logo

logo

logo

logo

logo

العرف

عرف

custom - coutume



العرف

العرف

محمود جلال حمزة

العرف والعادة

مبادئ القانون الطبيعي وقواعد العدالة

 

تقضي المادة الأولى من القانون المدني السوري بما يلي:

" تسري النصوص التشريعية على جميع المسائل التي تتناولها هذه النصوص في لفظها أو في فحواها. فإذا لم يوجد نص تشريعي يمكن تطبيقه؛ حكم القاضي بمقتضى مبادئ الشريعة الإسلامية، فإذا لم توجد فبمقتضى العرف، وإذا لم يوجد فبمقتضى مبادئ القانون الطبيعي وقواعد العدالة".

فالتشريع هو المصدر الأساسي الذي يتعين الرجوع إليه للحكم في مسألة من المسائل التي تعرض على القاضي، فإذا لم يجد القاضي حكماً للمسألة في التشريع؛ فإن عليه اللجوء إلى المصادر الرسمية الاحتياطية وهي مبادئ الشريعة الإسلامية، فإن لم يجد فيها ما يحكم به توجه إلى العرف، ثم إلى مبادئ القانون الطبيعي ومبادئ العدالة.

ويعدّ العرف في المرتبة الثالثة ـ بعد التشريع والشريعة الإسلامية ـ من مصادر القانون المدني السوري على الرغم من أن أصله المصري قد جعل العرف في المرتبة الثانية بعد التشريع، ولعل تقديم الشريعة الإسلامية في القانون المدني السوري على العرف كان لظروف سياسية معينة؛ ولإرضاء الجماهير التي تعتقد أن الشريعة الإسلامية هي الواجبة التطبيق في الحالات التي لا يفي التشريع بالغرض لخلوه من حكم يحكم به القاضي، لأنهم واكبوا تطبيق أحكام مجلة الأحكام العدلية المنبثقة عن الفقه الإسلامي، ناسين أن العرف يعدّ من المصادر التبعية للشريعة الإسلامية بعد الاستحسان والاستصلاح. وتقديم العرف في القوانين يستند إلى ميزتين:

أولاهما: أن الناس يكونون على علم مسبق بها في معاملاتهم، وخاصة أن جهل المرء بالأحكام يسبب الخلاف ويولد المشاكل بينهم.

والثانية: أن الأحكام التي تصدر تكون مألوفة ومقبولة لكون الناس قد ألفوها قبل أن تصبح قانوناً، فما هو العرف؟ وما هي العادة؟

أولاً ـ العرف والعادة:

1ـ العرف La coutume: عرّف رجال القانون العرف تعريفات متعددة، فمنهم من قال: إن العرف مجموعة القواعد التي تنشأ من اطراد سلوك الناس عليها زمناً طويلاً مع اعتقادهم بإلزامها، وبأن مخالفتها تستتبع توقيع جزاء مادي. كما قال آخرون: إن العرف مجموعة القواعد الناجمة عن الاستعمال الراسخ المتأصل في مجتمع ما؛ والمعتبرة واجبة الاحترام ولازمة التطبيق كالقانون. وعرّفته المدرسة التاريخية بأنه: المحصول الغريزي المباشر للوجدان الشعبي بمعناه الواسع. وبهذا التعريف يرى أصحاب هذه المدرسة في العرف الطريقة المثلى لإنتاج الحقوق لأنه أقرب الطرق إلى الواقع وأكثر اتصالاً به. وعرفه الفقهاء في مجمل تعاريفهم بأنه: عادة جمهور قوم في قول أو عمل، أو هو اطراد عمل الناس في أمر من الأمور، واشترطوا فيه أن يكون مطرداً أو غالباً. فالعرف ـ كما يتضح من التعاريف السابقة ـ ليس إلا عادة أو سلوكاً درج عليه الأشخاص فترة من الزمن حتى تولد لديهم اعتقادٌ بأنه ملزم.

2ـ العادة: من أول العوامل التي تحدد العرف أنه عادة أو سلوك، غير أن هذه العادات يمكن أن يتفق عليها الأفراد فتسمى "العادات الاتفاقية"، وقد درج الناس على التعامل بها في معاملاتهم فترة من الزمن على نحو ثابت مطّرد من دون أن يتولد لديهم اعتقاد بأنها إلزامية تستوحى من طبائع البشر وأخلاقهم. وهي على أنواع: فمنها العادات المدنية كإعطاء العاملين في المطاعم إكراميات، أو عادات الزواج وتقديم الخاتم إلى المخطوبة، وعادات التعزية حين الوفاة. ومنها عادات محلية تختلف باختلاف الجهات والمناطق، فيدوم العرس في بعض الجهات أسبوعاً كاملاً كما في الريف ويقام في أيام هذا الأسبوع الولائم والحفلات، في حين لا يدوم في مناطق أخرى أكثر من يوم واحد. فالعادة تختلف باختلاف المناطق وتتقلب من مهنة إلى أخرى، فعادات الحدادين غير عادات النجارين، بيد أن العادة ليست ملزمة، فما اعتاد عليه الناس في زمن معين يتغير في وقت لاحق. فقد اعتاد الناس شراء بعض الخضار كالكوسا مثلاً بالعدّ، ثم أصبحت العادة ببيع الكوسا بالوزن. غير أن العادة قد تصلح لتفسير نية المتخاصمين، وقد نصت المادة (36) من مجلة الأحكام العدلية بأن "العادة محكمة وهذا يعني بأن العادة سواء كانت عامة أو خاصة تصلح حكماً لإثبات حكم شرعي" ومن هنا تقترب العادة من العرف، فما هي الأركان التي يقوم عليها العرف؟ وما هي شروطه؟

3ـ أركان العرف وشروطه:

أ ـ أركان العرف: يرد رجال القانون أركان العرف إلى ركنين: ركن مادي وركن معنوي.

