logo

logo

logo

logo

logo

المسؤولية العقدية

مسووليه عقديه

contract responsibility - responsabilité contractuelle

 المسؤولية العقدية

المسؤولية العقدية

محمد حاتم البيات

شروط تحقق المسؤولية العقدية

أركان المسؤولية العقدية

مدى الاتفاق على تعديل أحكام المسؤولية العقدية

 

تعرف المسؤولية عموماً بأنها "حالة الشخص الذي ارتكب أمراً يستوجب المؤاخذة". وتعرف أيضاً بأنها "حالة الشخص الذي ارتكب أمراً يستوجب إلزامه بتعويض ما سببه من ضرر للغير".

والمسؤولية المدنية تنقسم إلى قسمين: مسؤولية عقدية ومسؤولية تقصيرية، فأما الأولى فتقوم في حال الإخلال بالتزام عقدي؛ وهي مجال البحث، أما الثانية ـ وهي المسؤولية التقصيرية ـ فتقوم في حال الإخلال بواجب قانوني.

أولاً ـ شروط تحقق المسؤولية العقدية:

المسؤولية العقدية في حقيقتها هي جزاء الإخلال بالتزام ناشئ من عقد بين المسؤول والمضرور، ذلك يعني أن إرادة أطراف العقد ـ وهي التي أنشأت الالتزام العقدي ـ يمكن أن تتدخل في تحديد الجزاء الذي يترتب على الإخلال به، ولو كان تدخلها بما يخالف الجزاء الذي قرره المشرع، وهو ينظم المسؤولية.

إن قيام المسؤولية العقدية يفترض أن يكون هناك عقد صحيح واجب التنفيذ لم يقم المدين بتنفيذ التزامه العقدي، وهذا في الواقع ما يدعى بشروط تحقق المسؤولية العقدية، فما هي تلك الشروط؟

1ـ وجود عقد بين المسؤول والمضرور: يشترط القانون لقيام المسؤولية العقدية وجود عقد بين الدائن والمدين يتضمن التزامات محددة سواء كان ملزماً للجانبين أم ملزماً لجانب واحد. وإذا لم يوجد عقد أصلاً (كحالة النقل بالمجان على سبيل المجاملة، حالة الخطأ الواقع في مرحلة المفاوضات السابقة على إبرام العقد) فلا تقوم المسؤولية العقدية، وإنما يتعين إثارة قواعد المسؤولية التقصيرية. ففي حال النقل المجاني كما هي الحال عندما يجامل صديق صديقه، فيدعوه للركوب معه في السيارة، أو في حال دعوة شخص لآخر على تناول الغداء، ففي مثل هذه الأحوال وغيرها لو وقع خطأ أدى إلى ضرر تقوم المسؤولية التقصيرية، وليس المسؤولية العقدية. والفقه يعتقد أنه يجب في هذه الحالات التمييز بين العقد واتفاق الإرادتين على سبيل المجاملة حيث لا تتجه الإرادتان إلى إحداث أثر قانوني معيّن. لا يكفي في الواقع وجود عقد لقيام المسؤولية العقدية، بل يجب أن يكون هذا العقد مبرماً بين المسؤول عن الضرر (المدين) والمتضرر (الدائن). فمن يحرض آخر على عدم تنفيذ التزامه العقدي يكن مسؤولاً قبل المتضرر مسؤولية تقصيرية؛ لأنه لا يوجد رابطة عقدية بينهما، في حين أنه يكون المتعاقد الذي أخل بتنفيذ هذه الالتزامات مسؤولاً أمام المتضرر مسؤولية عقدية.

وقد أثار هذا الشرط بعض الشك فيما يتعلق بجواز رجوع المنتفع على المتعهد في الاشتراط لمصلحة الغير على أساس المسؤولية العقدية. وقد اتجه القضاء الفرنسي إلى إعطاء المنتفع حق إثارة دعوى المسؤولية العقدية على الرغم من أنه ليس طرفاً في العقد لكن على اعتبار أنه يتلقى من عقد الاشتراط لمصلحة الغير حقاً مباشراً يجيز له مطالبة المتعهد بتنفيذ التزاماته. وقد ورد تطبيق عملي لهذه المسألة بالنسبة إلى عقد النقل، فإذا أخل أمين النقل بالتزاماته التعاقدية بضمان سلامة الوصول بمواجهة المسافر وزوجه وأولاده كان لهؤلاء باعتبارهم منتفعين الرجوع عليه بناءً على قواعد المسؤولية المدنية العقدية.

