logo

logo

logo

logo

logo

ولاية المظالم في الإسلام

ولايه مظالم في الاسلام

ombudsman in Islam - ombudsman dans l’Islam

 ولاية المظالم في الإسلام

ولاية المظالم في الإسلام

مهند نوح

تعريف ولاية المظالم

قاضي المظالم

الشروط الواجب توافرها في قاضي المظالم

مجلس المظالم

اختصاصات قاضي المظالم

 

أولاً ـ تعريف ولاية المظالم:

قضاء المظالم فرع من فروع ولاية القضاء الإسلامي يختص بالنظر في عسف الولاة والحكام ورجال الإدارة أو جورهم، فالسمة المميزة لهذا القضاء هي الوقوف في وجه الظلم ومحاولة منعه أو رده على أصحابه، وقد عرَّفه الماوردي بأنه: قَوْد المتظالمين إلى التناصف بالرهبة وزجر المتنازعين عن التجاحد بالهيبة. وهذا يعني أن ولاية المظالم تشبه من الناحية الوظيفية على الأقل إلى حد كبير ما يقوم به القضاء الإداري في العصر الحديث، ويمكن القول: إن قضاء المظالم هو نظام إسلامي كان قائماً؛ لكونه من قوانين العدل، وقواعد الملك، ووسيلة ناجحة لرد الظلم، ومن ثم فإنه يختلف عن القضاء العادي.

وقد نشأ قضاء المظالم مع نشأة الدولة الإسلامية في المدينة المنورة، إلا أنه لم يكن قائماً في تلك الفترة ومنفصلاً عن غيره من الولايات الدينية الحاكمة الأخرى وهي الحسبة والقضاء العادي، وقد كان الرسولr أول من نظر في المظالم في قضية خالد بن الوليد المشهورة بسبب قتله لمجموعة من قبيلة جُذَيمة في إحدى معاركه بعد أن أعلنوا إسلامهم. وسار الخلفاء الراشدون بعد النبيr على الدرب نفسها حيث ظل قضاء المظالم مندمجاً في القضاء العادي، فلم يظهر القاضي المتخصص بالمظالم، إنما كان ولي الأمر بصفته صاحب الولاية العظمى، يباشر النظر في كل القضايا العادية وقضايا المظالم. كما لم يُفرد للمظالم في هذه المرحلة يوم معين، ففي أي وقت جاء المتظلم تم إنصافه.

ولم يظهر قضاء المظالم بصفته قضاء متخصصاً ومستقلاً عن القضاء العادي إلا في العصر الأموي، وكان أول من فعل ذلك الخليفة عبد الملك بن مروان الذي خصص يوماً للنظر في شكاوى المتظلمين والبحث في قصصهم، وقد ازداد قضاء المظالم رسوخاً مع قدوم الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز، والذي رد خصوصاً مظالم بني أمية إلى أهلها. وعلى العموم فقد كان خلفاء بني أمية وبني العباس يجلسون للمظالم بأنفسهم، ويخصصون لها أياماً معلومة، بيد أن ذلك لا يعني أن ولاية المظالم كانت قصراً عليهم وحدهم، إذ كانوا يفوضون أمر مباشرتها إلى غيرهم، مثلها مثل بقية الولايات الأخرى التي كانت تدخل في اختصاصات الخليفة.

ثانياً ـ قاضي المظالم:

هناك نوعان من قضاة المظالم، فمنهم من لا يحتاجون إلى تقليد خاص لهذا الغرض، وهم أصحاب الولايات العامة، ومنهم من يحتاج إلى تقليد خاص من ولي الأمر، وهم أصحاب الولايات الخاصة وغيرهم:

1ـ أصحاب الولايات العامة:

وهم الذين يمارسون قضاء المظالم بحكم مناصبهم أو بحكم عموم ولايتهم، لذلك فإنهم لا يحتاجون إلى تقليد خاص لهذا الغرض، ويأتي في طليعة هؤلاء: الخليفة أو ولي الأمر، وحكمة ذلك أن نظر المظالم يحتاج إلى سطوة الحماة وثبْت القضاة، فكان لا بد أن يرأسه من له يد في بسط سلطان القانون، وفرض احترامه على أصحاب النفوذ وكبار رجال الدولة، والخليفة أول من يملك هذه السلطة.

