logo

logo

logo

logo

logo

الموازنة العامة (مقدمة)

موازنه عامه (مقدمه)

general budget (introduction) - budget général (introduction)

 الموازنة العامة

الموازنة العامة

محمد خير العكام

 

نشأة فكرة الموازنة العامة وتطبيقها في سورية أنواع الموازنات العامة
التعريف بالموازنة العامة للدولة السمات الرئيسة للموازنة العامة
خصائص الموازنة العامة أهمية الموازنة العامة في الاقتصاد السوري
 

الموازنة العامة خطة مالية شاملة للدولة تنتج قيام الدولة بوظائفها، أصبح لها في العصر الراهن أهمية كبيرة من النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية إضافة إلى الناحية المالية، لذا لا بد من التعريف بها من خلال:

أولاً ـ نشأة فكرة الموازنة العامة وتطبيقها في سورية:

1ـ نشأة فكرة الموازنة العامة:

عرف الفكر المالي فكرة الموازنة بين إيرادات الدولة ونفقاتها منذ القدم، وارتبطت فكرة الموازنة وتطورت بوجود الدولة وتطور وظيفتها، فكلمة موازنة في اللغة العربية تدل على المقارنة بين شيئين أو إبانة المعادلة أو التوازن، وفي اللغة الفرنسية هي Budget وفي الإنكليزية Budget وهي مشتقة من كلمة Bougette التي تعني الكيس الذي يضع فيه الخازن الأموال لينفق منها.

ويرجع بعض المؤرخين الإيطاليين أصل فكرة الموازنة إلى جمهوريات البندقية وفلورنسا، التي وضعت لتنظيم حساباتها جدولين، يتضمن أحدهما نفقات الدولة والآخر وارداتها؛ بحيث يتكون منهما الميزان الحسابي.

ولم تكن النظم المالية في العصور الوسطى في أوربا تفرق بين مالية الملك والدولة، إلى أن تشكلت البرلمانات بسبب الموافقة على الضرائب التي لم تكن تتم إلا بعد معرفة أوجه النفقات التي تمولها لتوازن بينهما، وتوافق على الضروري منها، إلى أن أصبحت هذه العملية دورية سنوياً، وبذلك تشكل مفهوم الموازنة في العصر الحديث.

وفكرة الموازنة ـ بمفهومها الحديث ـ نشأت في إنكلترا خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر بصورة تدريجية وعلى مراحل، فتجلت المرحلة الأولى بإعطاء ممثلي الشعب حق إقرار الضرائب وفرضها، والمرحلة الثانية بالاعتراف للبرلمان بحق تحديد كمية النفقات ونوعيتها، ثم المرحلة الثالثة وفيها منحت السلطة التشريعية حق إقرار الإنفاق والجباية بصورة دورية، وبذلك اكتملت المقومات الرئيسة للموازنة، فخرجت فكرتها إلى حيز الوجود، ثم طبقت بدءاً من أوائل القرن التاسع عشر في فرنسا بعد قيام ثورتها وبقية البلدان الأوربية، وأخذت بعد ذلك تنتشر في بلاد العالم.

أما العرب فلم يعرفوا فكرة الموازنة؛ على الرغم من أنهم ضلعوا في وضع القواعد في المالية العامة الإسلامية سواء في الضرائب أم في الإنفاق، كما نظموا بيت المال، ودونوا فيه النفقات والإيرادات العامة، وربما يعود ذلك إلى السببين الآتيين:

أ ـ أن العرب قد خصصوا كل نوع من الإيرادات العامة لنفقات معيّنة، فالغنائم مثلاً يعطى خمسها للرسولr وأهل بيته ويوزع الباقي على المسلمين، والزكاة التي يدفعها المسلمون تصرف على الفقراء، وبهذا التنظيم لا يمكن أن تزيد نفقات الدولة على إيراداتها حتى يلجأ الحاكم إلى فرض الضرائب لتغطيتها، والتي كانت السبب الرئيسي والأهم لنشوء فكرة الموازنة في الغرب.

ب ـ أن أمر العرب كان شورى فيما بينهم؛ مما لا يدع مجالاً لقيام حركات شعبية تكون الأساس في نشوء فكرة الموازنة، وتبعاً لما تقدم لم تظهر الحاجة عند العرب لتنظيم أمورهم المالية ببرنامج يجيز الجباية والإنفاق لمدة محدودة من الزمن.

2ـ تطبيق الموازنة في الجمهورية العربية السورية:

أما فيما يتعلق بتطبيق فكرة الموازنة العامة في الجمهورية العربية السورية فيمكن القول:

إنه في عهد الحكم العثماني، لم تعرف سورية أي مفهوم للموازنة على الرغم من المحاولات المتعددة للإصلاح المالي التي قامت بها الدولة، والتي كان آخرها صدور قانون المحاسبات العثماني الذي وضع عام 1905 وعدل عام 1911، وبقي الأمر كذلك حتى عهد الانتداب الفرنسي.

في عهد الانتداب الفرنسي، قسمت سورية إلى دويلات، لكل منها موازنة خاصة، وارتبطت هذه الموازنات بعضها ببعض بواسطة حساب إدارة المصالح ذات المنفعة المشتركة الذي كان يشمل حسابات جميع بلاد الشرق الخاضعة للانتداب الفرنسي، واضطرت فرنسا بعد ذلك إلى إصدار سلسلة من الإصلاحات المالية، كان أهمها نظام المحاسبة العامة الصادر بقرار المفوض السامي رقم /2231/ تاريخ 16/10/1923م حيث بقيت معظم أحكامه سارية المفعول حتى عام 1969، وبنيت الموازنات السورية نتيجة ذلك على أسس الدولة الحديثة ومفاهيمها، فاتصفت بالمركزية الشديدة عبرت عنها تعليمات المحاسبة العامة الصادرة عام 1943.

