logo

logo

logo

logo

logo

النيابة العامة

نيابه عامه

public prosecution - Ministère public

 النيابة العامة

النيابة العامة

 

محمود طه جلال

نشأة النيابة العامة

تنظيم النيابة العامة

وظائف النيابة العامة

خصائص النيابة العامة

طبيعة النيابة العامة

 

النيابة العامة Ministère public هيئة تقوم بتمثيل المجتمع في توجيه الاتهام ومباشرته توصلاً إلى اقتضاء حق الدولة في العقاب، فالجريمة اعتداء على القيم والمصالح المعتبرة للمجتمع يتخذ شكل الضرر أو الخطر الذي لا يقتصر أثره على الفرد بل يتعداه إلى المجتمع، ومن ثم كان للمجتمع الحق في عقاب فاعلها، فهو إذاً صاحب الدعوى العامة، لكن ليس في مستطاعه أن يقيمها ويتابعها، لذا فإنه يفوض بقانون جهاز النيابة العامة للقيام بهذه المهمة.

أولاً ـ نشأة النيابة العامة:

الحقيقة أن فكرة النيابة لم تكن معروفة في المجتمعات البدائية بسبب سيطرة مبدأ الانتقام الفردي حيث كان الفرد يقتص لنفسه إذا كان قادراً على ذلك، فالقوة تنشئ الحق وتحميه، ثم تطور الأمر إلى الانتقام الجماعي الذي تمارسه العشيرة أو القبيلة على المعتدي الذي لا ينتمي إليها. ولكن مع انتقال الإنسان إلى مرحلة الزراعة أصبح أكثر استقراراً، فوجد أن العدالة الفردية واقتضاء الفرد لحقه بنفسه استناداً إلى قانون القوة بما يتضمنه من صراع وعنف ـ والذي نشأ من قبل ـ ليس دائماً هو السبيل الأمثل لإشباع الغرائز والحاجات؛ لأنه سيؤدي في الغالب إلى صراعات تتعدى نطاق الفرد وتهدد العشيرة، وهذا ما يهدد الاستقرار الذي أحسّ الإنسان بقيمته فلم يعد مستعداً للتخلي عنه، مما انعكس في قواعد تجريم وعقاب لها خصائص مميزة فكانت البدايات الأولى للفكر القانوني، فراح الإنسان يفتش عن وسائل تحمي هذا الاستقرار فابتدع نظام الدّية التي وصفها بعض الأشخاص بأعظم حيلة ابتدعها الإنسان لحقن الدماء وأزكاها؛ لأنها ليست مقابلاً للدم المسفوح بقدر ما هي افتداء للدم الذي سيسفح، ولكن نظام الدّية لم يكن كافياً لحماية الاستقرار المنشود لأنه لم يكن إجبارياً؛ فإذا رفض المعتدى عليه أو ذووه الدية وأصروا على الثأر؛ فهذا معناه تجدد الصراع والعنف وتهديد الاستقرار الذي ينعم به مجتمع القبيلة أو العشيرة، وهذا ما دفع المجتمع إلى التدخل لفرض الدية وجعلها إجبارية؛ وتخصيص جزء منها لشيخ القبيلة أو العشيرة مقابل القيام بالاقتصاص من الجاني وتعقبه نيابة عن المعتدى عليه إن هو رفض الدّية.

