logo

logo

logo

logo

logo

معايير تمييز العقد الإداري

معايير تمييز عقد اداري

discrimination standards of administrative contract - normes de discrimination le contrat administratif

 معايير تمييز العقد الإداري

معايير تمييز العقد الإداري

مهند نوح

تعريف العقود الإدارية

المعيار العضوي في تمييز العقود الإدارية

المعيار الموضوعي للعقد الإداري

معايير تمييز العقد الإداري في الجمهورية العربية السورية

 

أولاًـ تعريف العقود الإدارية:

تعرف العقود الإدارية بأنها تلك العقود التي يبرمها شخص معنوي عام في سبيل تسيير مرفق عام أو تفويض إدارته، وتظهر فيها نيته في الأخذ بأساليب القانون العام، ويتجلى ذلك في ظهور الشروط غير المألوفة في تلك العقود.

 ومن المعلوم أن الإدارة العامة تبرم نوعين من العقود: عقود تخضع للقانون الخاص في أحكام تنفيذها، وعقود تخضع للقانون الإداري، لذلك فإن المشكلة كانت على الدوام هي في التفرقة بين العقود المدنية للإدارة من جهة وعقودها الإدارية من جهة أخرى، وهو الأمر الذي أدى إلى ظهور معايير يتمثل دورها الوظيفي في التفريق بين العقد المدني والعقد الإداري.

وبناء على ما تقدم فإن معايير تمييز العقد الإداري، وفقاً لما يمكن استنتاجه من تعريف هذا النوع من العقود، تتمثل في وجود الشخص الاعتباري العام طرفاً في العقد، وهو ما يطلق عليه تسمية المعيار العضوي في تمييز العقود الإدارية، وفي ضرورة اتصال العقد بالمرفق العام، واحتوائه على شروط غير مألوفة في القانون الخاص، وهو ما يسمى (المعيار الموضوعي).

ثانياًـ المعيار العضوي في تمييز العقود الإدارية:

إن المبدأ السائد هو أن العقد الذي لا تكون الإدارة العامة طرفاً فيه لا يعد عقداً إدارياً، وإن جهة الإدارة التي تكون طرفاً في العقد هي كل شخص معنوي عام سواء أكان مركزياً أم غير مركزي، ومن المعلوم أنه يوجد على المستوى المركزي شخص معنوي عام وحيد هو الدولة وتعمل عن طريق الوزارات، أما على المستوى اللامركزي فيوجد نوعان من الأشخاص العامة، فهناك من جهة الأشخاص العامة اللامركزية المحلية (وهي في قانون الإدارة المحلية السوري: المحافظات والمدن والبلدان والوحدات الريفية والقرى إذا تجاوز عدد سكانها 5000 نسمة)، ومن جهة أخرى هناك الأشخاص اللامركزية المرفقية (وهي الهيئات العامة والمؤسسات العامة والشركات العامة والمنشآت العامة).

ويلاحظ أن هناك أشخاصاً من القانون العام لا يعدون من جهات الإدارة، كالسلطتين التشريعية والقضائية، إذ تبرم الأجهزة الإدارية لهاتين السلطتين عقوداً في سبيل تلبية احتياجاتهما، كإبرام عقد لترميم مبنى المجلس البرلماني مثلاً، في هذه الحالة تعد مثل هذه العقود عقوداً إدارية، إذا توافرت فيها بقية عناصر العقد الإداري.

والواقع أن العبرة بطبيعة الشخص الاعتباري وقت إبرام العقد للقول بإدارية العقد، فإذا كان في هذا الوقت يتمتع بالشخصية الاعتبارية العامة، فإن العقود المبرمة من قبله تظل إدارية ـ إذا توافرت بقية الشروط ـ حتى لو تحول هذا الشخص إلى شخص اعتباري خاص بعد ذلك، وكذلك الأمر، في العقود المبرمة بواسطة شخص معنوي خاص، فهذه تظل عقوداً مدنية، حتى لو تحول إلى شخص معنوي عام فيما بعد.