بعد توحيد الدويلات السورية، صدرت أول موازنة عامة وموحدة للجمهورية السورية في عام 1923، دمجت فيها موازنة (دولة سورية) التي كانت تضم دمشق وحلب مع موازنات جبل الدروز والعلويين، كما ضمت إليها حصة الدولة من المصالح المشتركة التي كانت تشمل بصورة رئيسة مديرية الجمارك وإدارة حصر التبغ، واتبع في سورية نظام تعدد الموازنات، فإلى جانب الموازنة العامة العادية، وجدت موازنات المؤسسات والهيئات العامة ذات الاستقلال الإداري والمالي، والموازنات الاستثنائية لتنفيذ المشروعات الإنمائية، والحسابات الخاصة التي تمول المشروعات من أموال الخزينة ومؤسسة الإصدار، ثم حصرت بصندوق الدين العام.

وفي عهد الوحدة بين سورية ومصر، تم توحيد الموازنات وإعادة تبويبها وفق أسس جديدة، وأصبح هناك موازنة للجمهورية العربية المتحدة التي تشمل الإدارات التي تم توحيدها بين القطرين، كالرئاسة والخارجية والدفاع والموازنة العامة العادية لكل من الإقليمين، ثم الموازنة الإنمائية والموازنة الإنتاجية في مصر، ونتيجة لذلك تعددت القوانين الناظمة للموازنة.

وفي عام 1963 قامت ثورة آذار، فتغير مفهوم الدولة، وازدادت وظائفها نتيجة التحول الاشتراكي الذي دعت إليه، وظهرت بتلك الفترة حركة تشريعية واسعة، شملت مختلف الفعاليات، ووصلت إلى المالية العامة، ففي عام 1967 صدر القانون المالي الأساسي بالمرسوم التشريعي رقم (92)، الذي حدد مفهوم الموازنة ووضع القواعد اللازمة لتنظيمها وإقرارها وتنفيذها ومراقبة تنفيذها.

ومع دخول عام 2000 ظهرت مرحلة جديدة من الإصلاح في سورية انعكست على كل التشريعات وخاصة المالية منها، فحل القانون المالي الأساسي رقم (54/2006) محل القانون السابق، ودخل حيز النفاذ في بداية عام 2008 الذي أعاد تنظيم بعض الأحكام المتعلقة بالموازنة العامة، وعُدّ خطوة إصلاحية أساسية كانت لا بد منها لتلبية حاجات الدولة وفق مفهوم اقتصاد السوق الاجتماعي الذي اعتمدته منذ عام 2005.

ثانياً ـ التعريف بالموازنة العامة للدولة:

تعريف الموازنة العامة:

إن اصطلاح الموازنة يعني محفظة النقود العامة التي استخدمت وعاء لإيرادات الملك والدولة ونفقهاتما، وقد أطلق هذا المصطلح في بريطانيا على الحقيبة الجلدية التي يحملها وزير الخزانة إلى البرلمان والتي يوجد فيها الوثائق التي تتضمن احتياجات الحكومة إلى النفقات ومصادر تمويلها من أجل إقرارها منه.

وقد تعددت تعريفات الموازنة العامة بتعدد الفقهاء والباحثين والتشريعات المالية والوضعية باختلاف الدول ونظمها السياسية والاقتصادية والاجتماعية ووفق نظرة كل منهم إلى الموازنة.

فقد عرفها القانون الفرنسي بأنها "الصيغة التشريعية التي تقدر بموجبها أعباء الدولة وإيراداتها ويؤذن بها، ويقررها البرلمان في قانون يعبر عن أهداف الحكومة الاقتصادية والمالية".

وقد عرّفها قانون المحاسبة العمومية اللبناني في المادة (3) منه بأنها "صك تشريعي تقدر فيه نفقات الدولة وإيراداتها عن سنة مقبلة وتجاز بموجبه الجباية والإنفـاق".

وعرّفها المشرع المصري في القانون رقم 53/1973 في مادته الأولى بأنها "البرنامج المالي للخطة عن سنة مالية مقبلة لتحقيق أهداف محددة، وذلك في إطار الخطة العامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية وطبقاً للسياسة العامة للدولة".

أما دليل المحاسبة الحكومية للأمم المتحدة فعرّفها بأنها "عملية سنوية للتخطيط والتنسيق والرقابة على استخدام الموارد في الدولة بكفاية لتحقيق الأهداف المطلوبة".

وفي سورية عرّفها القانون المالي الأساسي رقم (54/2006) في مادته الأولى "بأنها الخطة المالية الأساسية السنوية لتنفيذ الخطة الاقتصادية، وذلك بما يحقق أهداف هذه الخطة ويتفق مع بنيانها العام والتفصيلي"، ونص في مادته الثانية أنها تتضمن التقديرات التالية:

> نفقات الوزارات والجهات العامة ذات الطابع الإداري وإيراداتها.

> فوائض الجهات العامة ذات الطابع الاقتصادي والوحدات الإدارية المحلية ومديريات الأوقاف.

> القروض.