ويلاحظ أنه بالرغم من نشوء فكرة النيابة فإنها لم تنجح في القضاء على مبدأ اللجوء إلى القوة والعدالة الفردية أو اقتضاء الحق بالذات، وهو ما تطلب حقبة طويلة من التطور انتهت إلى هجر مبدأ القوة واللجوء إلى مبدأ العدالة المجتمعية وسيطاً في الملاحقة واقتضاء الحقوق الذي مرّ بعدة مراحل، كان أولها نظام الاتهام الشخصي؛ إذ يترك للمتضرر وحده الحق في ملاحقة الجاني وإثبات الجريمة، ومجال هذا النظام هو الجرائم التي اصطلح على تسميتها بالجرائم الخصوصية وهي الجرائم التي ينشأ منها ضرر فردي، ثم نظام الاتهام الشعبي الذي يعطي الحق لكل أفراد المجتمع بالادعاء وملاحقة الفاعل، وهو النظام الذي كان متبعاً في أثينا في الجرائم العامة التي تصيب بالضرر المجتمع بأسره، وهو نفسه نظام الحدود في الشريعة الإسلامية، ثم نظام الاتهام القضائي والذي يجمع سلطة الملاحقة والحكم في جهة واحدة حيث يقيم القاضي الدعوى العامة إذا علم أو أخبر بها ثم يحكم على الفاعل بالعقوبة المقررة، وأخيراً ظهر نظام الاتهام العام الذي يجعل إقامة الدعوى حقاً من حقوق هيئة أو موظف مختص يمارس بالنيابة عن المجتمع، وهو ما آل إليه تطور مؤسسة النيابة العامة والذي تأخذ به غالبية التشريعات الإجرائية المعاصرة ومنها التشريع السوري. ويخصص هذا البحث للحديث عن تنظيم النيابة العامة وخصائصها ووظائفها.

ثانياً ـ تنظيم النيابة العامة:

يتولى أعمال النيابة العامة لدى المحاكم السورية نائب عام يعاونه محام عام أول وعدد كاف من المحامين العامين ورؤساء النيابة ووكلاؤها ومساعدوها ومعاونوها المادة (10) من قانون أصول المحاكمات الجزائية السوري والمادة (56) من قانون السلطة القضائية، ويلاحظ أن النائب العام هو رأس النيابة العامة وهو الأصيل في ممارسة اختصاصها، أما باقي أعضاء النيابة فهم تابعون له ويستمدون منه صفتهم النيابية وكلاء مفترضين عنه.

وفي سورية يقوم بتأدية وظيفة النيابة العامة أمام محكمة النقض النائب العام أو محام عام أو أحد رؤساء النيابة، ويقوم بتأدية هذه الوظيفة أمام سائر المحاكم الأخرى من سبق ذكرهم أو أحد وكلاء النيابة أو مساعديها أو معاونيها.

ويكون تعيين النائب العام أو المحامي العام الأول من بين مستشاري محكمة النقض، أو مستشاري محاكم الاستئناف، أو من في درجتهم من رجال القضاء أو النيابة. ولا يجوز أن يعين في وظيفة المحامي العام إلا من يجوز تعيينه في وظيفة مستشار في محاكم الاستئناف.

ثالثاً ـ وظائف النيابة العامة:

1ـ الاختصاص الأساسي للنيابة العامة:

أ ـ تحريك الدعوى الجزائية ومباشرتها، وذلك بتفويض من المجتمع ونيابة عنه، فتقيم الدعوى العامة أو الجزائية وتتابع سيرها حتى النهاية، وهو ما نصت عليه المادة الأولى من قانون أصول المحاكمات الجزائية السورية التي جاء فيها: "تختص النيابة العامة بإقامة دعوى الحق العام ومباشرتها ولا تقام من غيرها إلا في الأحوال المبينة في القانون"، كما نصت المادة (58) من قانون السلطة القضائية على أنه: "تمارس النيابة العامة الاختصاصات الممنوحة لها قانوناً، ولها دون غيرها الحق في رفع الدعوى الجزائية ومباشرتها ما لم يوجد نص في القانون على خلاف ذلك". وهو ما نصت عليه المادة الأولى من قانون الإجراءات الجزائية المصري في فقرتها الأولى بقولها: "تختص النيابة العامة دون غيرها برفع الدعوى الجزائية ومباشرتها، ولا ترفع من غيرها إلا في الأحوال المبينة في القانون". وبما أن النيابة مفوضة من قبل المجتمع بإقامة دعوى الحق العام ومباشرتها فيجب عليها ألا تخرج عن حدود هذا التفويض، فهي لا تملك الدعوى العامة بعد أن تحركها، بل تغدو الأمينة عليها وهذا ما أشارت إليه المادة الأولى من قانون أصول المحاكمات الجزائية السوري في فقرتها الثالثة حيث جاء فيها: "ولا يجوز تركها أو وقفها أو تعطيل سيرها إلا في الأحوال المبينة في القانون". فلا يجوز للنيابة العامة بعد إقامة الدعوى أن تتنازل أو تتخلى عنها أو تتصالح مع المدعى عليه بعوض أو من دون عوض، فمتى دخلت الدعوى حوزة المحكمة أصبح من واجبها متابعتها حتى البت في مصيرها، فلا يجوز لها أن تسحبها ولو تبين لها أنها رفعت خطأ، فهي لا تملك حينئذ إلا أن تعرض الأمر على المحكمة التي يكون لها مطلق الحرية في تقدير الأمر وإصدار الحكم المناسب.

