولا ريب في أن التحليل الذي قدَّمه هوبز للطبيعة الإنسانية يؤدي إلى صعوبة قيام تعاون إنساني، ولكن الإنسان في حاجة إلى المجتمع، تماماً كالطفل الذي لا يستطيع الحياة بغير أبوين والآخرين الذين يساعدونه على التغلب على الصعاب في أثناء سير حياته.

ج ـ الانتقال من حالة الطبيعة (الفوضى) إلى المجتمع السياسي المنظم:

لما كانت حالة الطبيعة هي حالة من الفوضى العارمة والحرب الشاملة التي يشنها الجميع على الجميع، كان لا بد للناس من الخروج من هذه الحالة "حالة الاضطراب والفوضى" إلى "التنظيم السياسي"، والتمسك بهذا النظام الذي يضمن لهم الأمن والاستقرار، ويحقِّق ما سمَّاه فقهاء القانون بعد ذلك "بالدولة الحارسة"، أي التي تقوم أساساً بحماية الأمن في الداخل، وصدَّ الغارات عن الحدود في الخارج.

وإذا ما أدركنا هذه الحقيقة جيداً استطعنا أن نفهم بسهولة ويسر لماذا جعل هوبز من "حالة الطبيعة"، حالة الفوضى والاضطراب، المَدْخل المفضي إلى بناء الدولة. لماذا مهَّد لفكرته عن التنظيم السياسي بالحديث عن الفوضى الطبيعية؟

السبب واضح: وهو أن الناس كلما أدركوا، عن وعي، النتائج السيئة المترتبة على حالة الفوضى والاضطراب، تشبثوا بالقانون، وتمسَّكوا بالنظام.

وهكذا، فإن هذه الشَّرَارَةَ (صفة من: الشَّرّ) الإنسانية هي التي دفعت الإنسان إلى أن يبحث بعقله عن علاج: فراح عقل الإنسان يفتش عن أسباب هذه الحال الأليمة المتمثلة في حالة الطبيعة، وفي أسباب الحروب، والنزاع. وانتهى إلى أن العلاج هو في إيجاد مجتمع تسوده قوانين تحكم الجميع، فيزول الخوف والنزاع بين أفراده.

كيف يمكن إيجاد هذا المجتمع؟ لا يمكن أن يوجد مثل هذا المجتمع إلا بتخلي الأفراد عن حقوقهم الخاصة وشهواتهم الخاصة فيما يتصل بتوجيه النظام في المجتمع. وعلى الجميع أن يَخضعوا لإرادةٍ واحدة. لهذا اتفقوا على تفويض أمرهم إلى إرادة واحدة تتولى فرض نفسها على الآخرين، أي انتقال حقوق كل فرد إلى فرد واحد. ذلك لأنه إذا تخلى كل فرد ـ ما عدا واحداً ـ عن حقوقه الطبيعية، فمن الواضح أن حقوق هؤلاء ستذهب إلى هذا الواحد الذي لم يتخلَّ عن حقوقه. وسيكون هذا الواحد أقوى من البقية بمجرد تخلي هؤلاء عن حقوقهم. وسيتقوى بما يقوم به من أعمال تؤدي إلى تحقيق الأمن والعدل لهؤلاء الآخرين. وهكذا فإن سلطة الحاكم ستقوم على أمرين: تخلي الأفراد عن حقوقهم، والغاية التي من أجلها تخلّوا عن حقوقهم وهي السلام والعدل.

وفي سبيل التخلص من حالة الحرب والفوضى التي اتصفت بها حالة الطبيعة، وافق الأفراد على التعاقد فيما بينهم، وبموجب هذا العقد تخلى هؤلاء الأفراد عن حقوقهم ليفوضوها إلى شخص يمثلهم ويقبل أن يتولى عنهم تصريف أمورهم بما يكفل لهم الأمن والسلام.

وما يميز العقد الاجتماعي عند هوبز هو أنه بين ثلاثة أطراف، الطرف الأول: متعاقد فردي، والطرف الثاني: جميع أفراد المجتمع، والطرف الثالث: هو الطرف الذي لا يدخل في العقد إلا للانتفاع منه، من دون أن يقدم شيئاً في مقابل ذلك، وهو الحاكم. فهو عقد من نوع خاص، إذ فيه الحاكم يوافق على شروط العقد لكن من دون أن يلتزم بشيء تجاه الغير.

والعقد، كما تصوَّره هوبز، يلزم الفرد بالعضوية الدائمة غير القابلة للفسخ، في مجتمع سياسي مهمته الأولى والوحيدة بمجرد تشكيله هي أن يعيِّن حاكماً (سواء أكان فرداً، أم قلة من الناس، أم جماعة ديمقراطية) له سلطة وضع القوانين، والفصل في المنازعات، وصياغة الأحكام والحقوق والواجبات. وإذا ما عُيِّن الحاكم فعلى المواطن الخضوع له والطاعة المطلقان، في مقابل ما يحققه له الحاكم من حماية ضد منتهكي القوانين وضد أعداء الوطن.

وهذا العقد صفقة رابحة للمواطن، لأنه يكفل له الأمن والسلامة في مقابل الموت المحتوم والظلم الذي لا بد سيقع عليه لو أنه استمر في حالة الطبيعة. وإرادة الحاكم ستكون ممثلة لإرادة المواطن، ولهذا فإن الحاكم يملك كل سلطة لتحقيق إرادته التي هي إرادة كل مواطن. ولما كان الحاكم ليس "طرفاً" في هذا العقد، فإنه لا يجوز لرعيته مساءلته عن الطريقة التي بها يؤدي مهمته، ذلك أنهم بمجرد أن فوَّضوا له تولي أمورهم فقد سقط حقهم في مساءلته.

وهكذا فإن قيام الدولة يعني أن يتنازل الناس جميعاً لصاحب السيادة عن سلطتهم، فتتركز في يده سلطة عظيمة يخافونها، ويشكّل بها إرادتهم جميعاً، لصون السلام في الداخل، وتحقيق التعاون المشترك ضد أعدائهم في الخارج.

ويتضح من العرض السابق، أن تكوين الدولة عند هوبز ليس أمراً طبيعياً بل هو مسألة "صناعية" أي إن من خلق الإنسان، لا من عمل الطبيعة، إنه اتفاق بين البشر، وتعهّد يقوم به كل فرد، يتنازل بموجبه عن حقوقه لشخص أو مجموعة من الأشخاص (لجنة أو مجلس) ترعى مصالح الجميع، بشرط أن يقدِّم الآخرون مثل هذا التعهّد.

د ـ حقوق وامتيازات صاحب السيادة (العاهل أو السيد الحاكم):

للعاهل أو السيد الحاكم، الحق في إصدار القرارات، والقيام بكل ما من شأنه حفظ النظام وتحقيق الأمن والأمان للمواطنين جميعاً، والدفاع عنهم ضد أي عدوان خارجي.

ولا بد أن يكون واضحاً أن كل ما يقوم به العاهل من أفعال هي نفسها أفعال كل فرد في المجتمع، فهو صاحبها وصانعها ومؤلفها، ولو اعترض عليها لَنَاقَضَ نفسه.

ثم كيف له أن يعاقب الحاكم؟ بل كيف يمكن أصلاً أن يُقال إنَّ الحاكم قد خرق تعهداً أو اتفاقاً وهو لم يقم بشيء من ذلك؟ ليس ثمة قاضٍ يستطيع أن يفصل في النزاع بين السيد الحاكم ورعاياه، ومن ثم فليس هناك طريق لفضّ النزاع سوى العودة إلى حالة الحرب! وهذا هو السبب في أن قوة السلطة عند السيد الحاكم لا تعتمد على أيّ تعهدٍ يدخل هو نفسه طرفاً فيه لأن سيادته دائمة ومستمرة وهو وحده الذي يستطيع أن يقرِّر متى ينزل عن السلطة إذا شاء، كما أنَّ له الحق في أن يحدِّد مَن الذي يَخْلفه في السلطة.

ولقد مرّ أنه ليس للمواطنين الحق في الثورة على السيد الحاكم، أو أن يعمدوا إلى تغيير النظام المقرر في المجتمع، وليس لواحدٍ منهم أن ينشقَّ عن الدولة أو النظام الذي أقرته الأغلبية. وفضلاً عن ذلك، فإن صاحب السيادة لا يمكن أن يُلام على أفعاله، لأن من يلومه هو الذي خوَّله في إصدارها، فكأنه يناقض نفسه أو يلوم أفعاله الخاصة! وذلك كله يجعل للحاكم سلطة مطلقة بغير حدّ.

ويواصل "هوبز" تدعيم جوانب الحكم المطلق أو السيادة المطلقة للعاهل الحاكم، فهو الذي يحدد القواعد التي تنظم حقوق الملكية الخاصة التي ستظهر أول مرة بظهور الدولة، فلم يكن لها وجود قبل قيام السلطة بل كان لكل إنسان الحق في أن يضع يده على كل شيء مما يؤدي بالضرورة إلى نشوب القتال، ومن هنا فإن ظهور الملكية الخاصة يرتبط بنشر السلام بين الناس، ومع ظهور القوانين المدنية وحدها سوف تظهر كلمات مثل: "مِلْكي" Meum و"مِلْكَك" Tuum، وصفات الخير  والشر، والقانوني Lawful وغير القانوني Unlawful من أفعال المواطنين.

وفضلاً عن ذلك، فإن السيد الحاكم هو الذي يستمع إلى المنازعات Controversies ويفصل فيها طبقاً للقانون سواء كان قانوناً مدنياً أو قانوناً طبيعياً، إذ من دون تنظيم التقاضي والفصل بين المنازعات لن تتحقق حماية المواطن من ظلم الآخرين، وسوف تكون القوانين المنظمة لـ"ملكي" و"ملكك" مجرد عبث لا طائل تحته، وسيتحول كل فرد مرة أخرى إلى حماية نفسه اعتماداً على قوته الخاصة، وهذه هي حالة الحرب، مما يناقض الهدف الأساس من تأسيس وإقامة أي دولة.

ويضيف هوبز للسيد الحاكم حقوقاً أخرى: "للسلطة الحاكمة الحق في إعلان الحرب وعقد السلم حسب ما تراه مع الأمم، أو الدول الأخرى. أي أن تحدد متى يكون ذلك مناسباً للمصلحة العامة، وتحديد القوات التي يستدعيها ويقوم بتسليحها، وفرض الضرائب وجبايتها من المواطنين. لأن قوة الشعب التي يدافع بها عن نفسه تكمن في قواته المسلحة وتكمن قوة الجيش في وحدته تحت إمرة قائد واحد، وهو القائد الذي يعينه الحاكم....".

"كما أن للعاهل أو السيد الحاكم مطلق الحرية في اختيار جميع المستشارين والوزراء، والقضاة، والضباط وكبار موظفي الدولة سواء في وقت السلم أو زمن الحرب، لأن الحاكم مشغول بغاية كبرى هي تحقيق السلام المشترك في الداخل، والدفاع ضد الأعداء في الخارج، ومن هنا فهو أقدر على تحديد الوسائل الكفيلة بتحقيق هذه الغاية".

وأخيراً، فإن "للحاكم حق الجزاء والعقاب أو الثواب والعقاب بأن يمنح مراتب الشرف وتقدير المكافآت، أو تقرير العقوبات البدنية أو المالية. تلك هي الحقوق التي تؤلف جوهر السيادة، وهي علامات يتميز بها من أسندت إليه السلطة ذات السيادة سواء أكان فرداً واحداً أو مجلساً من عدد من الأفراد، وهذه الحقوق لا يمكن فصلها عن السيادة أو التنازل عنها…".

تلك هي الحقوق الشهيرة التي أسندها هوبز لصاحب السيادة، والتي جعلته يطلق يده في تنظيم شؤون الدولة حسب ما يراه صالحاً لها، من دون النظر إلى أي اعتبار آخر.

وقد أدرك "هوبز" مقدار المغالاة في وصف سيادة الدولة التي هي في نظره سيادة مطلقة، فسوّغ ذلك بقوله: "إن السلطة ذات السيادة هي أقل أذىً من انعدام السلطة"؛ فسيادة الدولة المطلقة هي أفضل من خطر الفوضى التي تؤدي إليها الحرية الفردية الأنانية.

هـ ـ تحفظات على حقوق وامتيازات السيد الحاكم:

بعد أن بيَّن "هوبز" الحقوق والامتيازات التي يتمتع بها صاحب السيادة: العاهل أو السيد الحاكم Sovereign، أصرَّ على وجود تحفّظين مهمين وأساسيين يقيِّدان حقّ السيد الحاكم وهما:

التحفظ الأول: "لمَّا كان حق الدفاع عن حياة المرء والمحافظة على أعضائه لا يمكن التنازل عنه، لأنه حق أساسي ولا يمكن للمرء أن يكون له وجود إذا تخلَّى عنه "وكل شيء لا يستطيع الإنسان أن يعيش بدونه فهو حق غير قابل للتحويل أو التنازل"، فإن ذلك يعني أن للإنسان الحق في الدفاع عن نفسه حتى ضد أوامر السيد الحاكم (العاهل)، لأنه لا يستطيع أن يتنازل عن هذا الحق مهما تكن الظروف.