وكذلك الأمر يعدّ الخلف العام والخلف الخاص والمنتفع بمنزلة أطراف في العقد. فلو أمن شخص على مسؤوليته من الأضرار التي تحدثها مركبته للغير، وتحققت هذه المسؤولية؛ فإنها ستكون حتماً وفق قواعد المسؤولية العقدية لوجود علاقة عقدية بين المالك وشركة التأمين إلا أن مسؤولية شركة التأمين نحو المتضرر من حوادث السير ستكون مسؤولية تقصيرية لانتفاء الرابطة التعاقدية.

2ـ أن يكون العقد صحيحاً وتاماً: ويشترط أن يكون العقد صحيحاً وتاماً ـ وإن لم يرد بشأن هذا الشرط نص قانوني في القانون المدني السوري وغيره من التشريعات العربية الأخرى ـ لكنه يستنتج من طبيعة المسؤولية المدنية العقدية والتي تقوم على أساس عدم تنفيذ الالتزامات الناشئة من العقد على نحو صحيح ومشروع، فلو كان الالتزام لا يستند إلى سبب صحيح أو كان سببه غير مشروع، أو كان مخالفاً للنظام العام أو الآداب العامة؛ فلا يلزم المدين بتنفيذه، وعلى العكس جاز له أن يطلب إبطال هذا العقد القابل للإبطال.

كذلك الأمر إذا كان الالتزام قد نشأ فيه غلط أو تدليس فإن العقد الذي تضمنه يكون غير صحيح ولا تامٍ. وبناءً على ذلك إذا كان العقد باطلاً أو قابلاً للإبطال، وتقرر بطلانه؛ فلا تقوم المسؤولية العقدية، بل المسؤولية التقصيرية. وقد أتى المشرع السوري في القانون المدني بتطبيق لهذا الشرط في المادة (120) والتي قضت على أنه: "يجوز لناقص الأهلية أن يطلب إبطال العقد، وهذا مع عدم الإخلال بالتزامه بالتعويض؛ إذا لجأ إلى طرق احتيالية؛ ليخفي نقص أهليته" (تقابل المادة 119 مدني مصري، والمادة 114 مدني جزائري، والمادة 123 مدني قطري، والمادة 122 موجبات وعقود لبناني).

يتبين من هذا النص أنه إذا صدر قرار قضائي بإبطال العقد لنقص أهلية المتعاقد؛ فلا يمنع ذلك من الرجوع عليه بناءً على قواعد المسؤولية المدنية التقصيرية بسبب الطرق الاحتيالية التي استعملها لإخفاء نقص أهليته. فمن حق ناقص الأهلية أن يطلب إبطال العقد، بيد أنه ملزم بالتعويض عن خطئه التقصيري. والقضاء الفرنسي يرى أن أنسب تعويض في هذه الحال هو رفض دعوى الإبطال وإلزام ناقص الأهلية بتنفيذ بنود العقد.

وأشاد الفقه الألماني بنظرية قديمة تدعى بنظرية الخطأ عند تكوين العقد، مفادها أن المسؤولية الناجمة عن هذه الحالة هي مسؤولية عقدية، وليست تقصيرية.

3ـ أن يكون الضرر ناشئاً من عدم تنفيذ التزام تعاقدي: يشترط القانون أيضاً لقيام المسؤولية التعاقدية أن يكون الضرر الذي لحق بالمتضرر راجعاً إلى عدم تنفيذ المدين لالتزامه التعاقدي. ولا تقوم هذه المسؤولية إذا لم ينسب الضرر الواقع إلى عدم تنفيذ المدين لالتزاماته في العقد، فهذه حالة من حالات المسؤولية المدنية التقصيرية. وكذا لو ظهر من الشيء الموهوب عيب، ترتب عليه ضرر للموهوب له؛ فإن مسؤولية الواهب تكون تقصيرية لا عقدية.