وبناء على ما تقدم، فإن العقود المبرمة بين ملتزمي المرافق العامة والمنتفعين من خدمات هذا المرفق هي عقود مدنية، وكذلك فإن العقود المبرمة بين الملتزم والمقاول في سبيل إنجاز أشغال لازمة للمرفق محل الالتزام هي عقود تقع تحت مظلة القانون الخاص. وتأخذ الحكم نفسه أيضاً عقود المقاولة من الباطن التي يبرمها المتعاقد في عقد إداري مع الغير في سبيل تنفيذ جزء من أعمال العقد الأصلي. وكذلك فإن العقود التي تبرمها جمعيات النفع العام مع أشخاص القانون الخاص الأخرى لا تعد عقوداً إدارية، كالعقود المبرمة من قبل الجمعيات السكنية مع مقاوليها.

وينطبق نفس الحكم على العقود التي يبرمها أشخاص القانون الخاص المكلفة بمهمة مرفق عام Les personnes privées chargées de l’exécution d’un service public، وكذلك لا يعد العقد إدارياً إذا قامت الإدارة بالتدخل في معرض علاقة تعاقدية ما بين شخصين من أشخاص القانون الخاص، فقد حكم مجلس الدولة الفرنسي بأن العقد المبرم ما بين أحد المهندسين ومالك لنصب أثري لا يعد إدارياً، على الرغم من تدخل الإدارة في فرض المهندس على مالك النصب المذكور، ولا يعد العقد إدارياً ولو استند أطراف العقد على دفتر شروط نموذجي خاص بالإدارة ما لم تكن إحدى الأشخاص الاعتبارية العامة طرفاً في العقد (حكم مجلس الدولة الفرنسي الصادر بتاريخ 24/5/1974، في قضيةِ شركة Paul Millet المنشور في المجموعة، ص30).

ولكن على الرغم مما تقدم يمكن عد العقد إدارياً في بعض الحالات على الرغم من إبرامه من قبل شخصين من أشخاص القانون الخاص، وذلك إذا كان أحدهما قد أبرم العقد المذكور لمصلحة أحد الأشخاص العامة، بحيث تنصرف إليه جميع الحقوق والالتزامات الناجمة عن العقد، وفي هذه الحالة تطبق نظرية الوكالة بمفاهيمها المعروفة، بحيث يكون الشخص الخاص وكيلاً عن الشخص الاعتباري العام في إبرام العقد.

وقد تفرد القضاء الإداري الفرنسي منذ زمن طويل في عد بعض العقود إدارية على الرغم من كونها مبرمة بين شخصين من أشخاص القانون الخاص، وخارج فرضيات الوكالة المشار إليها أعلاه، وقد كان لحكم Entreprise Pyrot (الصادر بتاريخ 8/7/1963، ومنشور في مجلة القانون العام الفرنسية لعام 1963، ص787) فضل السبق في هذا المجال، إذ ذهبت محكمة التنازع إلى القول بأن العقد يعد إدارياً إذا تم إبرامه من جانب شركة اقتصاد مختلط بصفتها ملتزمة بإنشاء واستغلال طريق سريع للسيارات مع أحد المقاولين، على الرغم من كون شركة الاقتصاد المختلط شركة تجارية، ومن أشخاص القانون الخاص حكماً. وقد عللت محكمة التنازع موقفها هذا بأن شركة الاقتصاد المختلط لم تتصرف لحسابها إنما لحساب الدولة في مجال يقع بطبيعته ضمن نشاط هذه الأخيرة (وهو مجال الأشغال العامة)، وهو المجال الذي ينفذ تقليدياً عن طريق الإدارة المباشرة.

وقد رأى الفقه الفرنسي أن ما دفع محكمة التنازع إلى مثل هذا الموقف في عقود شركات الاقتصاد المختلط المبرمة باسم ولحساب الدولة إنما هو عمق الروابط التي تجمع هذه الشركات بالدولة، إذ تشارك هذه الأخيرة في إدارتها وفي رأسمالها، مما يمكًّن مثل هذه الشركات من إبرام عقود باسم الدولة ولحسابها، إضافة إلى أن الأداءات العقدية في هذه الحالة هي من نوع الأشغال العامة التي تنتمي بطبيعتها إلى مجال نشاط الدولة.