التحفظ الثاني: وهو نابع أساساً من التحفظ الأول لأن الالتزام بالخضوع للسيد الحاكم يعني أنه قادر باستمرار على حماية رعاياه أو أن لديه من القوة ما يمكّنه من أن يفعل ذلك، فإذا ضَعُفَ أو عجِزَ عن مواصلة عمله الرئيسي، وهو كفالة الحياة والأمن لرعاياه Subjects، كان للناس أن يتحرَّروا من طاعته، ذلك لأن من حق الناس الطبيعي حماية أنفسهم والدفاع عن وجودهم عندما لا يوجد من يحميهم، وهو حقٌّ لا يمكن التنازل عنه بأي تعهّد.

وإذا كانت هناك تحفظات على حقوق السيد الحاكم، فإنها تثير سؤالاً أكثر شمولاً هو: أليس على العاهل صاحب السلطة واجبات تقابل ما له من حقوق؟

والجواب هو أن هناك فعلاً واجبات لكنها لا تقابل هذه الحقوق ولا تنبع منها، وبعبارة أخرى ليس على صاحب السلطة واجبات قِبَلَ رعاياه، فهو ليس طرفاً في عقدٍ أو تعهدٍ كما سبقت الإشارة، لكن عليه واجبات تجاه الله، عليه أن يخضع لقوانين الطبيعة، وعليه أخيراً أن يحقق الهدف من إنشاء الدولة: ذلك لأن الدولة لم تنشأ كغاية في ذاتها، بل قامت لرعاية مصالح المواطنين، ومن ثم فإن من واجبات السلطة الحاكمة أن تحقق هذه الغاية، ويمكن تلخيص هذه الواجبات في الالتزام بالمحافظة على أمن وسلامة الشعب.

يقول هوبز: "يعتمد منصب العاهل أو السيد الحاكم سواء أكان ملكاً Monarch أو مجلساً Assembly على الغاية التي من أجلها، أُعطِيت له الثقة وسلطة السيادة Sovereign power وتمَّ تفويضه لحماية الشعب وسلامته، وبناء على ذلك فهو ملزم بواسطة قانون الطبيعة Law of nature ويحاسب عليها أمام الله صانع هذا القانون وأمامه وحده. ولكن السلامة هنا لا تعني المحافظة المحضة على الحياة، بل كل الوسائل الأخرى التي تكفل الحياة…".

وبعد هذا العرض المفصل، يمكن تلخيص آراء "هوبز" في العقد الاجتماعي في النقاط الآتية:

1)ـ إن الجماعة السياسية ليست ـ كما تصور أرسطو ـ ظاهرة طبيعية، وإنما هي نتيجة لعقدٍ تمَّ بين الأفراد، أي إنها وليدة تعاقدٍ اجتماعي، انتقل بمقتضاه الأفراد من الحياة الفطرية غير المنظَّمة إلى حياة اجتماعية منظَّمة. وبمعنى آخر، فإن الدولة ـ في رأي هوبز ـ هي ظاهرة إرادية، فقد ولد مجتمع الدولة كنتيجة مصطنعة لميثاق إرادي، وضع بهدف حماية أمن وسلامة الشعب.

2)ـ إن الإنسان ليس اجتماعياً كما زعم أرسطو، بل على العكس هو أناني محبٌّ لذاته لا يعمل إلا مدفوعاً بمصلحته الخاصة.

3)ـ لما كانت حالة الفطرة تقوم على الفوضى وسيطرة الأقوياء، اضطر الإنسان بدافع الخوف من غيره والحاجة إلى إشباع أغراضه الأنانية، وبغريزة حب البقاء، إلى الاتفاق مع غيره من أبناء جنسه، فتعاقدوا على أن يعيشوا معاً تحت إمرة واحدٍ ينزلون له عن كل حقوقهم الطبيعية ويكلون إليه أمورهم والسهر على مصالحهم وصيانة أرواحهم. وهذا النزول تمَّ من جانبٍ واحد. أي إن الأفراد قد اتفقوا فيما بينهم على اختيار ذلك الرئيس الأعلى من دون أن يشركوه في الاتفاق، بمعنى أنه لم يكن طرفاً في العقد، ومن دون أن يرتبط من ناحيته بشيء.

4)ـ ما دام الأفراد قد نزلوا لهذا الحاكم عن حقوقهم كاملة من دون أن يلزموه بشيء، يكون سلطانه عليهم مطلقاً لا حدود له، ومهما أتى من تصرفات، فلن يحق للأفراد أن يثوروا عليه أو أن يخالفوا أمره، وإلا عُدوا خارجين على الميثاق، ناكثين بالعهد الذي ارتبطوا به فيما بينهم. ولئن كان هوبز نفسه من أنصار الحكم الملكي المطلق، إلا أنه يبقى له في نظريته فضله في ردّ مصدر هذه السلطة المطلقة للحاكم إلى إرادة الشعب، فلم يعد الحاكم يستمد سلطته المطلقة من "الذات الإلهية" ولكن البشر هم الذين منحوه هذه السلطة التماساً للأمن والسلام، وفراراً من حالة الطبيعة بكل ما تحمله من قسوة ورعب وقلق وتوتر.

5)ـ إن الهدف الذي ابتغاه هوبز من وراء نظريته تلك، كان تأييد حكم آل ستيوارت في إنكلترا، ودحض ادعاءات البرلمان بزعامة أوليفر كرومويل. وكان ذلك طبيعياً منه، فقد كان ربيباً لهم وعاش في كنفهم إذ كان معلماً للأمير شارل (الذي أصبح الملك شارل الثاني Charles II فيما بعد سنة 1660).

2ـ دور نظرية العقد الاجتماعي لدى جون لوك:

اعتقد بعضهم أن أهم ما كتبه "جون لوك" في نظريته السياسية ـ وهو كتابه "رسالتان (أطروحتان) عن الحكومة"ـ كان موجَّهاً ضد هوبز، والواقع أن ما كتبه كان ضد المُنَظِّر السياسي الإنكليزي السير روبرت فيلمر Robert Filmer. فقد خصَّ لوك الرسالة الأولى من كتابه لعرض وتفنيد بعض "المبادئ الزائفة"، على حد تعبيره، التي أشاعها "فيلمر" الذي كتب كتاباً بعنوان " الحكم الأبوي" Patriarcha (نشر بعد وفاته عام 1680) دافع فيه عن الحق الإلهي لآل ستيوارت في الحكم بردِّه إلى آدم، إذ ذهب "فيلمر" إلى أن «الناس ليسوا أحراراً بالطبع Men are not naturally free"، أو على حد تعبيره "ما من إنسان يولد حراً لأن العناية الإلهية قد أخضعتنا لإرادة الحاكم المطلقة"، "فنحن جميعاً نولد عبيداً، ويجب أن نستمر كذلك! We are all born slaves! and we must continue so»، ومن ثم يستحيل أن يكون للعبيد حق التعاقد، «لقد كان آدم حاكماً فرداً مطلقاً، وتلك حال جميع الأمراء أو الملوك من بعده! Adam was an absolute monarch! and so are all princes ever since».

لقد بدأت الأبوَّة منذ "آدم" واستمرت أساساً للأمن والنظام في العالم من خلال شيوخ إسرائيل، "فلم يكن لآدم وحده بل للشيوخ اللاحقين أيضاً، السلطة الملكية على أولادهم باسم الأبوة".

وهذه السيادة على العالم كله التي كان ينعم بها آدم بأمرٍ من الله بات ينعم بها شيوخ إسرائيل بحق وراثي منحدر منه. وهي تشبه في أثرها ومداها السيادة المطلقة التي يتمتع بها أي ملك منذ بداية الخليقة، وهي السلطة على أرواح العباد، وعلى إعلان الحرب أو إقرار السلام. ولما كانت السلطة الملكية منبثقة من الشريعة الإلهية، وليس ثمة شريعة دنيا تحدّ منها، فقد كان آدم سيد الجميع".

وينتهي "فيلمر" كما انتهى كلُّ من أيَّد الحكم الثيوقراطي إلى أنه: "ينبغي أن يكون الملك في نظام الحكم الملكي فوق القوانين، فالمملكة الكاملة هي التي يحكم الملك كل شيء فيها بحسب إرادته المحضة!".

وباختصار شديد تسير حجة "فيلمر" الغريبة لاستعادة حكم الملوك المطلق على النحو التالي: "إنَّ الله خلق آدم وحده، وصنع المرأة من أحد أضلاعه، وهكذا تناسل الجنس البشري منهما. كما أنَّ الله خلع على آدم السلطة على المرأة وأولاده المنحدرين من صلبهما، كما أعطاه السلطة على الأرض لكي يسخرها بإرادته، وعلى المخلوقات التي تدبّ عليها حتى لا يتاح لأي امرئ أن يطالب بشيء ما، أو يتمتع بشيء ما، ما دام آدم حياً إلا على سبيل الهبة أو بإذن منه. وهكذا كان آدم ملكاً على العالم كله فلم يكن لأي عضو من سلالته حق امتلاك شيء إلا كمنحة منه أو بإذنه أو بالوراثة عنه"!.

غير أن جون لوك يناقش هذه الفكرة في صفحات طويلة تشكِّل الرسالة الأولى من كتابه ويجعلها بعنوان "في بعض المبادئ الفاسدة في الحكم"، وهو يرفضها لعدة اعتبارات منها:

1) ـ إن ما يقوله "فيلمر" من أن كل فرد يصبح، بحكم المولد، مسخراً بمحض ولادته لمن يلده… إلخ، فكرة بالغة الخطأ، وذلك لأن إنجاب الأب لأبنائه لا يجعلهم عبيداً له. ولقد ترتب على فكرة "فيلمر" أن الناس يولدون عبيداً، وما دام قد تم تفنيدها فإنه يلزم عن ذلك أن البشر جميعاً يولدون أحراراً!.

2) ـ إن من الخطأ القول بأن التسلط على الأولاد هو مصدر كل سلطة في الحكم، فهناك كثرة من الأحكام المتسلطة لا صلة لها بعلاقة الأب بأبنائه داخل الأسرة!.

3) ـ ومن ناحية فإن سلطة الأب على أبنائه تستمر ما داموا لم يبلغوا سن الرشد. أما في مرحلة النضج فإنهم يصبحون مسؤولين عن أنفسهم، ومعنى ذلك أن سلطة الأب ليست مطلقة وإنما هي مؤقتة ومحددة بفترة معينة هي التي يكون فيها الأبناء قصراً.

4) ـ العلاقة بين الملك ورعاياه ليست شبيهة بالعلاقة بين الأب وأبنائه. فالأولى علاقة سياسية في حين أن الثانية علاقة أخلاقية.

5) ـ إذا كانت السلطة المزعومة قد خلعت على آدم في الوصية الخامسة "أكرم أباك وأمك"، فمن الواضح أن هذه الوصية تعطي السلطة للمرأة أيضاً لأنها لم تتحدث عن الأب فقط بل عن الأم كذلك!.

6) ـ حتى إذا افترضنا أنه كان لآدم حق إلهي أعطاه إياه الله، فلا يعني ذلك أنه يورث بل ينتهي بموته، ذلك لأن الحق المنبثق عن وصية إلهية صريحة لا يتجدد إلا بتجدد هذه الوصية!.

7) ـ لو سلمنا جدلاً بمبدأ السلطة الملكية المطلقة المنحدرة عن آدم، فإن المشكلة السياسية الكبرى ستكون تعيين الوريث الشرعي لآدم، وصاحب الحق في هذه السلطة في دولة معينة، وفي فترة زمنية محددة، لمَّا كنا جميعاً ورثة لآدم بحكم كوننا من أولاده فلنا جميعاً حق متساوٍ في هذه السلطة المطلقة!.

كان هذا هو الجزء السلبي في فلسفة لوك السياسية الذي يشكل الرسالة الأولى، وهو يفيد في دحض محاولة إعادة الطاغية أو الملك المستبد باسم الحق الإلهي.

ويمكن القول إن نظرية لوك السياسية تسير في طريق مضاد تماماً لفكر " فيلمر"، وهي تلخص في عبارة واحدة: "جميع أشكال الحكم محدودة في سلطتها، وهي لا توجد إلا برضا المحكومين"، والأساس الذي يبني عليه لوك هذه القاعدة هو أن كل إنسان يولد حراً!.

