logo

logo

logo

logo

logo

الوقف الإسلامي

وقف اسلامي

Islamic Waqf - Waqf islamique

 الوقف الإسلامي

الوقف الإسلامي

عزة الرباط

تعريف الوقف أنواع الموقوف
حكم الوقف حكم الوقف... متى يزول ملك الواقف
أدلة مشروعية الوقف الرجوع في الوقف
أنـواع الوقف وقف المدين ووقف المريض مرض الموت
أركان الوقف انتفاع الواقف بالموقوف
شروط الوقف قواعد استبدال الوقف في حال الخراب
الولاية على الوقف ـ ناظر الوقف مبطلات الوقف
 

يُعدّ الوقف خاصية ملازمة للمجتمع الإسلامي عبر تاريخه الطويل، وبمنزلة الطاقة التي دفعت به نحو النماء والتطور، من خلال توفير المعينات المؤدية إلى تكوين مجتمع حضاري.

كما ارتبط مسار الوقف في الإسلام بدرجة رئيسية بالفعل الاجتماعي، فكل أنماطه كانت موجهة نحو خدمة الإنسان وتيسير حياته، والتخفيف من معاناته.

 أولاً ـ تعريف الوقف:

1ـ الوقف لغةً: هناك اتفاق بين علماء اللغة على تعريف الوقف بثلاثة معانٍ وهي: السكون والحبس والمنع، واستعمل الفقهاء مادتي حبس ووقف في التعبيرعن الوقف. فاستعملت كلمات حبس ووقف، وحبْس للاسم وجمعت على أوقاف وأحباس وحبوس.

وورد في لسان العرب مادة حبسه: أمسكه، والحبس ضد التخلية. «والحبس ما وقف» ووقف الأرض على المساكين. وحبس الفرس في سبيل الله، وأحبسه والجمع حبائس.. أي موقوف على الغزاة يركبونه في الجهاد.

وقال الزبيدي في تاج العروس: الحبس المنع والإمساك وهو ضد التخلية، والحبيس من الخيل هو الموقوف في سبيل الله.

وعرف الفيروزآبادي الحبس بأنه المنع، ومنه ما أوقفه صاحبه من نخل أو كرم أو غيرها فيحبس أصله ويسبل غلته.

2ـ الوقف اصطلاحاً وشرعاً: حبس العين على ملك الله تعالى، والتصرف بريعها على جهة من جهات الخير في الحال والمآل.

أو هو حبس العين المملوكة قولاً على حكم ملك الله عن تمليكها لأحد من العباد على وجه التأبيد، والتصدق بالمنفعة على الفقراء أو صرفها على وجه من وجوه الخير.

والوقف بمفهومه الإجمالي العام يفيد معنى حبس المال عن الامتلاك والتداول في سبيل المقاصد العامة، وقد نشأت طريقته من الحاجة إلى ضمان حياة طائفة من المصالح العامة من دينية أو علمية أو خيرية. فإن هذه المصالح تحتاج إلى أماكن تُهَيَّأ ونفقة دائمة، وهذا يستدعي وجود مورد مالي مستمر يدر عليها المال اللازم لحياتها ويكفي القائمين عليها وعلى إدارة هذا المال واستغلاله وإنفاقه في تلك المصالح. وقد اختلف الأئمة في المعنى الفقهي للوقف:

 أ ـ فهو عند بعض المالكية: إعطاء المنافع على سبيل التأبيد، وعند بعضهم الآخر: إن التأبيد ليس بشرط فيجوز تقييد الوقف بمدة ثم يرجع ملكاً وهذا هو الراجح لدى المالكية.

 ب ـ وعند بعض الشافعية: الوقف حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه.

 ويقول آخرون منهم: الوقف إنما شُرع ليكون صدقة جارية.

 ج ـ أما الحنابلة: فعرَّفوه بأنه: «تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة».

 د ـ وعند الحنفية: الصاحبان يقولان: الوقف هو حبس العين على حكم ملك الله تعالى،

فيزول ملك الواقف عنه إلى الله تعالى على وجه تعود المنفعة إلى العباد.

وأما الإمام أبو حنيفة فيقول: الوقف هو حبس العين على ملك الواقف والتصدق بالمنفعة.

وقد أخذ بعض الناس بقول أبي حنيفة: إن الوقف لا يجوز إلا ما كان منه على طريق الوصايا. وقيل: إن أبا يوسف كان يقول بقول أبي حنيفة حتى بلغه حديث وقف عمر بن الخطاب ( فرجع عن رأيه وقال: لو بلغ هذا الحديث أبا حنيفة لرجع.

وخروجاً من خلاف الفقهاء يُعَرَّف الوقف بأنه: «تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة».

والمتأمِّل في هذه التعريفات الفقهية والاصطلاحية يجد أن جميعها تدل على معنى واحد مع اختلاف ألفاظها، هو حظر التصرف في عين الشيء أو منفعته مع إنفاق ريعه في أوجه الخير والبرّ.

ثانياً ـ حكم الوقف:

الوقف جائز عند جميع الفقهاء ما عدا ما ينسب لشريح القاضي من القول بعدم مشروعية الوقف لآيات المواريث في سورة النساء، ولحديث «لا حبس عن فرائض الله» (سنن الدارقطني)، ولكن قيام النبيr به وكذلك الصحابة يدل على عدم صحة ما فهمه شريح من النصوص.

