التمايز الخلوي
تمايز خلوي
Cellular Differentiation -
بشير الزالق – غالية أبو الشامات
أثر التغيرات الميكانيكية في التمايز الخلوي
يُستخدَم مصطلح التمايز الخلوي cellular differentiation في علم الحياة لوصف العملية التي تأخذ بها الخلية نمطاً خاصاً يُمَكِّنها من أخذ شكل معيّن وأداء وظيفة حيوية محددة في الجسم لا تستطيع أن تقوم بها خلايا أخرى، أي العملية التي تصبح فيها الخلية غير المتخصصة نوعاً من الخلايا المتخصصة ذات بنية ووظيفة مميزة. يحدث هذا التخصص عندما تعبر الخلية عن جينات محددة، مما يجعلها تطور خصائصها الفريدة لأداء دور مخصص في كائن متعدد الخلايا، مثل الخلية العصبية أو الخلية العضلية.
وقبل الخوض في هذا المجال الحيوي لا بدّ من التعرف إلى الأنماط الخلوية التي تبديها الكائنات الحية المختلفة، خاصة عند الثدييات.
تُمَيَّزُ خلايا الثدييات بثلاثة أنماط أساسية، هي: الخلايا المُنْشِئَة germ cells والخلايا الجسمية أو الجسدية somatic cells، والخلايا الجذعية stem cells.
1- الخلايا المُنْشِئَة (الأمشاج): وهي خلايا تناسلية تُشَكِّل بيوضاًovum أو حيوانات منوية sperm وهي أحادية الصبغة الصبغية، تنشأ من عملية الانقسام المنصف الذي تخضع له الخلايا الجنسية الأم.
2- الخلايا الجسمية: مثل خلايا الجلد والخلايا العضلية، وهي خلايا متخصصة لأداء وظائف مختلفة في الجسم، تكون عادةً مضاعفة الصيغة الصبغية diploid؛ لأن كل خلية تحتوي على عدد مضاعف من الصبغيات chromosomes، إذ تنطلق من المراحل الجنينية المبكرة التي تلي إلقاح (إخصاب) النطفة للخلية البيضة، ثم تنقسم البيضة الملقحة (المُخصَبَة)zygote إلى عدد من الخلايا الأم (مرحلة 16 خلية) تمثل ما يُسمّى الخلايا الجذعية الأولية ذات الإمكان الكامل totipotent؛ أي إن كل خلية منها يمكنها أن تعطي جنيناً كاملاً فيما إذا زُرِعَت في جدار الرحم.
3- الخلايا الجذعية: وهي خلايا غير متمايزة، قادرة على إنتاج عدد غير محدد من الخلايا من النوع ذاته، ومنها تنشأ أنواع أخرى معينة من الخلايا عن طريق التمايز.
فعلى سبيل المثال تتشكل عند الإنسان الخلايا الجذعية الجنينية Embryonic Stem Cells (ESCs) في مرحلة مبكرة جداً من التطور الجنيني بعد 5-4 أيام من الإخصاب، وتحديداً في مرحلة الكيسة الأريمية (الأصلية) blastocyst المجوفة التي تحوي في جوفها كتلة خلوية داخلية مكونة من 40 خلية جذعية متعددة الإمكانpluripotent stem cell ، وتتصف بقدرة عالية على الانقسام لفترات غير محدودة، ويؤدي تمايزها إلى تشكيل خلايا متخصصة لأداء وظائف محددة، وتعطي جميع الأنماط الخلوية التي تخضع للتخصص الوظيفي، وهذا يعني أنها يمكن أن تتطور إلى أي نوع من خلايا الجنين النامي أو الكائن الحي البالغ. يمكن لهذه الخلايا أن تتجدد ذاتياً، وتنقسم لتكوين المزيد من نفسها،أو تتمايز إلى أنواع محددة من الخلايا لبناء الأنسجة والأعضاء وإصلاحها كما يتضح من الشكل (1).
