تهجين تالقي في موضع
Fluorescent in situ hybridization (FISH) -

التهجين التألقي في الموضع

مجد الجمالي

تقنية التهجين التألقي في الموضع

التطورات الحديثة في تقنية الـ FISH

التطبيقات الحديثة لتقنية الـ FISH

تحديات وقيود التهجين في الموضع

 

يمثّل التهجين في الموضع In Situ Hybridization (ISH) تقنية متميزة تتداخل من خلالها التقنيات الحيوية الجزيئية والتقنيات النسيجية لدراسة التركيب والتعبير الجيني في مقاطع النسج والمحضّرات الخلوية، ويمكن بوساطتها تحديد مواقع نوعية للدنا DNA والرنا RNA في نوى الخلايا وأنسجتها. تتضمّن الطريقة تهجيناً بين مسبار probe نكليوتيدي موسوم والتتالي النكليوتيدي الهدف المتمم له (الشكل1) سواءً كان الهدف تتالياً من الدنا أم الرنا، ويمكن تحرّي الهجن hybrids إمّا بالتصوير الشعاعي الذاتي  autoradiographyللمسابر الموسومة شعاعياً وإمّا عن طريق استخدام ملوّنات نسيجية كيميائية للمسابر غير المشعّة. يحدّد هذا التهجين موقع المورثة كما يُظهّر ناتج التعبير الجيني؛ في حين يحافظ على شكل الخلايا ضمن النسيج.

 في عام 1969، قام جوزيف جي غال Joseph G. Gall وطالبته ماري لو باردو Mary-Lou Pardue بابتكار تقنية التهجين في الموضع بشكل مشترك، واشتُهر غال بأنه مخترع هذه التقنية. استخدمت هذه التقنية في البداية للكشف عن مواقع جينات rRNA حيث استخدموا مسابر موسومة بـ 3H هجنت مع محضرات لصبغيات من بويضات لضفدع  Xenopusحيث  توجد أعداد ملحوظة لجينات rRNA.

فكانت هذه طريقة رائدة سمحت بتحديد موقع جينات محددة على الصبغيات.

اعتمدت التقانة بداية على استخدام مسابر مشعة التي كانت مكلفة، وتتطلب العمل أوقات تعرض طويلة للأشعة مما يؤثر في صحة الإنسان.

وقد مكّن إدراج الوسم غير الشعاعي في نهاية السبعينيات من استخدامه في مخابر التشريح المرضي بصفته وسيلةً تشخيصية جزيئية وطريقة للكشف عن العوامل المُمرِضة كالجراثيم في المقاطع النسيجية. كما أتاحت التعديلات التقنية اللاحقة تحديد مواقع أهداف متعددة من الدنا والرنا في المقايسة الواحدة نفسها، وزيادة حساسية الطرق عبر التضخيم في الموضع in situ amplification للتتالي النكليوتيدي وتعزيز منظومات تحري الإشارة.

ثم تطورت هذه التقانة على نحوٍ سريع في منتصف ثمانينيات القرن العشرين لتصبح وسائل لا غنى عنها في البحث العلمي الأساسي وفي التشخيص السريري، وأداة قياسية في مختبرات علم الوراثة الخلوية لتشخيص الاضطرابات الوراثية، والزيوغ الصبغية، وواسمات للسرطان cancer markers.    

الشكل (1) تهجين المسبار الموسوم المفلور مع التتاليات المتمّمة له في جزيء الدنا.

تقنية التهجين التألقي في الموضع

تعدّ تقنية التهجين التألقي في الموضع Fluorescent In Situ Hybridization (FISH) من حيث المبدأ تقنية مباشرة جداً تكتنف تهجين مسبار مع تسلسله المتمِّم. تسخدم فيها المسابر من سلاسل من الأحماض النووية التي قد تتكون من DNA أو cDNA أو RNA؛ وقد تكون أحادية أو مزدوجة السلسلة وقد يختلف طولها من 20 أساس إلى أكثر من 1500 أساس. يمكن وسم labeling المسابر مباشرة عبر تضمين النكليوتيدات جزيئات متفلورة fluorophores، وإمّا على نحو غير مباشر عبر تضمين جزيئات دالّة reporter molecules يمكن التحري عنها لاحقاً بأضداد مفلوَرة أو عبر جزيئات ترتبط بها على نحو عالي الإلفة affinity. (الشكل 2)

الشكل (2) شكل تخطيطي لأنواع المسابر.