ومن المشاكل المهمة أيضاً في إطار المعيار العضوي للعقد الإداري، تلك المتعلقة بأثر الجنسية الأجنبية للمتعاقد مع الإدارة في إدارية العقد، وتتمثل أهمية ذلك خصوصاً عندما تتعاقد إحدى الأشخاص الاعتبارية العامة، مع شركة أجنبية، إذ يذهب جانب من الفقه إلى عد مثل هذه العقود ذات طابع دولي، وخارجة عن مجال العقود الإدارية. وفي الواقع إن هذه النظرة غير سديدة، لأن مقتضى حسبان هذه العقود دولية لمجرد كون جنسية الطرف الآخر في العقد أجنبية، أن يقود إلى تطبيق نظام قانوني غير ذلك النظام القانوني الوطني الذي يحكم العقود الإدارية والذي يعد من النظام العام، ومن المسلم به أنه لا يجوز أن يطبق قانون الإرادة على العقد إذا كان العقد محكوماً بقواعد من النظام العام، لذلك فقد انتهى مجلس الدولة الفرنسي في قضاء متطور جداً له إلى القول إنه لا تجتمع إدارية العقد مع دوليته، ومن ثم متى ما توافرت معايير العقد الإداري فإن ذلك يؤدي إلى وجود عقد إداري، وهو سبب كاف لاستبعاد تطبيق أي قانون آخر اتفقت عليه إرادات أطراف العقد، مهما كانت جنسية الطرف الآخر في العقد.

ولعل هذا المنطق الذي جاء به مجلس الدولة الفرنسي حديثاً، هو الذي يفسر الموقف القديم للقضاء الإداري السوري، الذي عدّ بموجبه العقود التي تبرمها المؤسسات العامة والشركات العامة في سبيل إشباع احتياجاتها عقوداً إدارية، ومهما كانت جنسية الطرف الآخر في العقد، وعلى الرغم من أن القوانين المتعاقبة التي تحكم المؤسسات العامة والشركات العامة قد عدت هذه الأخيرة تاجراً في معرض علاقتها مع الغير.

ثالثاًـ المعيار الموضوعي للعقد الإداري:

1ـ تطور المعيار الموضوعي:

ويتبين ذلك من خلال ظهور معيار المرفق العام، وتفوق معيار الشروط غير المألوفة، وابتكار فكرة النظام غير المألوف:

أ ـ ظهور معيار المرفق العام:

لقد أصبح المرفق العام يحتل مكاناً مرموقاً في تعريف العقد الإداري منذ بداية القرن العشرين، وقد كان حكم تيرييه Terier الصادر في 6/2/1903 أول الأحكام التي أبرزت دور المرفق العام في تحديد ماهية العقد الإداري، والذي تتجلى وقائعه الشهيرة في أن الإدارة أعلنت عن مكافأة لكل مواطن يثبت أنه قتل أفعى، وذلك بسبب تفشي الأفاعي في البلدة، فلما قام السيد تيرييه بمثل هذه العملية، لم تقم الإدارة بصرف المكافأة المقررة، متذرعة بنفاد الاعتمادات المخصصة لذلك، فرفع الأمر إلى مجلس الدولة الذي أعلن اختصاصه بنظر النزاع، وذلك بسبب ارتباط العقد بتسيير مرفقي الأمن والصحة، وقد توضح دور المرفق العام في تحديد الطبيعة الإدارية للعقد مما أورده مفوض الحكومة روميو في تقريره المقدم في قضية تيرييه المذكورة من أن كل ما يتعلق بتنظيم وتسيير المرافق العامة، سواء أتصرفت الإدارة بطريق العقد أم بطريق القرار، إنما يعد عملية إدارية تقع ضمن اختصاص القضاء الإداري. ولكن المفوض روميو لم يأخذ هذا المبدأ على إطلاقه في تقريره الشهير، بل أورد تحفظاً عليه، حين رأى أن الإدارة إذا أبرمت في معرض تسييرها للمرفق العام عقوداً تشبه عقود الشخص العادي فإنها تكون عندئذ في حالة إدارة خاصة، أما إذا أبرمت في معرض تسييرها للمرفق العام عقوداً بحسبانها شخصاً عاماً فإنها تكون في حالة إدارة عامة، وعقودها تعد في هذه الحالة عقوداً إدارية، يختص في منازعاتها القضاء الإداري.