يلاحظ على تعريفات الموازنة الوضعية أنها لم تعبر عن مفهومها، ولم تظهر خصائصها على نحو متوازن، فمعظمها لم يظهر دور السلطة التشريعية في إقرارها وخاصة التقدير والتخمين، لذلك فإن التعريفات الفقهية كانت أكثر دلالة على مفهومها وخصائصها، فبعضهم عرفها بأنها "بيان تقديري سنوي مفصل ومعتمد يحدد الإيرادات والنفقات التي تقوم بها الهيئة العامة لتحقيق أهدافها السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تسعى إليها". ومن أفضل التعريفات التي دلت على مفهومها وكامل خصائصها هو تعريف عصام بشور "بأنها خطة مالية تصدر سنوياً بصك تشريعي يقدر ويجيز النفقات والإيرادات اللازمة لتحقيق أهداف الدولة".

2ـ تفريق الموازنة العامة عن غيرها من المفاهيم:

أ ـ فهي تتميز من الحساب الختامي للدولة: فالحساب الختامي للدولة هو كشف مسجل فيه كل المبالغ النقدية التي أنفقتها الدولة وكل المبالغ الفعلية التي قامت الدولة بتحصيلها خلال السنة المنصرمة متبعة في هذا التسجيل التبويبات والتقسيمات نفسها المتبعة في الموازنة العامة، فالحساب الختامي للدولة يتشابه مع الموازنة العامة لها في كل شيء سوى طبيعة الأرقام الواردة فيهما، ففي الحساب الختامي تكون الأرقام التي صرفت فعلياً خلال السنة وفي الموازنة تكون الأرقام التقديرية التي من المتوقع صرفها خلال سنة قادمة، فلكل سنة مالية موازنة عامة وحساب ختامي، والهدف من وجودهما هو الموازنة بين الأرقام الواردة في كل منهما، ودراسة أسباب الاختلاف بين الأرقام المتوقعة والفعلية وتحليلها ومساءلة الحكومة عن ذلك إن كانت تلك الأسباب غير مبررة.

والحساب الختامي للدولة هو وسيلة السلطة التشريعية للمراجعة والتأكد من التزام الدولة بتنفيذ ما اعتمدته السلطة التشريعية من نفقات، وهو أداة متابعة الحكومة، وهو وسيلة لتحسين طرق التقدير والتنبؤ وتقليل احتمالات الخطأ في موازنات الدولة المستقبلية، وهو أداة للرقابة وتقييم الأداء والوقوف على درجة الكفاءة والإنتاجية للقطاعات الحكومية، وهو وسيلة لاكتشاف الانحرافات في هذا المجال وتجاوزها بالمستقبل، لذلك نص الدستور السوري على ضرورة إقراره خلال سنتين على الأكثر من انتهاء السنة المالية للاستفادة منه في تقدير الموازنات اللاحقة.

ب ـ وهي تتميز من موازنات المنشآت والمشاريع: فموازنة المشروع تعبر عن المركز المالي الحقيقي للمشروع في لحظة معيّنة تؤسس على ما يملكه المشروع من أصول وما عليه من خصوم (ديون والتزامات) في لحظة معيّنة اتخذت توقيتاً لإعداد الموازنة، تعدّ وفق أسس المحاسبة الخاصة، وتعتمد من مجالس الإدارة الخاصة بها، فهي تتفق مع الموازنة العامة في أنها وسيلة تخطيطية لتحقيق أهداف موضوعة مسبّقاً، ولكنها تختلف عنها في كون الموازنة العامة بحاجة إلى إقرار من السلطة التشريعية قبل تنفيذها وفي أساليب إعداد كل منها، وذلك يعود إلى الاختلاف في أهداف كل منها، فأهداف الموازنة العامة يصعب ترجمتها في صورة كمية دقيقة مثل زيادة رفاهية المواطن، التوزيع الأمثل للدخل…إلخ. أما أهداف المشـروع فغالباً ما يمكن تحديدها كمياً.

ج ـ كما تتميز من الموازنة القومية التي تتسع لتشمل تقدير النفقات والإيرادات المتوقعة على المستوى القومي دون تفرقة بين حكومة ومشروعات خاصة وأفراد من أجل التعرف إلى المعطيات الأساسية للاقتصاد القومي من إنفاق كلي وناتج قومي حتى يمكن على ضوئها تحديد السياسة المالية المناسبة، في حين تعدّ الموازنة العامة جزءاً من الموازنة الأولى، فتقتصر على تقدير النفقات والإيرادات العامة فقط.

د ـ كما تتفق الموازنة العامة مع الموازنة النقدية في أن كلتيهما تسعيان إلى الاستخدام الأمثل لموارد محدودة من أجل إشباع الحاجات العامة، ولكنهما تختلفان في نقطتين:

1) ـ تقوم الموازنة العامة على تقدير نفقات القطاع العام للدولة وإيراداته، في حين تتعدى تقديرات الموازنة النقدية إلى مختلف قطاعات الاقتصاد القومي.

2) ـ يتم تقدير نفقات الموازنة العامة وإيراداتها بالعملة الوطنية حتى لو كانت مرتبطة بإيرادات أجنبية أو بنفقات ستتم بعملة غير وطنية، في حين تحصر الموارد في الموازنة النقدية وفقاً للعملات الأجنبية المتوقع تدفقها بعد تقسيمها لعملات صعبة قابلة أو غير قابلة للتحويل، ويتم توزيع الاستخدامات فيها بالوسيلة نفسها بما يكفل تحقيق التوازن بين مجموع المتحصل والمستخدم من كل طائفة من العملات الأجنبية.

ثالثاً ـ خصائص الموازنة العامة:

للموازنة مجموعة من الخصائص، لعل أهمها:

1ـ الموازنة خطة:

تعبر الموازنة عن خطة عمل الحكومة التي تعكس البرامج التي تريد تنفيذها، فهي ترجمة للمشروعات والبرامج التي تضعها الدولة إلى أرقام قابلة للتنفيذ، وهذا يعني أن المالية العامة للدولة أصبحت تبنى على أساس التخطيط وأن الموازنة العامة للدولة الأداة الرئيسة للتخطيط المالي فيها والمحرك الأساسي لعمليات التمويل والإنفاق، وتؤدي دوراً مهماً في النظام المالي للدولة، وهي بهذا الوصف تعبر عن التوافق بينها وبين العقيدة السياسية والاقتصادية لها.