أما تفاصيل أحكام الوقف المقررة في الفقه فهي جميعاً اجتهادية، لأنها لا تكون إلا قربة لله تعالى يُبتغَى بها رضوانه وثوابه.

والأحكام الفقهية التفصيلية في الوقف منها ما أُخذ من القرآن الكريم، ومنها ما استنبط من بعض النصوص القولية أو الفعلية للحديث الشريف، ومنها ـ وهو الأغلب ـ أحكام بُنيت:

إما على القواعد الفقهية العامة، وإما على المصالح المرسلة، كأحكام استبدال الوقف بغيره، ووجوب البدء من غلة الموقوف بعمارته وترميمه حفظاً لعينه.

والمصلحة المرسلة: أي المُطْلَقة، هي التي لم يشرِّع الشارع حكماً خاصاً لتحقيقها، ولم يدل دليل شرعي خاص على اعتبارها أو إلغائها. وسميت مطْلقة لأنها لم تُقَيَّد بدليل اعتبار أو دليل إلغاء، وإنما يجب أن تكون المصالح من جنس المصالح التي ربط الشرع الحكم بها.

وأحكام الوقف في الإسلام تقوم على أساس اعتبار الوقف ـ في النظر الفقهي ـ مؤسسة ذات شخصية حكمية لها ذمة مالية وأهلية لثبوت الحقوق لها وعليها، يمثلها من يتولى إدارة الوقف وبالتالي يعد الوقف في زمرة الأشخاص الحكمية. وفي تفاصيل أحكام الوقف أثبت الفقهاء الحقوق للوقف أو عليه، فقد يستدين متولي الوقف لإصلاح الوقف وترميمه، ويكون ذلك على الوقف لا على متوليه وهذا معنى الذمة.

ثالثا ًـ أدلة مشروعية الوقف:

1ـ الوقف في القرآن الكريم: ورد في العديد من آيات القرآن الكريم الحث على فعل الخيرات ابتغاء مرضاة الله، كما في قوله تعالى: &https://arab-ency.com.sy/law/details/25979#64831;لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ&https://arab-ency.com.sy/law/details/25979#64830; [آل عمران 92].

وقوله تعالى: &https://arab-ency.com.sy/law/details/25979#64831;وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوْهُ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ&https://arab-ency.com.sy/law/details/25979#64830; [آل عمران 115].

و&https://arab-ency.com.sy/law/details/25979#64831;يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون&https://arab-ency.com.sy/law/details/25979#64830; [الحج 77].

هذه الآيات تشير بطريق غير مباشر إلى مشروعية الوقف؛ فهي تدعو إلى الإحسان وإلى جميع أنواع البر والصلة والخير والإنفاق في سبيل الله، وهذه العناصر هي التي يتضمنها الوقف، لا بل يعد أحد صورها الأساسية.

الوقف في السنة الشريفة: الوقف من فعل الخير المأمور به ومن أفضل القرب المندوب إليها. والأصل فيه ما روى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: أصاب عمر أرضاً بخيبر فأتى النبيr يستأمره فيها فقال: يا رسول الله إني أصبت أرضاً بخيبر لم أصب قط مالاً أنفس عندي منه فما تأمرني فيها؟، فقالr: «إن شئت حبَّست أصلها وتصدقت بها غير أنه لا يباع أصلها ولا يبتاع ولا يوهب ولايورث» قال: «فتصدق بها عمر في الفقراء وذوي القربى والرقاب وابن السبيل والضيف، ولا جناح على من وليها أن يأكل منها أو يطعم صديقاً بالمعروف غير متمول» (رواه البخاري).

وعن سعد بن عبادهt أنه قال: «يا رسول الله إنّ أم سعد ماتت فأي الصدقة أفضل؟»، قال r: «الماء»، فحفر بئراً وقال: «هذه لأم سعد» (أبو دَاوُد، كتاب الزكاة).

3ـ الإجمـاع: أجمع الخلفاء الأربعة وسائر الصحابة على مشروعية الوقف، فقد وقف أبو بكرt داره على ولده، ووقف عمرt ربعه عند المروة على ولده، وعثمانt وقف بئر رومة، وتصدق عليّt بأرضه بينبع، وتصدق الزبيرt بداره بمكة وداره بمصر وأمواله بالمدينة على ولده، وهكذا فعل سعد بن أبي وقاص وعمرو بن العاص وحكيم بن حزام رضى الله عنهم جميعاً.

إن وقف الأعيان سلاحاً كان أو خيلاً أو عقاراً من أفضل الصدقات، لأنّ الأصول تبقى ثابتة لا تباع ولا تورث، ونفعها وثمارها وخيراتها تستفيد منه الأمة جيلاً بعد جيل. وهذا ما امتاز به الوقف على سائر الصدقات، وبذلك أسهم في إرساء دعائم المجتمعات الإسلامية على مدى قرون طوال في تشييد المدارس والمساجد والآبار والحدائق والمكتبات وبناء القوة في تجهيز الجيوش والدروع والخيل.

رابعاً ـ أنـواع الوقف:

يقسم الوقف وفق اعتبارين مختلفين: اعتبار الغرض واعتبار المحل.