وبعد سنوات قليلة، سار اجتهاد القضاء الإداري الفرنسي في اتجاه جديد بشأن دور المرفق العام في تكييف عقود الإدارة، فأصدر حكم تيرون سنة 1910، الذي تتلخص وقائعه في أن بلدية مونبلييه أبرمت عقداً مع السيد تيرون للإمساك بالكلاب الضالة وقتلها، وجمع الحيوانات الميتة، وحصل نزاع بين الطرفين في أثناء تنفيذ العقد المذكور، فرفع الأمر إلى مجلس الدولة، الذي أعلن اختصاصه بالنظر في الدعوى، وذلك على أساس أن العقد يتصل بغايات مرفق عام، وقد تبنى المجلس هذا الاتجاه استجابة لتقرير مفوض الحكومة Pichat الذي رأى أن مجرد اتصال العقد بتحقيق أهداف مرفق عام، إنما يعد كافياً لصبغ العقد بالصبغة الإدارية، وبذلك بات كافياً ضمن معطيات حكم تيرون أن يتصل العقد بأهداف مرفق عام ليكون إدارياً، وبذلك توسع نطاق العقود الإدارية إلى حد كبير.

ب ـ الانتقال إلى معيار الشروط غير المألوفة Les clauses exorbitantes:

بعد صدور حكم تيرون الذي أثبت معيار المرفق العام بصورته الواسعة بسنتين، صدر حكم آخر عن مجلس الدولة الفرنسي أثبت معياراً جديداً لتمييز العقد الإداري، هذا الحكم هو حكم شركة «غرانيت ألفوج»، الذي تتحصل وقائعه في أن مدينة ليل أبرمت عقداً مع شركة «جرانيت ألفوج» في سبيل توريد بلاط للمدينة، فحصل نزاع بين الطرفين عند تسليم المواد المتعاقد عليها، فقرر مجلس الدولة عدم اختصاصه بالنظر في المنازعة لأن العقد أبرم وفقاً لشروط العقود المبرمة بين الأفراد ذاتها، وتعود هذه الفكرة إلى ما طرحه مفوض الحكومة «بلوم» في تقريره المقدم في القضية نفسها إذ رأى أنه لا يمكن أن يُعترف بالطبيعة الإدارية لذلك العقد الذي يتضمن في محله ذات الشروط التي يبرم الأفراد في ظلها عقودهم.

وبناء على ما تقدم، فإن التحول الذي حمله حكم شركة «غرانيت ألفوج» كان مهماً وجذرياً، حيث لم يعد العقد إدارياً بالنظر إلى ارتباطه بالمرفق العام فقط، إنما أصبح يعد كذلك بالنظر إلى الشروط التي يحتويها، لذلك فإن المفوض بلوم في تقريره المذكور المقدم إلى مجلس الدولة الفرنسي لم يستبعد معيار المرفق العام من التطبيق، لكنه رأى أن العقد الذي يبرم من جانب أحد أشخاص القانون العام لا يكفي أن يتعلق بغايات تسيير مرفق عام، بل لا بد من البحث في محتواه نفسه، الذي من شأنه أن يعطيه طبيعة خاصة تختلف عن محتوى العقود المبرمة بين أشخاص القانون الخاص، وهذا المحتوى المتميز ينتج من توافر مجموعة من الشروط في العقد أطلق عليها المفوض بلوم تسمية الشروط غير المألوفة Les clauses exorbitantes du droit commun التي أصبحت من تاريخ صدور حكم شركة غرانيت ألفوج معياراً أساسياً لتمييز العقد الإداري.

وعلى الرغم من أن حكم شركة «غرانيت ألفوج» كان مثار انتقاد كبار فقهاء القانون الإداري في فرنسا عند صدوره، إلا أن أهميته تتمثل في إعطائه دوراً هاماً لإرادة أطراف العقد في تكييفه، فإذا أرادوا وضع علاقتهم التعاقدية تحت مظلة القانون العام، فعليهم أن يضمنوا عقودهم بإرادتهم شروطاً غير مألوفة في علاقات القانون الخاص التعاقدية والعكس صحيح. كما يلاحظ أن حكم شركة «غرانيت ألفوج» أدى إلى انتشار معيار الشروط غير المألوفة، إلا أن ذلك لا يعني أن معيار المرفق العام بقي في حالة انكفاء، بل ظل يمارس دوراً مهماً في تمييز العقد الإداري، إلا أنه لم يعد معياراً كافياً، بل لا بد من توافر الشروط غير المألوفة في العقد ليكون إدارياً، مع الإشارة إلى أن معيار المرفق العام ظل وحده كافياً للقول بإدارية العقد في هذه المرحلة، وذلك في العقود الإدارية بطبيعتها Les contrats administratifs pour sa nature، وهذا يعني أنه في كل مرة يكون فيه موضوع العقد إدارة المرفق العام من قبل المتعاقد فإن العقد يكون إدارياً بغض النظر عن توافر معيار الشروط غير المألوفة، وهو الأمر الذي مهد للمرحلة الثالثة:

ج ـ العودة إلى معيار المرفق العام:

قام مجلس الدولة الفرنسي بإصدار حكم الزوجين بيرتان، وذلك في 20/4/1956 (منشور في مجلة القانون العام الفرنسية، 1956، مع تقرير المفوض لونغ، وملاحظات فالين، ص 869). وقد توصل المجلس في هذا الحكم إلى أن المرفق العام يعد معياراً وحيداً وكافياً ليكون العقد إدارياً، إذا كانت هناك علاقة واضحة جداً بين العقد والمرفق العام، ومن ثم فقد قرر المجلس ذاته أن العلاقة البسيطة للعقد بالمرفق العام لا تكفي بذاتها لجعل العقد إدارياً. كما يلاحظ أن الاجتهاد الذي توصل إليه مجلس الدولة الفرنسي من خلال هذا الحكم لم يستبعد معيار الشروط غير المألوفة، ولكن هذا المعيار الأخير تراجع عن المكانة الأولى التي شغلها بعد صدور حكم شركة »غرانيت ألفوج«، إلى المكانة الثانية، فأصبح هذا المعيار احتياطيا، بحيث إذا توافرت مقومات العلاقة الواضحة بين العقد والمرفق العام، فلا حاجة إلى البحث في وجود شروط استثنائية في العقد، أما إذا لم توجد مثل هذه المقومات فإنه يجب البحث في العقد عن وجود مثل هذه الشروط.

د ـ فكرة النظام غير المألوف:

اعترف مجلس الدولة الفرنسي بالطبيعة الإدارية لعقد لم يظهر فيه الاتصال الواضح بالمرفق العام، ولم يحتو في الوقت نفسه على شروط غير مألوفة، وقد برر مجلس الدولة الفرنسي موقفه هذا على أساس أن العقد خاضع لنظام قانوني غير مألوف Régime juridique exorbitant إذ رأى المجلس أن العلاقة العقدية في هذه الحالة تنطبق عليها بعض الأحكام القانونية الملزمة الخارجة عن نطاق إرادة أطراف العقد. والمقننة بموجب نصوص خاصة، أي إن ما يطبع العقد بالصفة الإدارية في هذه الحالة هي تلك الأحكام القانونية أو التنظيمية واجبة التطبيق على العلاقة العقدية (حكم مجلس الدولة الفرنسي في قضية Société d’exploitation de la rivière du Sant الصادر قي 19/1/1973، والمنشور في A.J.D.A لسنة 1973، ص358).

ثالثاًـ تحليل المعيار الموضوعي:

ويشمل معيار المرفق العام، ومعيار الشروط غير المألوفة ومن حيث محتواهما وكيفية تحققهما:

1ـ تحليل معيار المرفق العام:

لكي ينتج معيار المرفق العام مفاعيله في تكييف العقد، فلا بد أن تتوافر الصفتان التاليتان في إطار الارتباط بين العقد والمرفق العام:

أ ـ أن تكون العلاقة بين العقد والمرفق العام علاقة مباشرة على نحو كاف.

ب ـ أن تتوافر في العلاقة بالمرفق العام عناصر الدقة والوضوح، وهذا يعني أن العقد ولو كان على علاقة مباشرة بالمرفق العام فلا يمكن اعتباره إدارياً بصورة تلقائية، إن لم تتسم هذه العلاقة بالدقة والوضوح الكاملين.

وعلى كل حال، فقد اعتمد الاجتهاد والفقه الفرنسيان خصوصاً أشكالاً حصرية لعلاقة العقد بالمرفق العام، تتجلى فيما يلي:

أ ـ الشكل الأول للعلاقة بين المرفق العام والعقد هي تلك المتمثلة في تسيير أو تنفيذ المرفق ذاته من قبل المتعاقد كما هو الحال مثلاً في عقود الالتزام.

ب ـ أما الشكل الثاني لهذه العلاقة فيتجلى في اشتراك المتعاقد في تسيير المرفق العام، ومن ثم فإن محل العقد يتجلى في هذه الحالة في هذا الاشتراك.