الأصل أن يشمل عدم التنفيذ أي التزام عقدي سواءً أكان التزاماً أصلياً أم التزاماً تبعياً كالتزام الناقل بسلامة وصول الركاب. فإذا كان أمر تحديد الالتزامات الأصلية أمراً سهلاً؛ فإنه من الصعب تحديد الالتزامات التبعية حيث يصعب أحياناً معرفة ما إذا كان العقد قد أنشأ هذا الالتزام التبعي أم لا، ولا سبيل في ذلك إلا بإدراك إدراكاً تاماً ماذا يتضمن العقد وما المقصد الذي اتجه إليه المتعاقدان. في الغالب يتجه القضاء ـ وعلى الأخص القضاء الفرنسيـ إلى توسيع دائرة الالتزامات العقدية بقصد التخفيف عن كاهل المتضرر فيما يتعلق بالإثبات؛ لأنه في الالتزامات الناشئة من العقد والتي ترمي إلى تحقيق نتيجة يكفي هنا أن يثبت الدائن في الالتزام عدم تحقيق هذه النتيجة؛ وبالتالي قامت قرينة الخطأ المفترض في جانب المدين في الالتزام. وقد ظهر ذلك واضحاً وجلياً في قرارات قضائية متعددة ناشئة من سيل كبير من العقود فيما يتعلق بتقرير التزام الناقل بضمان سلامة الركاب في عقود النقل.

ثانياً ـ أركان المسؤولية العقدية:

أركان المسؤولية العقدية ثلاثة: الخطأ العقدي، والضرر، والصلة السببية بين الخطأ والضرر.

1ـ الخطأ العقدي: في الواقع أن الخطأ العقدي هو عدم تنفيذ المدين لالتزاماته العقدية، وهذا الخطأ هو بحد ذاته إخلال بالتزام عقدي، وهذا الإخلال هو انحراف في سلوك المدين في هذا الالتزام لا يأتيه الرجل المعتاد إذا وجد بظروف المدين العادية نفسها، فالإنسان السوي لا يمكن أن يخل بتنفيذ التزاماته إلا في حالة ورود سبب أجنبي يمنعه من تنفيذ التزاماته العقدية. فالمدين الذي التزم بموجب عقد ما عليه تنفيذ ما التزم به، والمبادئ القانونية التي تقضي بوجوب تنفيذ المدين لالتزاماته العقدية كثيرة، منها على سبيل المثال أن العقد شريعة المتعاقدين وأنه يجب أن ينفذ العقد طبقاً لما اشتمل عليه، وجبر المدين على تنفيذ التزامه العقدي عيناً. فإذا لم يقم المدين بتنفيذ التزاماته العقدية كان هذا هو الخطأ العقدي. ويشترط لقيام الإخلال ـ والذي تقوم به مسؤولية المدينـ وجود التزام عقدي أولاً وعدم قيام المدين بتنفيذه ثانياً، وسواء أكان عدم التنفيذ كلياً أم جزئياً أم تأخير في التنفيذ. وأخيراً أن ينسب هذا الإخلال إلى تعدٍّ أو تقصير من المدين في الالتزام.

ويميز الفقه الفرنسي بين الالتزام ببذل عناية والالتزام بتحقيق غاية، ففي الالتزام بتحقيق نتيجة يجب على المدين تحقيق النتيجة المتوخاة من وراء إبرام العقد. فالمقاول يجب عليه إنهاء المشروع وتسليمه لصاحب المشروع، والبائع يجب عليه تسليم الشيء المبيع للمشتري في مقابل التزام الأخير بدفع الثمن. ففي هذه الحالات وغيرها إذا لم تتحقق النتيجة المرجوة؛ عُدّ المدين مخلاً بالتزاماته العقدية، وثبت الخطأ في جانبه، ولا يكلف الدائن بإثبات ذلك ما دامت النتيجة لم تتحقق، بيد أن المدين يحق له أن ينفي الخطأ المفترض بإثبات أن السبب الأجنبي الخارج عن إرادته حال دون تنفيذ الالتزام، وبذلك يقطع علاقة السببية بين الخطأ والضرر.

والفقه يعتقد أن الخطأ يتحقق في جانب المدين حتى لو كان عدم قيامه بتنفيذ التزامه راجعاً إلى سبب أجنبي لا يد له فيه كقوة قاهرة مثلاً.