![]() |
|
الشكل (1) |
فبعد الأسبوع الثاني من الحمل تتشكل الوريقات الجنينية الثلاث الأساسية في الثدييات (الخارجية والمتوسطة والداخلية) في المعيدية gastrula. يطلق على هذه الخلايا اسم الخلايا متعددة الإمكانmultipotent تتمايز بحسب موقعها في إحدى الوريقات الجنينية؛ فالوريقة الخارجية ectoderm تُشَكِّل الجلد والجهاز العصبي. أما الوريقة الوسطى mesoderm فتُشَكِّل العظم والأنسجة العضلية، في حين أن الوريقة الداخلية endoderm تُشَكِّل الأجهزة الداخلية في الجسم، مثل الجهاز الهضمي والبولي والتناسلي وغيرها.
تمايز الخلايا هو عملية تصبح فيها الخلايا العامة متخصصة عن طريق تفعيل الجينات أو إيقاف تشغيلها انتقائياً، وهي عملية يتم التحكم فيها عن طريق التعبير الجيني gene expression. فمع أن جميع الخلايا تحتوي على الحمض النووي ذاته، يحدث التمايز لأن جينات معينة فقط تكون نشطة (المعبر عنها) في كل نوع من الخلايا، على حين يتم إسكات جينات أخرى. إذ يعتمد التمايز بصورة أساسية على سيطرة توجيهات مجموعة معينة من الجينات (أو المورثات) بحيث تقوم تلك الجينات بتنظيم التعبير المورثي regulation of gene expression وتحديد خط التمايز للخلية، أي نقلها من نمط خلوي إلى نمط آخر بعد تحويل التعبير المورثي إلى نمط يوافق الأخير. يكون تمايز الخلايا وتنظيمه نتيجة لوجود شبكة ارتباط عقدية nodes بين الجينات. إذ وُجِدَ أن التمايز الخلوي ليس نتيجة فقدان الجينات، بل هو نتيجة تثبيط انتقائي لمواقع جينية مختلفة؛ فقد أظهرت صور بالمجهر الإلكتروني أن هناك مقطعاً (domain) على الشريط الحلزوني للدنا DNA مُحاطاً بكثافة شديدة ببروتينات الهستون histones؛ بحيث لا يمكن فك هذا الارتباط، ولا يسمح للجينات بنسخ جزيئات الرنا RNA. فهي مواقع مثبطة لا تستطيع الجينات فيها أن تُعَبِّر عن نفسها، فهي غير قادرة على تشكيل البروتينات الخاصة بالتمايز. وتتضح هنا الآليات الجينية المعقدة التي تسهم في السيطرة على تمايز الخلايا وتحديد مصيرها لِأيِّ نمطٍ تخصصي وظيفي تنتهي إليه. تحدث هذه العملية على مدى أجيال متتالية من الخلايا، حيث تكتسب كل خلية مميزات جديدة لكن مساراتها المحتملة تصبح أكثر حصراً.
وتؤدي عوامل الانتساخ transcription factorsدوراً جوهرياً في التمايز، وهي البروتينات التي تتحكم في الجينات التي يتم تشغيلها أو إيقاف تشغيلها عن طريق الارتباط بالحمض النووي DNAوتنظيم عملية نسخ الجينات.
كما تتلقى الخلايا تعليمات من الخلايا الأخرى ومن البيئة المحيطة بها من خلال جزيئات الإشارة، تؤدي هذه الإشارات دوراً أساسياً في توجيه الخلايا الجذعية إلى مسارات التمايز المناسبة لها. فعوامل النمو growth factorsمثلاً - المجموعةَ الثانية في تنظيم عمل جينات التمايز الخلوي - تتكون من بروتينات التَكَوُّن الشكلي morphogenesis التي تستخدم لتوصيل التعليمات إلى الخلايا وتحفيز مسار نقل الإشارة، وهو سلسلة من الأحداث الجزيئية داخل الخلية. تؤدي هذه السلسلة في النهاية إلى تغيير في التعبير الجيني، مثل تنشيط عامل نسخ معين. تعمل هذه الإشارات الداخلية والخارجية على توجيه عملية التمايز من خلال التأثير في الجينات التي يتم التعبير عنها؛ مما يؤدي إلى تركيب بروتينات وبنى وظيفية مختلفة في الخلايا المتخصصة الناتجة.