والواقع أن "موضوع الحرية الإنسانية" كان الشغل الشاغل لجون لوك، فجميع مؤلفاته الأساسية التي تعرض فكره السياسي، تدور حول هذا الموضوع، فكتابه "رسالة في التسامح" عام 9861 كتبه دفاعاً عن الحرية الدينية، وكتابه "رسالتان في الحكومة المدنية" عام 0961 كتبه دفاعاً عن الحرية السياسية، و"بعض التأملات في نتائج انخفاض الفائدة ورفع قيمة النقود" كتبها دفاعاً عن الحرية الاقتصادية، فكل مؤلف من مؤلفاته هو دراسة لمبدأ من مبادئ الحرية البشرية.

ويبدأ "لوك" في رسالته الثانية "في الحكومة المدنية والمدى الأصلي الصحيح للحكم المدني" التي تعرض الجانب الإيجابي من فلسفته السياسية بعد أن فنَّد محاولة "فيلمر" بسؤال مهم حول مفهوم "السلطة السياسية Political power

ويجيب "أعني بالسلطة السياسية حق سن القوانين، وتطبيق عقوبة الإعدام وما دونها من العقوبات لتنظيم الملكية والمحافظة عليها، واستخدام قوة المجتمع في تنفيذ هذه القوانين، وفي الدفاع عن الدولة ضد أي خطر خارجي، وكل ذلك ليس إلا من أجل الصالح العام".

ثم بيَّن أنه لكي تُفهم السلطة السياسية على الوجه الصحيح، بعد الرجوع إلى نشأتها، يجب أن تُراعي الحال التي كان عليها الناس بالفعل (حالة الطبيعة أو الفطرة)، وهي: "حالة الحرية التامة State of perfect freedom" في تسيير دفة أعمالهم، والتصرف في ممتلكاتهم حسب ما يرونه موافقاً لهم ـ في نطاق قانون الطبيعة ـ من دون مطالبتهم بالتخلي عن شيء، أو الاعتماد على إرادة أي شخص آخر. وهي أيضاً "حالة المساواة State of equality" أمام السلطة وأمام القضاء، من دون أن ينعم أحد بأكثر مما ينعم به غيره، فمن الواضح أن المخلوقات المتساوية في المرتبة والنوع، والمتساوية في فرصها أمام الطبيعة، لا بد أن تتساوى فيما بينها، من دون خضوع أو انقياد أحدها للآخر، اللهم إلا إذا شاءت إرادة الخالق أن يعلو شأن أحدهم على الآخرين، بأن يخصه ـ دون غيره ـ بحق التمتع بالحياة، والسيادة، والسلطان.

وهكذا، فإن حالة الفطرة أو الحالة الطبيعية ـ عند لوك ـ تتميز بميزتين أساسيتين هما: الحرية والمساواة، فالناس في حالة الفطرة كانوا يعيشون في ظل الحرية والمساواة لا يحكمهم إلا القانون الفطري الذي يناسب تلك الحال وهو القانون الطبيعي، وحرية الإنسان الطبيعية في نظره يجب ألا تكون خاضعة لأية سلطة أعلى من الناس، لأنه في هذه الحالة يستمتع بحريته في ظل قانون الفطرة أو الطبيعة. وعلى ذلك فكل إنسان يولد حراً، ولا يمكن أن تقيد حريته أي سلطة يمكن أن توجد على الأرض إلا بعد موافقته. والمساواة في حالة الفطرة أو الحالة الطبيعية تعدّ في نظر "لوك" أهم صفة يمكن أن يتصف بها الإنسان، وقد ارتأى الحكيم "هوكر" Hooker أن هذه المساواة التي أوجدتها الطبيعة بين الناس شيءٌ واضحٌ في ذاته، شيءٌ لا يقبل الجدل. وهو ينظر إلى المساواة باعتبارها الأساس الذي يقوم عليه التزام الناس بتبادل الحب، وهو الأساس الذي تُبنى عليه واجبات الفرد نحو غيره من الأفراد، ومنه تُستنبط مبادئ العدالة والمحبة.

وهكذا يظهر، لأول مرة، الأساسان الجوهريان للديمقراطية: الحرية والمساواة في دراسة فلسفية متأنية تمت ترجمتها، عملياً، في "الإعلان الأمريكي للاستقلال" الذي صدر في أثناء ثورة المستعمرات الأمريكية في سبيل الحكم الذاتي، والحياة الوطنية، وعبر أصدق تعبير عن روح العصر الجديدة، وجاء متفقاً مع ما طالب به جون لوك.

لقد راح لوك يغوص بحثاً عن الأساس الذي تعتمد عليه هذه الأفكار البالغة الأهمية: حق الحياة، حق الملكية، حق الحرية، المساواة… إلخ، فكان ما أسماه بحالة الطبيعة State of Nature (والتسمية لهوبز وإن كانت الفكرة مختلفة) فهي الحالة التي كان فيها الإنسان حراً، لكنها مع ذلك لم تكن حالة من الإباحية، إذ إن لها حدوداً لا يمكن للمرء أن يتخطاها، فهو لا يملك حرية قتل نفسه، وكذلك ما يمتلكه، اللهم إذا كانت المصلحة تقتضي ذلك. وذلك لأن حالة الطبيعة يحكمها قانون الطبيعة الملزم للجميع The state of Nature has a law which obliges every one،  فلا ينبغي أن تُفهم حرية البشر على أنها تعني أن الناس لا يضبط سلوكهم أي قانون، إذ في جميع حالات الكائنات المخلوقة التي لديها القدرة على الأخذ بالقانون، تنعدم الحرية إذا انعدمت القوانين، فحرية الإنسان الطبيعية هي: ألا يكون هناك سوى قانون الطبيعة قاعدة له. يقول لوك: "إن الحرية الطبيعية للفرد تعني عدم خضوعه لأية قوة على وجه الأرض أو الوقوع تحت سيطرة السلطة القانونية أو السماح لأي مخلوق بفرض إرادته عليه، إلا قانون الطبيعة وما يمليه من أحكام".

وهذا عكس ما فهمه أفلاطون وأرسطو من الحرية في النظام الديمقراطي التي تعني ـ في رأيهما ـ الميل مع الهوى!  لوك يرى أنه "حتى في حالة الطبيعة فإن العقل هو هذا القانون الطبيعي الذي يُعلم جميع البشر إذا استشاروه، أنهم جميعاً متساوون مستقلون، وليس لأحد أن يسيئ إلى أخيه في حياته، أو صحته، أو حريته، أو ممتلكاته. فالناس جميعاً عاملون في هذا الكون الذي صنعه الخالق، وأتى بهم إلى خضمِّه لأنه شاء ذلك، أتى بهم لكي يعملوا من أجله، فهو مالكهم الذي يوجههم كيفما يشاء، ورائدهم فيما يفعلون ابتغاء مرضاته. ومن أجل هذا يجتمعون، ويتقاسمون ما تمنحه لهم الطبيعة. لذا تختفي مظاهر التبعية، التي تدفع بعضهم إلى الرغبة في السيطرة على الآخرين، والإضرار بهم، ولا يبقى في القلوب سوى حب الخير. وكما يتوخى المرء المحافظة على كيانه، ما دام لا يخشى المنافسة، فإنه لا بد أن يستهدف  المحافظة على كيان الآخرين، وعلى حياتهم، وحريتهم، وصحتهم، ومصالحهم الخاصة".

"ويجب أن يمتنع الناس عن التعدي على حقوق الآخرين، والإضرار بهم، وعليهم أن يراعوا قانون الطبيعة الذي يهدف إلى السلام، ويحافظ على الجنس البشري".

ولا يجعل "لوك" من حالة الطبيعة حالة حرب "كل إنسان ضد كل إنسان" كما فعل هوبز (على الرغم من تأثره الشديد بفكرته عن العقل والمساواة والحرية في حالة الطبيعة)، فهو لا يساوي بين حالة الطبيعة وحالة الحرب، فيقول بدلاً من ذلك: "إن الاختلاف الواضح بين "حالة الطبيعة" و"حالة الحرب" اللتين خلط بينهما، مع ذلك، بعض الناس (يقصد توماس هوبز في كتابه التنين)، اختلاف بعيد للغاية، مثل الاختلاف بين حالة السلام، والإرادة الخيِّرة، والمساعدة المتبادلة، وحفظ النوع، وبين حالة العداوة، والحِقد، والعنف، والتحطيم المتبادل، فهما متباعدتان كل البعد عن بعضهما البعض".

إنَّ أوَّلَ انطباع عن عرض لوك لحالة الطبيعة هو أن الناس كانوا يعيشون معاً في سلام وود، في العصور الأولى للبشرية، قبل ظهور المجتمع المدني، ويستمتعون بالحرية الطبيعية، وبالمساواة في جو من السلام والإرادة الخيِّرة تحت قانون خيِّرٍ هو "قانون الطبيعة".

ولكن ماذا عساها أن تكون حالة الطبيعة؟ يجيب لوك عن هذا السؤال بقوله: "إنَّ حالة الناس الذين يعيشون معاً وفقاً للعقل، دون رئيس عام على الأرض ذي سلطة للحكم بينهم هي، بصورة ملائمة، حالة الطبيعة".

إن حالة الطبيعة أكثر شمولاً من وصف لحالة الإنسان التي تسبق ظهور المجتمع المدني. إنها صورة معينة من العلاقة البشرية؛ لأن وجودها، عندما توجد، يكون من دون إشارة إلى درجة الخبرة السياسية للناس فيها، وقد توجد في أي وقت في تاريخ البشرية، بما في ذلك الوقت الحاضر: "فحيثما يكون هناك عدد من الناس، ومع ذلك يرتبط بعضهم ببعض، وليست لديهم سلطة حاسمة يلجؤون إليها، فإنهم لا يزالون في حالة الطبيعة".

ولما كان استخدام القوة من دون وجه حق يعني حالة الحرب، فإن نقيضها، أي حالة السلم، تعرَّف بأنها حالة الناس الذين يعيشون معاً حيث لا يكون هناك استخدام للقوة من دون حق (أو الشيء نفسه، حيث لا تُستخدم القوة إلا مع الحق).

ومن ثم يمكن تحديد المعنى الذي تختلف فيه حالة الطبيعة عن حالة الحرب:

تتسم حالة الطبيعة بغياب حاكم عام، وبغياب أي قانون سوى قانون الطبيعة.

في حين أن المجتمع المدني، وهو نقيض حالة الطبيعة، يتسم بوجود حاكم عام ذي سلطة لغرض القانون المدني.

توجد حالة الحرب إذا استخدمت القوة من دون وجه حق، سواء في حالة الطبيعة أو في المجتمع المدني. أو توجد حالة السلام، نقيض حالة الحرب، إذا لم يوجد استخدام للقوة من دون حق.

وهذا يعني أن حالة السلام قد تسود أحياناً، وقد تسود حالة الحرب أحياناً أخرى في حالة الطبيعة، وفي المجتمع المدني أيضاً.

وفيما يخص الحقوق الطبيعية التي يتمتع بها الإنسان في ظل قانون الطبيعة، يقول لوك: "إذا أمعنا النظر في المنطق الطبيعي عرفنا أن لكل من يولد الحق في حفظ نوعه معتمداً على الطعام والشراب، وغير ذلك مما يعد استجابة طبيعية لحاجاتنا. وإذا استمعنا إلى صوت الوحي عرفنا النعم التي وهبها الله لآدم ونوح وأبنائه في الأرض، كما يقول الملك داوود في المزمور 115: "إن الله وهب الأرض لأبناء الرجال"، أي للناس أجمعين".

ويبين لوك كيف يمكن أن تتأتى الملكية للأفراد في تلك المجالات التي وهبها الله لجميع البشر من دون فرض أي التزام بينهم فيقول: "إن الله الذي جعل العالم مشاعاً لجميع الناس، قد أعطاهم العقل أيضاً ليستخدموه فيما يمكن أن يعود عليهم بالفائدة. فالأرض وما عليها قد أوجدها الله لينعم الناس بخيراتها، ويجدوا فيها راحة لهم. وعلى ذلك فإن ما تنتجه من زرع وحرث ونسل إنما يخص البشر أجمعين ما دامت الطبيعة هي التي وهبتها لهم. وليس لأي إنسان ـ أصلاً ـ أي نوع من السيادة على هذه الأشياء،لأنها من نتاج الطبيعة، ولمصلحة البشر، ونفعها يعمّ الجميع، من دون أن تكون وقفاً على فرد بعينه. فالفواكه والثمار التي تنمو في غابات الهند لن يمكنك أن تحدد صاحبها الفعلي، فما زال حق الاستحواذ عليها مشاعاً بين الجميع، ولا يمكن لأحد أن يدعي امتلاكه لها، أو حقه فيها دون غيره".