باعتبار الغرض: وينقسم إلى:

 أ ـ الوقف الخيري وهو الذي يقصد به الواقف التصدق على وجوه البر سواء أكان على أشخاص معينين كالفقراء والمساكين والعجزة أم كان على جهة من جهات البر العامة كالمساجد والمستشفيات والمدارس.

 ب ـ الوقف الأهلي أو الذُّري وهو ما جعل استحقاق الريع فيه إلى الواقف أولاً ثم لأولاده ثم لجهة بر لا تنقطع.

 ج ـ الوقف المشترك: ما يجمع بين الوقف الأهلي والخيري.

الوقف على النفس: يجوز وقف الإنسان على نفسه، فالإنفاق على النفس صدقة قالr: «ابدأ بنفسك فتصدق عليها» (السيوطي، جامع الأحاديث). وإذا كان الإنفاق على النفس صدقة فلا مانع إذاً من أن يقف الشخص عقاراً ويجعل بعض غلاته أو كلها لنفسه، لأن الوقف في أصل شرعه للصدقات وأول أبواب الصدقات أن ينفق الإنسان على نفسه، وعلى من يعول، قالr: «ابدأ بنفسك ثم بمن يليك» (السيوطي، زيادة الجامع الصغير).

وكذلك جعل عمرt لمن ولي صدقاته التي وقفها أن يأكل منها بالمعروف ولم يكن ثمة مانع أن يليها هو، وكذلك عثمانt اشترى بئر رومة ووقفها على المسلمين فجعل دلوه فيها كدلاء المسلمين. فيدخل الواقف ضمن عامة المسلمين في المنفعة كمن يبني مسجداً للصلاة فيصلي فيه مع الناس أو يبني مدرسة فيتعلم فيها أولاده مع أولاد الآخرين، أو يقيم مستشفى فله أن يتداوى فيه وأسرته مع الآخرين. وعلى هذا فاشتراط الأكل بالمعروف ومن غير تموّلٍ ليس كاشتراط الغلات لنفسه طَوَال حياته، وليس للواقف أن يشترط كل الغَلات لنفسه إلا إذا استثنى لنفسه شيئاً يسيراً.

2: باعتبار المحل: ومحل الوقف هو المال الموجود المتقوم من عقار (أرض أو دار بالإجماع أو منقول ككتب أو ثياب، حيوان، سلاح) لقولهr: «وأما خالد ـ يعني ابن الوليد ـ فإنكم تظلمون خالداً، فإنه احتبس أدرعه وعتاده في سبيل الله» (رواه البخاري و مسلم).

خامساً ـ أركان الوقف:

للوقف ـ كسائر الالتزامات العقدية التي يبرمها الإنسان ـ أركان مادية وركن شرعي.

1ـ الأركان المادية هي:

أ ـ الواقف.

ب ـ الموقوف عليه، أي الشخص أو الجهة الموقوف عليها.

ج ـ الموقوف.

د ـ الصيغة التي يتم بها عقد الوقف.

2ـ الركن الشرعي: هو العقد، وهوعقد وحيد الطرف من أفعال الإرادة المنفردة لأن الإنسان يحبس به ماله الخاص عن كل حق لغيره، ويرصد ثمراته ومنافعه لجهة أو لجماعة. وهولا يحتاج إلى قبول الموقوف عليه ولا سيما أن الموقوف عليه قد يكون جهة بر وإحسان فقط كالمسجد والمدرسة، وقد يكون أشخاصاً غير معيَّنين كالفقراء وأبناء السبيل.

ومن مقاصد الشرع: صيانة المال الموقوف بعد وقفه لتعلق حق المصالح العامة به، فكل شرط بالعقد يضر بمصلحة الوقف وصيانته هو شرط باطل.

واتفق الفقهاء على أن الوقف لا يكون إلا في عين مملوكة للواقف ملكاً باتاً، وأن تكون معروفة بحدودها واضحة بمعالمها، ولا يكتفي بشهرتها لأنه قد جرى العمل في كل العقود الناقلة للملكية على ذكر الحدود الأربعة، لأن هذه العقود تستمر أحكامها آماداً طويلة، ومتى فعل الواقف ما يدل على الوقف أو نطق بالصيغة لزم الوقف، ولا يحتاج في انعقاده إلى قبول الموقوف عليه.

سادساً ـ شروط الوقف:

1ـ شروط صحة الوقف:

أ: أن يكون الوقف مُنجَزاً، فلا يصح تعليقه بشرط.

ب: أن يكون الوقف مؤبداً فلا يصح أن يكون مؤقتاً إلا عند المالكية.

ج: بيان مصرف الوقف.

د: أن يكون الموقوف مالاً متقوماً معلوماً.

هـ: أن تكون العين ملكاً للواقف.

و: أن يكون الوقف على جهة بر.

ز: أن يكون الموقوف عليه جهةً ممتدة.

ح: ألا يعود الوقف على الواقف نفسه فقط.