فمثلاً تعمل تدرجات تراكيز بروتيناتSonic Hedgehog (Shh) ، والبروتينات المورفولوجية (الشكلية) العظمية Bone Morphogenetic (BMPs) على توجه مصير الخلية: إذ تؤدي المستويات العالية من Shh إلى تكوين الأصابع، في حين تؤدي المستويات المنخفضة إلى موت الخلايا المبرمج بين الأصابع. في حين تؤثر BMPs في مواصفات المحور الظهري البطني، وفي الحبل الشوكي، وتعمل على تعزيز تمايز الخلايا العصبية الحركية البطنية.
ثمة مسارات أخرى للإشارات تؤثر في التمايز الخلوي، مثلاً يمكن أن يشكل سيتوكين سرطان الدم cytokine of leukemia عاملاً مُثَبِّطاً ينضم إلى جملة العوامل التي تُحافِظ على الخلايا الجذعية الجنينية "غير متمايزة" لدى الفأر، ويتحقق ذلك من خلال تنشيط مسار إشارة بروتينات Jak-STAT3 التي تعمل على إبقاء الخلايا في حالتها الأولية من دون تمايز. على نقيض ذلك يُحَرِّض حمض الريتينويك retinoic acid الخلايا الجذعية الجنينية على التمايز لدى كل من الفأر والإنسان. تشترك مجموعة إشارات لتزايد عدد الخلايا الجذعية وتجددها الذاتي self-renewal، لكن يبقى تَعرّف مسار الإشارات ودورها في النمو والتمايز الخلوي مشكلة قائمة. ففي الوقت الذي تكون فيه السيطرة الجينية ضرورية لقيادة الخلايا إلى التمايز، لكنها لا تكون كافية للقيام بمُجْرَيات التمايز الخلوي على نحو مباشر، بل هي بحاجة إلى تعديل في التعبير المورثي الذي يتم عن طريق تعديل عوامل النسخ التي يعود إليها الدور الرئيس في تمييز التغيرات الجينية الوراثية في الخلية الآخذة بالتمايز، والتي يمكنها الاستمرار في العمل حتى في غياب الإشارات ذات الأصل البيئي.
وتؤدي التعديلات فوق الجينية epigenetic modifications - وهي التغييرات في التعبير الجيني التي لا تغير تسلسل الحمض النووي الأساسي، مثل متيلة الحمض النووي DNAوتعديلات الهستون، وإعادة تشكيل الكروماتين وكذلك جزيئات MicroRNAs – دوراً مهماً في التمايز أيضاً؛ إذ تتحكم في مدى إمكان الوصول إلى الجينات للنسخ. وتُعدّل كيفية التعبير عن بعض الجينات، حيث يمكنها تفعيل جينات معينة أو تثبيطها، وتستمر هذه التغييرات خلال انقسامات الخلية.
فمثلاً تؤدي أستلة ذيول الهستون إلى فتح الكروماتين؛ مما يسمح لعوامل النسخ بالوصول إلى محضضات promoters الجينات. أما فرط ميثلة (مَتْيَلَة) مناطق في المحضض فيؤدي إلى إسكات الجينات. في الخلايا الجذعية تظل الجينات غير مميثلة؛ مما يحافظ على إمكاناتها. عندما تتمايز الخلايا تكتسب الجينات الخاصة علامات الميثيل (الشكل 2).