ج ـ أما الشكل الثالث: فيتمثل في كون العقد ذاته وسيلة لتنفيذ المرفق العام.

ويلاحظ أن العلاقة بين المرفق العام والعقد، والمتمثلة في تنفيذ المرفق العام ذاته، إنما يمتد نطاقها ليشمل جميع أنواع المرافق، أي إن العقد يكون إدارياً أذا كان محل العقد تنفيذ مرفق عام صناعي أو تجاري أو إداري.

أما الحالة الثانية لارتباط العقد بالمرفق العام فتتجلى في اشتراك المتعاقد في تسيير المرفق العام، وفي هذه الحالة يسهم المتعاقد في تسيير المرفق العام من دون أن يحول إليه عبء التسيير كما هو الوضع في الحالة الأولى.

وعلى كل حال فقد استقر الفقه والاجتهاد الإداريان على أن اشتراك المتعاقد في تسيير المرفق العام، والذي يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار عند تكييف العقد إنما هو ذلك الاشتراك الذي يظهر وجود رابطة كافية بين المرفق العام والعقد، ويكون الاشتراك كذلك إذا كان من طبيعة مباشرة.

أما الحالة الثالثة لاتصال العقد بالمرفق العام، والتي يشكل فيها العقد الوسيلة ذاتها لتنفيذ المرفق، فإنها تتجلى من خلال إسهام العقد في تسيير المرفق وتنفيذه، بحيث لا يمكن أن يقوم المرفق ويوزع خدماته دون وجود هذا العقد.

2ـ تحليل معيار الشروط غير المألوفة:

إن أول ما يمتاز به هذا المعيار هو طابعه الشخصي، فهو يشير إلى حرية اختيار الأطراف، إذ يظهر الأطراف عن طريق هذا المعيار اختيارهم بين تصرف الإدارة العامة وتصرف الإدارة الخاصة، ومن ثم فإنهم حين يضعون الشروط غير المألوفة في عقدهم، فإن ذلك يبرز اختيارهم للتصرف تحت مظلة القانون العام. كما أن معيار الشروط غير المألوفة يتميز بطابعه الموضوعي، بحكم أن هذه الشروط متى ما أدرجت في العقد فإنها تكسبه الطبيعة الإدارية بواسطة ذاتيتها وطبيعتها الخاصة، والتي ليست سوى انعكاس للنظريات المستقرة في القانون الإداري.

وقد اختلف الفقه الفرنسي خصوصاً حول تحديد مفهوم الشروط غير المألوفة، إلا أنه تم الاتفاق على أن ماهية هذه الشروط تحدد عن طريق جملة من المعطيات تجمل فيما يلي:

أ ـ الشرط غير المألوف ينتج في حالات معينة من خلال قيام أطراف العقد بالاستناد على مصادر خارجية معينة تحتوي على مجموعة من الأحكام والقواعد التي تتنتمي بطبيعتها إلى القانون العام، مما يؤدي إلى اكتساب العقد لطبيعته الإدارية. ومن الملاحظ أن مجلس الدولة الفرنسي قد عد الإحالة إلى مصدر يحتوي على شروط غير مألوفة في القانون الخاص تعد كافية في ذاتها، لطبع العقد بالطابع الإداري، بحكم أن هذه الإحالة تعد في ذاتها شرطاً استثنائياً وغير مألوف (حكم مجلس الدولة الفرنسي في قضية Roudier et Brille والصادر بتاريخ 17/11/1967، المجموعة ص 428).

ب ـ إن الشروط غير المألوفة هي انعكاس لممارسة امتيازات السلطة العامة:

تعد الشروط غير المألوفة في هذه الحالة صدى لامتيازات Prérogatives السلطة العامة، أي إن الشروط غير المألوفة ليست سوى امتيازات السلطة العامة في مجالها التطبيقي، وهذه الامتيازات التي تعكسها الشروط غير المألوفة تتجلى في صيغة سلطات للإدارة تمارسها في مواجهة المتعاقد، مثل حق التعديل الانفرادي للعقد وفسخه من دون خطأ من المتعاقد، وحق إيقاع الجزاءات بالطريق الانفرادي والمباشر... الخ، كما يمكن لهذه الامتيازات أن تمنح للمتعاقد في مواجهة الغير، بحيث يمارس المتعاقد هذه الامتيازات نيابة عن الإدارة، ومن أمثلة هذه الشروط تلك التي تخول المتعاقد في عقد الالتزام اقتضاء رسوم من المنتفعين من خدمات المرفق، إذ يعد الملتزم في هذه الحالة مفوضاً من الدولة في ممارسة هذه السلطة، وكذلك الشروط التي تخول الملتزم سلطة نزع الملكية للمنفعة العامة، والشروط التي تعطيه حق الارتفاق على الأملاك العامة … إلخ.