ويلي الخليفة في هذا الخصوص وزير التفويض، وهو ذو ولاية عامة، لأنه مفوض من الخليفة أو رئيس الدولة في تدبير الأمور برأيه وعلى مسؤوليته، وإمضائها على اجتهاده. ومن قبيل ذلك بالطبع ولاية المظالم، فهو يمارسها دون تفويض خاص. ومن أصحاب الولايات العامة أيضاً أمراء البلدان والأقاليم، حيث يحق لهم نظر المظالم دون تقليد من ولي الأمر، فأمير البلاد أو الإقليم شأنه في الواقع شأن وزير التفويض، مستناب من قبل الخليفة أو رئيس الدولة في تصريف كل شؤون الدولة، ومنها النظر في المظالم. ولكنه محدد ضمن الإطار المكاني الذي يعمل فيه.

2ـ أصحاب الولايات الخاصة:

وهم من تكون ولايتهم محددة بأمور معينة يباشرونها إما على مستوى الدولة وإما على مستوى إقليم معين، ويمتنع عليهم النظر في المظالم إلا بتقليد خاص.

ثالثاً ـ الشروط الواجب توافرها في قاضي المظالم:

لقد اشترط الفقه الإسلامي في قاضي المظالم أن يكون جليل القدر، نافذ الأمر، عظيم الهيبة، ظاهر العفة، قليل الطمع، كثير الورع. إضافة إلى الشروط الواجبة التوافر في أصحاب الولاية العامة أو الخاصة، لأن هدف قاضي المظالم تحقيق العدالة الإسلامية، وتلك الشروط هي: الحرية والذكورة والعدالة والتكليف وسلامة الحواس والعلم بالأحكام الشرعية.

رابعاً ـ مجلس المظالم:

يتكون مجلس المظالم من خمسة أصناف يكوَّنون جميعهم مجلساً يطلق عليه اسم مجلس المظالم، وتتمثل هذه الأصناف الخمسة فيما يلي:

1ـ الحماة والأعوان: وهم يعدّون عنصر قوة ورهبة لمجلس المظالم، وذلك لتأديب القوي وتقويم الجريء، والتغلب على من يلجأ إلى العنف أو يحاول الفرار من القضاء.

2ـ القضاة والحكام: وهم عنصر أساسي في مجلس المظالم، وذلك بحكم طبيعة عمل ديوان المظالم القضائية، فالقضاة والحكام يقدَّمون الرأي فيما يعتمدون عليه من مستندات وبيانات، وأيضاً إبداء الرأي بإجراءات المحاكمة، ومن ثم فإن وجود القضاة ضروري للاستعلام عما يثبت عندهم من حقوق، ومعرفة ما يجري في مجالسهم بين الخصوم، فمهمتهم الإحاطة بما يصدر من الأحكام لرد الحقوق إلى أصحابها، والعلم بما يجري بين الخصوم.

الفقهاء: ليرجع إليهم والي المظالم فيما أشكل، ويسألهم عما اشتبه، وأعضل من قضايا.

الكتَّاب: ليثبتوا ما جرى بين الخصوم وما توجه إليهم أو عليهم من الحقوق. أي إن الكتَّاب يقومون بما يقوم به أمين السر في الوقت الحالي من قيد للدعاوى وحفظها.

الشهود: لإثبات ما يعرفونه من الخصوم، وليشهدوا على ما أوجبه والي المظالم من حق وأمضاه من حكم. وهذا وذاك لا يتنافى مع العدل وحكم الشرع، ومن ثم فإن هؤلاء الشهود ليسوا كالشهود المعروفين بشهود الإثبات أو شهود النفي، لأن مهمتهم لا تتعلق بما بين الخصوم من أدلة ومرافعات. وإنما بما يقضي به مجلس المظالم ذاته من أحكام وبما يتخذه من قرارات وإشهاد عليها.