ب ـ اختصاص النيابة العامة بالتحقيق: تتولى النيابة العامة في بعض التشريعات سلطة التحقيق الرئيسية، فضلاً عن كونها سلطة الادعاء. كما هو الحال في قانون الإجراءات الجزائية المصري المعدل بالمرسوم بقانون رقم (353) سنة 1952، والذي بموجبه أصبح للنيابة سلطة التحقيق في جميع الجرائم، ولها الحق في طلب ندب قضاة للتحقيق، وذلك على خلاف ما كان الوضع عليه في التشريع المصري قبل تعديله في عام 1952؛ إذ كان للنيابة سلطة الادعاء والتحقيق في الجنح والمخالفات فقط من دون الجنايات التي يتم التحقيق بها بواسطة قاضي تحقيق. وفي المملكة العربية السعودية تم مؤخراً إنشاء هيئة التحقيق والادعاء العام وتم تخويلها سلطتي الادعاء والتحقيق والتي نصت عليها المادة (3) من نظام هيئة التحقيق والادعاء حيث حددت اختصاصات الهيئة:

> التحقيق في الجرائم.

> التصرف في التحقيق برفع الدعوى أو حفظها طبقاً لما تحدده اللوائح.

> الادعاء أمام الجهات القضائية وفقاً للائحة التنظيمية.

الاختصاصات الأخرى للنيابة العامة: للنيابة العامة اختصاصات أخرى لا تقل أهمية عن الاختصاصات السابقة:

> تنفيذ الأحكام الجزائية الواجبة التنفيذ المادة (444) من قانون أصول الحاكمات الجزائية، ولها عند الضرورة أن تستعين بالقوة العسكرية.

> تتولى النيابة العامة الإشراف على السجون وغيرها من الأماكن التي تنفذ فيها الأحكام الجزائية، ويحيط النائب العام وزير العدل بما يبدو للنيابة العامة من ملاحظات في هذا الشأن، المادة (15) من قانون أصول المحاكمات الجزائية السوري. كما تتولى الإشراف على الأعمال المتعلقة بنقود المحاكم، ورعاية مصالح عديمي الأهلية والغائبين والتحفظ على أموالهم، والإشراف على إدارتها، ولها التدخل كطرف منضم في بعض القضايا المدنية المرفوعة أمام القضاء، ولكنها لا تعد خصماً وإنما مجرد عون للمحكمة فتبدي رأيها بصفة استشارية. وهذه الاختصاصات القانونية هي ذاتها تقريباً المنصوص عليها في المادة الثالثة من نظام هيئة التحقيق والادعاء العام في القانون السعودي.