(1)ـ الركن المادي: هو اطراد تعامل الناس بعادة من العادات أو بسلوك معين من السلوكات بحيث يستمر تعاملهم بها مدة طويلة من الزمن، لا تتغير ولا تنافي الآداب العامة ولا تنافي المبادئ الأساسية التي تقوم عليها الجماعة. وهو بهذا المعنى يعدّ من المسائل الواقعية التي لا تخضع لرقابة محكمة النقض.

(2)ـ الركن المعنوي: يطلق عليه بعض الفقهاء الركن الشخصي، وهو الشعور الذي يتولد لدى الأشخاص بأن هذه العادة أو ذلك السلوك أضحى ملزماً لهم واجب التطبيق، وهو أمر نفسي لدى المتعاملين بالعادة بحيث يرسخ في نفس المتعامل بالعادة أو السلوك أنه ملزم وواجب الاحترام، فإذا اجتمع الركنان في أي عادة أو أي سلوك أصبح عرفاً، أما إذا تحقق الركن المادي للعرف من دون الركن المعنوي فيسمى هذا السلوك عادة اتفاقية، كما سبق ذكره.

ومن أمثلة العرف حق الزوجة في بعض الدول أن تلقب بلقب زوجها، وكذلك العرف القاضي باعتبار أثاث المنزل ملكاً للزوجة؛ لأن الزوجة هي التي تقوم بتأثيث منزل الزوجية، ومن أمثلة العرف أيضاً دفع مبلغ محدد بنسبة معينة من قيمة الفاتورة على سبيل الإكرامية، وكذلك جواز العرف التجاري للوسطاء والوكلاء بالعمولة التعاقد مع أنفسهم لحساب الأصلاء على خلاف ما ينص عليه القانون المدني. وكذلك قاعدة افتراض التضامن بين المدينين التجاريين التي تقضي بأنه إذا تعدد المدينون في المعاملات التجارية؛ جاز للدائن مطالبة أي منهم بكامل مبلغ الدين على عكس ما جرى عليه القانون المدني من أن التضامن لا يكون إلا إذا قضى به اتفاق أو نص قانوني.

والعرف موجود في جميع فروع القانون ما عدا قانون العقوبات الذي لا يجوز فيه استحداث جريمة ولا تقرير عقوبة بموجب العرف وذلك طبقاً للمبدأ "لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص"، ولعل أكثر فروع القانون الذي يجد فيه العرف مجالاً واسعاً فيه هو القانون التجاري الذي يعد العرف هو المصدر المادي لمعظم قواعده.

ب ـ الشروط التي يجب أن تتوافر في العادة حتى تصير عرفاً: من الثابت أن العرف يبدأ عادةً يتمُ تكرارها من قبل الأفراد إلى أن يتولد لديهم شعور بأنها أصبحت ملزمة، غير أنه ليست كل عادة يكررها الأشخاص تصلح لأن تنشئ عرفاً، بل لا بد من اجتماع العديد من الشروط في هذه العادة، وهذه الشروط هي:

(1)ـ أن تكون العادة عامة: أي أن تكون منتشرة انتشاراً واسعاً في الوسط الاجتماعي أو المهني، وأن تسود لدى غالبية الأشخاص في المجال الذي تطبق فيه، على أنه متى طبقت العادة مجردة وعامة فلا أهمية بعد ذلك لعدد الأشخاص الذين يطبقونها من الناحية الفعلية، فقد يقتصر تطبيقها على فئة من الناس من دون غيرها مثل فئة العمال أو التجار أو المزارعين، بل قد يقتصر تطبيقها على شخص واحد كرئيس الدولة مثلاً، ومع ذلك تعد عامة وتنشئ عرفاً كما لو اعتاد هذا الرئيس على إصدار نوع خاص من القرارات فينشأ من ذلك عرف.

(2)ـ أن تكون العادة قديمة: أي أن يمضي على اتباعها فترة طويلة من الزمن، وليس هناك مدة محددة لاعتبارها قديمة، بل المهم أن يكون قد مر على نشوئها مدة كافية لتترسخ العادة في النفوس، فيقوم العرف على أساسها. والمسألة تختلف باختلاف الظروف، لذلك فإن تقدير الموضوع يترك للقاضي، فيقدر في كل حالة على حدة ما إذا اعتاد الناس على القيام بأمر ما منذ فترة طويلة وأن المدة التي مرت كافية لإنشاء العرف؛ بحيث يمكن القول: إن الأمر قد استقر أو لم يستقر بعد.

(3)ـ أن تكون العادة ثابتة مطردة: أي أن يطبق الناس العادة بأسلوب منتظم ومتواصل على نحو يتوافر فيه معنى الاستقرار، وليس بطريقة متغيرة ومتقطعة، فلا يتبعها الناس في أوقات ويتركونها في أوقات أخرى، أي إن على الناس اتباع العادة على نحو واحد، وأن تطبق بالصورة ذاتها في كل مرة، لا أن يطبقها كل شخص على نحو مغاير للنحو الذي يطبقها فيه غيره، وأن يتم هذا التطبيق على نحو متواصل؛ لأنه بغير ذلك لا يمكن أن تكون العادة مستقرة، وهو ما يعطيها خاصية الثبات.