ومما يجدر التنويه به أنه إذا تحقق الخطأ العقدي فإنه في حالة عدم تنفيذ المدين لالتزاماته العقدية لسبب أجنبي سيؤدي حتماً إلى قطع علاقة السببية، والتي تُعدّ ركناً في المسؤولية العقدية؛ فلا تتحقق المسؤولية.

أما الالتزام ببذل عناية فلا يفترض فيه وصول المدين إلى نتيجة ما، وإنما عليه بذل العناية اللازمة للوصول إليها، فلو بذلها يكون قد وفى بالتزامه، ولا تقوم مسؤوليته العقدية. والعناية المطلوبة منه هي عناية الرجل المعتاد، كالتزام المحامي بالدفاع عن موكله، فقد يفلح، وقد لا يفلح. بيد أن عدم كسب الدعوى لا يؤدي إلى قيام مسؤولية المدين العقدية ما دام بذل العناية المعتادة في الدفاع عن موكله وفق الأصول القانونية، وما يسري على المحامي من التزامات يسري أيضاً على الطبيب. وصفوة القول في ذلك هو أنه لا بد من تقدير سلوك المدين بالموازنة بين ما فعله وما كان ينبغي أن يفعله على نحو سيسمح معه بالكشف عن تقصيره أو تعديه.

أما لناحية إثبات الخطأ العقدي فإنه يخضع للقواعد العامة في الإثبات، فالأصل فيه أنه يقع على الدائن إثبات الالتزام، وعلى المدين إثبات التخلص منه.

الإخلال بالتزام عقدي قد يكون بالامتناع عن تنفيذ الالتزام، وقد يكون بالتعدي؛ وذلك بالقيام بعمل ما كان ينبغي القيام به، وقد يكون أخيراً بالامتناع عن القيام بعمل. فما هي أهم صور هذا الخطأ العقدي؟

أ ـ الإخلال بالتزام عقدي بالسلامة: وهذا الالتزام الذي يحرص فيه المدين على تنفيذ التزامه العقدي دون أن يلحق ضرراً بالدائن كالتزام الناقل بسلامة وصول الركاب إلى مكان الوصول. والفقه على خلاف في مسألة طبيعة هذا الالتزام وهل هو التزام بعناية أم التزام بتحقق نتيجة، والتي ليست من أولويات البحث فيها.

ب ـ الامتناع عن الإدلاء بمعلومات ضرورية تتعلق بموضوع العقد: في الواقع أنه من واجب المدين إعطاء المعلومات الضرورية الخاصة بالعقد كالصيدلي الذي يلتزم بالإدلاء بالتعليمات الخاصة باستعمال الدواء الذي وصفه الطبيب تحت طائلة اعتباره مسؤولاً مسؤولية عقدية عن الضرر الناشئ من ذلك.

ج ـ الإخلال بالتزام نقدي: لو تأخر المدين عن تسديد المبلغ الملتزم بتسديده؛ فإنه يطالب بالتعويض عن الضرر الناشئ للدائن والذي يفترض افتراضاً لا يقبل العكس؛ لأن المنفعة مفترضة في العقود وعلى وجه الدوام. فالقانون المدني السوري قضى أن الضرر مفترض في الإخلال بالتزام نقدي (المادة 229 والمقابلة للمادة 228 مدني مصري، والمادة 232 مدني قطري).

أما فيما يتعلق بتقدير التعويض في هذا الحال فالأصل أنه على القاضي أن يعمل باتفاق المتعاقدين على تقدير مبلغ التعويض المستحق عن التأخر في دفع المبلغ وعلى شكل فوائد تأخيرية تحدد بنسبة مئوية، وهذه الأخيرة تختلف من تشريع لآخر. فالمشرع الفرنسي في القانون الصادر في 24/12/1992 قد حدد الفوائد بمقدار10.40 بالمئة، وهو الحد الأعلى المسموح به قانوناً، أما المشرع السوري في القانون المدني فقد حدد هذه النسبة المئوية ـ في حال غياب الاتفاق ـ بـ 4 بالمئة في المعاملات المدنية و5 بالمئة في المعاملات التجارية، ولا يجوز في حالة الاتفاق أن تتجاوز النسبة 9%. أما لجهة تاريخ احتساب الفائدة فالمشرع السوري في قانون الأصول قد حدد أن الفائدة تسري من تاريخ المطالبة القضائية حتى السداد التام. أما المشرع القطري فلم ينظم موضوع التعويض القانوني (الفائدة القانونية) التزاماً منه بموقف الشرع الإسلامي، والذي حرم الربا.