خامساً ـ اختصاصات قاضي المظالم:

يمكن تقسيم اختصاصات قاضي المظالم إلى ثلاثة أقسام كمايلي:

القسم الأول ـ اختصاصات قضائية في منازعات إدارية:

وهي الاختصاصات التي تتعلق بالمنازعات التي يحدث فيها ظلم أو اعتداء من قبل الإدارة أو أحد أعضائها على فرد معين أو مجموعة من الأفراد، وتتمثل تلك الطائفة من الاختصاصات بما يلي:

أ ـ تعدي الولاة وموظفي الإدارة على الرعية: وهو الاختصاص الأساسي لقاضي المظالم، حيث يتولى قاضي المظالم في هذه الحالة الرقابة على أعمال الولاة وعمال الدولة، فإذا وجد في أعمالهم تعدياً على مصالح الرعية منعهم عنه. بل عاقبهم بالعقوبات الرادعة التي قد تصل إلى حد العزل من الوظيفة العامة التي يتقلدونها، وفي الحقيقة أن فكرة التعدي الواردة في هذه الحالة إنما تتعلق بالتعدي على أشخاص الرعية وحرياتهم، دون التعدي على ملكياتهم الخاصة، حيث يتعلق التعدي على الملكية باختصاص آخر لقاضي المظالم هي الغصوب السلطانية. وإن مباشرة قاضي المظالم لهذا النمط من الرقابة إنما يتم تلقائياً وغير متوقف على طلب الخصوم، ويمارسها قاضي المظالم في معرض تصفحه لأعمال الولاة وعمال الإدارة.

ب ـ النظر في جور العمال فيما يجبونه من الأموال:

وفي هذه الحالة يراقب قاضي المظالم القائمين على جباية الإيرادات العامة للدولة بمختلف أنواعها المتعلقة بطريقة التحصيل، بحيث تجبى من غير أذى، والتي لها صلة بمقدار الأموال المحصلة، فإن وجد فيها ما يرى أنه تم فرضه ظلماً، أمر بردها إلى حدها المعقول، ومن ثم فإنه يعيد الحق إلى أصحابه. كما ينظر قاضي المظالم فيما يأخذه عمال المال ظلماً لأنفسهم، فيرد الحق إلى أصحابه، ويعاقب الآخذ بعقوبة الرشوة والخيانة، وفي ذلك يقول أبو يعلى في كتابه «الأحكام السلطانية»: «ينظر والي المظالم في جور العمال فيما يجبونه من أموال، فيرجع فيه إلى القوانين العادلة في دواوين الأئمة، فيحمل الناس عليها، وينظر فيما استزادوه، فإن دفعوه لبيت المال أمر برده إلى مستحقيه، وإذا أخذوه لأنفسهم استرجعه لأربابه». ومن الملاحظ أن هذا الاختصاص كسابقه يمارسه قاضي المظالم من تلقاء ذاته، ودون انتظار لمظلمة أو دعوى في خصوصه.

ج ـ تصفح أحوال كتّاب الدواوين:

ينظر قاضي المظالم من تلقاء ذاته فيما يثبته كتاب دواوين الأموال من إيرادات ومصروفات، لأن كتاب الدواوين هم أمناء المسلمين على حفظ أموالهم وتدوينها في بيوت المال، فإن تجاوزوا الحق في إثبات الإيرادات أو المصروفات، وأدخلوا فيها زيادة أو نقصاناً، يقوم بمطابقة ذلك مع القوانين المعمول بها، ليتأكد من أن الإيرادات تضاف وتدون في الدفاتر من دون نقص، وأن المصروفات تم تثبيتها وفقاً لما تم صرفه. كما يراقب والي المظالم أحوال العمال القائمين على الشؤون المالية بالدولة، فإذا ظهرت عليهم مظاهر الغنى دون أن يعرف لثرائهم مصدر، كان ذلك دليلاً على خيانتهم وارتشائهم، فيجوز عزلهم ومصادرة أموالهم ما لم يثبتوا لها مصدراً.

د ـ تظلم المسترزقة: والمقصود بالمسترزقة هنا: موظفو الدولة، حيث يختص قاضي المظالم بالنظر في تظلمات المسترزقة، إذا ما نقصت أرزاقهم أو تأخرت عنهم، فإن وجد أن أحد المسترزقة قد عانى ظلماً، أمر من ظلمه برد ما أخذه من حقه، وإن كان لم يأخذ منه شيئاً كان حقه على بيت مال المسلمين.

هـ ـ رد الغصوب السلطانية: يقصد بالغصوب السلطانية: الأموال التي استولى عليها الولاة، أو أحد رجال الإدارة من أصحابها جوراً وعدواناً، ودون أن يكون لهم أدنى حق بذلك، وفي هذه الحالة يقوم قاضي المظالم بفصل هذا النمط من المنازعات من تلقاء نفسه متى علم بها، ودون انتظار تظلم صاحب الشأن.