![]() |
|
الشكل (2). |
إذاً يمكن القول إن الخلية تتلقى إشارات من بيئتها أو من خلايا أخرى. وتتم معالجة هذه الإشارات من خلال مسار نقل الإشارة؛ مما يؤدي إلى تغييرات في البيئة الداخلية للخلية. يؤدي هذا إلى تنشيط عوامل النسخ والجزيئات التنظيمية الأخرى أو إلغاء تنشيطها.
وتبدأ الخلية بعد ذلك بالتعبير عن مجموعة فريدة من الجينات، التي تحدد وظيفتها وبنيتها المحددة.
تحتوي الخلايا الناتجة من هذه العملية على مجموعة فريدة من البروتينات، وهي متخصصة في وظيفة معينة.
تجدر الإشارة الى أنه وفي بعض الحالات يمكن للخلايا أن تفقد تمايزها وتعود إلى حالة أقل تخصصاً، ولكنها قادرة على التمايز مرة أخرى، مثلما يحدث عند تجديد الأعضاء في بعض الحيوانات.
وتُعد هذه الآلية آلية حيوية لتجديد الأنسجة والأعضاء التالفة. وقد تمكنت الدراسات من الكشف عن بعض تلك الآليات وتطويعها في الأبحاث العلمية والاستفادة منها في فهم الأمراض وعلاجها، فمثلاً تمكنت بعض الأبحاث من إعادة برمجة خلايا مختلفة، مثل الخلايا الدهنية الأنثوية والخلايا المولدة للألياف الرئوية والخلايا المولدة الأصلية الجلدية، وأُعيدَت بَرمَجَةreprogramming الخلايا الليفية الأصلية لتتحول إلى خلايا متعددة الإمكانات باستخدام مزيج من الجينات يشمل Klf4 وSox2 وMyc وOct4، يُعرف هذا المزيج من الجينات باسم عوامل إعادة البرمجة، أو عوامل ياماناكا(الشكل 3)، وجرت مقارنة أنماط الحمض النووي في الخلايا الجسمية ونمط الدنا المُنَمَّط بالمِتيلِن في الخلايا الجذعية الجنينية، فوجد أن هناك تشابهاً ملحوظاً عند التنميط بالمِتيلِن (أو ما يسمى المَتْيَلَة)، فقد نال التنميط 80% من الأسس الآزوتية سيتوزين-غوانين (C-G) للخلايا الجذعية الجنينية، في حين كانت نسبة التنميط للخلايا الجذعية البالغةالمُحَفَّزَة induced pluripotent stem cells (iPSCs) على النيكلوتيد C-G تعادل 60%، إضافة إلى ذلك تمتلك الخلايا الجسمية الحد الأدنى من مَتْيَلة C-G، وبذلك يُلفى أن الخلايا الجذعية الجنينية زادت في تنميطها على الخلايا البالغة.
![]() |
|
الشكل (3). |
كما درست الخلايا الجذعية البالغة المحفزة، وهي الخلايا متعددة الإمكان والتي تحاكي الخلايا الجذعية الجنينية في خصائصها، فلوحِظَت بعض الاختلافات الجينية بينها، وتَمَّ التعرف إلى هذه الاختلافات من خلال التجارب المخبرية التي استخدمت فيها طرائق التنميط الوراثي للدنا بالمِتيلِن methylene، وذلك لكل من الخلايا الجذعية الجنينية التي يرمز إليها ب Embryonic stem cell أو ESC والخلايا المولدة الليفية الأصلية progenitor fibroblasts.
وعندما فحص الباحثون مناطق التنميط بالمَتْيَلَة وجدوا أن هناك نحو 1175 منطقة من مناطق C-G مختلفة بين الخلايا الجذعية الجنينية والخلايا البالغة الجسمية.
إذاً هناك فروق جينية واضحة بين الخلايا الجذعية الجنينية والخلايا الجذعية البالغة، فنشاط التمايز للخلايا الجذعية الجنينية أفضل مما هو عليه في الخلايا الجذعية البالغة، ويفضل عند معالجة المرضى استخدام الخلايا الجذعية الجنينية؛ لكونها أكثر نشاطاً وأسرع في تمايزها الخلوي وتحديد المصير.