د ـ الإخلال بالتزام عقدي في نطاق المسؤولية الناشئة من الأشياء: إذا كان عدم تنفيذ العقد لم يكن راجعاً إلى خطأ المدين العقدي وإخلال بالتزامه، وإنما راجع إلى فعل الشيء والذي هو تحت حراسته؛ كان المدين مسؤولاً مسؤولية عقدية، ولكن ليس على أساس فعله الشخصي، وإنما على أساس فعل الشيء موضوع الحراسة. كحالة التزام الناقل بإيصال المسافر إلى مكان الوصول دون ضرر. فإذا ما حدث ضرر للراكب نشأ بنتيجة حادث مروري؛ فإن ذلك سيقيم مسؤوليته العقدية.

كذلك الأمر في عقد الإيجار حيث يكون المدين مسؤولاً عن رد الشيء محل العقد للدائن، فالمستأجر وفقاً لذلك يلتزم برد العين المؤجرة ـ وهو يعدّ الحارس القانوني على العين المؤجرة ـ فلو تدخل شيء آخر في حراسته تدخلاً إيجابياً كمواد متفجرة أدى إلى حرق العين؛ يكون المستأجر قد أخل بتنفيذ التزامه برد العين؛ فيسأل مسؤولية عقدية ليس على أساس فعله الشخصي، وإنما على أساس فعل الشيء ـ المواد المتفجرة.

هـ ـ الإخلال بالتزام عقدي في نطاق المسؤولية عن عمل الغير:

المسؤولية المدنية عن فعل الغير قد تتحقق حينما يستخدم المدين أشخاصاً آخرين في تنفيذ التزامه العقدي، فيسأل مسؤولية عقدية عن خطأ هؤلاء الأشخاص الذي أضر بالدائن في الالتزام العقدي، وتبدو العلاقة في هذه الحالة بين المسؤول وهو المدين في الالتزام العقدي؛ والمتضرر وهو الدائن في الالتزام العقدي، وأخيراً الغير الذين استخدمهم المدين في تنفيذ التزامه العقدي. ولا تقوم المسؤولية هنا إلا بنتيجة عقد صحيح بين المسؤول عن الضرر والمتضرر، كالعامل في عقد العمل، والمقاول من الباطن في عقد المقاولة، والمستأجر من الباطن في عقد الإيجار. فإذا ما أخل جميع هؤلاء بتنفيذ الالتزام انسحبت المسؤولية على المدين الأصلي بالالتزام؛ ويسأل بالتالي عن التعويض وفقاً لقواعد المسؤولية العقدية.

الضرر:

الركن الثاني من أركان المسؤولية العقدية هو الضرر؛ إذ إن ذلك هو العنصر الجوهري والضروري لقيام المسؤولية في جانب المدين في الالتزام التعاقدي، ويقع عب إثبات الضرر على عاتق الدائن في الالتزام؛ لأنه لا يفترض وجود الضرر لمجرد عدم قيام المدين بتنفيذ التزاماته العقدية، لذلك يكون الهدف من إثبات الإخلال بالتزام عقدي هو إلزام المدين بتعويض الدائن عن الضرر الذي لحق به. ففي عقد النقل إذا تأخر المسافر عن الوصول في الميعاد المحدد؛ فإن مجرد التأخر لا يكفي لاستخلاص وجود الضرر، بل يجب على الدائن أن يثبت وجود ضرر أصابه من جراء التأخير.

والضرر قد يكون مادياً، وقد يكون أدبياً، وبمطلق الأحوال فالتعويض عن المسؤولية العقدية لا يكون إلا عن الضرر المتوقع شريطة أن يكون المدين حسن النية.

3ـ الصلة السببية بين الخطأ العقدي وبين الضرر:

لا يكفي أن يكون هناك خطأ عقدي وضرر ناجم عنه، وإنما يجب أيضاً أن يكون الخطأ هو السبب في وقوع الضرر، فلو حدث خطأ من قبل المدين بالالتزام وضرر أصاب الدائن في هذا الالتزام دون أن يكون هذا الخطأ هو السبب في وقوع الضرر؛ فتنتفي علاقة السببية، ولا تقوم لا المسؤولية العقدية ولا المسؤولية التقصيرية.