وفيما يتعلق بممارسة الاختصاص المقرر لأعضاء النيابة العامة في الادعاء والملاحقة فإن نطاق هذا الاختصاص وحدوده يتفاوت تبعاً لدرجاتهم. فللنائب العام اختصاص عام بإقامة الدعوى العامة ومباشرتها نيابة عن المجتمع في سائر أنحاء البلاد، يقوم بذلك بنفسه أو بواسطة أحد أعضاء النيابة. وله فوق ذلك اختصاصات ذاتية قصد منها تمكينه من الإشراف على أعضاء النيابة؛ وتدارك السهو أو إصلاح الخطأ الذي يقع من أحدهم. وهذه الاختصاصات الذاتية لا يباشرها غيره، فلا يجوز لأي من أعضاء النيابة أن يباشر عملاً فيها استناداً إلى علاقة الوكالة التي تربطه بالنائب العام؛ كتحريك الدعوى العامة في الجرائم المرتكبة من القضاة. أما بقية أعضاء النيابة العامة فيقومون بأعمال النيابة العامة التي يفوضهم بها النائب العام، فيستمدون منه صفتهم النيابية المادة (13/1) من قانون أصول المحاكمات الجزائية السوري، ومن ناحية أخرى فإن للنائب العام سلطة القيام بأعمال النيابة العامة في جميع أنحاء الجمهورية، أما بقية أعضاء النيابة العامة فيلتزمون في أعمالهم حدود اختصاصهم المكاني، وهذا يتحدد بدائرة المحكمة المعين أمامها عضو النيابة العامة، ولا يجوز له القيام بذلك في دائرة محكمة أخرى.

رابعاً ـ خصائص النيابة العامة:

1ـ تبعية أعضاء النيابة لرؤسائهم (ارتباطهم التسلسلي): يخضع أعضاء النيابة لقاعدة التبعية والتدرج الرئاسي، وهم يأتمرون بأوامر رؤسائهم بترتيب درجاتهم الوظيفية، وجميعهم يخضعون للنائب العام ومن ثم لوزير العدل، وهو ما نصت عليه المادة (137) من الدستور السوري من أن النيابة العامة مؤسسة قضائية يرأسها وزير العدل والمادة (56) من قانون السلطة القضائية السوري بفقرتها الأولى: "يتولى النيابة العامة قضاة يمارسون الاختصاصات الممنوحة لهم قانوناً، وهم مرتبطون بقاعدة تسلسل السلطة، ويرأسهم وزير العدل"، والثانية: "يلزم قضاة النيابة العامة في معاملاتهم ومطالباتهم الخطية باتباع الأوامر الخطية الصادرة إليهم من رؤسائهم". والمادة (10/1) من قانون أصول المحاكمات الجزائية السوري من أن أعضاء النيابة مرتبطون بقاعدة تسلسل السلطة وتابعون لوزير العدل، وهو ما نصت عليه المادة (26) من قانون السلطة القضائية.

ويلاحظ أن تلك التبعية على نوعين:

أ ـ تبعية أعضاء النيابة العامة لوزير العدل: وهي تبعية إدارية له عليهم حق الرقابة والإشراف والتوجيه من الناحية الإدارية، وذلك على شكل قرارات وبلاغات وأوامر، يترتب على مخالفتها من قبل عضو النيابة مسؤوليته المسلكية، ولكن ليس لوزير العدل غير ذلك، فليس له أي اختصاص في تحريك الدعوى العامة وممارستها. ويبنى على هذا أنه إذا أمر وزير العدل النائب العام أو أحد وكلائه بعدم إقامة الدعوى العامة إثر اقتراف جريمة من الجرائم فلم يذعن ورفعها فإنها تكون ـ على الرغم من أمر الوزير ـ مقبولة أمام القضاء، وإذا أمره بالطعن استئنافاً في حكم من الأحكام الجزائية فلم يفعل ذلك إلا بعد أن انقضاء ميعاد الاستئناف؛ فلا يقبل الاعتذار أمام المحكمة بذلك الأمر لتبرير رفع الاستئناف بعد الميعاد.