2ـ الموازنة هي الخطة المالية الأساسية للدولة:

الموازنة ليست إلا إحدى خطط الدولة المالية، وتعدّ إحدى خططها قصيرة الأجل لتنفيذ برامجها الاقتصادية طويلة الأجل، فهي خطة فرعية تعمل ضمن إطار المالية العامة للدولة، وتهدف إلى تنفيذ إحدى مراحل خطتها العامة، فتكون الخطة العامة بمنزلة البنيان العام الذي يوجه ويرشد البنيان التفصيلي المتمثل بالموازنة العامة، فتقديراتها تبنى على أساس الخطة العامة وتوقعاتها، وهدف الموازنة تحقيق الغايات التي تتوخاها الخطة العامة في سنة معيّنة، ومن هنا تنشأ ضرورة التوافق والانسجام بين الخطة الاقتصادية للدولة والموازنة العامة لها، وهذا ما يمكن ملاحظته بوضوح في الموازنات الاشتراكية القائمة على أساس التخطيط المركزي، وكما عبّر عنه المشرع السوري عندما وصف الموازنة بأنها الخطة المالية الأساسية السنوية لتنفيذ الخطة الاقتصادية، فالموازنة العامة الوسيلة المالية للدولة التي تعمل إلى جانب وسائل مالية أخرى لتنفيذ أحكام الخطة الاقتصادية كخطة الائتمان والأجور وغيرها.

لكن الموازنة العامة تؤدي دوراً محورياً وقيادياً في النظام المالي للدولة والحياة الاقتصادية والسياسية فيها، فهي التي ترصد الأموال اللازمة للقيام بنشاطاتها، وتجمع الإيرادات اللازمة لذلك في صندوق مركزي يمول ويقود عملية التطور والنمو، فهي المرآة الصادقة التي تعكس خطط الدولة، وتترجم إلى أرقام الوعود التي تقطعها الحكومة للشعب، ولا يمكن تنفيذ أي مشروع أو القيام بأي عمل ما لم ترصد الاعتمادات اللازمة له في الموازنة التي تبدو وكأنها محور لكل عمل تقوم به الدولة.

ويبدو الدور الرئيس للموازنة لكونها تتضمن نفقات جميع الوزارات والإدارات والهيئات والمؤسسات العامة وإيراداتها سواء وفق مبدأ الشمول أم مبدأ الصوافي، وهي ترتبط بمختلف الخطط المالية التي تضعها الدولة، فتوجهها، وتؤثر فيها كخطة التسليف وخطط التأمين والائتمان، ولكن عليها أيضاً أن تأخذ هذه الخطط بالاعتبار عند وضعها؛ لأنها تعمل مجتمعة على تحقيق أهداف الدولة.

3ـ الموازنة خطة سنوية:

توضع الموازنة لمدة محددة من الزمن اتفقت القوانين على جعلها سنة واحدة، وهذا ناجم عن كونها خطة توضع لفترة قادمة من الزمن، فلا بد من تحديد هذه الفترة حتى تصح عملية تقدير النفقات والإيرادات وتخمينها خلالها، وتكون أقرب إلى الدقة كلما قصرت مدة الموازنة.

وقد تم الاتفاق على جعلها سنة؛ لأن إعداد الموازنة من قبل السلطة التنفيذية وإقرارها من قبل السلطة التشريعية وإصدارها يتطلب وقتاً طويلاً وإجراءات كثيرة، فلو جُعلت مدة الموازنة أقل من سنة لاستغرقت هذه الأعمال معظم أوقات الحكومة والمجلس التشريعي، كما أن الإيرادات تختلف باختلاف أشهر السنة وفصولها وكذلك بعض النفقات، لذا كان من الطبيعي الاتفاق على فترة السنة؛ لتمر فيها جميع الأشهر والفصول والمواسم، ولو جعلت أكثر من سنة لاتسعت الفجوة الزمنية بين زمن وضعها وتنفيذها؛ مما قد يؤدي إلى الاختلاف بين حجمها المتوقع والواقع فعلاً، وتكثر الأخطاء، ويتسع مجال سوء التقدير، وتصعب مراقبة السلطة التشريعية، فتبقى قاعدة السنوية ضرورية لتفعيل رقابة السلطة التشريعية على أعمال الحكومة.

4ـ الموازنة تصدر بصك تشريعي:

وهذه الخاصية تظهر الطبيعة القانونية للموازنة العامة، فهي لا يمكن تنفيذها قبل إقرارها من السلطة التشريعية، كما أكد ذلك المقطع الأخير من المادة (70) من الدستور السوري، أي يجب أن تعرض على السلطة التشريعية قبل إصدارها من السيد رئيس الجمهورية، ولا يمكن له أن يصدرها بمرسوم تشريعي، وقد ألزم الدستور في المادة السابقة ونص القانون المالي الأساسي على التزام الحكومة بتقديم الموازنة إلى السلطة التشريعية قبل شهرين على الأقل من بداية السنة المالية؛ لكي يضمن للسلطة التشريعية الوقت الكافي لمناقشة أرقامها قبل إقرارها، فالموازنة في سورية يجب أن تصدر بقانون، ولكن طبيعة هذا القانون تختلف عن باقي القوانين التي تصدرها السلطة التشريعية كما يمكن ملاحظته لاحقاً.