(4)ـ أن تكون العادة غير مخالفة للنظام العام أو الآداب العامة أو القانون: فإذا اصطدمت العادة بنص تشريعي؛ منع هذا ذاك أو ألغاه، وإذا كانت العادة مخالفة للنظام العام أو الآداب العامة، كما جرت عليه عادة بعض الناس على بيع بناتهن أو جعل مهورهن حقاً للوالد أو الأخ الكبير؛ أو كما لو انتشرت في مجتمع ما عادة تعاطي المخدرات؛ فهذه العادة لا يمكن أن تنشئ عرفاً يجيز تعاطيها.

(5)ـ يجب أن يتولد في أذهان الناس شعورٌ بضرورة احترام العادة وعدم مخالفتها؛ واعتقادهم أن مخالفتها تستوجب الجزاء، وهذا هو الركن المعنوي في العرف. فالالتزام شرط جوهري لتكوين العرف، فإذا ما استقرت العادة لدى الأفراد بصورة قديمة وثابتة؛ فإنها تصبح بعد ذلك بمنزلة القاعدة القانونية واجبة الاحترام والتطبيق.

4ـ التفريق بين العرف والعادة:

إن أهم العوامل التي تحدد العرف وتميزه العامل الداخلي وصفة العموم كما ذكر ذلك سابقاً، بيد أن هناك بعض العادات اتفق الناس على اتباعها في تعاملهم، ولكنها مع ذلك تختلف عن الأعراف لفقدانها صفة الإلزام، وهذه العادات تستوحى غالباً من طبائع الناس وأخلاقهم، وتختلف باختلاف الجهات كما تختلف باختلاف المهن، ومن هنا يفترق العرف عن العادة بأن العرف يتصف بصفة الإلزام، في حين ليست العادة ملزمة بذاتها كالعرف، لكنها تصلح ـ كما ذكرـ أن تكون مفسرة لنية المتخاصمين أو المتعاقدين، وتكون ملزمة "إذا اتفق الطرفان صراحة أو ضمناً باستخلاصها من واقع الحال". وقد نصت المادة (36) من مجلة الأحكام العدلية ـ كما مرّ سابقاًـ "إن العادة محكمة"، فهي بهذا المعنى يمكن أن تكون حكماً لإثبات حكم شرعي، وقد ورد في مجلة الأحكام سابقة الذكر كثيرٌ من النصوص تحمل هذا الطابع.

وقد تضمنت بعض مواد القانون المدني السوري نصوصاً تحيل إلى ما تحكم به العادة، مثال ذلك ما ورد في المادة (233) منه التي تنص على: "لا يجوز تقاضي فوائد على متجمد الفوائد، ولا يجوز في أية حال أن يكون مجموع الفوائد التي يتقاضاها الدائن أكثر من رأس المال، وذلك كله دون إخلال بالقواعد والعادات التجارية". ويترتب في هذه الحالة التي أحالها المشرع إلى العادة؛ أن تصبح العادة واجبة الاتباع حتى لو لم تتجه إرادة المتعاقدين إليها، ولا يجوز استبعاد حكمها إلا إذا اتفق الطرفان على مخالفتها.

وكذلك ما نصت عليه المادة (149) مدني سوري:

" يجب تنفيذ العقد طبقاً لما اشتمل عليه وبطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية.

2ـ ولا يقتصر العقد على إلزام المتعاقد بما ورد فيه، ولكن يتناول أيضاً ما هو من مستلزماته وفقاً للقانون والعرف والعدالة بحسب طبيعة الالتزام".

وفي نصوص أخرى مثلها، يحيل المشرع إلى العادات من دون الأخذ بالمعنى الحرفي للألفاظ في بعض الأحيان. فهو ينص على الرجوع إلى العرف، سواء كان العرف عاماً أو خاصاً، فإنه يشتمل على العادات المحلية التي لا تؤلف بنفسها مصدراً حقوقياً قائماً بذاته بالنسبة للعرف العام. ويضرب رجال القانون أمثلة منها: لو باع شخص من آخر حصاناً، ولم يذكر حين البيع أنه يدخل فيه الرسن؛ فإن العرف والعادة المحليين يقضيان بدخوله تبعاً لأنه من مستلزمات البيع بحسب العرف والعادة. أو لو باع شخص أرضاً ولم يذكر حقها من الماء، فإذا كانت العادة في البلد أن الماء من مستلزمات الأرض تناولها البيع بقوة العادة. وقد فاق القانون التجاري القانون المدني في إحالته إلى الأعراف والعادات المحلية بما يساوي بينها وبين العرف بوجه عام، وربما فاقته في بعض الأحيان. وهكذا فإن التفرقة بين العرف والعادة الاتفاقية تستند إلى أن العرف هو قاعدة قانونية واجبة التطبيق وتعامل على هذا الأساس. أما العادة الاتفاقية فهي مجرد عادة أو قاعدة يزاولها الناس في تعاملهم فلا تكون ملزمة إلا باعتبارها شرطاً في العقد، ويترتب على ذلك بعض النتائج.