أطلق الباحثون على الجينات التي تؤدي دوراً في إعادة برمجة الخلايا البالغة تعبير العوامل الممهدة للتمايز pioneering factors، وهي ثلاثة: Sox2 وOct4 وNanog، حيث يُستَخدَم عاملا النسخSox2و Oct4في نسخ الخلايا الجذعية البالغة وإعادة برمجتها، فتصبح قادرة على إحداث تغييرات في بنية الكروماتين الصبغي مع تعديلات في بروتينات هستونات الدنا من أجل تقييد الجينات الهدف - أي الجينات المسؤولة عن تحديد دور الخلية ووظيفتها (الخلايا التي تسهم في التمايز الخلوي) - أو السماح بنسخها.
كما وجد الباحثون مجموعة من البروتينات سميت تريتوراكس Trithorax Group proteins (TrxG) (رُمِزَ إليها ﺑ TrxG) يمكن أن تقوم باستقبال إشارات التمايز، فتُجَنِّد بروتيناتٍ أخرى في الخليةPolycomb group يُرمَز إليهاﺑ PcG تقوم بتشكيل عوامل النسخ transcription factors في الخلايا الجذعية الجنينية، فتبدأ الخلايا بالتمايز حينما تنشط الجينات (المسؤولة عن التمايز) بوساطة البروتين TrxGالذي يعمل في الواقع على تنشيط الكروماتين المُنَظِّمchromatin regulator للتمايز، فَيُزيل التثبيط الهستوني (بأستلة الهستون histone acetylation) في بعض المواقع، ويُعَزِّز نشاط الجينات، فتقوم بنسخ transcription بروتينات التمايز وتركيبها.
لاحظ الباحثون أيضاً أن البروتين TrxG يقوم بوظيفة ثنائية متعاكسة، فهو من جهة يقوم بدور المُنَشِّط للتمايز والنمو الخلوي، ويمكنه - من جهة أخرى - أن يقوم بدور متعارض بقمع نشاط الجينات. يحدث هذا غالباً استجابةً لتحفيز محدد؛ مما يسمح بتنظيم دقيق للتعبير الجيني.
إذاً في الخلايا الجذعية الجنينية البشرية عدة عوامل نسخ من بروتينات تُلفى على سطح الخلية، وجينات Sox2 وOct4 وNanog تُمَثِّل الشبكة التنظيمية الأساسية التي تضمن قَمْعَ عمل بعض الجينات وتنشيط جينات أخرى في الخلية نفسها عند حدوث التمايز.
لقد فتحت هذه التجارب العلمية باب الأمل لعلاج أمراض الشيخوخة عن طريق إعادة برمجة الخلايا المتمايزة (مثل خلايا الجلد) إلى خلايا جذعية جنينية (غير متمايزة undifferentiated) قادرة على التخصص إلى أي نوع خلوي.