شروط الواقف: يشترط أن يكون الواقف كامل الأهلية من العقل والبلوغ والحرية والاختيار، وألا يكون محجوراً عليه، وألا يكون في مرض الموت، وأن يصدر الوقف في حال الرضا والاختيار ولا يكون مكرهاً على ذلك. وأن يكون الواقف حراً مختاراً في وقفه لأن الوقف من أعمال القربة إلى الله، وللواقف أن يضع هذه القربة فيما يشاء من أنواع البر والخير. وطريقة التوزيع توضحها إرادة الواقف، ووثيقة الوقف التي تتضمن كل الشروط وتعدّ كنص الشارع في الفهم والدلالة، وما لم يرد فيه نص من الواقف فتنفذ أحكام الوقف المعتمدة في كتب الفقه.

ومن الشروط المعتبرة بالوقف اشتراط الواقف أن تكون الغلات لجهة معينة من جهة البر والخير، واشتراط أداء دين ورثته من الغلات، وتفويض ناظر الوقف في توزيع الغلة.

أمّا الشروط العشرة: فهي اصطلاح يستعمله الفقهاء ورجال القانون ويريدون به: اشتراط الواقف لنفسه في وثيقة الوقف التحريرية (الصك) الصلاحيات التالية: الإعطاء ـ الحرمان ـ الإدخال ـ الإخراج ـ الريادة ـ الفصل ـ التغيير ـ التبديل ـ الإبدال والاستبدال.

شروط الموقوف:

أ: أن يكون الموقوف ملكاً للواقف.

ب: أن يكون الموقوف مالا متقوماً، وهو ما كان في حوزة الواقف وجاز الانتفاع به شرعاً في حالة السعة والاختيار، كالعقارات والكتب والسلاح والحيوان من إبل وخيل وبقر وغير ذلك، وكل ما جاز بيعه وإجارته صح وقفه.

ج: أن يكون الموقوف معلوماً فلا يصح وقف المجهول.

د: أن يكون الموقوف موجوداً فلا يصح وقف المعدوم.

هـ: أن يكون الموقوف مقدوراً على تسليمه فلا يصح وقف الطير في الهواء أو الشارد من الإبل.

و: أن يكون الموقوف لا يتلف بالانتفاع به مثل النقود والمأكول والمشروب.

شروط الموقوف عليه: الموقوف عليه إما معيَّن وإما غيره، فالمعيَّن واحد أو اثنان أو جهة، وغير معيَّن مثل الفقراء والعلماء والقراء والمجاهدين، المساجد، الكعبة، الرباط، الثغور، ومن شروط الوقف على معين كونه أهلاً للتملك.

ويشترط في الموقوف عليه غير المعين:

أ: أن يكون معلوماً.

ب: أن يكون جهة خير وبر، يحتسب الإنفاق عليها قربة لله تعالى.

5ـ شروط الصيغة: للصيغة الدالّة على الوقف عدة ألفاظ، منها صريحة كوقفت، أو حبست وسبَّلت وأبَّدت، ومنها الكناية كتصدقت بكذا. ومن أتى بواحدة من الألفاظ الصريحة صار وقفاً، لأن هذه الألفاظ ثبت لها عُـْرف الاستعمال بين الناس، أما ألفاظ الكناية فإن الإتيان بها لاينشئ وقفاً صريحاً.

وشروط صيغة الوقف: ينعقد الوقف بالإيجاب وحده، وبالإيجاب والقبول عند المالكية والشافعية، ويشترط في صيغة الوقف:

أ: التأبيد، ماعدا المالكية فلم يشترطوا التأبيد في الوقف.

ب: التنجيز، غير معلَّق بشرط ولا مضاف إلى وقت في المستقبل.

ج: الإلزام، لا يصح عند الجمهور ـ غير المالكيةـ تعليق الوقف بشرط الخيار معلوماً أو مجهولاً.

د: عدم الاقتران بشرط باطل وهو ما ينافي مقتضى الوقف.

سابعاً ـ الولاية على الوقف ـ ناظر الوقف:

الولاية: من تولى الأمر أي: تقلده.

والولاية شرعاً: تنفيذ القول على الغير شاء هذا الغير أم أبى.

والولاية على الوقف حق مقرر شرعاً على كل عين موقوفة، إذ لا بدّ للموقوف من متولٍّ يدير شؤونه ويحفظ أعيانه، وذلك بعمارته وصيانته، واستغلال مستغلاته على الوجه المشروع، وصرف غلته إلى مستحقيه على مقتضى كتاب الوقف، والدفاع عنه والمطالبة بحقوقه.

وتكون الولاية على الوقف للواقف نفسه، ثم لمن يعينه ناظراً عليه في حياة الواقف، ثم لوصي الواقف بعد وفاته. فإن مات الواقف ولم يعين أحداً لولاية وقفه فالولاية لمستحق الوقف إن كان معيناً ورشيداً وإلا فلوليه.

وقد أجمع الفقهاء على حق ناظر الوقف في توكيل غيره بكل ما يملكه من التصرفات أو ببعضه، سواء كان الناظر هو الواقف، أم كان ناظراً بحسب شرطه أم الموقوف عليه أم القاضي.

1ـ شروط الناظر على الوقف: اشترط الفقهاء في ناظر الوقف جملة من الشروط، لأن المتولي على الوقف إنما يدير أموالاً، ويتعامل بها مع المجتمع باستغلالها، ومع المستحقين بإيصال الحقوق إليهم، ومع الموقوف بإعماره وإصلاحه، وهي:

أ: الإسلام.

ب: العقل.