 

تُظهَّرُ المسابر المفلورة وجزيئاتها الهدف في الموضع باستخدام مجهر الفلورة، وعادة ما تكون إشارة الوسم المباشر أكثر قوة ونوعية. وبصفتها تطبيقاً جزيئياً وخلوياً مشتركاً فإن الميزة الأساسية لتقنية FISH تكمن في قدرتها المتميزة على تزويد درجة عالية من المَيْز resolution، مع الاحتفاظ بالمعلومات على مستوى الخلية الواحدة. ويمكن أن تطبّق في مختلف أطوار دورة الخلية cell cycle والاستفادة من المعلومات الناتجة منها بحسب نوع التحليل وغايته. كما تسمح هذه التقنية بتحديد موضع تتالٍ محدد من  الـ DNA إلى موضعه في صبغي محدّد. وعموماً يتم الحفاظ على مورفولوجية الصبغي، والخلية، والنسيج قيد الاختبار للسماح بالتحديد الدقيق للهدف.

لقد استخدمت تقنية الـ  FISHبفضل ملاءمتها ودقتها العالية لإدراجها في العديد جداً من التطبيقات الحيوية والبحث الطبي، وطُوّر العديد من التطبيقات المتنوعة والمقايسات المعتمدة عليها في عدد من مجالات التحرّي. رافق ذلك تحسن في حساسية المقايسة ونوعيتها ومَيَز التقنية، والذي تمّ عبر فهم أعمق للخصائص الفيزيائية والكيميائية للحموض النووية والمادّة الوراثية، وتطور حقل المجهر المفلور والتصوير الرقمي. وخلال العقد الأخير من القرن الواحد والعشرين اكتسبت تقنية الـ FISH شهرة عريضة لتؤيّد الجهود المبذولة لوضع الخرائط الجينية وسَلْسَلة الدنا DNA sequencing المتعلقة بمشروع الجينوم البشري Human Genome Project (HGP).

ولعل أبرز ميزات التهجين التألقي في الموضع:

-        أنها تقنية بسيطة ومباشرة وعيارية.

-        وجود العديد من المسابر المتوفرة تجارياً.

-        إمكان الوسم المزدوج باستخدام مسابر متعدّدة في الخلية الواحدة.

-        سرعة إنجاز العمل والذي يراوح بين 4 ساعات إلى 48 ساعة حداً أعظمياً.

وتتوفر أنماط عدة من مسابر التهجين التألقي في الموضع أبرزها:

1.المسابر الساتِلة satellites probes: ترتبط بمنطقة القُسيم المركزي centromere للصبغي.

تتألف التتاليات الساتِلة ألفا alpha satellite (α satellite)  في الصبغيات البشرية من سلاسل 171 نكليوتيد غنيّة بالأدنين والثيمين A-T) ) مرتّبة في تتاليات متكرّرة يراوح تكرارها بين 150 و9000 نكليوتيد، وتتوزع قرب منطقة القسيم المركزي في الصبغي. وعموماً يمتلك كلُّ صبغي بشري تتالياً نوعياً من  α satelliteالمميزة له ومن ثمَّ فإن كان هناك حذف في القسيم المركزي الذي يفصل بين الذراعين القصير p والطويل q للصبغي فإن هذه التتاليات تكون غير موجودة أو قصيرة؛ يدلّ على ذلك ظهور الإشارة للمسابر الساتلة أو غيابها (الشكل 3-أ). كما ينجم عن الاختلاف في عدد تكرار تتاليات α satellite بين صبغي وآخر تباينات في قوة الإشارة التي يتم تحرّيها بتقنية الـ FISH بين صبغي وآخر. على سبيل المثال تكون إشارة α satellite في الصبغي 3 –عموماً- أعلى من الصبغي 5 وأقل من الصبغي 7 لدى شخص طبيعي. من جهةٍ أخرى ثمّة تشابهٌ يُعتدّ به بين تتاليات α satellite بين الصبغيَّين 13 و 21، وبين 14 و 22؛ ممّا يجعل التمييز بين كلٍّ من زوجي الصبغيات المذكورة غير ممكن، ولا يمكن مثلاً التمييز بين تشوهي تثلث الصبغي 13(trisomy 13)  وتثلث الصبغي 21 (trisomy 21) في التشخيص قبل الولادة باستخدام هذا النوع من المسابر.