5ـ الموازنة إجازة مسبّقة:

تتميز الموازنة العامة من بقية الخطط المالية للدولة بصفة الإجازة، فالموازنة لا تنفذ ما لم تأذن السلطة التشريعية بإنفاذها، ولا يجوز للحكومة أو أحد أجهزتها أن تنفق مالاً أو تجبي ضريبة ما لم تأذن بذلك السلطة التشريعية، وينجم عن هذه الخاصية النتائج التالية:

أ ـ تصدر بصورة مسبّقة لتحديد نوعية المبالغ التي ستنفق أو ستجبى وكميتها في المستقبل.

ب ـ هذه الإجازة مدتها سنة قادمة تصبح بانقضائها عديمة الأثر والمفعول.

جـ ـ يختلف مضمون الإجازة بين الإنفاق والجباية، فإجازة الإنفاق تحدد نوعية النفقات وحدودها القصوى وكمياتها التي يجب ألا تتجاوزها خلال السنة المالية، أما إجازة الجباية فهي عملية تقديرية لكميتها فقط خلال تلك السنة والتي يمكن تجاوزها؛ لأن إيرادات الدولة تجبى وفقاً لقوانين دائمة تضعها الدولة قبل قانون الموازنة، وهذا ما دفع بعض الفقهاء إلى القول: إن تعبير الإجازة ينطبق على النفقات فقط، ويتحول إلى إجبار في الإيرادات (الضريبة).

6ـ الموازنة تقدير وتخمين لمضمونها:

ما دامت الموازنة إجازة مسبّقة؛ أي إنها موضوعة للمستقبل، لذا لا يمكن الجزم فيها بمقدار النفقات والإيرادات، وإنما هي تخمين وتقدير على وجه التقريب، على ضوء الظروف الاقتصادية والاجتماعية والمالية التي أعدت خلالها، ويجب على الحكومة أن تتوخى الدقة قدر الإمكان عند تقدير أرقامها، ومع ذلك فمن الصعوبة بمكان أن تتطابق أرقام الموازنة التقديرية مع أرقام الحساب الختامي الذي يعبر عن الأرقام المصروفة والمجباة فعلاً بعد الانتهاء من تنفيذ الموازنة.

ويختلف تقدير النفقات والإيرادات تبعاً لنوعية كل منها، فمنها ما يسهل توقعه كرواتب الموظفين، ومنها ما يصعب توقعه كالإيرادات النفطية التي تتوقف معرفتها على معرفة كمية النفط المتوقع استخراجه خلال السنة وسعر برميل النفط خلال أيام تلك السنة المالية، فقد يكون من السهولة معرفة الأولى، ولكن من الصعوبة معرفة الثانية. بيد أن هذه الخاصية ارتبطت منذ نشوء الموازنة بضرورة توازن جدولي الموازنة من نفقات وإيرادات، لذا ما زالت بعض التشريعات تشير في تعريفها للموازنة إلى ضرورة وجود هذا التعادل، كما هو الحال في كل من فرنسا وسورية على الرغم أن هذا لم يعد واقعياً في ظل الدور الجديد الذي تؤديه الدولة، ولكن على الأقل أصبحت الموازنة العامة تُقدر على أساس التوازن، ولكن غالباً ما يكون هذا التوازن ظاهرياً، ويظهر الوضع الحقيقي للعجز في قانون حسابها الختامي.

7ـ الموازنة تحقق أهداف الدولة:

أصبحت الموازنة العامة في العصر الحديث الأداة الرئيسة لقيام الدولة بوظائفها وتحقيقها لأهدافها في جميع المجالات، ففي ظل الدولة التقليدية كانت ترصد الاعتمادات اللازمة لتيسير مصالحها الإدارية الأساسية النابعة من وظائفها التقليدية، فكانت البرنامج المالي للدولة فقط، وظهر المظهر الإداري والقانوني للموازنة، أما في ظل الدولة الراعية فأصبح للموازنة أدوار إضافية تتجسد في كونها وسيلة لتنفيذ السياسة الاقتصادية والاجتماعية للدولة والأداة الرئيسة للتأثير في الحياة الاقتصادية والاجتماعية فيها من أجل تحقيق الاستقرار الاقتصادي والتنمية.

هذا ويختلف الدور الذي تؤديه الموازنة في حياة الدول والمجتمعات من دولة إلى أخرى بحسب مستوى تطورها الاقتصادي، ففي إنكلترا والولايات المتحدة الأمريكية والدول المتقدمة عموماً توضع لتلبية المزيد من الحاجات الاستهلاكية والإنفاقية ذات الطبيعة الخدمية؛ لأن القطاع الخاص فيها هو الذي يقوم بالعملية الإنتاجية ويطوّرها، أما في الدول النامية فضعف إمكانات القطاع الخاص يلقي على الدولة واجب توجيه الاقتصاد وقيادته عبر الموازنة العامة والنفقات الاستثمارية، فتغدو موازنتها إنتاجية أكثر منها استهلاكية، وهي خطة مرحلية لتنفيذ السياسات الاقتصادية والاجتماعية للدولة خلال سنة.

رابعاً ـ أنواع الموازنات العامة:

إن تطور دور الموازنة العامة أدى إلى تطور في تصنيف عناصرها وتعدد أنواع الموازنات كما يلي:

1ـ موازنة البنود:

ويتم في هذا النوع من الموازنات تصنيف إيرادات الموازنة ونفقاتها بحسب نوع الإيراد أو النفقة، وهذا يساعد على الإشراف والرقابة المالية في تنفيذها بحيث تحول دون تجاوز الاعتمادات المقررة؛ مما يتيح للحكومة ممارسة رقابة إدارية على برامجها الحكومية من خلال المقارنة بين الاعتمادات المقررة والمصروفة فعلاً.