القسم الثاني ـ الاختصاصات القضائية في المنازعات غير الإدارية:

يختص قاضي المظالم ـ إضافة إلى ما تقدم ـ بمجموعة من المنازعات التي لا تكون الإدارة أو أحد عمالها طرفاً فيها، ولكن الطرف هو شخص عادي، له من النفوذ والسلطان ما يكفي لإحداث نوع من عدم التكافؤ والتوازن بين أطراف الخصومة.

وتتمثل هذه المنازعات فيما يلي:

غصوب الأقوياءومنازعاتهم:

طبقاً لهذا الاختصاص ينظر قاضي المظالم في الغصوب والمنازعات التي تشجر بين الأفراد العاديين، وبعيداً عن الإدارة العامة، ولكن يشترط أن يكون أحد أطراف الخصومة من ذوي الجاه والحسب والنفوذ، وإلا انعقد الاختصاص للقضاء العادي. مع الإشارة إلى أن الاختصاص بالنظر في غصوب الأقوياء لا يكون إلا بناء على طلب أو تظلم من صاحب الشأن. بيد أن قاضي المظالم لا ينزع هذه الغصوب من يد غاصبها إلا بالاستناد إلى أحد الأدلة الأربعة التالية:

أ ـ اعتراف الغاصب.

ب ـ بعلم القاضي، إذ يجوز لقاضي المظالم أن يحكم بعلمه.

ج ـ بالبينة التي تشهد على الغاصب بغصبه أو تشهد على المغصوب فيه بملكه.

د ـ بتظاهر الأخبار التي ينتفي عنها التواطؤ.

منازعات الأوقاف:

وسبب إسناد منازعات الأوقاف لقاضي المظالم هو قدرته ـ بما لديه من هيبة ونفوذ ـ على متابعتها، والتأكد من أن ريعها يجري بحسب شروط واقفيها، وكذلك قدرته على حمايتها من العبث وإساءة استخدامها من قبل القائمين عليها. علماً بأن قاضي المظالم يستطيع أن يباشر اختصاصاته بالنسبة إلى الأوقاف العامة من دون طلب من متظلم، في حين أنه يمارس هذه السلطات والاختصاصات بالنسبة إلى الأوقاف التي تعود على مستحقين معروفين بناء على تظلم ذوي الشأن.

القسم الثالث ـ اختصاصات تنفيذية:

وهذه الاختصاصات يمارسها والي المظالم لا بوصفه قاضياً، إنما لكونه رجل إدارة قادراً بمقتضى مكانته العالية أن يضعها موضع التنفيذ، وتدور هذه الاختصاصات حول ما يلي:

تنفيذ الأحكام القضائية: وهذا النوع من الأحكام التي يعجز القضاء العادي عن وضعها موضع التنفيذ، وذلك لعدم تنفيذها لأي سبب من الأسباب، ولاسيما إذا كان المحكوم عليه عالي القدر عظيم الخطر.

النظر فيما عجز عنه الناظرون في مجال الحسبة من المصالح العامة: وفي هذه الحالة يتدخل متولي الوظائف في مجال الحسبة بسبب عجز المحتسب عن القيام بأعماله، أو لقوة مرتكب المنكر أو التعدي ونفوذه.

مراعاة تطبيق العبادات الظاهرة: وهي أساساً تقع ضمن ولاية الحسبة، ولذلك لا يمارسها إلا إذا عجز المحتسب عن قيامه بمهامه المتعلقة بها.

 

مراجع للاستزادة:

 

ـ أبو الحسن الماوردي، الأحكام السلطانية والولايات الدينية (دار الوفاء، المنصورة 1989).

ـ أبو يعلى الفراء، الأحكام السلطانية (دار الكتب العلمية، بيروت 2000).

ـ رمضان محمد بطيخ، الرقابة على أداء الجهاز الإداري (دار النهضة العربية، القاهرة 1996).

ـ محمد العموري، الرقابة المالية العليا (منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت 2005).


التصنيف : العلوم الشرعية
النوع : العلوم الشرعية
المجلد: المجلد السابع: المحكمة الجنائية الدولية _ ولاية المظالم في الإسلام
رقم الصفحة ضمن المجلد : 548
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 56
الكل : 12468851
اليوم : 9740