أ ـ نتائج التفريق بين العرف والعادة:

(1)ـ بالنسبة إلى العرف: بما أن العرف يعدّ قانوناً لذلك يفترض في القاضي العلم به ومن واجبه تطبيقه على النزاع من تلقاء نفسه مع مراعاة الترتيب المنصوص عليه في مصادر الحكم من دون أن يطلب الخصم ذلك. ففي الحالة التي تكون فيها القاعدة العرفية غير واضحة، ولا يسهل على القاضي الوقوف عليها لكون القاعدة العرفية غير مدونة؛ يقوم الخصوم بمساعدته على إثباتها، وهم في الحقيقة يثبتون عناصر العرف ليس أكثر، والقاضي هو الذي يثبت قيامه.

أما بالنسبة إلى العادة: فلكونها لا تعدّ قاعدة قانونية فلا يفترض في القاضي العلم بها ولا يطبقها، بل يجب على ذوي الشأن أن يطلبوا من القاضي تطبيقها، فإذا لم يطلب الخصم أو الخصمان تطبيقها لم يكن بإمكان القاضي تطبيقها من تلقاء نفسه، وعليهم إثبات وجودها وأن يثبتوا أنهم قصدوا اتباعها، فإذا ما تم ذلك قام القاضي بتطبيقها، شأنها في ذلك شأن شروط العقد.

(2)ـ القواعد العرفية تلزم الأفراد أعلموا بها أم لم يعلموا، فإن كان الأفراد يجهلون القاعدة العرفية فلا يؤخذ جهلهم بعين الاعتبار، ذلك لأن العرف قانون، ولا يعتد بالجهل بالقانون ولا يعذر أحد بالجهل به.

أما العادة فالأخذ بها لا يكون إلا إذا قصد المتعاقدان اتباعها وهما بذلك يدلان على معرفتهما بها، فإذا كان أحد الطرفين أو كلاهما يجهلان حكم العادة فلا تطبق؛ لأن من العسير القول: إن المتعاقدين قد قصدا تطبيقها.

(3)ـ إذا كان العرف قانوناً فإن القاضي في تطبيقه يخضع لرقابة محكمة النقض بخلاف العادة، فهي ليست إلا واقعة من الوقائع، لا تخضع لرقابة محكمة النقض، بل ينفرد قاضي الموضوع بمهمة تقديرها.

5ـ التفريق بين العرف والتشريع: في أول مراحل الجماعات الإنسانية كانت الأعراف من أقدم مصادر التشريع لأنه الطريق الطبيعي الذي يلائم هذه المجتمعات، ولهذا كانت الأعراف ـ كما يقالـ أصدق القواعد القانونية في تعبيرها عن حاجة الجماعة وأكثرها تلاؤماً لظروفها الاجتماعية. بيد أنه نتيجة تطور الجماعات وتعقد العلاقات بين الأفراد بدا عجز العرف واضحاً عن مواءمة هذا التطور، وصار يتراجع عن المنزلة التي كان يحتلها، وهي صدارة مصادر القانون. ولعل ذلك يفتح المجال للتفريق بين العرف والتشريع وبيان مزايا وعيوب كل منهما:

> العرف يستند من أجل ظهوره إلى ما يتفق عليه الناس من أجل إشباع حاجاتهم من الناحية العملية، فهو يعبر تعبيراً صادقاً عن حاجات هؤلاء الناس ومتطلباتهم، وهو من هذه الناحية يمتاز عن التشريع؛ لأنه نابع من متطلبات الجماعة ورغباتها.

أما التشريع فإن جماعة مختارة واعية تمثل إرادة المشرع تقوم بوضعه، والقواعد التي يشرعها من تخوله إرادة المشرع لا تنبع من ضمير الجماعات، كل الجماعات، فالمشرع يسن التشريع آخذاً بعين الاعتبار المصلحة العامة. وعلى الرغم من ذلك، فقد قيل: إن "نقد التشريع من هذه الزاوية ليس حاسماً؛ لأن التشريع إذا لم يكن ملائماً لظروف الجماعة لا يكتب له البقاء".

> وضع العرف ـ كما هو معروف ـ من ضمير الجماعة، ويتطابق مع حاجاتهم، فإذا حدث التطور في الجماعة يتطور العرف بتطورها ويتلاءم مع تغير الظروف، فتنشأ من الأعراف قواعد تتطابق مع هذه الظروف وما يساير التطور.

أما التشريع فإنه يظل ثابتاً مهما تغيرت ظروف الجماعة ما لم يتدخل المشرع فيقوم بالتعديل والتطوير، فيصبح التشريع قاصراً عن سد الحاجات الاجتماعية غير الملائمة لظروف الجماعة. والجدير بالذكر أن المجتمعات الحديثة تحاول دائماً تعديل التشريع بما يتلاءم مع مقتضيات التطور.

> من المعروف أن العرف هو المصدر الشعبي الأصيل الذي يتصل بالجماعة، بيد أنه وعلى الرغم من ذلك فإنه بطيء التكوين ولا ينشئ القواعد القانونية إلا بصورة تدريجية، فإذا ثبت واستقر أضحى من الصعب التخلص منه، ولا يستجيب لرغبة الجماعة إذا أريد التخلص منه، وخاصة في العصر الحاضر الذي تتوالى فيه الأحداث وتتشعب فيه المشاكل التي تتطلب حلولاً سريعة. بخلاف التشريع الذي يعدّ أداة طيعة تستطيع إرادة المشرع إيجاد قواعد جديدة لمواجهة ما يستجد من قضايا تحتاج إلى حل سريع. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن إرادة المشرع تستطيع كلما اقتضت الحاجة تعديل التشريع بما يتناسب مع الواقع الاجتماعي، وتحقيق المساواة بين أفراد المجتمع.