"إذن، فالأرض وما عليها من مخلوقات تصبح حقاً مشاعاً لجميع الناس، أي إن لكل فرد نصيبه، وهذا الحق خاص به وحده ومتصل بذاته، وهو يتمثل في الوظيفة التي يؤديها جسده، والعمل الذي تنجزه يداه. وإذن فهو يمزج ما وهبته إياه الطبيعة بجزء من ذاته مكوناً بذلك ملكيته الخاصة. وهو يستبعد من ذلك حالة الشيوع الطبيعية، أي يحرم الآخرين من الحق المشاع الذي منحته لهم الطبيعة في كل شيء، مما يجعل الآخرين يحذون حذوه، ويكوِّنون لأنفسهم ملكية خاصة".

"والذي يعتمد في غذائه على ما يلتقطه من الثمار، أو ما يجمعه من التفاح من فوق الأشجار في الغابة، إنما يعتبر ذلك من حقه. ولا أحد ينكر حقه في هذا الغذاء، فهذا الفعل يضع حائلاً بينها وبين الشيوع، ويضيف شيئاً أكثر من الطبيعة التي هي أصل كل شيء، وطالما أن الفعل قد تم فقد أصبحت الثمرة من حقه. ولكن ألا يمكن أن ينكر عليه أي شخص استحواذه عليها إذا لم ينل موافقة جميع الناس على ذلك؟! أَوَلا تعتبر هذه سرقة لشيء يخصّ الجميع عامة؟ ولكن إذا كان لا بد من الحصول على مثل هذه الموافقة، فسوف يتضوَّر المرء جوعاً على الرغم من الخيرات التي هيَّأها الله له".

وبمقتضى قانون العقل يصبح الظبي الذي يقتله الهندي من حقه، ويسمح له بالاستمرار في هذا النشاط، مع أنه كان حقاً مشاعاً قبل أن يقتله. كما أن الأرنب الذي يصطاده أي شخص يصبح ملكاً له لأنه كان يقتفي أثره أثناء المطاردة. وتنضوي تحت هذا جميع الحيوانات فتبدأ ملكية الفرد لها في اللحظة التي يصطادها فيها أو يتتبَّعها، وعندئذ تسقط عنها صفة الشيوع.

"ولكن الملكية لم تعد مسألة امتلاك لثمرات الأرض والحيوانات التي تعيش عليها، بل امتلاك الأرض نفسها التي هي مصدر كل شيء. وإني أعتقد أن الملكية هكذا تصبح واضحة أيضاً بالأسلوب السابق نفسه، أي ما دام أن الفرد يفلح الأرض ويزرعها ويستفيد من حاصلاتها فإنها تصبح بذلك ملكاً له. فهو بعمله هذا قد استخلصها من حالة الشيوع، لأنه إذا كان للغير نصيب مساو له فيها فلن يتمكن من استخلاصها لنفسه أو امتلاكها من دون موافقة هؤلاء الذين يشاركونه ذلك الحق المشاع، أي البشر جميعاً. فالله عندما أعطى الأرض للناس قد حضَّهم على العمل حتى لا يقعوا في براثن الفقر، وذلك بأن يفلحوا الأرض ليأكلوا من طيباتها، وهذا يقوي صلتهم بها. فاستجابة الفرد لهذا الأمر الصادر من الله وزراعة  أي جزء من الأرض إنما يعني ملكيته لهذا الجزء ومن ثم لا يرضى بالتنازل عنه لغيره".

"ولم يعد امتلاك أي جزء من الأرض عن طريق إصلاحها يعتبر تحيزاً أو شيئاً يمس حقوق الآخرين، ما دامت هناك أجزاء أخرى كبيرة وصالحة، بل تزيد على الحاجة. وبذلك لن يؤثر هذا الجزء الذي اختصَّ به في ما تبقى للآخرين. ذلك لأن حصول شخص على شيء ما لا يمكن تصوره على أنه إضرار بشخص آخر، فالشخص الأول لم يأخذ سوى قطرات من نهر تجري فيه المياه نفسها ليروي منها عطشه، وهذا ينطبق تماماً على حالة الأرض والماء المتوفّر وجودهما".

"والله عندما وهب الأرض للبشر إنما فعل ذلك من أجل خيرهم ورفاهيتهم وحياتهم، فلا يمكن أن يرفضوها، وهو لا يعني أن تظل دائماً مشاعة وغير مزروعة، بل أن يعمل فيها الكادحون والصناع، لا أن تكون سبباً في إثارة المتاعب والمنازعات. وعليه لا يحق للذي يتمتع بتلك الخيرات أن يجأر بالشكوى، أو أن يحاول سرقة مجهود غيره، فإنه بذلك سيبني سعادته على حساب آلام الآخرين، فيشوّه بذلك قيمة تلك الهبات التي أشاعها الله بين الناس".

"ولذلك فإن تذليل الأرض أو زراعتها، مرتبط بالسيادة عليها، وكل منهما يعتبر عنواناً على الآخر، وعليه فإن أمر الله بإخضاع الأرض يتضمن إتاحة حق الامتلاك، وظروف الحياة البشرية التي تتطلب المجهودات والآلات لا بد أن تنتج المِلكيات الخاصة".

وقد حددت الطبيعة مقياس الملكية على أساس مدى ما يبذله الفرد من مجهود، وما تتطلبه الحياة من راحة. ولا يمكن أن يستغل الإنسان مجهوده في إخضاع أو إتلاف كل شيء، كما أن متعته الخاصة لن تستهلك سوى جزء ضئيل، وعلى ذلك يستحيل على أي امرئ أن يعتدي على حق غيره أو يستبيح لنفسه امتلاك شيء متحدياً جاره الذي ما زال له الحق في هذا الذي امتلكه الآخر. هذا الإجراء قد حدد ملكيات الأفراد بنسب معتدلة، بحيث لا يؤذي إنسان إنساناً آخر.

ويترتب على هذا الأصل للملكية الخاصة أن الحق سابق حتى على المجتمع البدائي، إنه حق يأتي به الفرد في شخصه هو إلى المجتمع، ومن ثم فالمجتمع لا يخلق الحق، وإنما ينظمه داخل حدود معينة!. لكن ينبغي ألا يَستنتج من ذلك أن الملكية هي الحق الطبيعي الوحيد، إذ الواقع أن كتابات لوك تدل على أن الحقوق الطبيعية من وجهة نظره كثيرة، منها الحياة، والحرية، والملكية…إلخ. وأهم ما يميزها أنها خصائص للفرد تولد معه، ومن ثم فهي حقوق قِبَل كل من المجتمع والحكومة ولا يمكن نقضها، أو التنازل عنها!، بل إن المجتمع نفسه وجد لحمايتها! ولا يمكن فرض قيود على حقوق الإنسان في الحياة، والحرية، والملكية إلا بهدف حماية حقوق الآخرين الذين يتمتعون بهذه الحقوق!، ومن ثم فإن "العقد الاجتماعي" ينظّم العلاقة بين المحكومين والسلطة الحاكمة بهدف المحافظة على هذه الحقوق الطبيعية للإنسان ويؤدي إلى التزامات متبادلة قبل كل منهما: فالسلطة الحاكمة تلتزم قبل الأفراد بتنظيم حياة الجماعة، وإقامة العدل، وعدم المساس بحقوقهم التي لم يتنازلوا عنها عند دخولهم طرفاً في العقد، وبذلك تكون السلطة الحاكمة مقيدة، وسلطاتها غير مطلقة.

وعن حاجة الإنسان إلى الاجتماع وميله إلى الانخراط في مجتمع سياسي أو مدني، يقول لوك: "إن الفرد يولد حراً متمتعاً بجميع حقوق القوانين الطبيعية وامتيازاتها متساوياً في ذلك مع غيره من الأفراد في أنحاء العالم، ولديه من القوة ما يكفل له المحافظة على ممتلكاته ـ حياته وحريته ومصيره ـ ضد من تسوِّل له نفسه الاعتداء عليها. ليس هذا فحسب، بل إنه يتولى أيضاً تنفيذ أحكام هذا القانون، بتوقيع العقوبة التي يستحقها المذنبون. وربما تصل العقوبة إلى حد الموت في الجرائم التي يعتقد أن هذا هو عقابها.

وحيث إن لا يمكن أن يقوم أي مجتمع سياسي Political society إلا إذا كانت لديه القوة على المحافظة على المِلكيات ومعاقبة المعتدين عليها، فهذا وحده هو دعامة المجتمع السياسي، إذ يتنازل كل عضو فيه عن حقوقه الطبيعية ليضعها بين يدي الجماعة، فتتولى هي حمايتها عن طريق القانون الذي تصوغه شاملاً ووافياً لحاجة الجميع، فتعين الجماعة أفراداً يتولون مهام السلطة وتنفيذ القانون، فيفصلون في الخلافات التي تنشب بين أفراد هذا المجتمع، سواء أكانت مطالبة بحق أم توقيعاً لعقوبة، مهتدين في ذلك بالقوانين الموضوعة، وعلى ذلك فالأفراد الذين تجمعهم هيئة واحدة ويخضعون لقانون وسلطة شرعية عامة تفضّ المنازعات بينهم وتعاقب المجرمين، هؤلاء الأفراد يُكوِّنون مجتمعاً مدنياً فيما بينهم، أما هؤلاء الذين لا يجتمعون على شيء ثابت فهم مَنْ يعيشون في حالة الطبيعة حيث يباشر الرجل جميع السلطات التشريعية والتنفيذية بنفسه".

"وعلى ذلك فإذا اجتمعت مجموعة من الأفراد من دون أن تكون هناك سلطة عليا يلجؤون إليها في مشاكلهم، فإن مجتمعهم يفقد بذلك دعامته الأساسية، ويظلون على حالتهم الأولى في الطبيعة".

ويرى "لوك" أن الحكم المَلَكي المطلق Absolute monarchy يتعارض مع طبيعة المجتمع المدني المنشود.

كما يرى أن نشأة الكيان أو المجتمع السياسي كانت نشأة رضائية.

ويطرح "لوك" سؤالاً مهماً بخصوص تحديد العلاقة بين الفرد والدولة، إذ يقول: "إذا كان الإنسان في حالة الطبيعة بكامل حريته، كما سبق القول، وإذا كان حر التصرف في شخصه وفي ممتلكاته، متساوياً مع الجميع دونما تبعية أو خضوع، فما الذي يدعوه إلى التخلي عن هذه الحرية ووضع نفسه تحت سيطرة قوة أخرى؟".

وبعبارة أخرى، لماذا يتنازل الأفراد عن حقوقهم؟ لماذا يتنازل الفرد عن الحقوق التي كان يتمتع بها في حالته الطبيعية مع أنه كان عندئذ سيداً مطلقاً على نفسه وعلى ملكه؟

يجيب لوك عن هذا السؤال بقوله: "على الرغم من امتلاك الفرد لمثل هذا الحق في حالة الفطرة إلا أن استمتاعه به غير مؤكَّد، كما أنه معرَّض للاعتداءات من جانب الآخرين. فما دام الجميع مُلاكاً في حدود ملكياتهم، وما دامت المساواة سائدة من دون وجود من يراقب تنفيذها أو يساند العدالة، فإن استمتاع المرء بممتلكاته سيكون غير مأمون في هذه الحالة، ولن يتم بسهولة. وهذا هو ما يدفعه إلى التخلي عن هذا الوضع الذي مهما تكن الحرية التي يكفلها، إلا أن الأخطار والمخاوف تحفّ به باستمرار، كما أن لديه أيضاً ما يحفّزه إلى الاشتراك في مجتمع مع آخرين قد اتحد شملهم من قبل، أو لديهم الاستعداد للاتحاد من أجل المحافظة على أرواحهم وحرياتهم وإبقاءً لكيانهم".

"وعندئذ يكون الهدف الأساسي لاندماج الإنسان في الحكومات والخضوع لها، هو الإبقاء على ممتلكاته، الأمر الذي يكلفه الكثير في الحال الفطرية. فهم يحتاجون أولاً إلى سن قانون ثابت يوافق عليه الجميع ويقبلونه معياراً يفرق بين الخطأ والصواب، ويفصل فيما يقوم بينهم من خلاف. ذلك أنه على الرغم من أن قانون الطبيعة واضح ومعروف لجميع المخلوقات، إلا أن الناس يطبقونه بما يتلاءم مع مصالحهم، من دون النظر إليه كقانون تلزمهم نصوصه على الاتجاه السليم في قضاياهم الخاصة.

وثانياً فإن حالة الطبيعة تتطلب وجود قاض معروف له سلطة التصرف في جميع الخلافات مهتدياً بالقانون الأساسي. لأن الفرد بوقوفه موقف القاضي، المنفّذ للأحكام، يجعل المجال متسعاً أمام نوازع الهوى أو الانتقام، فيحمل الناس على الشطط في قضاياهم الخاصة وعدم الاعتناء بإقرار العدل والإنصاف للآخرين. أما ثالث الأمور فهو الحاجة إلى وجود القوة التي تسند الحق وتؤيده، وتعيد إليه ما سُلِب منه. فمن النادر أن يخفق من يعتدي على الآخرين عنوة واقتداراً، ما دامت لديه القوة ليجعل فعلته سليمة مشروعة، وربما لا تسلم محاولة المعارضة أو المقاومة من الخطر، بل هذا ما يحدث غالباً في واقع الأمر".