الشكل (3)

 أ - يبيّن الوسم العام للقسيمات المركزية في الصبغيات عبر استخدام مسابر نوعية للـ α satellite.

    ب - تلوين α satellite نوعي للصبغي X في خلية جسمية لأنثى لديها أحاد الصبغي الجنسي.

 ج - وسم نهايات الصبغيات بتقنية FISH باستخدام مسابر نوعية لتتالي التيلوميرات.

 

تتميّز المسابر الساتلة بأنها تعطي إشارات قوية مع خلفية ضعيفة، وتستخدم في تحرّي التغيرات في بنية الصبغيات في بعض الأورام الصلبة وابيضاضات الدم، وتمييز حالات تثلث الصبغيات في التشخيص قبل الولادة، وتحديد عدد الصبغي الجنسي X لتحديد جنس الجنين. وعلى سبيل المثال عند ظهور إشارة وحيدة للمسبار المفلور والنوعي للصبغي X فإنّ ذلك يُفسَّر إمّا بجنس الذكر للجنين وإمّا بمتلازمة ترنر Turner’s Syndrome لدى الإناث والمرافقة لأحادي الصبغي X(X-monosomy) (الشكل 3 - ب)، أو ربما بوجود تدرّك في منطقة القسيم المركزي في الصبغي X الآخر لدى جنين الأنثى. في المقابل لا تقدّم مسابر α satellite معلوماتٍ مهمةً حول الإزفاءات translocations أو الحذوفات deletions المتواترة في كثير من أنواع السرطانات.       

ويمكن أخيراً ضم مسابر التيلوميرات (القسيمات الانتهائية) telomere probes إلى هذه المجموعة على اعتبار أنها ترتبط أيضاً بتتالٍ محافظ conserved هو TTAGGGn في نهاية جميع الصبغيات، والذي يبلغ تكراره نحو 10 آلاف مرة، وتستخدم الإشارة الناجمة عن التهجين مع تلك المسابر في تحرّي الإزفاءات الانتهائية terminal translocations في الصبغيات (الشكل 3-ج).

2.مسابر التتاليات النوعية Unique-sequence probes: تتحرّى تتاليات نوعية من الدنا التي ترافق بعض الأمراض.

تميّز هذه المسابر تتاليات من الدنا أو أجزاء من الجينات المرافقة لنمط ظاهري محدَّد ينتج من اضطرابات وشذوذات صبغية، بحيث يوجد داخل الصبغيات تتالٍ شاذ أو يغيب فيها التتالي الطبيعيلدى جميع خلايا الشخص المصاب باضطراب صبغي وراثي. أمّا في بعض أنواع الاضطرابات المكتسبة غير الوراثية - مثل بعض أنواع الخباثات - فتمتلك فقط الخلايا المتورّطة في عملية الخباثة تتالياً شاذّاً، عادةً ما يظهر نتيجة أحد الإزفاءات الحاصلة في تلك الخلايا خلال انقسامها. وقد ساهمت الفلورة ثنائية أو ثلاثية اللون  two or three-color fluorescence في تفسير النتائج بصورة أسهل، حيث تتوفر حالياً خلائط من المسابر المنضمّة conjugated إلى مواد مفلورة مختلفة لكلٍّ من الإزفاءات التي تحدث بكثرة في أنواع عدة من الخباثات. وتبقى أكثر الطرق سهولة هي كشف اكتساب صبغيات كاملة أو فقدها كما هي الحال في تثلّث الصبغي 8 في الاضطرابات النقوية. من جهةٍ أخرى يمكن استخدام مسابر نوعية لجينات مثل N-myc في الأورام الأرومية العصبية neuroblastoma أو HER-2/neu في سرطان الثدي وغيرها من الخباثات لتبيان درجة تضخيم (زيادة عدد)الجينات الطبيعية لدى مجموعات المرضى.