> والعرف ـ باعتباره المصدر الشعبي الأصيل ـ يختلف عن التشريع بأنه قد يؤدي إلى تعدد القواعد القانونية في البلد الواحد، أي إن الأعراف قد تنشأ في جهة، فينشأ ما يخالفها في جهة أخرى في البلد الواحد. بخلاف التشريع الذي يحقق وحدة القواعد القانونية في البلد الواحد، الأمر الذي يؤدي إلى تبسيط التعامل بين الناس؛ وتحقيق وحدة القواعد القانونية في البلد الواحد؛ وبسط المساواة بين أفراد الشعب الواحد.

> إن القواعد القانونية التي تنشأ من العرف لا توضع في صيغ محددة مكتوبة ولا يعرف متى يبدأ تطبيقها ومتى يبدأ وقت سريانها، مما يؤدي إلى وقوع منازعات بين الأفراد. فمن الصعوبة بمكان معرفة مضمون القاعدة العرفية معرفة دقيقة، ومتى وجدت لتصبح واجبة التطبيق؛ بخلاف التشريع الذي ينشئ القواعد القانونية مكتوبة، ويوضح مضمونها، ويحدد الوقت الذي تصبح هذه القواعد واجبة التطبيق، الأمر الذي يضع حداً للمنازعات بين الأفراد وتحقيق ما يسمى بالاستقرار العام للجماعة.

وعلى الرغم من كل ما ذكر فإن أهمية الأعراف قد تضاءلت أمام القواعد القانونية التي سنتها إرادة المشرع، إذ جعلها مصدراً لا غنى عنه، بل يعدّها مصدراً رسمياً للقانون.

6ـ قيمة العرف بين مصادر التشريع وأنواعه:

أ ـ قيمة العرف بين مصادر التشريع: تعطي معظم التشريعات الحديثة منزلة مهمة للعرف باعتباره مصدراً للتشريع، لكن هذه المنزلة ـ وإن كانت منزلة أدنى من التشريع ـ تبقى إلى جانب التشريع مصدراً مكملاً يلجأ إليه القاضي كلما اقتضت الحاجة إلى ذلك؛ إذا لم يجد نصاً تشريعياً يسعفه أو نصاً تشريعياً يطبقه في لفظه أو في فحواه على النزاع المعروض أمامه. ويترتب على تخلف العرف عن التشريع في المرتبة، أنه لا يقوى على إلغاء التشريع أو مخالفته، فقد جاء في المذكرة الإيضاحية للقانون المدني المصري بصدد المادة (2) منه ما يلي:

"إن النص على عدم جواز نسخ التشريع إلا بمقتضى تشريع آخر يستتبع عدم جواز نسخ النص التشريعي بمقتضى عرف لاحق". فالعرف لا يملك إلغاء التشريع أو مخالفته، وهو حكم عام يسري على كل فروع القانون.

ب ـ أنواع العرف: ينقسم العرف من حيث وظيفته حيال التشريع إلى نوعين هما:

(1)ـ العرف المكمل للتشريع: فالعرف هنا يكمل التشريع إذا كان في التشريع نقص أو قصور أو ثغرات، فيتضمن أحكاماً أو موضوعاتٍ لم ينظمها التشريع، وهذا النوع من الأعراف هو الذي يعدّ مصدراً من مصادر الحكم. وقد كان هذا النوع من العرف أسبق في الظهور على التشريع، وبالتالي كان يمثل المصدر الوحيد للقانون في المجتمعات القديمة. وعندما بدأت حركة التشريع بالانتشار أخذ هذا النوع بالتراجع عن دوره السابق، وأصبح التشريع صاحب الصدارة في مصادر التشريع باعتباره مصدراً مادياً للقانون، أو مصدراً رسمياً للحكم. وعلى الرغم من أن العرف ترك مركز الصدارة للتشريع فإن أهميته ما تزال كبيرة، ويعدّ مصدراً مادياً للقواعد القانونية المختلفة، ومصدراً رسمياً للحكم في جميع فروع القانون ما عدا قانون العقوبات. بل إن الكثير من القواعد التشريعية مستمد في الواقع من العرف. فالمشرع حين يعمد إلى سن التشريع يحرص في أغلب الأحيان على أن يتبنى الأعراف السائدة التي أثبت التطبيق صلاحها، فتنقلب هذه الأعراف من قواعد عرفية إلى قواعد تشريعية، وتظهر قيمة العرف جلية واضحة حين جعل المشرع العرف مصدراً من مصادر القانون التجاري.