رابعاًـ معايير تمييز العقد الإداري في الجمهورية العربية السورية:

يلاحظ أن القضاء الإداري السوري ما زال يسير في الاتجاه التقليدي الذي كان يتبناه مجلس الدولة الفرنسي قبل سنة 1956، إذ يتطلب توافر المعيار الموضوعي بعنصريه، إضافة إلى المعيار العضوي ليكون العقد إدارياً (راجع مثلاً حكم المحكمة الإدارية العليا رقم 242 في الطعن 225 لسنة 1976، مجموعة المبادئ لسنة 1976، مجموعة الأستاذ مصباح المهايني، مبادئ القضاء الإداري في أربعين عاماً، مؤسسة النوري، دمشق، 2005، ج3، ص14، وحكمها رقم 1247 في الطعن 2083 لسنة 1991، مجموعة المبادئ لسنة 1991، ص485). وكذلك سارت محكمة النقض في الاتجاه ذاته (راجع مثلاً قرار الغرفة الرابعة رقم 9 أساس 163، تاريخ 7/2/2000، موسوعة القضاء المدني الجديد للمحامي محمد أديب الحسيني، ج3، ص2344 وما بعدها).

ولكن على الرغم من ذلك، فإن المحكمة الإدارية العليا السورية قد بدأت تكتفي بتوافر أحد عنصري المعيار الموضوعي، المتمثل في اتصال العقد بالمرفق العام للقول بإدارية العقد، وإن كان هذا الاجتهاد لم يصبح اجتهاداً مستقراً ومتواتراً، إلا أنه يبشر في الوقت نفسه بتحول جدي لاجتهاد القضاء الإداري السوري في هذا النطاق (حكم المحكمة الإدارية العليا رقم 153 في الطعن رقم 72 لسنة 2003، غير منشور).

 

مراجع للاستزادة:

 

ـ سليمان الطماوي، الأسس العامة في العقود الإدارية (دار الثقافة الجامعية، القاهرة 1991).

ـ أحمد عثمان عياد، مظاهر السلطة العامة في العقود الإدارية (دار النهضة العربية القاهرة 1973).

ـ عمر حلمي، معيار تمييز العقد الإداري (دار النهضة العربية، القاهرة 1993).

ـ ثروت بدوي، النظرية العامة في العقود الإدارية، ج1 (مكتبة القاهرة الحديثة، القاهرة 1963).

ـ محمد عبد الواحد الجميلي، ماهية العقود الإدارية (دار النهضة العربية، القاهرة 1995).

ـ ثورية لعيوني، معيار العقد الإداري، رسالة دكتوراه (جامعة عين شمس، القاهرة 1987).

ـ جورجي شفيق ساري، تطور معيار العقد الإداري في القانونين الفرنسي والمصري (دار النهضة العربية، القاهرة 1996).

ـ محمد الحسين ومهند نوح، العقود الإدارية (منشورات جامعة دمشق، دمشق 2006).

ـ مهند نوح، الإيجاب والقبول في العقد الإداري (منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت 2005).

ـ مهند نوح، «اتجاهات جديدة لدى مجلس الدولة السوري في نطاق العقود الإدارية»، المحامون، العددان 5 ـ 6 لسنة 2007، السنة 72، ص637.

- A. Laubadère, P. Delvolvé et F. Moderne, Traité des contrats administratifs (L.G.D.J, Paris 1983).

- Richer, Droit des contrats administratifs (Dalloz, Paris 2004).

- L.Guibal, Mémento des marchés publics (Le Moniteur, Paris 1998).

- P. Schultz, Éléments du droit du marché public (L.G.D.J, Paris 1996).


التصنيف : القانون العام
النوع : القانون العام
المجلد: المجلد الخامس: طرق الطعن في الأحكام الإدارية ــ علم العقاب
رقم الصفحة ضمن المجلد : 367
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 32
الكل : 10414469
اليوم : 1093