"وهكذا نرى أن تلك الأجناس البشرية التي ما تزال تعيش في حالة الطبيعة تجد نفسها مدفوعة إلى الانخراط في المجتمع؛ لأن الصعاب التي تنشأ من جراء سوء استخدام سلطة كل فرد في إنزال العقاب بغيره من المعتدين، تدفع بهم إلى الالتجاء إلى قوانين الحكومة في سبيل المحافظة على ملكيتهم. وهذا أيضاً ما يحدو كل فرد إلى التنازل عن حقه في توقيع العقاب بنفسه، ليصبح حقاً مشتركاً بين الجميع عن طريق الحكام الذين يختارونهم أو هيئة معينة يسندون إليها تحقيق هذا الغرض. وهكذا نضع أيدينا على المنبع الحقيقي لظهور كل من السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية أي: المجتمعات والحكومات".

"ففي حالة الطبيعة (لكي تلغى حرية المرء في المتع البريئة الساذجة) ستجد لديه سلطتين: أولاهما أن يفعل ما يراه كفيلاً بالمحافظة على ذاته وعلى الآخرين في حدود قانون الطبيعة الذي يقره الجميع. أما السلطة الثانية فهي الحق في معاقبة الجرائم التي ترتكب ضد هذا القانون.

ويتخلى الفرد عن كل من هاتين السلطتين بمجرد اندماجه في مجتمع سياسي خاص، وبمجرد العمل في ظل حكومة منفصلة قائمة بذاتها. فالسلطة الأولى في إتيان ما يراه كفيلاً بالإبقاء على ذاته والمحافظة على الآخرين، يتركها حتى تنظمها القوانين التي يضعها المجتمع، بحيث يتسع نطاقها لأبعد من هذا الغرض، وبما يحقق أهداف المجتمع، بما في ذلك تأكيد حرية الفرد التي كانت له في كثير من الأشياء. أما بخصوص السلطة الثانية في توقيع العقاب، فقد تخلى عنها نهائياً، بل وضع قدراته الطبيعية (التي كان يستخدمها في تنفيذ قانون الطبيعة حين كان يقوم بهذه المهمة بنفسه بالكيفية التي يراها) في خدمة السلطة التنفيذية للمجتمع بما يتفق وحاجة القانون. فانتقاله إلى حالة جديدة يتيح له التمتع بالكثير من الامتيازات، فيكون له نصيب في عمل الآخرين ومعاونتهم في الجماعة نفسها، إضافة إلى حمايته من بطشها، كما أن له مطلق الحرية في أن ينال نصيبه من كل ما يضمن الاستقرار والخير والسعادة لهذا المجتمع الذي يعد أمراً حيوياً يسعى له بقية أفراد المجتمع أيضاً".

"ولكن مع أن الفرد يتنازل عند دخوله في المجتمع، عن المساواة والحرية والسلطة التنفيذية التي كان يتمتع بها في حالة الطبيعة (حتى يمكن توجيهها بما يتفق ومصلحة المجتمع)، ولما كان هدف كل شخص أن يحافظ على نفسه وعلى حريته وعلى أملاكه (لأنه ليس هناك شخص عاقل يميل إلى تغيير حالته إلى حالة أسوأ) فإن سلطة المجتمع، أو الهيئة التشريعية التي تتألف منها، لا يمكن أن تتعدى حدود سلطتها إلى أبعد من تحقيق المصلحة العامة، غير أنها ملزمة بكفالة الملكية الفردية، وذلك بأن توفر الأسباب التي لا تسمح بوقوع العيوب الثلاثة التي ذكرناها فيما سبق، والتي تجعل الطبيعة قلقة غير آمنة".

"وهكذا، مهما يكن الشخص الذي يتمتع بالسلطة التشريعية أو السلطة العليا في أية جمهورية، فهو ملزم بأن يحكم وفقاً للقوانين القائمة والمتعارف عليها، والتي نشرت ويعرفها الناس حق المعرفة، لا أن يحكم وفقاً لمراسيم مؤقتة، وذلك عن طريق قضاة عادلين منزَّهين عن الغرض، يفصلون في المنازعات وفقاً لتلك القوانين، وعليه ألا يستخدم قوة المجتمع في الداخل إلا في تنفيذ مثل هذه القوانين، وعليه أن يستخدمها في الخارج ليمنع أو ليعالج الأضرار التي تصدر عن جهة أجنبية، وأن يكفل سلامة المجتمع من الإغارة عليه أو غزوه. ويجب أن توجه جميع هذه الأعمال لتحقيق غاية واحدة ألا وهي: استقرار السلام والأمن وتحقيق الخير العام للشعب".

ويرى لوك أن السلطة السياسية قامت على أساس التعاقد المبني على التراضي بين طرفي العقد، فلا يستطيع أحد أن ينتزع السلطة ليحكم رغماً عن إرادة المحكومين، وإلا أصبح مغتصباً، "فالاغتصاب Usurpation ليس إلا الاستيلاء على ما هو من حق امرئ آخر". وإذا كان الاغتصاب ممارسة فرد لسلطة هي من حق شخص آخر كان طغياناً. فالطغيان Tyranny هو ممارسة السلطة التي لا تستند إلى أي حق والتي يستحيل أن تكون حقاً لشخص ما بحيث يجعل الحاكم ـ أيا ما كان اسمه ـ إرادته قاعدة للسلوك عوضاً عن القانون".

أما الحكَّام الذين ليسوا طغاة فإنهم يتقيدون عن رضا بالقيود التي تفرضها عليهم قوانين بلادهم. وباختصار "يبدأ الطغيان عندما تنتهي سلطة القانون Wherever law endstyranny begins".

ويتضح من العرض السابق عن نشأة وغايات المجتمع السياسي والحكومة، أن "السلطة السياسية" عند لوك مصدرها الرضا الشعبي (رضا الأفراد بها)، وأنها نشأت مرتبطةً بهدف صون الحقوق الطبيعية للأفراد وحمايتها، وأنها إذا أخلَّت بالتزامها وجاوزت هدفها كانت الثورة عليها شرعيَّة.

أي إن "لوك" يعترف للمحكومين بحق الثورة على الدولة التي تتنكر لرسالتها، فهو على عكس هوبز، يؤكد بوضوح أن وجود "الحقوق الفردية الطبيعية" يضع حدوداً للسلطة السياسية، لأن هذه الحقوق سابقة بوجودها وجود الدولة، وهي أسمى منها، فالعقد، كما يتصوره هوبز، هو التزام المحكومين بإطاعة الحاكم، فهو "عقد خضوع"، أما العقد، الذي تكلم عنه لوك، فيحدد حقوق الحاكم والمحكومين وواجباتهم.

وكما هو واضح، فإن "لوك" قد سعى في فلسفته إلى أن يجعل من السلطة الحاكمة حامياً لحريات الأفراد وحقوقهم، فلا تظل هذه السلطة شرعية إلا بقدر حرصها على صون وحماية تلك الحريات والحقوق.

من هنا فإن فلسفة "لوك" كانت ولا تزال تشكِّل السند العقلي الفلسفي للنظم الليبرالية (الحرة) حتى المعاصرة منها، بمعنى أنها انتهت إلى سلطة "الدولة" التي تقف عند مجرد حماية الحقوق الطبيعية للإنسان ولا تتجاوز ذلك إلى أي نشاط آخر، تلك الدولة التي سميت في القرن التاسع عشر في الغرب "الدولة الحارسة".

وبعد هذا العرض المطوَّل لأفكار جون لوك، يجدر التساؤل: ما الذي قدَّمه لوك؟ وما الفرق بين طرحه وطرح هوبز؟ وما الأثر الذي خلفته فلسفة لوك؟

إن الإجابة عن التساؤلات السابقة يمكن حصرها في النقاط الرئيسية الآتية:

1)ـ كانت نظرته إلى حالة الفطرة أو الحالة الطبيعية أكثر تفاؤلاً ، فإن شريعة الغاب هي التي سادت هذه الحالة عند "هوبز"، لكنه يبدأ ـ متفقاً مع "هوبز" ـ من هذه الحالة، ويتفق معه أيضاً على أن قانون الطبيعة ليس كافياً.

2) ـ يشيِّد "لوك" نظريته على أسس من الحرية الشخصية والمُلكية الفردية. أما أفكار "هوبز" عن الملكية الفردية واقتناء الأموال فقد أوكلها للحاكم، والدولة هي المالكة لجميع الأموال بعد أن تنازل الأفراد للحاكم الذي اختاروه عن جميع حقوقهم، ومن ثم لا تكون لهم على الأموال حقوق وإنما مجرد امتيازات يقرِّرها الحاكم ويسحبها كما يشاء.

3) ـ فكرة العقد عنده، التي تنهي حالة الطبيعة، تؤدي إلى خلق جماعة أو هيئة تمسك بزمام الأمور وهي الحكومة، ولا بد لها من ثقة الشعب، وهذه الثقة هي نوع من التعاقد والتعاهد وإن لم يُشِرْ إلى ذلك صراحة في كتاباته السياسية.

4) ـ لا يَفترض "لوك" فساد الطبيعة البشرية مثل "هوبز"، إذ رأى أن حالة الفطرة أو الطبيعة، ليست كما صوَّرها هوبز، حالة من الفوضى التي لا ينظمها أي قانون، وإنما هي حال خيِّرة صالحة يتمتع فيها الأفراد بحريتهم وبالمساواة وينظمها قانون أسمى من جميع القوانين المدنية والسياسية وهو قانون الطبيعة.

5) ـ العقد عند "لوك" موقوت بمحافظة المتعاقدين على التزاماتهم، في حين أن العقد عند هوبز، يلزم الفرد بالعضوية الدائمة غير القابلة للفسخ، أي إنه عقد دائم ومطلق.

6) ـ إن السلطة التي أقامها العقد الاجتماعي عند لوك، هي سلطة شرعية أساسها الرضا، فالرضا وحده هو الذي ينشئ الجماعة السياسية، كما أن هذه السلطة التي أقامها العقد لتعلو فوق الأفراد ـ سواء كانت سلطة الدولة أو الملك أو الأمير ـ ليست سلطة استبدادية، وليست سلطة مطلقة، إنها طرف في هذا التعاقد، ولهذا فهي سلطة مقيدة بوظيفة محدَّدة لا تتجاوزها. وعلى ذلك فالعقد الاجتماعي عند لوك له طرفان، الطرف الأول هو أفراد الشعب، والثاني هو السلطة الحاكمة أو الملك، في حين ذهب "هوبز" إلى أن الحاكم ليس طرفاً في العقد، ومن ثم فهو غير ملزَم بأيّ قيدٍ أو التزامٍ قِبَلَ الشعب.

7) ـ إن المسوغ الوحيد لوجود الحكومة هو حماية الملكية الفردية، ويدخل الجسد في الملكية، فقيام الحكومة شر، لكنه أهون شراً من تعرض الجسد وسائر الممتلكات المادية للنهب والتخريب، ليس قيام حكومة في الناس هو الخير الأسمى، وإنما الخير الأسمى هو الحالة الطبيعية التي تخلو من الحكومة، إذا خلت كذلك من احتمال اعتداء الأفراد بعضهم على بعض. وعلى ذلك فلا يدخل الإنسان عضواً في المجتمع الخاضع للدولة بسبب كونه اجتماعياً بالطبع والضرورة، بحيث لا يكون له مناص من حياة اجتماعية تمكنه من التعبير عن نفسه تعبيراً سياسياً وخلقياً ودينياً، بل يدخل عضواً باختياره ليصون حقوقه، فإن لم يجد تلك الحقوق مصونة كان له أن يخرج عن الجماعة ويثور عليها.

8) ـ يرى "لوك" أن تنازل المواطنين عن حقوقهم ليس تنازلاً مطلقاً كما ذهب "هوبز"، لكنه تنازل عن القدر الذي يضمن قيام السلطة العليا بواجباتها.

9) ـ تهدف نظرية "لوك" إلى تقييد سلطان الحكَّام والملوك وإقامة الحكم الديمقراطي الحر، في حين أن نظرية "هوبز" تؤيد السلطان المطلق للحكام.

10) ـ السلطة عند "لوك" تبحث عن القانون، إذ القانون الطبيعي موجود أصلاً ولم تشترك الحكومة في صنعه، وعليه فإن القانون يسبق وجود الحكومة عند "لوك" في حين هو عند "هوبز" نتيجة لها.