(2)ـ العرف المساعد أو المعاون: وهو العرف الذي يحيل إليه التشريع لتفسير إرادة المتعاقدين أو لإكمال اتفاق المتعاقدين في المسائل التفصيلية، ومن الأمثلة على العرف المساعد، ما ورد في المادة (96) مدني سوري التي توجب في عبارتها الأخيرة على المحكمة أن تقضي "… طبقاً لطبيعة المعاملة ولأحكام القانون والعرف والعدالة"، وكذلك المادة (149) مدني سوري التي تقضي في فقرتها الثانية أنه: "لا يقتصر العقد على إلزام المتعاقد على ما ورد فيه، ولكن يتناول أيضاً ما هو من مستلزماته، وفقاً للقانون والعرف والعدالة بحسب طبيعة الالتزام". وكذلك المادة (430) مدني سوري التي تنص على أن: "نفقات عقد البيع والطوابع ورسوم التسجيل وغير ذلك من مصروفات تكون على المشتري ما لم يوجد اتفاق أو عرف يقضي بغير ذلك". وقد تحيل النصوص التشريعية إلى العرف للاستعانة به لمعرفة نية المتعاقدين عند التفسير. مثال ذلك ما تقضي به الفقرة الثانية من المادة (151) مدني سوري من أنه: "إذا كان هناك محل لتفسير العقد فيجب البحث عن النية المشتركة للمتعاقدين دون الوقوف عند المعنى الحرفي للألفاظ مع الاستهداء في ذلك بطبيعة التعامل، وبما ينبغي أن يتوافر من أمانة وثقة بين المتعاقدين طبقاً للعرف الجاري في المعاملات".

7ـ مزايا العرف ومساوئه:

أ ـ مزايا العرف: مما تقدم يلاحظ أن العرف يمتاز بميزات مهمة، فهو وليد المجتمع وعصارة أفكاره، ينشأ نشأة خاصة عن طريق تعامل الناس به، هذه المزايا جعلت المدرسة التاريخية تقدمه على سائر مصادر التشريع، وعرفته بأنه المحصول الغريزي المباشر للوجدان الشعبي بمعناه الواسع، فقد رأت فيه الطريقة المثلى لإنتاج الحقوق لأنه أقرب إلى الواقع وأكثر اتصالاً به. لذلك وجدت بأن العرف أشد ملاءمة لرغبات المجتمع وحاجاته، وأكثرها تمشياً معه في سيره وتطوره. وتطبيق العرف والخضوع له أكثر سهولة من الخضوع لغيره من مصادر التشريع، فالعرف لا يفرض على الناس فرضاً من قبل هيئات خارجية؛ بل هو نابع منهم ومتأصل فيهم فيتبعونه بمحض إراداتهم.

ب ـ مساوئ العرف: إلى جانب هذه المزايا للعرف إلا أن له مساوئاً لا تقل أهمية عن مزاياه. فمنها:

(1)ـ أنه بطيء الانتشار في المجتمع، وصعب التغيير. فالعرف يبدأ عادة تتأصل في أفئدة الناس شيئاً فشيئاً فترة طويلة من الزمن لا يعرف مداها، فمتى تأصل العرف بين الناس لم يعد من السهل تغييره، بل يصعب انتزاعه منهم واستبدال غيره به.

(2)ـ مادام العرف لا يوجد في نصوص مكتوبة فإن معرفته وإثباته وتحديد تاريخه من الصعوبة بمكان، بل لا يعرف تاريخ البدء بتطبيقه، كما لا يعرف تاريخ انتهائه، أما زال مطبقاً أم حلّت محله أعراف جديدة أخرى، الأمر الذي يصعب معه استخلاص قواعد ثابتة لتطبيقها في التعامل بين الناس.

(3)ـ إضافة إلى ذلك فإن الأعراف تختلف من منطقة إلى أخرى في الدولة الواحدة. فالعرف لا يصدر عن هيئة عليا تتولى وضع قواعده، بل هو تعامل الناس فيما بينهم، وهذا التعامل قد يختلف من منطقة إلى أخرى، بل يختلف باختلاف الفئات والمهن والأعمال مما يؤدي إلى تعدد الأعراف في الوطن الواحد.

 وعلى الرغم من جميع المساوئ التي طرحت؛ فإن العرف لا يزال يأخذ مرتبته في مصادر التشريع، فلا يستطيع المشرع أن يلم بكل القواعد القانونية اللازمة للمجتمع، فيترك للعرف أمر حلها وتنظيمها. بيد أن السؤال الذي يطرح نفسه هو، لماذا تعدّ الأعراف قواعد قانونية ملزمة، ومن أين استمدت هذا الإلزام؟

8ـ القواعد العرفية وإلزامية تطبيقها:

أ ـ النظريات المختلفة في القوة الملزمة للعرف: اختلفت الآراء حول مستند القوة الملزمة للعرف، فمنهم من قال: إن العرف باعتباره يعبر عن إرادة الأمة فإنه يستمد القوة الملزمة من نفسه، لأن الأمة هي التي أوجدته، وهي التي صنعته وهذبته وارتضت تطبيقه رضاءً ضمنياً، وهذا الرضاء الضمني هو سر قوة العرف الملزمة.

ومنهم من قال: إن المشرع هو الذي أسبغ على العرف قوته الملزمة؛ لأن المشرع هو صاحب الحق في القواعد التي تنظم سير عجلة التقدم، وهو صاحب الحق الوحيد في التشريع نيابة عن الأمة، فقد حصر المشرع بنفسه الحق في التشريع، فلا يجوز للأمة أن تمارس التشريع إلا برضاء هذا المشرع. ومهما يكن الاختلاف بين الرأيين السابقين فإن القواعد العرفية لا تشكل قواعد قانونية إلا إذا أقرها المشرع، فقبول المشرع بدورها هو الذي يكسبها القوة الملزمة في التطبيق.