بيد أن هنالك جوانب سلبية لهذا النوع من الموازنات تتمثل في أنها لا تتيح التعرف إلى نتائج أعمال الحكومة ومردود كل وحدة نقدية من النفقات العامة، كما أن أسلوب موازنة البنود لا يتلاءم وظروف تطور دور الدولة؛ إضافة إلى عدم وضوح هذا الأسلوب وضعف تحقيقه للرابط مع الخطة الإنمائية للدولة، كما يلاحظ أن موازنة البنود تركز على تفاصيل النفقات دون الأهداف المتوخاة منها، وهو ما يصعب معه قياس الكفاية الإنتاجية للإدارات الحكومية واتخاذ القرارات السليمة، لذلك غالباً ما يتم إقرار الموازنات فيها على أساس المساومة والعوامل الشخصية أكثر مما يتم على أساس معايير موضوعية.

2ـ موازنة البرامج والأداء:

يعدّ هذا الأسلوب أكثر تقدماً من الأسلوب السابق لكونه يعتمد أساليب تصنيف لمكوناتها بحسب الإنجازات دون الاهتمام بأساليب تحقيقها، ويمكن التفريق في هذا المجال بين مرحلتين:

أ ـ موازنة الأداء: ففي هذا النوع من الموازنات يعتمد على ما تم إنجازه وفق الأهداف التي أنشئت لأجلها الوحدات الإدارية.

وتقوم هذه الموازنة على مفاهيم عامة ذات طابع إداري لتطوير هيكل الاعتمادات والتوصل إلى أسس وضوابط لتحسين الأنظمة الإدارية وقواعد قياس العمل وإيجاد وسائل لتقويم أدائها مع الاستعانة بأسس محاسبة التكاليف عند وضع خطط عملها على أساس الوظائف التي أحدثت تلك الوحدات من أجلها؛ مما يسهّل من عملية وضع السياسات الخدمية للأجهزة الحكومية، وهذا يعطي الوحدات الإدارية دوراً مهماً في إعداد الموازنة على قاعدة البيانات الضرورية النتائج وتكاليف مساهمتها في البرامج، وبالتالي يساعد على الرقابة على تكاليفها وتحسين أدائها؛ مما يسهّل عملية اتخاذ القرارات السليمة.

ظهر هذا النوع من الموازنات في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1912؛ إذ أوصت لجنة الاقتصاد والكفاية بالاستفادة من توصيات حركة الإدارة العلمية في القطاع الخاص التي اقترحت العمل على الأخذ بمبدأ الكفاية من خلال الاعتماد على موازنة الأداء، وجاءت أعمال لجنة هوفر الأولى والثانية؛ لتؤكد أهمية الأخذ بموازنة الأداء في الخمسينيات من القرن الماضي.

ب ـ موازنة البرامج: يأتي هذا النوع من الموازنات في زمن أكثر تقدماً من موازنة الأداء، حيث تتناول الفترة الزمنية المستقبلية، وهي تعني إعادة تبويب الموازنة والتكاليف في فئات أكثر دلالة؛ لتستخدم في تحليل التكلفة والعائد والربط بينهما؛ كي يستفاد منها في عملية اتخاذ القرارات السليمة والمراجعة، ولكن يتوقف نجاحها على توفير الكادر البشري لاستيعاب هذه المفاهيم وتوفير إدارة جادة لدى مركز القرار في الوحدات الحكومية وتطوير الحسابات وإيجاد دليل عمل تفصيلي يوضح كيفية إعداد الأرقام التقديرية لموازنة البرامج مع الإشارة إلى أهمية اتخاذ الإجراءات الضرورية لتطوير مقاييس الأداء.

أما الأسس والمعايير التي تعتمد في إعداد موازنة البرامج والأداء؛ فإنها تتطلب أن يصار إلى ربط الحسابات بالتصنيف الخاص بالنشاطات والبرامج والتي يجب أن تجزأ إلى وحدات أصغر على أن تستخدم وسائل تقييم أداء الأنشطة والأعمال الخاصة بها، كما تتطلب إجراء تغييرات في البنية العامة للهيكل التنظيمي للدولة؛ لتتلاءم مع متطلبات أسلوب تطبيقها في كل جهة عامة، والتعرف إلى حساب التكلفة والإيراد الفعلي والموارد المستخدمة لتنفيذ كل نشاط أو مشروع لتحقيق الرقابة الفعالة عليها.

يجب الملاحظة هنا أنه على الدول النامية الأخذ بهذا النوع من الموازنات على مرحلتين:

في المرحلة الأولى تأخذ بتصنيف عناصر الموازنة على أساس الوظائف والبرامج وفق نظام مالي دقيق، ثم يصار إلى الانتقال إلى المرحلة الثانية حيث تطبق موازنة الأداء باستخدام تكاليف الوحدة وقياس الأداء، ولا بد لنجاحها من إيجاد نظام لقياس أداء تلك الوحدات على أساس توفير المعلومات والبيانات الإحصائية لها.

موازنة التخطيط والبرمجة:

تعتمد هذه الموازنة على تحديد الإمكانات والقدرات المتاحة في المستويات المختلفة على ضوء الأهداف العامة بدءاً من المستويات العليا بحيث تحدد الأهداف من خلال تحليل البدائل. ويحدد هذا النظام وظائف الموازنة بالتخطيط أولاً لتحديد الأهداف وترتيبها بحسب الأولويات المحددة، ومن ثم برمجة الأهداف التي يتم تحديدها بترجمتها إلى برامج ومشاريع محددة وتحديد مستلزماتها المالية والبشرية، ثم تأتي مرحلة الرقابة للتأكد من سلامة تنفيذ القرارات الصادرة عن الإدارة العليا.