11) ـ الإنسان في نظر "لوك" أخلاقي بطبعه، ومرتبط بقرينه الإنسان، وكل فرد باعتباره وحدة متميزة من الجنس البشري مساوٍ أخلاقياً لغيره من الأفراد، وهو عند "هوبز" فاسد بطبعه، وذئب للإنسان.

12) ـ احتفظ للفرد بحريته وحقه في المعارضة حتى مع وجود السلطتين الشريعية والتنفيذية، إذ تفقد السلطتان التشريعية والتنفيذية السلطة الموكلة إليهما من الفرد إذا قامتا بعمل مخالف لهذه الدولة في المحافظة على حياة المواطن وأملاكه.

13) ـ إن فلسفة "لوك" كانت ولا تزال تشكِّل السند العقلي الفلسفي للنظم الليبرالية حتى المعاصرة منها، ومن هنا فقد عد "لوك" مؤسِّس الليبرالية السياسية، وكان له التأثير الكبير في فلاسفة القرن الثامن عشر، خاصة روسو ومونتسكيو، إذ يرى علماء السياسة أن وثيقة إعلان استقلال أمريكا الصادر في الرابع من يوليو/تموز سنة 1776 تضمنت الكثير من آرائه، كما أن الفيلسوف جان جاك روسو قد استلهم بعض آرائه في العقد الاجتماعي.       ويشار أيضاً إلى أن وثيقة إعلان حقوق الإنسان والمواطن الفرنسي لعام 1789 (التي أقرتها الجمعية الوطنية في 26 أغسطس/آب 1789، ثم أصبحت جزءاً من الدستور الصادر في سبتمبر/أيلول 1791)، وقانون الحقوق الأمريكي لعام 1791 (التعديلات العشرة الأولى التي أدخلت على دستور الولايات المتحدة الأمريكية)، استُلهما من أفكاره.

3ـ دور نظرية العقد الاجتماعي لدى جان جاك روسو:

على الرغم من أن فكرة العقد الاجتماعي لها جذور تاريخية موغلة في القدم، إلا أنها ارتبطت بالفيلسوف الفرنسي ذائع الصيت "جان جاك روسو" JeanـJacques Rousseau (1712ـ 1778)، ويرجع ارتباطها بالفيلسوف "روسو" إلى أنه خيرُ مَن عرَضها وعبَّر عن آرائه وآراء مَن سبقوه بأسلوبٍ ثوري رائعٍ في كتابه الشهير المسمى "العقد الاجتماعي"، الذي مهَّد للثورة الفرنسية، وأثَّر في رجالها تأثيراً بليغاً، حتى إنَّهم وصفوه بإنجيل الثورة، ووصِفَ "روسو" بأنه فيلسوف الثورة الفرنسية.

ويحتوي كتاب العقد الاجتماعي، الذي نُشِرَ عام 1762، على أربعة أجزاء، يتضمن الأول منها شرحاً لقضية الميثاق الاجتماعي، وتعرَّض في الجزء الثاني لنظرية السيادة، وشرح في الثالث أشكال الحكومة، واختتم الجزء الرابع بدراسة جوانب عديدة للدولة.

ويتفق "روسو" مع كل من "هوبز" و"لوك" في أن انتقال الأفراد من حياة الفطرة إلى حياة الجماعة المنظمة قد تم بمقتضى عقد اجتماعي. غير أن فكرة العقد الاجتماعي عند "روسو" كان لها تصور خاص سواء لحالة الأفراد في حياتهم الفطرية الأولى، أو لما يتعلق بأطراف العقد، أو فيما يتعلق بمضمونه وآثاره.

1) ـ  حالة الأفراد في حياة الفطرة الأولى: رأى "روسو" أن الإنسان خيِّر بطبعه، وهو يولد حراً فاضلاً تسود حياته الحرية والمساواة الطبيعية. وكان رغيد العيش هاني البال. ورأى "روسو" أن حياة الفطرة هذه ما لبثت أن تغيرت نتيجة تقدم المدنية ونتيجة تعدُّد المصالح الفردية وتعارضها، وزاد الأمر تعقيداً ازدياد حدة المنافسة بين الأفراد، وظهور ميول شريرة لديهم، ولَّدتها الرغبة في الثراء والنزعة إلى السيطرة، ولهذا تعاقد الأفراد على إنشاء مجتمع سياسي جديد، يخضع لسلطة عليا.

وبمعنى آخر فإن "روسو" يصوِّر الإنسان في حالة الفطرة على أنه مخلوق ذو غرائز خيِّرة وميول بسيطة قد أفسدته الحضارة وحرمته من السعادة وخاصة الحياة المدنية، والفوارق الطبقية، والاستبداد الحكومي. وتبعاً لذلك لا ينكر "روسو" أن حالة الإنسان الطبيعية الأولى، التي كانت تسودها المساواة والحرية، كانت أحسن حالاً منها في ظل المجتمع المدني. ولذلك لم يتركها الناس إلا مضطرين نتيجة تعارض المصالح وتضاربها.

2) ـ أطراف العقد الاجتماعي:

يرى "روسو" أن العقد أو الميثاق الاجتماعي Social compact لم يتم بين الأفراد فيما بينهم فيلتزم كل منهم في مواجهة الآخرين كما ذهب إلى ذلك "هوبز"، وهو أيضاً لم يتم بين الأفراد من جانب والحاكم من جانب آخر كما ذهب إلى ذلك "لوك". بل إن هذا العقد قد أبرم بين الأفراد أنفسهم ولكن بصفتين: الأولى باعتبارهم أفراداً طبيعيين Individuals كل منهم في عزلة عن الآخر. والثانية باعتبارهم أعضاء متحدين يتبدى من مجموعهم الشخص الجماعي المستقل (هيئة السيادة Sovereign). على هذا النحو تصوَّر "روسو" أن أطراف العقد الاجتماعي هم أفراد الجماعة أنفسهم. الطرف الأول: الأفراد الطبيعيون على انفراد. والطرف الثاني: أفراد الجماعة متحدين أو الشخص الجماعي العام.

وهذا التصور الذي أبرزه "روسو" بشأن أطراف العقد يختلف عن تصور "هوبز"؛ فهذا الأخير قد تصور أن العقد قد أبرم بين الأفراد باعتبار أن هذا العقد يتضمن مجموعة عقود بقدر عدد الأفراد المكونين للجماعة، ويلتزم فيها كل منهم قِبَلَ الأفراد الآخرين. أما "روسو" فقد تصور أن العقد يمثِّل طرفه الأول كل فرد من أفراد الجماعة. والطرف الثاني الشخص الجماعي Collective person المستقل الذي يمثِّل مجموع الأفراد. وبعبارة أخرى، يتخيَّل روسو الجماعة السياسية المنظَّمة كما لو كانت قد تكوَّنت بالفعل ويُدخلها طرفاً في العقد. أما الملك أو الحاكم بصفة عامة، فإنه ـ طبقاً لنظرية روسو ـ ليس طرفاً في العقد، وإنما هو وكيل عن الجماعة السياسية ويحكم وفقاً لإرادتها، لا وفقاً لإرادته الخاصة.

ولكن كيف يتنازل الإنسان عن مقدرته وحريته، وهما أداتا بقائه، من غير أن يهمل الاعتناء بنفسه؟ وضع روسو هذه المشكلة في الصيغة الآتية: "إيجاد شكل شراكة يحمي، بجميع القوى المشتركة، شخصَ ومقتنى كل عضو؛ وبما أن كل عضو ينضم، في هذه الشراكة، إلى جميع الأعضاء حتى يصبح الجميع كُلاً واحداً، لذلك هو لا يخضع إلا لإرادته، ويظل حرَّاً كما في السابق". هذه المشكلة الأساسية التي يحاول العقد أو الميثاق الاجتماعي حلَّها.

إن شروط هذا الميثاق تحددها طبيعة الصك تحديداً بحيث إن أقل تبديل يطرأ عليها يجعلها باطلة وعديمة الفاعلية. تكون، إذن، هذه الشروط، ضمناً، واحدة في كل مكان، ومسلماً بها من الجميع، ولو لم يكن قد نُصَّ عليها من قبل إلى أن يُنقَض العقد، حينئذ يسترجع كل فرد حقوقه وحريته الطبيعية.

تتلخص هذه الشروط، طبعاً، بشرط واحد، وهو: تنازل كل شخص، مع جميع حقوقه، تنازلاً تاماً، للهيئة الاجتماعية، وبذلك تكون جميع الأوضاع متساوية بين أفراد هذه الهيئة.

وإذا استبعد من الميثاق الاجتماعي ما ليس من جوهره فإنه يتقلَّص إلى العبارة الآتية: "يسهم كلٌّ منا في المجتمع بشخصه، وبكل قدرته تحت إدارة وتوجيه الإرادة العامة العليا، ونلتقي على شكل هيئة كلُّ عضوٍ فيها جزءٌ لا يتجزأ من الكلّ".

3) ـ مضمون العقد:

ذهب "روسو" إلى أن الأفراد حالما يتقيدون بالعقد أو الميثاق الاجتماعي لا يبقى لهم حقوق خاصة، إذ إنهم قبلوا بأن يطيعوا، في كل زمان ومكان، قرارات الإرادة العامة The general will، وبمعنى آخر، فإن الأفراد ينزلون بمقتضى العقد عن حقوقهم كلها وبلا تحفظ لمصلحة المجموع "الإرادة العامة". يقول روسو: "بما أن التنازل يجري بلا تحفظ… لا يبقى لأفراد المجتمع شيء خاص يمكنهم أن يطالبوا به الإرادة العامة".

وعلى هذا النحو يختلف تصور "روسو" لمضمون العقد، عن تصور كل من "هوبز" و"لوك". إذ سبق أن "لوك" يرى أن تنازل المواطنين عن حقوقهم ليس تنازلاً مطلقاً كما ذهب "هوبز"، لكنه تنازل عن القدر الذي يضمن قيام السلطة العليا بواجباتها.

وإذا كان "روسو" قد رأى أن الأفراد يتنازلون بمقتضى العقد الاجتماعي عن حقوقهم الطبيعية كلياًً لمصلحة المجموع "الإرادة العامة"، فهل كان هذا التنازل من جانبهم بلا مقابل؟ تصور "روسو" أن تنازل الأفراد عن حقوقهم يكون بمقابل حصولهم على حقوق أخرى تسمى بالحقوق المدنية، وهذه الحقوق يقرّها لهم الشخص العام الذي أقاموه على سبيل المساواة. ويكفل حمايتها لهم جميعاً، وبذلك تتحقق المساواة في نظر "روسو" بين الأفراد وتسود العدالة بينهم.

إن نزول الأفراد عن حقوقهم للجماعة السياسية لا يفقدهم حرياتهم وحقوقهم نهائياً، لأنهم سيستعيضون عن حرياتهم وحقوقهم الطبيعية التي نزلوا عنها بحريات وحقوق مدنية تقررها لهم الجماعة المدنية التي أقاموها، بل إن وجود هذه الجماعة يفترض وجود هذه الحقوق والحريات المدنية، لأنها ما قامت إلا لحمايتهم. يقول روسو: "إنَّ ما يفقده الإنسان، بالعقد الاجتماعي، هو حريته الطبيعية، والحق غير المحدود الذي كان له على ما يستهويه ويجنيه ويمكنه الوصول إليه، وأما ما يكسبه فالحرية المدنية وملكية جميع ما يقتنيه… ".

ويدلل روسو على وجهة نظره بالقول: بما أن النزول عن الحقوق كلي، فهو متساوٍ لجميع الأفراد، ومن ثم تبقى المساواة الطبيعية بين الأفراد قائمة. وما دامت المساواة موجودة، فستكون الحرية كذلك، لأنه لن يعتدي أحدٌ على الآخر من دون أن يسيء في الوقت ذاته إلى نفسه وإلى المجموع. وبعبارة أخرى ما دام الأفراد متساوين فيما بينهم فحالتهم جميعاً واحدة، ومن ثم تكون الإساءة إلى أحدهم إساءة إلى كلّ منهم. والفرد إذ يضع قواه وحقوقه في يد المجموع يسترد بوصفه عضواً في الجماعة جزءاً لا يتجزأ من حقوقها. ومن ثم تكون المساواة والحرية.

4) ـ آثار العقد:

يرى روسو أنه لا يمكن للإرادة العامة، فيما يتعلق بسن الشرائع، أن تتنازل عن سلطتها لأحد أياً كان، بل يجب أن تبقى، هي وحدها، سيدة التشريع. غير أن الإرادة العامة لا يمكنها أن تطبق وتنفذ الشرائع التي تسنها، بل تعهد إلى موظفين في تطبيقها وتنفيذها تحت إشرافها، وهؤلاء الموظفون يُدعَون "السلطة التنفيذية". إنهم خدَّام الشعب ويتقاضون راتباً لقاء خدماتهم. فللشعب، إذن، واجب مراقبتهم، بلا انقطاع، وتشجيعهم، إن هم أحسنوا الخدمة، أو إقالتهم إن هم أساؤوا. إنهم يمارسون، باسم الشعب، السلطة التي خولهم إياها، والتي يستطيع أن يضع لها حدوداً، وأن يعدِّلها، وأن يستعيدها حين يشاء.