ب ـ دور القضاء في إلزامية العرف: والسؤال الذي يطرح: هل تعدّ القواعد التي تنشأ من اجتهادات المحاكم وقضائها المتكرر والمستمر والثابت أعرافاً أو بحكم الأعراف؟ فإذا كانت هذه الأحكام تعدّ أعرافاً فهل أعطيت لها قوة القانون لأن المحاكم أقرتها وطبقتها، أم لأن المحاكم طبقتها لأنها أعراف لها قوة القانون؟

للعرف أهمية كبيرة في الشرائع القديمة والتشريعات الحديثة، وقد نص على ذلك القانون المدني السوري حين أحال القاضي إلى العرف عندما لا يوجد نص يمكن تطبيقه، مما يؤكد القيمة المهمة للعرف، وأنه يظل مصدراً مكملاً خصباً إلى جانب التشريع. ولكن هذه القوة الملزمة للعرف أهي وليدة تطبيق المحاكم، أم أن المحاكم تطبقها لأنها قواعد ملزمة؟ هذا الذي اختلفت فيه آراء أصحاب المدارس القانونية.

فأصحاب المدرسة التحليلية يقولون: إن القواعد العرفية لا قيمة لها إلا إذا طبقتها المحاكم، فلا قيمة قانونية لها، ولا تعد مصدراً إلا إذا طبقت قضائياً، فالمحاكم هي التي تعين الأعراف وتوضحها وتعطيها القوة الإلزامية لتطبيقها.

أما أصحاب المدرسة التاريخية ـ مدرسة الفقيه الألماني سافيني ـ فتذهب إلى القول: إن القواعد العرفية تعدّ مصدراً للتشريع، وتكون لها الصفة الملزمة بمجرد نشوئها واستكمالها لشروطها وأركانها، وإذا اتجهت المحاكم إلى تطبيقها فإنها تفعل ذلك لأن للأعراف الصفة الإلزامية، فصفة الإلزام ـ كما يقولون ـ موجودة فيها قبل التطبيق. وهذا الرأي لافت للنظر فعلاً، وهو الأرجح عند رجال القانون، وبه أخذ القانون المدني السوري. والمشرع ذاته يقر للعرف بالقوة الملزمة ويعدّ أن القواعد العرفية تقوم مقام التشريع حين فقدانه، والتشريع حين يحيل إلى العرف فإنما يعني ذلك أن التشريع يتبنى قواعده، وأن تطبيق العرف ليس إلا تطبيقاً للتشريع ذاته الذي يحيل إليه.

ولكن ما القول لو أن العرف تعارضت قواعده مع قواعد التشريع، فأي القواعد يجب ترجيحها؟ الفقه القانوني يميز بين مخالفة العرف للقواعد الآمرة، ومخالفته للقواعد المفسرة، فإذا كانت مخالفته للقواعد الآمرة؛ فلا يجوز للعرف مخالفتها، وإن كانت القواعد مكملة مفسرة فيجب التمييز بين فرضين: إذا تضمنت القواعد المفسرة النص على تطبيق العرف؛ فيطبق العرف وتستبعد القاعدة المفسرة، وإذا لم تنص القواعد القانونية على تطبيق العرف فهناك رأيان: رأي يرى تقديم العرف على القاعدة القانونية، ورأي يرى تقديم القاعدة القانونية المفسرة على العرف، فيسري تطبيق القواعد القانونية المفسرة ويستبعد العرف. أما إذا كانت مخالفة العرف للقواعد القانونية التجارية المكملة أو المفسرة؛ وجب الأخذ بالعرف وإهمال القاعدة التشريعية، ففي هذه الحالة يرجح العرف على القاعدة القانونية، وهو ما قضت به المادة (4/1) من قانون التجارة السوري رقم (33) تاريخ 9/12/2007 والنافذ بدءاً من 1/4/2008، وتقضي بأن: "على القاضي عند تحديد آثار العمل التجاري أن يطبق العرف المتوطد إلا إذا ظهر أن المتعاقدين قصدوا مخالفة أحكام العرف، أو كان العرف متعارضاً مع النصوص التشريعية الإلزامية". ويعد العرف الخاص والعرف المحلي مرجحين على العرف العام (المادة 4/2 من قانون التجارة). فالعرف التجاري أمره معروف ومحدد، ذلك لأن العرف التجاري هو ما استقر عليه العمل التجاري وتواتر الناس على اتباعه، وكما سبق ذكره فإن معظم قواعد القانون التجاري هي في الأصل قواعد عرفية جرى تدوينها بعد ذلك واتخذت شكل التشريع، وعلى الرغم من ذلك فإن هناك قواعد عرفية غير مدونة ولكنها تطبق في التعامل التجاري على نطاق واسع.