طبقت هذه الموازنات في الولايات المتحدة الأمريكية، ونجم عنها تحول الاهتمام من رجال الإدارة والقانون إلى رجال الاقتصاد، وبالتالي تم الاعتماد أكثر على الاقتصاديين والخبراء في عملية التحليل الكمي والتكلفة والفعالية والتركيز على التكاليف النقدية لها، ولكن لا يعني ذلك عدم الأخذ بالاعتبارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي لا يمكن قياسها بدقة وأخذها بالاعتبار عند تحليل الاقتصاديين، فهي تبقى ضرورية عند اتخاذ القرار، ولكن يعني ذلك ألا يُعطى رجال السياسة الدور الأهم في هذه العملية باعتباراتهم الشخصية عند اتخاذ القرارات على المستوى السياسي بحيث تؤثر في القرارات المتخذة.

خامساً ـ السمات الرئيسة للموازنة العامة:

الموازنة وسيلة مالية معقدة التركيب تحتوي الكثير من المظاهر والسمات، لعل أهمها:

1ـ السمة السياسية للموازنة:

أ ـ الموازنة عمل سياسي بالدرجة الأولى، وكانت سبباًَ من أسباب نشوء النظام البرلماني وتطوره وتطوير الحياة الديمقراطية وتقييد السلطة الحاكمة.

ب ـ الموازنة تكشف عن العقيدة السياسية التي تنتهجها الدولة من خلال قراءة نفقاتها وإيراداتها وتحليلها.

جـ ـ النتائج السياسية التي قد تنجم عن عملية إقرار الموازنة، فإقرار الموازنة يعني تجديد الثقة بالحكومة والبرامج التي تعمل على تنفيذها، ورفضها يعني سحب الثقة منها؛ والذي يمكن أن يؤدي إلى استقالة الحكومة أو حل البرلمان أحياناً.

د ـ تفاقم حالة عجز الموازنة قد يؤثر في الاستقلال السياسي للدولة.

2ـ السمة الاقتصادية للموازنة:

أ ـ الموازنة أصبحت وسيلة الدولة لتوجيه الاقتصاد العام والبلوغ بالحالة الاقتصادية للدولة إلى الوضع الأمثل والتأثير في الحياة الاقتصادية.

ب ـ الموازنة تكشف عن العقيدة الاقتصادية والنظام الاقتصادي الذي تتبناه الدولة.

جـ ـ الموازنة أداة لتنظيم التطور الاقتصادي واستقرار الحالة الاقتصادية للدولة.

د ـ مشكلات عدم توازن الموازنة قد أصبحت سبباً في تدخل الدول والمنظمات الدولية في رسم السياسات الاقتصادية والاجتماعية للدولة، كما يحصل الآن من قبل صندوق النقد والبنك الدوليين وغيرهما من المؤسسات والدول.

3ـ السمة الاجتماعية للموازنة: الموازنة وسيلة للتأثير في الحياة الاجتماعية وتوجيهها، ويظهر ذلك من خلال سياسة إعادة توزيع الدخل التي تنفذها الحكومة بواسطتها، فللموازنة وجهٌ اجتماعيٌ وهي كالمصفاة التي يمكن أن تسهم في إقامة العدالة الاجتماعية، ولكن لا يمكن الاعتماد على الموازنة وحدها في تحقيق ذلك.

4ـ السمة المالية للموازنة: تظهر السمة المالية للموازنة من خلال كونها بياناً مالياً بالدرجة الأولى يقدر إيرادات الدولة، ويحدد أوجه نفقاتها خلال مدة من الزمن هي سنة؛ لأنها جدول مالي يقارن بين النفقات والإيرادات، ويحاول إقامة التوازن فيما بينهما، لذا تختلف عن ميزانية المنشآت الخاصة أو عن الحساب الختامي، كما ذُكر سابقاً.

السمة القانونية للموازنة: للموازنة صفة قانونية، وتبدو هذه الصفة من خلال إقرارها من السلطة التشريعية وصدورها بقانون، بيد أن هذا القانون يختلف عن غيره من القوانين بما يلي:

أ ـ مدة هذا القانون سنة واحدة، أما باقي القوانين فدائمة؛ لا ينتهي مفعولها بمرور السنة.

ب ـ في سورية يمكن أن تصدر القوانين الأخرى بمرسوم تشريعي، أما الموازنة فيجب أن تصدر بقانون.

جـ ـ يمكن للحكومة عادة أن تعدّل هذا القانون خلال التنفيذ دون العودة إلى السلطة التشريعية؛ وذلك بما سمحه لها القانون المالي الأساسي من صلاحيات في إجراء المناقلات بين أبوابها وبنودها، وهذا لا يمكن أن يحدث في قوانين أخرى.

د ـ عادة تُقيّد حرية السلطة التشريعية في تعديل مشروع قانون الموازنة بقيود للحفاظ على توازنها عند إقرارها، وهذا غير وارد في غيرها من القوانين.

هـ ـ قانون الموازنة يحمل معنى الإجازة بالصرف ومعنى التقدير والتخمين للنفقات والإيرادات، والقوانين الأخرى لا تحمل معنى الإلزام، وهي بعيدة عن مفهوم التقدير والتخمين.