ج: البلوغ.

د: العدالة: وهي المحافظة الدينية على اجتناب الكبائر وتوقي الصغائر وأداء الأمانة، فلا يصح تولية النظر لفاسق أو خائن للأمانة.

هـ: الكفاية: وهي قدرة الناظر على التصرف فيما هو ناظر عليه بما فيه المصلحة.

واجبات الناظر: يجب على الناظر القيام بكل ما من شأنه الحفاظ على الوقف ورعاية مصلحته، ومن ذلك:

أ: عمارة الوقف: بأن يقوم بأعمال الترميم والصيانة حفظاً لعين الوقف من الخراب والهلاك. حيث ينفق من غلته في صونه.

ب: تنفيذ شروط الواقف، فلا يجوز مخالفة شروطه أو إهمالها، ويجب الالتزام بها إلا في أحوال مخصوصة.

ج: الدفاع عن حقوق الوقف في المخاصمات القضائية رعاية لهذه الحقوق من الضياع.

د: أداء ديون الوقف: تتعلق الديون بريع الوقف لا بعينه، وأداء هذه الديون مقدم على الصرف على المستحقين، لأن في تأخيرها تعريضاً للوقف بأن يحجز على ريعه.

هـ: أداء حقوق المستحق في الوقف وعدم تأخيرها إلا لضرورة، كحاجة الوقف إلى العمارة والإصلاح أو الوفاء بالدين.

ووصفت وظيفة الناظر بأنها: «وظيفة حفظ وقفٍ، وعمارته، وإيجاره، وزرعه، ومخاصمةٍ فيه، وتحصيل ريعه: من أجرٍ أو زرعٍ أو ثمرةٍ، والاجتهاد في تنميته، وصرفه في جهاته.. من عمارةٍ وإصلاح، وإعطاء مستحقٍ وغيره».

3ـ النظر على الوقف: اتفق الفقهاء على أنه يتبع شرط الواقف في النظر على الوقف، فإذا جعل النظر لشخص معين اتبع شرطه، «لأن عمر بن الخطابt جعل وقفه إلى ابنته حفصة تليه ما عاشت، ثم إلى ذوي الرأي من أهلها» قال ابن قدامة: ولأن مصرف الوقف يتبع فيه شرط الواقف فكذلك الناظر فيه.

لكن الفقهاء اختلفوا فيما إذا شرط الواقف النظر لنفسه، فعند الحنفية والشافعية والحنابلة: يجوز ذلك بخلاف المالكية الذين يرون « أنه إن لم يحز الموقوف عليه الوقف، فإن مات الواقف، أو مرض، أو أفلس بطل الوقف». وإن لم يشترط الواقف ناظراً على الوقف بأن أغفل ذلك، فقد اختلفت أقوال الفقهاء في ذلك، فعند المالكية والحنابلة: إن كان الوقف على غير معين كالفقراء والمساكين والمساجد فالحاكم يولي عليه من يشاء، لأن الحاكم لا يمكنه تولي النظر بنفسه. وإن كان الوقف على معين رشيد فهو الذي يتولى أمر الوقف. قال ابن قدامة: لأنه ملكه ونفعه له، فكان نظره إليه كملكه المطلق. وإن كان غير رشيد فوليه يتولى أمر الوقف، وفي احتمال عند الحنابلةـ كما قال ابن قدامة ـ أن ينظر فيه الحاكم، وهو اختيار ابن أبي موسى.

ثامناً ـ أنواع الموقوف:

1ـ وقف المنقول: أجاز جمهور الفقهاء غير الحنفية وقف المنقول مطلقاً، كأدوات المسجد وخدماته من إنارة وغيرها، ومفروشات، ووسائل تكييف (تبريد أو تدفئة)، وأنواع الثياب والأثاث، وأنواع السلاح والحيوان لمنافعها وألبانها، والطعام، سواء أكان الموقوف مستقلاً بذاته أم تبعاً لغيره من العقار، لصحة كون الوقف مؤبداً أو مؤقتاً، أهلياً (ذُرياً) أو أهلياً.

وأما الحنفية: فأجازوا وقف المنقول التابع للعقار، أو ورد به النص كالسلاح والخيل، أو جرى به العرف كوقف الكتب والمصاحف والفأس والقدور، وأدوات الجنازة، وثيابها، والدنانير والدراهم،و المكيل والموزون، والسفينة مع متاعها، لتعامل الناس به، وما عدا ذلك لا يصح وقفه، لأن من شرط الوقف عندهم التأبيد، والمنقول لا يدوم.

وثبت في السنة أن النبيr أجاز وقف الجمل في سبيل الله، فعن ابن عباسt قال أراد رسول اللهr الحج، فقالت امرأة لزوجها أحجني مع رسول اللهr، فقال: ما عندي ما أحجك عليه. قالت: أحجني على جملك فلان. قال: ذلك حبيس في سبيل الله. فأتى رسول اللهr فقال: أما إنك لو أحججتها عليه كان في سبيل الله (رواه أبو داود).