وصلة السببية بين الخطأ والضرر تكون مفترضة غالباً؛ لأن الدائن لا يكلف بإثباتها، وإنما يقع عبء إثبات نفيها على عاتق المدين، وهذا الأخير لا يستطيع نفي صلة السببية إلا في حالة ورود سبب أجنبي، كما لو أثبت أن الضرر يرجع إلى قوة قاهرة أو حادث مفاجئ أو خطأ الدائن أو فعل الغير، وهو ما قضت به أحكام المادة (216) من القانون المدني السوري بقولها: "إذا استحال على المدين أن ينفذ الالتزام عيناً حكم عليه بالتعويض لعدم الوفاء بالتزامه؛ ما لم يثبت أن استحالة التنفيذ قد نشأت عن سبب أجنبي لا يد له فيه، ويكون الحكم كذلك إذا تأخر المدين في تنفيذ التزامه".

يبين من النص القانوني السالف الذكر، أن صلة السببية ركن مستقل عن الخطأ، وتنتفي هذه الصلة حينما لا يكون الضرر الواقع ناجماً عن ذلك الخطأ، وإنما لسبب أجنبي، كما تنعدم هذه الصلة أيضاً حتى في الحالة التي يكون فيها الخطأ هو السبب في وقوع الضرر؛ ولكن لم يكن السبب المنتج والفعال في وقوع الضرر.

في الواقع أن الكلام عن السبب الأجنبي وفي نظرية السبب المنتج والفعال وغيرها من النظريات تشترك فيه المسؤولية العقدية والتقصيرية، وهذه المسائل يشرحها الفقه غالباً وبتعمق في مجال أحكام المسؤولية التقصيرية.

ثالثاً ـ مدى الاتفاق على تعديل أحكام المسؤولية العقدية:

إذا توافرت أركان المسؤولية المدنية العقدية ـ سالفة الذكرـ من خطأ وضرر وعلاقة سببية؛ فقد حقت مسؤولية الفاعل، وألزم بالتعويض؛ لأن الهدف من هذه المسؤولية هو تعويض المتضرر عما أصابه من ضرر، وتقدير التعويض يجب أن يتناسب وحجم الضرر لا أكثر، وإلا سيثرى المضرور على حساب المسؤول.

1ـ ماهية اتفاقات المسؤولية العقدية: تمثل اتفاقات المسؤولية المدنية العقدية سواء أكانت بصورة إعفاء أم تخفيف أم تشديد تغييراً لآثار المسؤولية على غير الوجه الذي نظمت عليه في القانون المدني. فالتشديد في المسؤولية يتمثل في إقامة المسؤولية على المدين حتى لو أن القانون قد أعفاه من المسؤولية في هذه الحالة، وبعبارة أخرى: أي في الحالة التي يكون فيها الضرر قد تم بسبب أجنبي لا يد له فيه. أما تخفيف المسؤولية فهو الاتفاق على بقاء هذه المسؤولية على عاتق المدين، لكن يصبح أثرها ضئيلاً تجاهه، فلا يلتزم إلا بدفع تعويض جزئي عن الضرر الذي لحق بالدائن. وأخيراً وفيما يتعلق باتفاقات الإعفاء من المسؤولية، فيقصد بها اتفاق الأطراف على إعفاء المدين من مسؤوليته وإلزامه بالتعويض، وهو اتفاق على رفع آثار المسؤولية، فلا تترتب هذه الآثار حتى لو توافرات جميع عناصر المسؤولية المدنية العقدية.

2ـ مجال التعديل في أحكام المسؤولية العقدية: في الواقع أن التشريع الفرنسي لم ينص على حالات الإعفاء من المسؤولية المدنية العقدية، كأصل عام، وإن كانت هناك حالات خاصة ضيقة، وذلك بخلاف التشريعات العربية كالتشريع السوري والأردني والمصري، ومضمون تلك التشريعات تشير إلى إمكانية الاتفاق على إعفاء المدين من أي مسؤولية تترتب على عدم تنفيذ التزامه العقدي باستثناء حالات الغش والخطأ الجسيم. فما مدى صحة شرط الاتفاق على الإعفاء من المسؤولية المدنية العقدية؟.