إنّ من بين أكثر الإزفاءات شيوعاً -عادةً ما يُتَحرّى عنه بالـ FISH- هو إزفاء  t(9.22- ABL/BCR)والذي يدعى الصبغي الحامل له بصبغي فيلادلفيا Philadelphia chromosome؛ إذ يُستخدم مسباران نوعيّان لتحري ناتج انصهار جينيّ BCR/ABL نتيجة الإزفاء الصبغي، يرتبط الأول بجزء من جين BCR المتوضعة على الصبغي 22 والثاني بجزء من جين ABL المتوضعة على الصبغي 9. وتمتلك الخلية الطبيعية إشارتين من الصبغي 9 وإشارتين من الصبغي 22؛ في حين تُظهِرُ الخلايا التي حصل فيها إزفاء t(9.22) إما إشارتين متجاورتين بألوان فلورة مختلفة وإما إشارة مدمجة بلون متوسط بين اللونين. وهكذا إذا كان مسبار BCR موسوماً بمادة الفلوروسيئين ومسبار ABL موسوماً بمادّة الرودامين تظهر عندها إشارة صفراء تعكس اندماج اللونين المفلورين. وعادةً ما تستعمل صبغة أخرى عامّة هي DAPI التي تلوّن النواة أو الصبغيات كلها وتجعل الصورة أكثر وضوحاً. يبيّن الشكل (4) تطبيق تقنية FISH في خلايا جسمية لمريض ابيضاض دم لمفاوي باستخدام مسبارين نوعيَّين لمورثتي BCR (خضراء) وABL (حمراء) في خلايا بالطور البيني interphase (أ) وطور الانقسام  mitosis(ب).

الشكل (4)

(أ) خلية طبيعية تحتوي على نسختين من جين ABL على الصبغيين القرينين 9 ونسختين من جين BCR على الصبغيَّين القرينين 22. على اليمين خليتان ورميتان تحتوي كلٌّ منهما على تداخل بين اللونين، يبدو باللون الأصفر (بالسهمين المشار إليهما)، نجم عن إزفاء t(9.22) ويشكّل الجين المولد للورم BCR-ABL.

(ب) صبغي فيلادلفيا (السهم) يظهر عنده اندماج الفلورة الخضراء والحمراء عند الجين BCR-ABL.

 

3.مسابر الرسم painting probes: ترتبط بسلاسل كبيرة من التتاليات الموجودة في صبغي محدّد.  

يتم تشكيل مسابر الرسم الملوّنة لجميع الصبغيات من مجموعة كبيرة من تتاليات الدنا النوعية التي تتتام مع التتاليات الموجودة في أحد الصبغيات من دون غيره (الشكل 5-أ). وتتمتع المسابر الجيّدة منها بقلة التصالب مع تتاليات الصبغيات الأخرى. يُستفاد من مسابر الرسم لتحديد الصبغيات التي تحمل إزفاءات معقدة، بحيث تكون قطع من الصبغيات ملتصقة على نهاية أحد الصبغيات الأخرى، أو مندمجة في داخلها وبحيث تتلون تلك القطع بألوان مميزة للصبغي المصدر. وكمثال عنها: إذا كان هناك إزفاءات غير معروفة الهوية لدى أحد مرضى الأورام، ومن ثمَّ لا يمكن كشفها باستخدام المسابر النوعية للتتاليات بسبب جهل مصدرها؛ يمكن لمسابر رسم الصبغيات أن تُظهر على نحو واضح اندماج قطع من بعض الصبغيات في صبغيات أخرى، ومن ثمَّ تؤكّد حدوث الإزفاءات خلال انقسام الخلايا (الشكل 5–ب).