2ـ وقف العقار: اتفق الفقهاء على أنه يجوز وقف العقار من أرض ودور وآبار وقناطر، والدليل على صحة وقف العقار أن جماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين وقفوا ذلك، فعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: «أصاب عمر أرضاً بخيبر، فأتى النبيr يستأمره فيها، فقال يا رسول الله، إني أصبت أرضاً بخيبر لم أصب مالاً قط أنفس عندي منه فما تأمر به؟ قال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها غير أنه لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث، قال: «وتصدق بها في الفقراء والقربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف» (رواه البخاري).

والعقار أفضل أنواع المال الموقوف لدوامه وندرة تعرضه للتلف أو الهلاك أو الخراب، لذا اتفق الفقهاء على صحة أو مشروعية وقف الأرض أو الدار أو الحانوت (المحل التجاري) أو البستان أو الحديقة، لأن العقار يصلح مسجداً، أو تكية، أو مسكناً، أو مقبرة، أو أرضاً زراعية، أو مصنعاً، أو مرتفقاً به بحسب حاجة المجتمع، أو مرعى، أو معسكراً، أو ساحة تدريب على الجهاد أو القتال، أو الرياضة المشروعة، ونحو ذلك مما يشمله اسم العقار.

3ـ وقف حق الارتفاق: أجاز الشافعية والحنابلة وقف علو الدار دون سفلها، وسفلها دون علوها؛ لأنهما عينان يجوز وقفهما، فجاز وقف أحدهما دون الآخر، ولأنه يصح بيع العلو أو السفل، ولأنه تصرف يزيل الملك إلى من يثبت له حق الاستقرار والتصرف فجاز كالبيع.

 وقال الحنفية: لا يصح وقف الحقوق المالية مثل حق التعلي وباقي حقوق الارتفاق لأن الحق ليس بمال عندهم.

وقف المرهون: قال الحنفية: يصح للراهن وقف المرهون لأنه يملكه، لكن يبقى حق المرتهن متعلقاً بالمرهون. فإن وفى الراهن الدين تطهرت وخلصت العين المرهونة من تعلق حق المرتهن بها وإلا فله أن يطلب إبطال الوقف وبيع المرهون.

وبناءً عليه يجبر القاضي الراهن على دفع ما عليه إن كان موسراً، أما إن كان معسراً فيبطل الوقف ويبيع العين المرهونة فيما عليه من الدين، وكذا لومات فإن كان له ما يوفي الدين ظل الشيء موقوفاً و إلا بيع وبطل الوقف. في حين يرى باقي الجمهور أنه لا يصح وقف المرهون.

وقف العين المؤجرة: لا يملك المستأجر وقف منفعة العين المستأجرة عند الحنفية والحنابلة، لأنه يشترط لديهم التأبيد والإجارة مؤقتة غير مؤبدة، وكذلك قال الشافعية. وقال المالكية: للمستأجر وقف منفعته المأجورة مدة الإجارة المقررة له، لأنه لا يشترط لديهم تأبيد الوقف. ولا يصح للمؤجر وقف المأجور.

أجاز الحنفية والحنابلة للمؤجر وقف العين المؤجرة، لأنه وقف ما يملك ويبقى للمستأجر الحق بالانتفاع بالعين المستأجرة إلى انتهاء مدة الإجارة أو تراضيه مع المؤجر على فسخ الإجارة قبل انتهاء مدتها.

 والخلاصة: يصح عند الجمهور للمؤجر وقف العين المؤجرة، ولا يصح وقفها عند المالكية ويصح عند المالكية للمستأجر وقف منفعة المأجور ولا يصح وقفها عند الجمهور.

6ـ وقف الإرصاد: الإرصاد: أن يقف أحد الحكام أرضاً مملوكة للدولة لمصلحة عامة كمدرسة أو مستشفى، وقد عرف أن هذا جائز بحكم الولاية العامة. ولكن يسمى (إرصاداً) لا وقفاً حقيقة.

تاسعاً ـ حكم الوقف... متى يزول ملك الواقف:

1ـ حكم الوقف: أي الأثر المترتب على حدوث الوقف من الواقف وهو يختلف باختلاف الآراء الفقهية:

 أ: عند أبي حنيفة: أثر الوقف هو التبرع بالريع غير لازم، وتظل العين الموقوفة على

ملك الواقف ويجوز له التصرف بها كما يشاء، وإذا تصرف بها عدّ راجعاً عن الوقف. وهذا جائز لديهم.

 ب: عند الصاحبين: إذا صح الوقف خرج عن ملك الواقف وصار حبيساًعلى ملك الله تعالى ولم يدخل في ملك الموقوف عليه، وإذا صح الوقف لم يجز بيعه ولا تمليكه ولا قسمته إلا أن يكون مشاعاً فللشريك أن يطلب فيه القسمة.

 ج: ويرى المالكية: أن الموقوف يظل ملكاً للواقف لكن المنفعة تبقى ملكاً لازماً للموقوف له.

والأظهر لدى الشافعية أن الملك في رقبة الموقوف ينتقل لله تعالى، فلا يكون للواقف ولا للموقوف عليه ومنافعه ملك للموقوف عليه.

 د: وقال الحنابلة: إذا صح الوقف زال به ملك الواقف، وأما خبر (احْبِسِ الأَصْلَ وَسَبِّلِ الثَّمَرَ) (سنن الدارقطني) فالمراد به أن يكون محبوساً لا يباع ولا يوهب ولا يورث، وينتقل الملك عندهم في الوقف إلى الله تعالى إذا كان الوقف على مسجد ونحوه كمدرسة ورباط وقنطرة.