 أ ـ موقف المشرع الفرنسي: اتجه المشرع الفرنسي وبنصوص صريحة ومخالفة للقواعد العامة إلى بطلان اتفاقات الإعفاء من المسؤولية العقدية في عقود كثيرة كعقد البيع (المادة 1628 من القانون المدني الفرنسي)، فلو اتفق البائع مع المشتري على أن الأول غير ملزم بمواجهة الثاني بأي ضمان؛ فإن هذا الاتفاق باطل، ففي جميع الحالات يعدّ البائع مسؤولاً عن الأفعال الصادرة منه، كالتعرض للمشتري بفعل البائع نفسه؛ والتي تؤدي إلى استحقاق الشيء المبيع، كما لو باع الشيء المبيع مرّة أخرى لشخص آخر. ولم يشترط المشرع الفرنسي لعدم صحة الإعفاء من مسؤولية البائع أن يكون الفعل الصادر مبنياً على غش أو تدليس، وإنما جميع الأفعال الصادرة عنه؛ أياً كانت هذه الأفعال أو درجتها وسواء أكان بسيطاً أم جسيماً، أو من قبيل الغش (وقد قضي بإن البائع لا يستطيع أن يحتج بمواجهة المشتري بالتقادم المكسب في حال احتفاظه بحيازة الشيء المبيع، إذ أن المشتري يستطيع أن يتمسك بحقه الدائم في الضمان. راجع أصل القرار Cass.civ.25 oct.1981 Bull.civ.t.3.n.168 p.151).

كذلك الأمر اتجه المشرع الفرنسي في قوانين خاصة تتعلق بحماية المستهلك أن للسلطة الإدارية التدخل وإلغاء بنودٍ تعسفية تؤدي إلى رفع مسؤولية العاقد المهني أو تخفيفها إزاء العاقد غير المهني (المستهلك) المادة (1135) من القانون الفرنسي رقم (10) لعام 1978 والخاص بحماية المستهلك المعدل بالقانون (12) لعام 2009. والأمر ذاته أيضاً في ظل عقود العمل والنقل البري والبحري والجوي وعقد الفندقة وعقد مقاولة المباني (راجع المادة 1780/3 من القانون المدني الفرنسي، والمادة 122/4 من قانون العمل الفرنسي، والمادة 103 من القانون التجاري الفرنسي).

الفقه الفرنسي منقسم، فهناك اتجاه يرى بطلان اتفاق الإعفاء من المسؤولية المدنية العقدية في كل مرّة يدرج بند في العقد يهدف إلى إعفاء المدين من التزامه بالتعويض مستنداً في ذلك إلى اعتبارات النظام العام؛ فضلاً عن أن الفقه الفرنسي عموماً يبرر عدم الأخذ بشرط الإعفاء من المسؤولية العقدية في حالتي الغش والخطأ الجسيم لسبب أن المتعاقد الذي يتعهد بالتزام طبقاً للعقد لم يشترط في الوقت ذاته عدم مسؤوليته عن عدم التنفيذ ولو كان راجعاً إلى غش أو خطأ جسيم؛ أي يجعل الالتزام متوقفاً على شرط إرادي محض، وهذا في غير محله القانوني. ويتعين بطلانه استناداً لأحكام المادة (1174) من القانون المدني الفرنسي. وعلى العكس هناك اتجاه آخر يرى صحة اتفاقات الإعفاء من المسؤولية العقدية؛ لأنه ليست بالضرورة أن تكون مخالفة للنظام العام، زد على ذلك أنه لا يجب إهمال مبدأ العقد شريعة المتعاقدين. وبناء على ما تقدم فإن الاتجاه الفقهي العام في فرنسا يرى صحة اتفاقات الإعفاء في حالة الخطأ اليسير، وعلى العكس يرى بطلان هذه الاتفاقات في حالتي الغش والخطأ الجسيم.

ب ـ موقف المشرع السوري: قضت المادة (218) من القانون المدني السوري أنه " يجوز الاتفاق على أن يتحمل المدين تبعة الحادث المفاجئ أو القوة القاهرة. وكذلك يجوز الاتفاق على إعفاء المدين من أية مسؤولية تترتب على عدم تنفيذ التزامه العقدي إلا ما ينشأ عن غشه أو خطئه الجسيم. ومع ذلك يجوز للمدين أن يشترط عدم مسؤوليته عن الغش أو الخطأ الجسيم الذي يقع من أشخاص يستخدمهم في تنفيذ التزامه".