وهكذا، فإنه لا يتصور أن تكون سلطة الحكام إلا سلطة مقيدة، فهم لا يمارسونها إلا باسم الجماعة ولمصلحتها، فليس هؤلاء الحكام Magistrates إلا موظفين أو وكلاء عن المجموع، أو على حد تعبير "روسو" خدَّاماً، ومن ثم يكون للأفراد حق عزل هؤلاء الحكام إذا استبدوا بسلطانهم، أو مسّوا حقاً من حقوق الأفراد، أو تضمَّنت تصرفاتهم اعتداءً عليها أو نيلاً منها.

يقول روسو: "إن السلطة التشريعية تخصّ الشعب ولا يمكن أن تخصّ إلا الشعب. ومن السهل أن نرى على العكس، من المبادئ المقرة فيما تقدم، أن السلطة التنفيذية لا يمكن أن تخصّ مجموع الناس بوصف هذا المجموع مشرِّعاً أو صاحب سيادة، لأن هذه السلطة لا تتكون إلا من أفعال خاصة، لا تكون قط من اختصاص القانون ولا هي من شأن صاحب السيادة الذي لا يمكن لأفعاله إلا أن تكون قوانين. يجب إذن أن يتوافر للقوة العامة وكيل خاص يوحّدها ويحركها وفقاً لاتجاهات الإرادة العامة، يخدم اتصال الدولة بصاحب السيادة، يعمل تقريباً في الشخص الجماعي العام ما يفعله في الإنسان اتحاد الروح بالجسد. هذا هو، في الدولة، سبب وجود "الحكومة"، الذي يخلط بلا مبرر بينه وبين صاحب السيادة في حين أنه ليس إلا خادمها. فما هي الحكومة إذن؟ إنها هيئة وسيطة بين الرعايا وصاحب السيادة من أجل الاتصال المتبادل بينهما، مكلفة بتنفيذ القوانين وبالمحافظة على الحرية المدنية والسياسية على السواء".

ويقول "روسو" في موضع آخر: "إن إنشاء الحكومة ليس البتة عقداً، إذ ليس في الدولة سوى عقد اجتماعي واحد، ولكنه قانون؛ وإن القائمين بمهام السلطة التنفيذية ليسوا البتة "سادة الشعب" People’s masters، بل موظفوه Officers، ومن ثم فإن الشعب يملك توليتهم وعزلهم متى شاء، كما أنه ليس من شأنهم التعاقد، بل الطاعة، وإنهم، بممارستهم الوظائف التي تعهد بها الدولة إليهم، إنما يقومون بواجبهم كمواطنين، من دون أن يكون لهم حق المنازعة في الشروط ".

وبناء عليه، فالحكومة عند "روسو" ليست إلا مجرد هيئة إدارية تتوسط بين الرعايا والمواطنين من جهة وبين صاحب السيادة من جهة أخرى؛ فهي بلغة أخرى، حلقة الوصل التي تصل بين الشعب عندما يكون محكوماً وبين الشعب ذاته عندما يكون حاكماً.

وتلعب الحكومة عند روسو دور المنفِّذ للقوانين حتى تحفظ الحرية سواء في شكلها المدني أو السياسي. وعلى ذلك فلا يوجد للحكومة سيادة عند روسو، وإنما هي عند صاحب السيادة بمنزلة الوزير أو المفوَّض لإدارة دفة الأمور وملاحظة تطبيق القوانين وتنفيذها.

وهكذا، فقد استعمل "روسو" فكرة العقد الاجتماعي لإنكار حق الحكام في السيادة ولإنكار الحكم الفردي كوسيلة أراد بها حصر السلطة في أيدي الشعب.

وختاماً، يمكن إيجاز أبرز الآراء التي قدمها "روسو" في العقد الاجتماعي:

1ـ بدأ روسو مثلما فعل سابقوه بحالة الطبيعة، غير أن حياة الإنسان في هذه الحال لم تكن مثل التي تصوَّرها "هوبز"، فذهب هذا الأخير إلى أن حالة الإنسان الطبيعية كان قوامها النفور والعداوة بين الأفراد، وأنهم إنما تعاقدوا ليأمن الإنسان شر أخيه، ولكي يتمكن الفرد من الاحتفاظ بذاته من دون أن يتعرض في كل ساعة إلى خطر الموت، إذا "روسو" يرى أن الناس ليسوا بطبيعتهم أعداء متناكرين (أي متحاربين)، ولكنهم على نقيض ذلك، إذ هم بفطرتهم متحابون متآلفون، وقد تعاقدوا على الاجتماع لكي يوحِّدوا جهودهم في رقي الإنسانية وكمالها.

2ـ يشيِّد "روسو" نظريته على أسس من الحرية والمساواة.

3ـ قبْل "روسو" كانت السيادة تترادف مع مفهوم الحكومة، فجاء "روسو" وفرَّق بينهما، فالسيادة لصاحب السيادة أو الجسم السياسي الذي ينشأ عن العقد أو الميثاق الاجتماعي.

4ـ فكرة العقد عنده هي التزام اجتماعي تم الاتفاق عليه عن طريق الاختيار الطوعي لا القوة. هو اتفاق بين الفرد ونفسه يربط الفرد به نفسه بمحض إرادته، وينشأ التعاقد بأن يضع كل فرد إرادته الخاصة تحت توجيه وإدارة الإرادة العامة.

5ـ هناك تشابه بينه وبين "هوبز" من حيث افتراض تنازل الفرد عن كامل حقوقه، لكنه لا يتفق معه في التنازل عنها لفرد بل للمجتمع كله، ومع ذلك ينتهي تقريباً إلى ما انتهى إليه "هوبز" من افتراض لوياثان، لكنه عنده يتمثل في المجتمع، أما عند "هوبز" فهو فرد.

6ـ الفرد في عقد "روسو" لا يخضع للحاكم، فهو يتنازل عن حقوقه للمجموع لا لشخص معين، والمشارك في العقد الاجتماعي لا يدعي حقاً على الآخرين إلا بقدر ما يكون للآخرين من حق عليه، وهكذا يحصل على مقابل لكل ما تنازل عنه، ولا بد له أخيراً من قوة تحميه.

7ـ يتميز "روسو" بنظرته الجديدة لفكرة السيادة، التي تستمد سلطتها، لديه، من العقد الاجتماعي، ويقصد بها الشعب حين يعبِّر عن إرادته العامة وينفِّذها من خلال تشريع القوانين، وبها يتحول الشعب إلى مجتمع سياسي.

8ـ يفصل فصلاً تاماً بين السيادة التي تستقر دائماً في يد الشعب والحكومة التي لا تعدو هيئة وسيطة ما بين صاحب السيادة، أي الإرادة العامة، من جهة، والرعايا من جهة أخرى لتحفظ الاتصال بينهما، ووظيفتها الوحيدة هي تنفيذ القوانين وضمان الحرية سواء في شكلها المدني أو السياسي.

9ـ فرَّق بين السيادة والسلطة، فالسيادة غير قابلة للتقسيم وتتصف بأنها لا تخطئ وبأنها مطلقة، في حين يمكن للسلطة أن تتنازل عن نفسها لهيئة أخرى.

10ـ التشريع عند "روسو" من حقوق السيادة، فالشعب الذي عليه أن يخضع للقوانين يجب أن يكون مشرِّعها، لكنه يوكل هذه المهمة إلى مشرِّع ذكي موهوب قادر على تطوير طبيعة الإنسان، يجعل ما يسنه من قوانين ملائماً للإرادة العامة، ويسلم القوانين لصاحب السيادة، أي إن المشرع الموكل إليه التشريع ليس بصاحب سيادة، فليس بمقدور الشعب أن يتنازل عن سلطته لنواب أو ممثلين عنه، وهنا يختلف "روسو" عن "لوك"، لأن "روسو" يرفض الديمقراطية النيابية.

11ـ يوكل صاحب السيادة سلطاته التنفيذية للحكومة، وتعيين حكومة من الشعب لا يعدّ عقداً بل هو قانون، ولا يعد القائمون بالسلطة التنفيذية سادة على الشعب بل مندوبون عنه يعيّنهم ويعزلهم كيفما شاء. وفي هذه النقطة يختلف روسو عن هوبز.

وذهب "هوبز" إلى أن القوة هي الحق، ولما كانت القوة كلها متركزة في شخص الملك، كان الملك مطلق الإرادة لا يحد من سلطانه شيء، ومعنى ذلك أن الحكومة عند "هوبز" يجب أن تكون مَلَكية مطلقة، أما "روسو" فيرى أن الناس إنما تعاقدوا على أن يتمتعوا كلهم بحقوق متساوية وواجبات متساوية، لا يمتاز منهم فرد على فرد، وإذن فالحكومة عنده يجب أن تكون ديمقراطية، وأن يكون للناس (أفراد الشعب) حق إسقاط الحكومة إذا حادت عن جادة الحق، لأنهم مصدر القوة كلها.

12ـ لا تدخل الحكومة طرفاً في العقد بأي حال من الأحوال، ويمكن القول إن طرفي العقد الاجتماعي عند "روسو" هما الفرد ونفسه، يربط الفرد به نفسه بمحض إرادته، وتتأتى شرعية هذا التحالف الاجتماعي عن الموافقة المطلقة لكل فرد عليه.

13ـ أعاد "روسو" تأكيد أن الإنسان حيوان سياسي، ثم أعطى المجتمع أساساً نظرياً جديداً في فكرته عن الإرادة الحرة، وأعلن أن الحكومة التنفيذية ليست إلا خادمتها، وزود الثوريين بعبارات كان لها تأثيرها في العالم.

ثالثاً ـ تقدير نظرية العقد الاجتماعي:

لم تسلم نظرية العقد الاجتماعي، شأنها شأن غيرها من النظريات والمبادئ السياسية والقانونية، من النقد والهجوم عليها، فقد عاداها بعض الفلاسفة والفقهاء، ووجَّهوا إليها سهام نقدهم، وشكّكوا في أصالتها بل في وجودها أيضاً؛ غير أنها من ناحية أخرى لا تخلو من بعض المزايا والآثار الطيبة، فقد أثرت كتابات روسو عن العقد الاجتماعي في رجال الثورة الفرنسية وفيما وضعوه من أنظمة دستورية.

وفيما يلي أهم الانتقادات التي وجِّهت إلى نظرية العقد الاجتماعي، وما تركته تلك النظرية من آثار على الفكر الدستوري والقانوني المعاصر.

1ـ الانتقادات التي وجِّهت إلى نظرية العقد الاجتماعي:

هناك الكثير من النقد الذي وجِّه إلى نظرية العقد الاجتماعي، تمثل أبرزه، في النقاط الآتية:

1)ـ إن فكرة العقد الاجتماعي فكرة خيالية لا تجد لها سنداً من الواقع، فالتاريخ لا يؤيدها، ولم يسجل متى اجتمع الناس وتعاقدوا على إقامة المجتمع السياسي. وكذلك، لا يمكن قبول هذه النظرية على اعتبار التعاقد افتراضاً ومجازاً، لأن ما وراء هذا الافتراض من خطورة لا يخفى، ولأن هذه الفكرة سيترتب عليها إعطاء الدولة سلطة تحديد مدى ما تنازل عنه الأفراد من حريات، ومدى ما تحملوه من التزامات وقيود. وبهذا يُمهد السبيل للحكم المطلق المعيب. إلى جانب هذا كله، يُلاحظ أن فكرة التعاقد نفسها، بعيدة كل البعد عن خيال الإنسان، في العصور الأولى.

2)ـ إن النظرية خاطئة في أساسها، إذ بنيت على أساس أن الفرد كان يعيش قبل نشوء الجماعة في عزلة عن غيره. مع أن الحقيقة غير ذلك، لأن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه ولا يطيق حياة العزلة. فلم يعد العقل البشري يصدق خرافة الإنسان المنعزل عن سائر الناس؛ فالإنسان، لا يكتسب صفته الآدمية إلا في مجتمع، فيه خلق ونشأ، وفيه كتب عليه أن يعيش، وهو في معيشته في الجماعة لا مناص له من أن يندفع بغريزته إلى السعي للمحافظة على كيانه وتلبية حاجاته المختلفة، ولكنه لا يمكنه أن يشبع رغباته اعتماداً على مجهوده الشخصي وحده، فهو في حاجة إلى التعاون مع غيره من أفراد الجماعة لكي يتمكن الجميع من تلبية حاجاتهم المختلفة.