ب ـ تبعية أعضاء النيابة العامة للنائب العام: وهي نيابية وإدارية؛ ذلك أن النائب العام هو القائم على الدعوى العامة، ويعدّ أعضاء النيابة العامة وكلاء عنه في مباشرتها يستمدون منه صفتهم النيابية، وهي نيابة مفترضة فيكون كل تصرف مستند إليه صحيحاً إلى أن يصدر من النائب العام صاحب الاختصاص الأصيل ما يحد منها، وهذا ما يسمى بالتبعية النيابية لأعضاء النيابة للنائب العام. ولهم تبعية إدارية أيضاً، إذ يراقب النائب سير الأعمال التي يقوم بها أعضاء النيابة العامة لدى المحاكم المختلفة، وله أن يبلغهم الملاحظات التي تبدو له برسائل أو ببلاغات عامة المادة (11/2) من قانون أصول المحاكمات الجزائية. يترتب على ذلك أن كل مخالفة لأوامر النائب العام من قبل أعضاء النيابة العامة تؤدي إلى بطلان أعمالهم قانوناً لخروجها عن حدود ما أوكل إليهم، وهو ما قصدته المادة (13/1) من قانون أصول المحاكمات الجزائية من أنه يقوم أعضاء النيابة بأعمال النيابة العامة التي يفوضهم بها النائب العام. ولكن أعضاء النيابة لا يستمدون سلطتهم من النائب العام إلا فيما يتعلق بالسلطة الأصلية المنوطة بهم؛ أي سلطة الادعاء العام، أما فيما يتعلق بسلطة التحقيق التي يخولهم إياها القانون في بعض الحالات ـ كحالة الجرم المشهود ـ فإن سلطتهم قضائية محضة يحلون فيها محل قاضي التحقيق، ويستمدون سلطتهم فيها من القانون مباشرة، وليس للنائب العام فيها إلا الإشراف الإداري.

وحدة النيابة العامة (عدم تجزئة النيابة العامة): تؤلف النيابة العامة وحدة متماسكة بحيث يعدّ أعضاء النيابة العامة من الناحية القانونية كما لو كانوا شخصاً واحداً. فإذا قام أحدهم بمباشرة الدعوى فإنه لا يفعل ذلك باسمه وإنما باسم النيابة العامة، لذلك فإن كل عضو من أعضاء النيابة يستطيع أن يكمل عمل العضو الآخر أو يحل محله في أداء مهمته، فإذا قام أحد الأعضاء بتحريك الدعوى العامة فليس ما يمنع من أن يمثل النيابة لدى المحكمة عضو غيره، ويقوم بالمرافعة عضو ثالث، ثم يقوم بالطعن في الحكم عضو رابع؛ أي إن النيابة العامة تعدّ كلاً لا يتجزأ. ويرجع مبدأ عدم التجزئة هذا إلى أن أعضاء النيابة العامة يعدّون ممثلين عن المجتمع في مباشرة الدعوى العامة، فيعدّ عمل كل منهم صادراً عن المجتمع في مجموعه. كما أن أعمالهم لا تصل إلى درجة خطورة أعمال القضاة فهم خصوم يتقدمون بطلباتهم ومطالعاتهم والقرار في النهاية للمحكمة.

استقلال النيابة العامة: من المبادئ المقررة أن النيابة العامة تستقل في أداء مهامها عن القضاء فتقيم دعوى الحق العام وتباشرها أمام قضاء التحقيق والحكم، وعلى القاضي أن يسمع أقوالها ويفصل في طلباتها. وبالتالي لا يعمل عضو النيابة تحت إشراف القاضي ورقابته، كما لا يخضع القاضي لطلبات عضو النيابة، فكل منهما يستقل بوظيفة متميزة خاصة به. وينتج من هذا الاستقلال ما يلي:

> لا يجوز للمحكمة أن تأمر النيابة العامة برفع دعوى على شخص أو تكلفها بإجراء تحقيق في دعوى مرفوعة أمامها، فالادعاء من وظائف النيابة العامة، والتحقيق النهائي أو المحاكمة والحكم عمل المحكمة التي تم رفع الدعوى إليها.