وينتقل الملك في العين الموقوفة إلى الموقوف عليه إذا كان آدمياً معيناً، أو جمعاً محصوراً كأولاده أو أولاد زيد، لأن الوقف سبب يزيل التصرف في الرجعة.

زوال الملك عن الوقف: في رأي أبي حنيفة يكون ذلك بأحد الأسباب التالية:

 أ: بإفراز مسجد.

 ب: بقضاء القاضي لأنه مجتهد فيه، أي يسوغ فيه الاجتهاد والاختلاف بين الأئمة فيكون الحكم فيه رافعاً للخلاف.

 ج: بالموت إذا عُلِّقَ به (إذا متُّ وقفت داري على كذا) فالصحيح أنه كالوصية تلزم من الثلث بالموت لا قبله.

 د: بقول الواقف: «وقفتها» في حياتي وبعد وفاتي مؤبداً.

واشترط المالكية لصحة الوقف (القبض) كالهبة. وقال الشافعية: الوقف عقد يقتضي نقل الملك في الحال (لأن الوقف على معين يشترط فيه عندهم القبول متصلاً بالإيجاب إن كان من أصل القبول، أو قبول وليِّه كالهبة).

أما الوقف على جهة عامة كالفقراء أو على مسجد فلا يشترط فيه القبول جزماً لتعذره.

وكذلك قال الحنابلة: يزول الملك ويلزم الوقف بمجرد التلفظ به.

عاشراً ـ الرجوع في الوقف:

ذهب الفقهاء إلى أن الوقف متى أصبح لازماً فلا يجوز الرجوع فيه، فلا يباع ولا يرهن ولا يوهب ولا يورث.

ولكن الفقهاء اختلفوا فيما لو شرط الواقف حين الوقف أن له الرجوع فيه، أو شرط أن له الخيار، فذهب الحنابلة والشافعية في الصحيح إلى أنه لا يصح الشرط ولا الوقف، فيكون الوقف باطلاً، وفي احتمال عند الحنابلة والشافعية ذكره ابن سريج أنه يصح الوقف ويبطل الشرط.

قال النووي: لو وقف بشرط الخيار، أو قال: وقفت بشرط أني أبيعه أو أرجع فيه متى شئت فباطل، واحتجوا له بأنه إزالة ملك إلى الله كالعتق، أو إلى الموقوف عليه كالبيع والهبة، وعلى التقديرين فهذا شرط مفسد.

أما وقف المسجد فلا يجوز الرجوع فيه ولا فيما وقف عليه ولا تغييره.

وأما الرجوع في وقف غير المسجد فهو عند أبي حنيفة جائز في حياة الواقف أي له أن يرجع في وقفه، كما يجوز له أن يغير في مصارفه وشروطه.

وأما بعد وفاة الواقف فلا يجوز الرجوع في الوقف لأنه تبرع لازم.

وعند المالكية لا يمكن الرجوع في الوقف إذا أراد الواقف ذلك، لأنه يلزم الوقف ولو لم يحز.

حادي عشر ـ وقف المدين ووقف المريض مرض الموت:

إذا كان الواقف مديناً بدين مستغرق ماله كله، وكان محجوراً عليه بناء على طلب الدائنين فلا ينفذ وقفه إلاّ إذا أجازه الدائنون. وذلك على اعتبار أن أداء الدين واجب، والوقف تبرُّع، والواجب مقدم على التبرع. ولأن المدين بدينٍ مستغرق قد يتخذ الوقف وسيلة للتهرب من حقوق الدائنين وإلحاق الضرر بهم، وهذا لا يجوز شرعاً. فسداً لهذا الباب يجعل وقفه متوقفاً على إجازة الدائنين، محافظة على حقوقهم.

وكذلك الحال في وقف المريض مرض الموت (وهو المرض الذي يقوم بالإنسان فيعجزه عن مباشرة أعماله التي كان يزاولها حال صحته وينتهي بالموت)؛ لأن مرض الموت يترتب عليه تعلق حقوق الدائنين بمال المريض من وقت نزول المرض به وقبل حصول الوفاة فعلاً، محافظة على حقوقهم، حتى لا يتصرف في ماله تصرفاً يؤدي إلى ضياع الحقوق.

ووقف المريض مرض الموت إذا لم يكن مديناً يأخذ حكم الوصية، ويكون صحيحاً ونافذاً، وللواقف أن يرجع عنه مادام حياً. فإذا مات وكان له وارث، وكان ما وقفه لا يزيد على الثلث نفذ الوقف في حدود الثلث وتوقف فيما زاد على الثلث على إجازة الورثة، فإن أجازوه نفذ، وإن لم يجيزوه بطل (وإن أجازه بعضهم من دون بعضهم نفذ الوقف في حق من أجازه، وبطل في حق من لم يجزه).

ثاني عشر ـ انتفاع الواقف بالموقوف:

الوقف على النفس باطل لأن الوقف تمليك إما للرقبة وإما المنفعة وكلاهما لا يصح هنا، إذ لا يجوز أن يملك المرء نفسه من نفسه، لكن إن فعل بأن وقف على نفسه ثم على ولده صُرِفَ الوقف في الحال إلى من بعده. وإن وقف على غيره كإنسان أو مسجد له الانتفاع بالموقوف في حالات هي:

1: أن يقف شيئاً للمسلمين فيدخل في جملتهم، كأن يقف مسجداً فله أن يصلي فيه أو بئراً فله أن يستقي منها أو مقبرةً فله الدفن فيها.