أثر التغيرات الميكانيكية في التمايز الخلوي
بينت الأبحاث أهمية تأثير القوى الميكانيكية في السيطرة على تمايز الخلايا الجذعية، فالقوى الميكانيكية الموجودة في جسم الكائن الحي - مثل التقلص العضلي والشَّد والضغط وتدفق السوائل وغير ذلك - تُعَزِّز إشارات التمايز الخلوي وتُنَظِّمها؛ مما يؤدي إلى تغيير مباشر في التعبير الجيني للخلية الجذعية وتنسيق مجريات التمايز. فالقوى الميكانيكية تُتَرْجَم إلى إشارات كيميائية حيوية مُحَرِّضة ومُعَزِّزة لتمايز الخلايا الجذعية ضمن بيئة دقيقة microenvironment ؛ إلى جانب دور الجينات في التمايز الخلوي. فمثلاً تشير بعض الأبحاث إلى أن تمايز الخلايا العظمية بدءاً من الخلايا الجذعية المِزَنشيمية البشرية human mesenchymal stem cells يخضع للتعديلات الميكانيكية، مثل التغير في مرونة الأغشية الخلوية؛ فقد وُجِد أن التغير في مرونة أغشية الخلايا يمكن أن ينظم خصائص أكتين الهيكل الخلوي cytoskeleton actin (شبكة من البروتينات داخل الخلية تؤدي دوراً مهماً في الحفاظ على شكل الخلية وحركتها ووظائفها) في المراحل المبكرة من تمايز الخلايا الجذعية المزنشيمية إلى خلايا عظمية. ترتبط أغشية الهيكل الخلوي بعضها ببعض عن طريق بروتينات مُشَكِّلَةً شبكةً متكاملة تعطي الخلية شكلها وبنيتها المميزين، ويتصل الهيكل بأغشية الخلية، ويتفاعل معها؛ حيث تسهم قوى التفاعل في الغشاء الخلوي في تَقَصُّر أكتين الهيكل، مثلاً إن زيادة طول الغشاء الخلوي 2-3 مرات يؤدي إلى تحلل الأكتين في الخلايا البانية للعظمosteoblasts ، لكن الأكتين يتجدد خلال 10 أيام تقريبا،ً وذلك عندما تحدث تغيرات ديناميكية في مرونة الغشاء الخلوي.
أظهرت الأبحاث الحديثة أن تمايز الخلايا الجذعية المزنشيمية البشرية يزيد في التصاق غشاء الأكتين actin membrane، وهو ما يُعزز التحكم في آلية هجرة الخلية. وعليه فإن دخول الخلية في التمايز يُؤَدي إلى ما يلي:
- يُقَلِّل حركية الخلية، ويمنعها من الهجرة.
- يُضْعِف مرونة الغشاء الخلوي بما في ذلك أغشية الخلايا الغضروفية chondrocytes، وهكذا يقوم الأكتين بعمل تنظيمي ديناميكي في أثناء التمايز.
يُشار هنا إلى أن الدراسات التي تناولت تمايز الخلايا الجذعية الجنينية قد فتحت المجال واسعاً لعصرٍ جديد من المعرفة في عالَمَي الطب والبيولوجيا منذ 20 عاماً؛ إذ تَمكَّن الباحثون من خلال التلاعب بِجينوم الفأر من تقديم إضافات علمية مهمّة، حيث تمكنوا من إحداث تعديلات جينية في الخلايا الجذعية لدى الثدييات بهدف الحصول على أنواع جديدة من خلايا يمكن استخدامها في العلاج واستبدالها بالخلايا المريضة، وبقيت هذه الخلايا تُستَخدَم لعقود خلايا علاجية سُمِّيَت خلايا الاستعاضة replacement cells.
كذلك تمكن الباحثون من الاحتفاظ بالخلايا الجذعية الجنينية بشكلها غير المتمايز بهدف دراستها في المستقبل وتعرّف الآليات الجزيئية التي تنظم التجديد الذاتي لديها، كما تمكنوا من إحداث تمايز خلوي للخلايا الجذعية ضمن وسط زرعي، وذلك لضمان شروط ملائمة، فحصلوا من خلال هذا العمل على الوريقات الجنينية الثلاث: الوريقة الخارجية، والوريقة المتوسطة، والوريقة الداخلية. بهذه الطريقة استطاع الباحثون الحصول على عدة أنواع من الخلايا المتمايزة بدءاً من الخلايا الجذعية المزروعة: فمن الوريقة الخارجية حصلوا مثلاً على خلايا عصبية وخلايا تناسلية، ومن الوريقة المتوسطة حصلوا على الخلايا المولدة للدم hematopoietic والخلايا المشكلة للأوعية الدموية، والخلايا المشكلة لعضلة القلب. أما من الوريقة الداخلية فقد حصلوا على الخلايا المشكلة لغدة البنكرياس (المعثكلة)، وهكذا.