3)ـ إنها نظرية لا تتوافق والمنطق القانوني وغير متصورة الوقوع؛ لعدم إمكان الحصول على رضاء جميع الأفراد، وهذا الرضا ركن أساسي في العقد بحيث لا يتم العقد من دونه؛ ومن ثم لا تصلح نظرية العقد الاجتماعي، كفرضية نظرية لنشوء الدولة، لأن العقد لا يلزم إلا موقِّعيه، فلكي تنشأ الدولة، بموجب عقد اجتماعي، يجب أن يكون هذا العقد مقبولاً من جميع الذين سيشكلون رعايا الدولة.

والحقيقة إن مسألة الإجماع مسألة مستحيلة، والمتصور هو موافقة الأغلبية؛ ومن ثم يثور التساؤل حول الوضع القانوني للأفراد الذين لم ينضموا إلى العقد، أو من يريدون الانسحاب من هذا العقد، ممن يقطنون إقليم الدولة!.

4)ـ إن النظرية متناقضة في مضمونها، فهي تقرر أن الجماعة السياسية نشأت نتيجة عقد، وتم بواسطة هذا العقد نقل الأفراد من حياة الفطرة إلى حياة الجماعة المنظمة، أي إن العقد هو الذي أنشأ الجماعة. بيد أن فكرة القوة الإلزامية للعقد لا توجد إلا بوجود الجماعة وقيام سلطة بها تحمي العقود وتطبق الجزاءات اللازمة لضمان احترامها. ومن ثم ليس من المتصور أن يكون العقد الذي يحتاج إلى حماية السلطة، هو ذاته الذي يقيم هذه السلطة.

5)ـ إن تأييد القوة الملزمة للعقد، وارتباط الأفراد ارتباطاً أزلياً بالدولة يتنافى مع الحرية الطبيعية للإنسان؛ فوفقاً لنظرية العقد الاجتماعي، خُلق الإنسان حراً بالطبيعة، ومن ثم تكون الحرية لصيقة بالإنسان لا يمكنه النزول عنها ولو أراد. فإذا تعاقد الإنسان لإنشاء الجماعة السياسية، فإنه يبقى محتفظاً بحريته الطبيعية، وتكون له حرية فسخ العقد والخروج من الجماعة في كل وقت. فإذا تعدَّد الخارجون على الجماعة واتفقوا فيما بينهم على إنشاء دولة جديدة، كان معنى ذلك انهيار الدولة القديمة لأنه لا يتصور قيام دولتين على إقليم واحد. ومن ذلك يظهر أن النظرية تناقض نفسها، وبدلاً من أن تقيم أساس الدولة فإنها تهدمه.

6)ـ إن النظرية عند بعض أتباعها تبرر السلطان المطلق، وعند آخرين لا تمنع من ذلك صراحة، وتُقيم من سلطان الجماعة ومن الإرادة العامة، عند مجموعة ثالثة، سلطاناً رهيباً، لا يستطيع الأفراد في مواجهته دفعاً؛ وسبب ذلك تنازلهم عن جميع حقوقهم.

7)ـ إن الحريات والحقوق السياسية، لا يصح أن تكون محلاً للتعاقد.

8)ـ من الصعب تصور عقد يمضيه الأفراد عند نشوء الجماعة البشرية، ويظل إلى الأبد مؤثراً في الإنسانية كافة، وملزماً إياها، مهما تعاقبت الأجيال.

2ـ مزايا نظرية العقد الاجتماعي وأثرها في الفكر الدستوري والقانوني المعاصر:

علي الرغم من الانتقادات التي وجِّهت إلى نظرية العقد الاجتماعي، إلا أن تلك النظرية كان لها أثرها الواضح في الفكر الدستوري والقانوني المعاصر، كما كان لها أيضاً بعض المزايا المفيدة التي يمكن إجمالها في النقاط الرئيسية الآتية:

1)ـ إن نظرية العقد الاجتماعي قامت على أسس فلسفية أوضح من تلك التي قامت على أساسها نظرية القانون الطبيعي، وأكثر تحديداً منها.

2)ـ على الرغم من القول إن نظرية العقد الاجتماعي هي فكرة خيالية، إلاّ أن هناك من يذكر أمثلة واقعية لمجتمعات قامت في القديم على أساس العقد الاجتماعي، ويُدخل بعض الناس في إطار فكرة العقد الاجتماعي، ما قيل به في الفقه الإسلامي من أن الخلافة عقد حقيقي، معناه: الاختيار من الأمة، ووسيلته البيعة الصحيحة القائمة على الرضا. ولكنْ ثمة فروق كبيرة بين نظرية العقد الاجتماعي، وبين نظرية البيعة الإسلامية.

3)ـ يرجع الفضل لنظرية العقد الاجتماعي في ترويج المبادئ الديمقراطية، وتقرير حقوق الأفراد الأساسية وحرياتهم العامة، والحد من السلطان المطلق للملوك، كما يرجع إليها الفضل في نشأة المذهب الفردي الحر (الليبرالي)، إذ تعد من مصادره الفكرية الأساسية.

ولهذا فإن المجتمع الأوروبي سيذكر لنظرية العقد الاجتماعي فضلها الأكبر في مدّ الثورة الفرنسية بروحها وحيويتها، وفي إقامة الحكومة القانونية مقام الحكومة الاستبدادية. كما أنه بفضل هذه النظرية استقرت المساواة، ووضحت الحقوق، والحريات العامة في العالم الغربي، وتحققت نهائياً سيادة الشعوب في أوروبا، وتم إعلاء كلمتها.

4)ـ توجد وقائع في التاريخ تؤكد أن آراء وأفكار الفيلسوف جان جاك روسو التي عرضها في كتابه الشهير المسمى "العقد الاجتماعي" كانت هي المحرك الأول للثورة الفرنسية، وأثَّرت في رجالها تأثيراً بليغاً، حتى إنهم وصفوه (كتاب العقد) بإنجيل الثورة، ووصِفَ "روسو" بأنه فيلسوف الثورة الفرنسية.

5)ـ تعد نظرية العقد الاجتماعي هي النواة الأولى لتقرير "مبدأ سيادة الأمة" Le principe de la souveraineté nationale واعتبار الحكام مجرد وكلاء عنها يعملون وفق إرادتها، ولها حق عزلهم واستبدالهم، وهي الأفكار التي مثلت بداية انتقال العالم من نظريات الحكم الإلهي والاستبداد المطلق إلى عصور الديمقراطية التي تطورت إلى شكلها الحديث اليوم.

فهذه النظرية تعد ثورةً فكرية لكونها أسقطت طابع القدسية عن الدولة والقائمين عليها، أو بقول آخر أنزلت السلطة السياسية والدولة من السماء إلى الأرض ورهنتهما بإرادة البشر.

6)ـ إذا كانت النظرية قد وضَعَت، بصفة رئيسية، الأساس الفكري لحقوق الإنسان وحرياته، إذ افترضت له حقوقاً طبيعية سابقة على وجوده في جماعة منظمة، لا يجوز المساس بها أو حرمانه منها؛ فإن القيمة الحقيقة، التي انبعثت من فكرة التعاقد، هي أنها وضعت، لأول مرة في تاريخ الفكر السياسي، الأساس الفلسفي لفكرة الرقابة الشعبية على السلطة وحدودها، ترتيباً على ما ينتجه العقد من آثار، ولضمان عدم خروج السلطة على مقتضى هذا العقد وشروطه.

7)ـ شكَّلت نظرية العقد الاجتماعي عاملاً أساسياً في تطوير الفكر السياسي الأوروبي، وكان لهذه النظرية الأثر الكبير في الفلسفة السياسية الثورية، وهي التي أرست نهائياً فكرة شرعية السلطة، والسيادة الوطنية والسيادة الشعبية.

8)ـ لا تزال نظرية العقد الاجتماعي حتى اليوم، تتمتع ببريق فكري وجاذبية للمفكرين والاقتصاديين، يلجؤون إليها لتبرير التغيرات التي يريدون إحداثها في المجتمع. وأقرب الأمثلة على ذلك أن خبراء التخطيط في مصر نشروا ـ في مجال الدأب لتصحيح مسار الاقتصاد المصري ـ بياناً مفاده: "إن وزارة التخطيط، بلورت المقترحات الجديدة في شكل (عقد اجتماعي جديد) بين الحكومة والشعب، يتمثل في أن تُعيد الدولة توزيع مواردها، لمصلحة الطبقات ذات الدخل المحدود، وحرمان غير المستحقين من سياسة الدعم. كما يستند العقد الجديد إلى أن إصلاح المسار الاقتصادي، لن يتأتى على حساب الطبقات الكادحة، وأن القطاع العام يجب أن يُعطى فرصة للازدهار للحفاظ على المكاسب الاشتراكية". ولا شك في أن هذا البيان، استخدامٌ جديد لفكرة العقد الاجتماعي وليد القرن العشرين؛ فالفكرة لم يخبُ بريقها بعد.

 

مراجع للاستزادة:

 

ـ أحمد فؤاد عبد الجواد عبد المجيد، البيعة عند مفكري أهل السنة والعقد الاجتماعي في الفكر السياسي الحديث "دراسة مقارنه في الفلسفة السياسية" (دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة 1998).

ـ أندريه كريسون، روسو "حياته ـ فلسفته ـ منتخبات"، ترجمة نبيه صقر (منشورات عويدات، الطبعة الرابعة، بيروت ـ باريس 1988).

ـ إمام عبد الفتاح إمام، توماس هوبز، فيلسوف العقلانية (دار الثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة 1985).

ـ اميل برهييه، تاريخ الفلسفة (سبعة أجزاء) ترجمة جورج طرابيشي (دار الطليعة للطباعة والنشر، الطبعة الثانية، بيروت 1987).

ـ أنطوني دي كرسبني وكينيث مينوج، أعلام الفلسفة السياسية المعاصرة، ترجمة ودراسة: نصار عبد الله (الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1988).

ـ فرانكلين.ل. باومر، الفكر الأوروبي الحديث "في أربعة أجزاء" (الجزء الأول: القرن السابع عشر)، ترجمة أحمد حمدي محمود (الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1987).

ـ عادل فنحي ثابت عبد الحافظ؛ شرعية السلطة في الإسلام "دراسة مقارنة" (دار الجامعة الجديدة للنشر، الإسكندرية  1996).

ـ عبد الرحمن بدوي، موسوعة الفلسفة "الجزء الثاني" (المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1984).

ـ عبد الرزاق السنهوري،  فقه الخلافة وتطورها لتصبح عصبة أمم شرقية، ترجمة نادية عبد الرزاق السنهوري، ومراجعة توفيق محمد الشاوي (الهيئة المصرية العامة للكتاب، 9891).

ـ ليو شتراوس وجوزيف كروبسي، تاريخ الفلسفة السياسية، الجزء الأول (من ثيوكيديديس حتى إسبينوزا)، ترجمة: محمود سيد أحمد، مراجعة وتقديم: إمام عبد الفتاح إمام (المجلس الأعلى للثقافة، الطبعة الأولى، القاهرة 2005).

ـ ليو شتراوس وجوزيف كروبسي، تاريخ الفلسفة السياسية، الجزء الثاني (من جون لوك إلى هيدجر)، ترجمة محمود سيد أحمد، مراجعة إمام عبد الفتاح إمام (المجلس الأعلى للثقافة، الطبعة الأولى، القاهرة 2005).

ـ محمد ضياء الدين الريس، النظريات السياسية الإسلامية (دار التراث، الطبعة السابعة، القاهرة 1976).

ـ الموسوعة الفلسفية المختصرة، نقلها عن الإنكليزية: فؤاد كامل وجلال العِشري وعبد الرشيد الصادق، راجعها وأشرف عليها وأضاف شخصيات إسلامية الدكتور زكي نجيب محمود (دار القلم، بيروت 1980).

ـ محمد طه بدوي، أمهات الأفكار السياسية الحديثة وصداها في نظم الحكم (دار المعارف، القاهرة 1958).

- Jean-Jacques ROUSSEAU, The Social Contract and Discourses, translated with an Introduction by G.D. H. Cole (London and Toronto: J.M. Dent and Sons, 1923).

- John LOCKE; Two Treatises of Government: In the Former, The False Principles and Foundation of Sir Robert Filmer, and His Followers, Are Detected and Overthrown; The Latter, Is an Essay Concerning the Original, Extent, and End, of Civil Government, Edited by Peter Laslett, (New York, Mentor Books, New American Library, 1965).

- The English Works of Thomas Hobbes of Malmesbury; Now First Collected and Edited by Sir William Molesworth, Bart., (London: John Bohn, 1839- 45), 11 vols. Vol.III (Leviathan, 1651).


التصنيف : القانون العام
النوع : القانون العام
المجلد: المجلد الخامس: طرق الطعن في الأحكام الإدارية ــ علم العقاب
رقم الصفحة ضمن المجلد : 222
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 93
الكل : 12587633
اليوم : 4013