يبين من هذا النص أن المشرع السوري توسع في نطاق اتفاقات الإعفاء من المسؤولية ما لم يكن الخطأ الذي نجم عن الضرر وقع بسبب غش المدين أو خطئه الجسيم، كما أن المشرع يبرئ المدين من أي مسؤولية تذكر، وعدّ اتفاق الإعفاء صحيحاً في حال كون المسؤولية نشأت من خطأ جسيم أو غش وقع من قبل الأشخاص الذين يستخدمهم في تنفيذ التزامه. فلو كان التزام المدين تحقيق نتيجة؛ فإنه يسأل عن عدم التنفيذ أياً كان سببه، ولا يعفى من المسؤولية إلا بإثبات وجود سبب أجنبي. كما يمكن الاتفاق على تخفيف هذه المسؤولية؛ وذلك بالاتفاق على عدم مسؤولية المدين عن فعله المجرد عن الخطأ. في هذه الحالة سينقلب التزامه من التزام بتحقيق نتيجة إلى التزام ببذل عناية، ولا يسأل هذا المدين إلا إذا أثبت الدائن ارتكابه لخطأ أدى إلى عدم التنفيذ.

وقد يكون الاتفاق على التخفيف بإعفاء المدين حتى من تبعة الخطأ التافه اليسير، فلا يعدّ مسؤولاً إلا إذا أثبت الدائن ارتكاب المدين للخطأ الجسيم أو الغش. ومع ذلك لا يجوز الاتفاق على إعفاء المدين من تبعة الخطأ العمدي أو الجسيم إلا إذا كان هذا الخطأ راجعاً إلى الغير؛ واتفق على الإعفاء منه. أما إذا كان التزام المدين ببذل عناية؛ فإن درجة العناية المطلوبة منه ـ كما تقدّم ـ هي عناية الرجل المعتاد ما لم ينص القانون أو الاتفاق على خلاف ذلك. لذا لا يكون المدين مسؤولاً عن السبب الأجنبي ولا عن فعله المجرد من الخطأ ولا عن الخطأ التافه، وإنما يعدّ مسؤولاً عن فعله العمدي أو خطئه الجسيم.

وقد يحدث الاتفاق على تشديد هذه المسؤولية، فيصبح المدين مسؤولاً بمقتضى هذا الاتفاق حتى عن الخطأ اليسير أو التافه أو عن فعله المجرد عن الخطأ، وعندئذٍ ينقلب التزامه إلى التزام بتحقيق نتيجة بعد أن كان التزامه ببذل عناية. وقد يحدث الاتفاق على التخفيف من أحكام المسؤولية العقدية بأن يتم الاتفاق على عدم مسؤولية المدين عن الخطأ اليسير، وهذا يعني أنه يبقى مسؤولاً عن الخطأ الجسيم أو العمدي؛ ما لم يكن هذا الخطأ الأخير راجعاً إلى سبب أجنبي، لا يد له فيه.

 

مراجع للاستزادة:

 

ـ عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، ج.1، مصادر الالتزام (طبعة دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، دون سنة طبع).

ـ محمد وحيد الدين سوار، النظرية العامة للالتزام، مصادر الالتزام (منشورات جامعة دمشق، الطبعة العاشرة، 2007).

ـ فتحي عبد الرحيم عبد الله، النظرية العامة للالتزام، المصادر غير الإرادية (منشأة المعارف، الإسكندرية 2007).

ـ مصطفى العوجي، القانون المدني، المسؤولية المدنية (بيروت، لبنان 1996)

- J.H. MAZEAUD, et CHABAS, Leçons de droit civil, théorie générale des obligations, 8 ème éd (Cujas,1982).

- LE TOURNEA é La responsabilité civile, 3.ème éd. (Paris,1982).

 


التصنيف : القانون الخاص
النوع : القانون الخاص
المجلد: المجلد السابع: المحكمة الجنائية الدولية _ ولاية المظالم في الإسلام
رقم الصفحة ضمن المجلد : 106
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 61
الكل : 12587192
اليوم : 3572