هذه الصفات جعلت بعض الفقهاء يصف الموازنة بكونها قانوناً من حيث الشكل فقط، وجعلت بعضهم الآخر يفرّق بين الموازنة نفسها والتي عدّها عملاً إدارياً وبين قانون الموازنة الذي يصدر وفق إجراءات إصدار القوانين، بيد أن الواقع يدل على أنها قانون ذو طبيعة مالية خاصة فرضتها غايتها المتمثلة في اتخاذ قرارات مالية لمدة سنة، لـذا يجب أن يتضمن هذا القانون أحكاماً متعلقة بها فقط وألا يتضمن أحكاماً معدّلة للقوانين الدائمة لأكثر من مدتها، فورود مثل هذه التعديلات في قوانين الموازنة يؤدي إلى الغموض والتشويش التشريعي.

سادساً ـ أهمية الموازنة العامة في الاقتصاد السوري:

تعدّ الموازنة إحدى أهم أدوات السياسة المالية في سورية، فمن خلالها يمكن تمويل المشاريع الاقتصادية والاجتماعية وتحقيق الربط بين جميع الخطط التي تضعها الدولة لتحقيق أهدافها، فالمشاريع المخطط تنفيذها إذا لم تتوافر لها الاعتمادات اللازمة تبقى طموحات يصعب إنجازها وتجسيدها على أرض الواقع، فقد ركزت الخطط الخمسية السابقة على تحقيق أهداف كان المجتمع الاقتصادي السوري وما زال بحاجة إلى تحقيقها وخاصة مشاريع البنية التحتية، وكانت الموازنات السنوية هي الأداة لتنفيذها، وقد أكدت ذلك البيانات الوزارية للحكومات السورية المتعاقبة، فقد أكدت حكومة عام 1980 ضرورة إنجاز مشاريع القاعدة الأساسية وإنجاز المصانع العامة التي يمكنها تصنيع المواد الأولية من أجل تغيير بنية الاقتصاد السوري. وجاءت بعدها حكومة عام 1987 في وقت كانت سورية تعاني وبسبب مواقفها السياسية شبهَ مقاطعة من الدول الغربية، فشدّدت على ضرورة توفير الأمن الغذائي ودعم الإنتاج الزراعي من أجل دعم استقلال القرار السياسي السوري، ومن ثم في التسعينيات شدّدت الحكومة على دعم الاستثمار المحلي والعربي والأجنبي من أجل زيادة معدلات النمو والتنمية، وعلى ذلك كانت أهداف الموازنة في سورية قبل عام (2000) كما يلي:

تمويل مشاريع البنية التحتية من طرقات وجسور ومرافئ وسكك حديدية ومطارات وسدود وكهرباء وماء وغيرها.

تمويل المشاريع الاقتصادية المتعددة سواء في القطاع الزراعي ومستلزماته ودعم مستلزمات الإنتاج الزراعي وشراء المحاصيل الزراعية الاستراتيجية بأسعار مرتفعة، أم في قطاعات الصناعات التحويلية النسيجية والهندسية والغذائية والاستخراجية وغيرها.

إقامة المجمعات الاستهلاكية وشركات التسويق العامة للمنتجات الصناعية والزراعية لضبط أسعارها، وتقديم الدعم للسلع الأساسية.

إقامة المشاريع الاجتماعية التي تساهم في تنمية رأس المال البشري كالمشاريع الصحية والتعليمية والثقافية والرياضية ورعاية المسنين وتقديم كل مستلزمات هذه المشاريع.

تشجيع الاستثمار المحلي والعربي والأجنبي للقطاع الخاص وتحفيزه.

وبدءاً من عام /2000/ حتى الآن استُمر على تحقيق الأهداف السابق ذكرها؛ إلا أن الدولة توقفت عن إقامة مشاريع جديدة للقطاع العام الصناعي؛ وذلك لإفساح المجال للقطاع الخاص للقيام بذلك، وتحولت الموازنة إلى أداة غير مباشرة للتأثير أكثر من كونها أداة مباشرة كما كانت في السابق؛ وذلك لإتاحة الفرصة لإشراك كل الطاقات لإنجاز عملية التنمية، مما استدعى تخفيف التدخل الحكومي من خلال الموازنة العامة.

 

مراجع للاستزادة:

 

ـ قحطان السيوفي، السياسة المالية في سورية (أدواتها ودورها الاقتصادي) (الهيئة العامة السورية للكتاب، وزارة الثقافة، دمشق 2008).

ـ علي كنعان، المالية العامة والإصلاح المالي في سورية (دار الرضا للنشر، دمشق 2003).

ـ عصام بشور، المالية العامة والتشريع المالي (منشورات جامعة دمشق، 1991ـ1992).

ـ عصام بشور، توازن الموازنة العامة (منشورات جامعة دمشق، 1983).

ـ يوسف شباط، محمد خير العكام، المالية العامة (منشورات جامعة دمشق، مركز التعليم المفتوح، قسم الدراسات القانونية، 2006ـ2007).

ـ محمد خالد المهايني، خالد شحادة الخطيب، المالية العامة (منشورات جامعة دمشق، مركز التعليم المفتوح، قسم المحاسبة، 2004ـ2005).

ـ حامد عبد المجيد دراز، سميرة ابراهيم أيوب، مبادئ المالية العامة (الدار الجامعية، الإسكندرية 2002).

ـ فوزي فرحات، المالية العامة والاقتصاد المالي (منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت 2001).

ـ حسن عواضة، المالية العامة (دار النهضة، بيروت 1983).

ـ عزة طرابلسي، عوض بركات، دروس في المالية العامة (د.ت ، 1950).


التصنيف : القانون المالي
النوع : القانون المالي
المجلد: المجلد السابع: المحكمة الجنائية الدولية _ ولاية المظالم في الإسلام
رقم الصفحة ضمن المجلد : 255
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 75
الكل : 12587552
اليوم : 3932