2: أن يشترط الواقف في الوقف أن ينفق منه على نفسه.

3: أن يشترط الواقف أن يأكل أهله من الوقف فيصح الوقف والشرط، ففيما يروى عن حُجر المَدري: «أن في صدقة رسول اللهr أن يأكل أهله منها بالمعروف غير المنكر».

كما ورد أنه: يجوز للواقف أن يجعل غلة الموقوف كلها أو بعضها لنفسه ما دام حياً، ثم من بعده لمن يشاء، وهذا ما ذهب إليه أبو يوسف والظاهرية والإمام أحمد في أحد قوليه، وحجتهم في ذلك أن رسول اللهr كان يأكل من وقفه، فعن أبي أمامةt: أن النبيr قال: «ما أنفق الرجل على نفسه وأهله وولده وخادمه فهو صدقة» (رواه ابن ماجه).

والوقف لا يحل الأكل منه إلا بشرط، فكان هذا دليلاً على أنه يصح للواقف أن يجعل غلة الوقف كلها أو بعضها لنفسه، كما يتحقق من هذا الرأي التيسير على الناس، والترغيب لهم في الوقف.

ثالث عشر ـ قواعد استبدال الوقف في حال الخراب:

أجاز الحنفية استبدال الوقف وبيعه للضرورة بشروط وقيود، فقد وضعوا ستة شروط لاستبدال عقار الوقف ـ غير المسجد ـ:

1: أن يصبح الموقوف عديم المنفعة.

2: ألا يكون هناك ريع للموقوف يعمر به.

3: ألا يكون البيع بغبن فاحش.

4: أن يكون المستبدِل من ذوي العلم والعمل، يعلم بالمسألة ويقضي بالعدل من دون جور أو محاباة لأحد غير مصلحة الوقف.

5: أن يستبدل به عقار لا دراهم ودنانير لئلا يأكلها النظار.

6: ألا يبيعه القاضي لمن لا تقبل شهادته له، كالأصول والفروع، ولا لمن عليه دين خشية التهمة والمحاباة.

فإذا لم تتوافر هذه الشروط كان البيع باطلاً لا فاسداً.

ويمكن الأخذ للحاجة أو الضرورة برأي الحنابلة بالاكتفاء بضعف مصلحة الوقف أو قلة نفعه وأن غيره أنفع منه، من غير اشتراط انعدام الفائدة كلياً. وأجازوا شراء أي شيء بثمن الوقف سواء كان من جنس الموقوف أم من غير جنسه.

رابع عشر ـ مبطلات الوقف:

يبطل الوقف برأي فقهاء المذاهب الأربعة إذا اختل شرط من شروطه؛ لأن شرائط الواقف معتبرة إذا لم تخالف الشرع، وقد قسم الفقهاء الشروط إلى ثلاثة أقسام:

ـ شروط باطلة ومبطلة للوقف مانعة من انعقاده لأنها تنافي لزوم الوقف.

ـ شروط باطلة إذا شرطها الواقف صح الوقف وبطل الشرط.

ـ شروط صحيحة: يصح الوقف والشرط فيها.

وهذه الشروط بأنواعها تختلف من مذهب لآخر، وقد فصَّل المالكية في مبطلات الوقف وأهمها:

1: حدوث مانع مثل إن مات الواقف أو أفلس أو مرض مرضاً متصلاً بموته قبل القبض بطل الوقف. ورجع للوارث في حال الموت وللدائن في حال الإفلاس فإن أجازه نفذ و إلا بطل.

2: إن أخذ غلة ما وقف لنفسه.

3: إن وقف على معصية أو وقف على حربي ويصح الوقف على الذمي.

4: وقف الكافر لنحو مسجد أو رباط أو مدرسة أو غيرها من القرب الإسلامية وهذا رأي الحنفية.

وينتهي الوقف بانتهاء المدة المعينة إن كان مؤقتاً، أو انقراض الموقوف عليهم، كما ينتهي بالتخريب ويصير الوقف المنتهي ملكاً للواقف إن كان حياً وإلا لمستحقه وقت الحكم بانتهائه.

 

مراجع للاستزادة:

 

ـ عزة عمر الرباط، الوقف والبيئة حجج وأدلة، ط1 (دار الفكر، دمشق 2009).

ـ وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته، ط2 (دار الفكر، دمشق 1405هـ/ 1985م).

ـ وهبة الزحيلي، قضايا الفقه والفكر المعاصر، ط1 (دار الفكر، دمشق 1427هـ/ 2006م).

ـ وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الموسوعة الفقهية، ط2 (مطبعة ذات السلاسل، دولة الكويت 1408هـ/ 1988م).


التصنيف : العلوم الشرعية
النوع : العلوم الشرعية
المجلد: المجلد السابع: المحكمة الجنائية الدولية _ ولاية المظالم في الإسلام
رقم الصفحة ضمن المجلد : 532
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 39
الكل : 12469043
اليوم : 9932