> للنيابة العامة الحرية التامة في بسط آرائها لدى المحاكم في الدعوى الجزائية المطروحة عليها من دون أن يكون للمحاكم أي حق في الحد من تلك إلا ما يقضي به النظام وحقوق الدفاع، وألا ينبو عن المنطق الدقيق.

> ليس للمحكمة أن توجه لوماً أو تنبيهاً أو ملاحظة ـ فيها مساس بأي طريقة من الطرق ـ شفهياً أو خطياً إلى النيابة العامة. فإذا وجدت عليها مأخذاً فليس أمامها إلا أن تبلغ ذلك وزير العدل أو النائب العام؛ على أن يكون ذلك بصفة سرية حرصاً على حرية النيابة العامة.

عدم جواز رد النيابة العامة: لأن النيابة العامة خصم أصلي وضروري في الدعوى الجزائية، وليس للخصم أن يرد خصمه. وإذا كان القانون قد أجاز في بعض الحالات رد القضاة، بل أوجب عليهم التنحي في بعضها الآخر؛ فإن أعضاء النيابة العامة غير خاضعين لأحكام الرد والتنحي، وبالتالي لا يجوز رد عضو النيابة العامة في المسائل الجزائية لأنه يعدّ دوماً خصماً أصلياً، ولا يجوز للخصم أن يتنصل من خصومة الطرف الآخر في الدعوى؛ فضلاً عن أن النيابة تمثل سلطة الاتهام؛ وطلباتها غير ملزمة للمحكمة بل تدخل في مطلق تقديرها.

5ـ عدم مسؤولية النيابة العامة: القاعدة أن أعضاء النيابة العامة لا يسألون عن أخطائهم في ممارسة الدعوى العامة وفي التحقيق، فلا تجوز مطالبتهم بتعويضات عما يتخذونه ضد المتهم من إجراءات ماسة بحريته؛ أو عن رفعهم الدعوى عليه، ولو ظهر بالنتيجة خطؤهم في التقدير، وقضي ببراءة المتهم مما عزي إليه. والحكمة من ذلك أن تهديد أعضاء النيابة بمسؤوليتهم عما يقع منهم من أخطاء قد يدعوهم إلى التردد في ممارسة وظائفهم، ومع ذلك فقد قرر القانون مسؤولية أعضاء النيابة العامة في بعض الأحيان إذا وقع منهم في عملهم غش أو تدليس أو غدر أو خطأ مهني جسيم؛ إذ يمكن ملاحقتهم عن طريق دعوى المختصمة، شأنهم في ذلك شأن القضاة وفقاً لما نص عليه قانون أصول المحاكمات المدنية المادة (486) وما بعدها.

6ـ عدم ارتباط النيابة العامة بمطالبها: القاعدة أن الخصم الذي يحكم له بما طلب ليس له أن يطعن بهذا الحكم لانعدام مصلحته في ذلك، لكن هذا لا ينطبق على النيابة العامة، فهي خصم عام وعادل، لا مصلحة خاصة لها، فهي تسعى إلى إحقاق الحق وتوفير العدالة وإظهار الحقيقة سواء كانت في جانب المدعى عليه أم ضده. وتأسيساً على ذلك إذا حكم بإدانة المدعى عليه بناء على طلبها؛ فيجوز لها الطعن بهذا الحكم إذا تبين لها أنه غير سليم أو جائر، ولا يحتج في مواجهتها بأن الحكم جاء ملبياً لرغباتها.