وفي إطار إحداث تمايز في الخلايا الجذعية في وسط زرعي تَمَكَّن فريق من الباحثين من تطبيق هذا العمل التجريبي على الخلايا الجذعية الوسيطة البشرية، فوجدوا أن تمايزها في الوسط يتأثر بالخصائص الميكانيكية للبيئة خارج الخلية extracellular، مثل لزوجة الوسط. فعندما تُزرَع هذه الخلايا الجذعية في وسط زرعي هلامي مائي منخفض اللزوجة photodegradable hydrogel يتحدد مصيرها وتمايزها إلى نوع خلوي خاص، ويقال هنا إن تمايز الخلايا الجذعية (سواء كانت متعددة الإمكان أم مضاعفة الإمكان) يخضع لتفاعل جينات الخلية الجذعية مع البيئة المحيطة للوصول إلى تشكيل طابع ظاهري phenotype خاص بالخلية.
كما أن صلابة الركيزة substrate في وسط الزرع يمكن أن تؤدّي دوراً في توجيه التمايز، فعندما تكون الركيزة صلبة بصورة كافية تتمايز الخلايا الجذعية مُشَكِّلَة الخلايا بانِيَة العظم osteoblasts. أما عندما تكون الركيزة قليلة الصلابة فتتمايز الخلايا الجذعية إلى خلايا شحمية، وكأن للخلايا ذاكرة ميكانيكية.
من جهة أخرى يكون لاختلاف تضاريس الوسط الزرعيculture medium topography أثر في التمايز الخلوي، فقد وجد الباحثون أن الخلايا الغضروفية المتمايزة التي تُزرَع في وسط زَرْعٍ ثنائي الأبعاد 2D تفقد تمايزها، فتصبح خلية غير متمايزة dedifferentiated، وعند إعادة زرعها في وسط زرعي ثلاثي الأبعاد 3D مُكَوَّن من هلام الأغاروز تستعيد الخلية شكلها المتمايز خليةً غضروفيةً عن طريق التغيرات الكيميائية في أكتين الهيكل الخلوي. خلاصة الأمر أن التغير في تضاريس الوسط الزرعي يعمل على إحداث تغير في أكتين الهيكل الخلوي؛ فيُغَيِّر هذا الأخير شكل الخلية وِفق آلية استجابة معقدة.
أخيراً تشير بعض الأبحاث الحديثة إلى أهمية تأثير القوى الفيزيائية الآتية من خارج الخلية -مثل الضغط والشد والقص والدفع وضغط السوائل - في التمايز الخلوي، ومثل هذه القوى تُحدِث تفاعلاتٍ ونشاطاً حيويّاً في الخلية، خصوصاً في الهيكل الخلوي، حيث تستقبل الخلية هذه القوى عبر شبكة معقدة من مكونات اللحمة خارج الخلية extracellular matrix (أو الفناء المحيط بالخلية)، وتُنقَل الإشارات الفيزيائية (أو القوى الفيزيائية) عبر الغشاء الخلوي إلى الهيكل الخلوي ومنه إلى النواة؛ حيث تؤثر في نشاط الجينات؛ مما يؤدي إلى تغيير في وظائف الخلية، وتحدد في النهاية عملية التمايز الخلوي وتحديد مصير الخلية (الشكل 4)؛ لذا فإن لهذه التجارب أهمية في الهندسة النسيجية tissue engineering، وفي أبحاث الطب التجديدي regenerative medicine.