ثانياً ـ مبادئ القانون الطبيعي وقواعد العدالة:

أحال القانون المدني السوري ـ كأصله المصري ـ القاضي إذا لم يجد ما يسعفه لإصدار الحكم إلى مبادئ القانون الطبيعي ومبادئ العدالة؛ بنص صريح في الفقرة الثانية من المادة الأولى، فجعلها بذلك مصدراً رسمياً احتياطياً وأخيراً يلجأ إليها القاضي في كل مرة لا يجد في المصادر الأخرى نصاً أو عرفاً؛ أو في مبادئ الشريعة حكماً صريحاً واجب التطبيق، فما هي مبادئ القانون الطبيعي وقواعد العدالة؟

1ـ مبادئ القانون الطبيعي: إلى جانب المذاهب الدينية والمذاهب الواقعية التي تناولت أسس الحقوق؛ برز ما يسمى بالمذاهب المثالية التي انبثقت عنها مدرسة كبيرة هي مدرسة القانون الطبيعي، وقد وصفها المؤلفون بأنها: "الحقوق والقواعد التي نفهمها أو نتصورها خارجة عن القواعد والمبادئ القانونية والعرفية، كما لو كانت توجبها الطبيعة ويفرضها العقل"، وهي كما قيل عنها: "الحقوق المثالية التي يقرها منطق الطبيعة والعقل السليم". وبالنظر لأهمية هذه النظرية وبخاصة عندما نصت عليها الفقرة الثانية من المادة الأولى من القانون المدني السوري، حين قالت: "… إذا لم يوجد نص تشريعي يمكن تطبيقه حكم القاضي بمقتضى الشريعة الإسلامية، فإن لم توجد فبمقتضى العرف فإن لم يوجد فبمقتضى القانون الطبيعي وقواعد العدالة"، ونظراً لأهميتها أصبحت مبادئ القانون الطبيعي مصدراً رسمياً منصوصاً عليه في القانون المدني المصري الذي تأثر إلى حد كبير بالتشريعات المدنية ومذاهب الحقوق الطبيعية التي نص عليها القانون المدني الأهلي والقانون المدني المختلط باعتبار أن القانون الطبيعي وقواعد العدالة من المصادر الرسمية في القانون المدني الجديد، وقد تأثر بذلك واضع القانون المدني السوري فأخذ بهذه المبادئ جرياً مع ما أخذ به القانون المدني المصري.

2ـ قواعد العدالة: أحال المشرع السوري إلى المصدر الرسمي الاحتياطي من خلال الفقرة الثانية من المادة الأولى عندما قال: "…فإن لم يوجد فبمقتضى مبادئ القانون الطبيعي وقواعد العدالة". وقد انقسم الفقه القانوني على ماهية الحقوق الطبيعية، وسماها بعضهم بقواعد العدالة باعتبار أنها تستهدف ما يهدف إليه القانون الطبيعي، الأمر الذي جعل المشرع المصري للقانون المدني الجديد يجمع بين الفكرتين، ويعبر عنهما بتعبير واحد، هو: مبادئ القانون الطبيعي ومبادئ العدالة.

وفي واقع الأمر فإن اللفظين والعبارتين الواردتين تباعاً لمصدر رسمي آخر للحقوق ملزمان للقاضي عند فقدان المصادر الأخرى، وهذان اللفظان ـ كما يقول رجال القانونـ متوافقان ومتطابقان؛ بل هما مترادفان إلى حد بعيد، وقد دلت على ذلك التطبيقات القضائية في مصر، (استئناف مصر 9 نيسان 1930، نشر في مجلة المحاماة 13ـ 63ـ 41، قارن قرار محكمة النقض المصرية التي رفضت قرار محكمة الاستئناف فقالت إنه لا يجوز الالتجاء إلى القانون الطبيعي ومبادئ العدالة إلا عند عدم النص. نقض مدني 24/1/ 1932، المحاماة 2ـ 833ـ359، نقلاً عن القوتلي، ص375، الحاشية 2). وعلى الرغم من أن القانون المدني السوري قد أخذ بأكثر النظريات التي أخذ بها القضاء المصري؛ فإنه لم يتح المجال لتطبيقها لأنه ملأ النقص بنصوص قانونية، فأبقى هذا المصدر الموئل الأخير الذي يمكن أن يلجأ إليه القاضي لإيجاد الحلول الملائمة عند فقدان النص.

والجدير بالذكر أن القانون المدني الأردني لم يجعل من مصادر القانون الرسمية الاحتياطية بعد الفقه الإسلامي والشريعة الإسلامية والعرف سوى مبادئ العدالة من دون القانون الطبيعي؛ حتى لا يفهم أو يتبادر إلى الأذهان أن الطبيعة تخلق القانون، وأن لها قانوناً خاصاً بها؛ لأن من المعتقد على نحو شائع أن هذا الأمر يتضمن فهماً مادياً يتعارض مع الشريعة الإسلامية التي تنظر إلى كل الأشياء والكائنات بما فيها الطبيعة ذاتها على أنها مخلوقة، وأن الله سبحانه وتعالى هو الخالق الوحيد، كما أن قانون المعاملات العربي الموحد لم يذكر القانون الطبيعي ومبادئ العدالة ـ لا من قريب ولا من بعيد ـ من بين المصادر الرسمية الاحتياطية للتشريع.

 

مراجع للاستزادة:

 

ـ توفيق حسن فرج، الأصول العامة للقانون (الدار المصرية للطباعة والنشر، بيروت 1973).

ـ عدنان القوتلي، الوجيز في الحقوق المدنية، ج1، القسم1 (مطبعة جامعة، دمشق 1960).

ـ محمود جلال حمزة، التبسيط في شرح القانون المدني الأردني، ج1.

ـ هشام القاسم، المدخل إلى القانون (المطبعة الجديدة، دمشق 1976).


التصنيف : القانون الخاص
النوع : القانون الخاص
المجلد: المجلد السابع: المحكمة الجنائية الدولية _ ولاية المظالم في الإسلام
رقم الصفحة ضمن المجلد : 137
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 43
الكل : 12469062
اليوم : 9951