خامساً ـ طبيعة النيابة العامة:

قد يحار المدقق بخصائص النيابة العامة في الحكم على طبيعتها، فإذا كانت تابعة حقاً للسلطة التنفيذية؛ أي لوزير العدل فما الداعي في المادة (137) من الدستور السوري لوصفها بأنها "مؤسسة قضائية"؟ وفي المادة (10) من قانون أصول المحاكمات الجزائية السوري لوصف أعضائها بأنهم قضاة؟ انقسم الفقه حول هذه المسألة إلى رأيين:

1ـ الرأي الأول: يرى أن النيابة شعبة من شعب السلطة التنفيذية يرأسها وزير العدل، وأعضاؤها ليسوا قضاة بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، لأنهم لا يقومون بما يقوم به القضاة من أعمال. والمشرع السوري ـ بعكس المشرع المصري ـ لم يعطهم سلطة التحقيق الابتدائي وإصدارها؟ ما يسمى بالأوامر الجزائية وسلطة ملائمة تحريك الدعوى العامة حين يكون الفعل الجرمي بسيطاً.

ولكن يؤخذ على هذا الرأي أن النيابة العامة لا تمثل السلطة التنفيذية وحدها أمام المحاكم، بل تمثل المجتمع بأسره، ومن هنا فإن لها شخصية مركبة أو مختلطة تأخذ من القضاة بعض صفاتهم وميزاتهم، فيسمح القانون بالانتقال ما بين ملاكها وملاك القضاة؛ وتمثيلها أمام المحاكم كجزء من تشكيلها، وإذا أريد مساءلتها فعن طريق مخاصمة القضاة. وفي نيابتها عن المجتمع تأخذ صفة الخصم ضد الجاني، لكنها خصم من نوع خاص.

أما الرأي الثاني: فيرى أن النيابة العامة تعدّ هيئة قضائية تتكون من عدد من رجال القضاء يقومون بأعمال قضائية، فيشاركون في جلسات المحاكم بحيث يبطل تشكيل المحكمة إذا لم تكن النيابة ممثلة في الجلسة. ولا يغير من هذه الحقيقة توزيع أعباء القضاء بين سلطة مباشرة الدعوى من ناحية، وسلطة الحكم من ناحية أخرى. كذلك لا يغير من هذا الواقع كون أعضاء النيابة العامة تابعين لوزير العدل؛ لأن هذه التبعية مقصورة على حق الوزير في الإشراف عليهم إدارياً والتأكد من أدائهم للأعمال الموكولة إليهم، فرئاسة وزير العدل على أعضاء النيابة العامة إدارية فقط، له عليهم حق الإشراف والرقابة والتوجيه على شكل قرارات وبلاغات وأوامر يترتب على مخالفتها من قبل عضو النيابة العامة مسؤولية مسلكية.

 

مراجع للاستزادة:

 

ـ محمد عطية راغب، نظام النيابة العامة في التشريع العربي (المكتبة الانجلو مصرية، القاهرة، طبعة بدون تاريخ أو رقم).

ـ عبد الوهاب حومد، أصول المحاكمات الجزائية (المطبعة الجديدة، ط4، دمشق 1987).

ـ حسن صادق المرصفاوي، أصول الإجراءات الجنائية (منشأة المعارف، الإسكندرية 1972).

ـ عبد الفتاح مراد، أصول أعمال النيابات والتحقيق الجنائي العملي (المكتبات الأخرى، الإسكندرية 1991).

ـ عوض محمد عوض، قانون الإجراءات الجزائية (دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية 1990).

ـ محمد الفاضل، الوجيز في أصول المحاكمات الجزائية (منشورات جامعة دمشق، 1977).

ـ محمود طه جلال، أصول التجريم والعقاب في السياسة الجزائية المعاصرة، رسالة دكتوراه (عين شمس، 2004).


التصنيف : القانون الجزائي
النوع : القانون الجزائي
المجلد: المجلد السابع: المحكمة الجنائية الدولية _ ولاية المظالم في الإسلام
رقم الصفحة ضمن المجلد : 499
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 73
الكل : 12586859
اليوم : 3239