![]() |
|
الشكل (4). |
يسعى الباحثون اليوم إلى تطوير آليات لإنتاج خلايا يمكن التحكم بمورفولوجيتها (تحولها الشكلي). ويشير بعض الباحثين أيضاً إلى وجود آليات جزيئية يمكن أن تتحكم بالتمايز الخلوي حيث تشكل المفاتيح التي تتحكم بالتمايز الخلوي وتراقبه، حيث وُجِدَ كثير من الإشارات الخلوية cellular signalsتأتي من خلايا باتجاه خلايا أخرى. وفي حال الانقسام الخلوي غير المتماثل asymmetrical (الذي تنتج منه خليتان غير متساويتين في الحجمأو المادة الوراثية أو المحتوى البروتيني أو الإمكانات النمائية) فإن آلية التمايز في هذه الحالة تستند إلى توجيه إشاراتٍ مختلفة غير متماثلة من مُحَدِّدات سيتوبلاسمية cytoplasmic determinantsإلى الخليتين الأختين مُحَدِّدَة مصيرَ كلٍّ منهما وتمايزهما إلى نمطين خلويين مختلفين، تُعرَف هذه الآلية "بالتعبير الأمومي السيتوبلاسمي غير المتماثل" asymmetric cytoplasmic maternal expression. فعندما يحدث مثل هذا الانقسام يكون توزع الجزيئات المُنَظِّمَة للانقسام في الخلايا الأخوات غير متكافئ؛ بحيث يكون لكل خلية بنت "سيتوبلاسما مميزة" من الخلية الأخت الأخرى (الشكل 5)، فتظهر الخليتان الأختان بنمطين تمايزيين مختلفين. والمثال عن هذا الانقسام غير المتماثل ما يُلفى في اختلاف التخطيط (أو الزخارف) في محور جسم ذبابة الخل دروزوفيلا Drosophilaالذي ينطوي على أهمية الاختلاف في الإشارات التي يرسلها الرنا السيتوبلاسمي cRNA من أجل السيطرة على التمايز الخلوي في الخليتين المنقسمتين انقساماً غير متساوٍ.
![]() |
|
الشكل (5). |
يبدأ الانقسام غير المتماثل في المراحل الجنينية المبكرة بدءاً من مرحلة الـ 16 خلية، وتحديداً في النصف الأمامي للكرة الجنينية الناتجة من انقسام هذه الخلايا، وتشكيل 32 خلية غير متماثلة في حجومها؛ لوجود خلايا كبيرة الحجم وأخرى صغيرة، يتحدد مصيرها في نهاية المطاف، بحيث تتمايز الخلايا الكبيرة إلى خلايا جسمية، في حين تتمايز الخلايا الصغيرة إلى خلايا مُنشئَة (أو خلايا تناسلية: نطاف أو بيوض).
الخلاصة: ينظم التمايز الخلوي سيمفونية الحياة، وينسج البرامج الجينية والإشارات البيئية والخلوية من البيضة الملقحة متعددة الإمكانات إلى الخلايا العصبية المتخصصة، يسهم كل نوع من الخلايا في الأداء المتناغم لأجسامنا. إن فهم هذه التعقيدات يفتح آفاقاً جديدة للطب التجديدي، regenerative medicine، وعلاج الأمراض، وكشف أسرار الحياة نفسها.
بالمقابل يسهم خلل تنظيم عمليات التمايز في الإصابة بالأمراض. غالباً ما تفقد الخلايا السرطانية قدرتها على التمايز، وتصبح أكثر بدائية إذ تعمل على تحفيز نمو الورم، ومقاومة العلاجات، وتظهر خصائص تشبه الخلايا الجذعية.
|
مراجع للاستزادة: - بشير الزالق، الوجيز في علم النسج، منشورات جامعة دمشق، 2002. - لويس ولبرت، علم الأحياء الانمائي، ترجمة علي السرحاني، 2016. - I. Cole, Introduction to Stem Cell, Larsen and Keller Education 2025. - M. Kloc, R. M. Ghobrial, Cellular and Molecular Mechanisms of Chronic Rejection in Organ Transplantation Springer 2026. - B. Stanger, From One Cell: A Journey into Life&https://arab-ency.com.sy/scitech/details/170126#39;s Origins and the Future of Medicine,W. W. Norton & Company 2023.
|
- التصنيف : علم الحياة (البيولوجيا) - النوع : علم الحياة (البيولوجيا) - المجلد : المجلد العاشر، طبعة 2025، دمشق مشاركة :