الشكل (5) رسم الصبغيات chromosome painting باستخدام مسابر تلون جميع الصبغيات ونوعية كلِّ منها.

( أ) تلوين أزواج الصبغيات الـ 23 لدى خلية جسمية لأنثى ويظهر فيه كلُّ زوج من الصبغيات القرينة بلون مختلف.  (ب) و(ج) تلوين الصبغيات 1 و 2 و 4 بمسابر نوعية تميز فقط الصبغيات الثلاثة في خلية طبيعية (ب) وخلية تمتلك إزفاءات صبغية تتوضح بوجود هجن من الألوان المفلورة (ج).

 

وكما يمكن استخدام FISH لاستهداف الـDNA  ، تم تطويرها أيضاً لاستهداف RNA وبالتالي اظهار التعبير الجيني في الموضع، ويشار إليه هنا باسم التهجين في الموضع باستخدام الحمض النووي الريبي المتألق

 Fluorescence In Situ Hybridization (RNA-FISH)  RNAوهي تقنية تستخدم لتصور وتحديد موقع جزيئات الحمض النووي الريبي  RNAداخل الخلايا أو الأنسجة. فهو يجمع بين مبادئ التهجين التألقي في الموضع مع مسابر خاصة بالـ RNA لاكتشاف وقياس تسلسلات RNA محددة في بيئتها الخلوية الأصلية. يتيح ذلك للباحثين دراسة أنماط التعبير الجيني، ومواقع وجود الحمض النووي الريبي، وتأثرات البروتين RNA على مستوى الخلية الواحدة وحتى العضيات.

وفي الآونة الأخيرة، دفعت التقنيات الحاسوبية والتصويرية computational and imaging technology تطوير RNA-FISH للسماح بالتصور والقياس الكمي شبه الآلي لمنتسخات mRNA الفردية. تعرف هذه الطريقة باسم FISH أحادي الجزيء single-molecule FISH (smFISH). كما تم أيضاً إقران smFISH بالتألق المناعي وقياس التدفق الخلوي لقياس وفرة mRNA والبروتين في وقت واحد.

التطورات الحديثة في تقنية الـ FISH

تم تحقيق تقدم كبير في مجال تصميم المسابر وإنتاجها، بالإضافة إلى تضخيم الإشارة واكتشافها، وتتضمن التطورات الأخيرة تحسينات في قوة الإشارة التي يمكن تحقيقها في تجارب صغيرة الحجم باستخدام حوامل كاملة معقدة بالإضافة إلى البروتوكولات عالية الإنتاجية التي تسمح بتصوير آلاف المنتسخات  transcripts في خلايا مفردة مع تحليل البيانات الكمية نصف الآلية semi-automated.

تعتمد بعض طرق  FISHالمتعددة multiplexed FISH بشكل عام على الوسم الاندماجي أو المتسلسل للمنتسخات الفردية باستخدام مسابر تحمل حوامل متألقة مختلفة لإنشاء باركودات من تسلسلات نوعية من الحمض النووي الريبي (الشكل 6). على وجه الخصوص، يمكن لتقنيات التصوير المكاني مثل التهجين التألقي في الموضع المقاوم للخطأ المتعدد Multiplexed Error Robust Fluorescence in Situ Hybridization (MERFISH)  تحقيق ميز عالي الدقة للخلية الواحدة، مما يسمح بالتحديد المباشر لهوية الخلية وربطها إلى مواضع مكانية. وتعد من بين التقنيات الحديثة عالية الإنتاجية اذ تعتمد على استخدام المجهر لدراسة التنظيم المكاني للحمض النووي الريبي داخل الخلايا. فهو يجمع بين الحساسية لجزيء واحد والدقة المكانية، مما يسمح للباحثين بتحديد وحساب أماكن جزيئات الحمض النووي الريبي في الخلايا الفردية مع الحفاظ على سياقها المكاني الأصلي. تستخدم هذه التقنية مسابر متعددة لكل هدف، ويمكن استهداف كل مسبار على حدة بواسطة مسبار ثانوي موسوم أيضاً.

تؤمن هذه التقنية الوسم الموجه للمنتسخات المستهدفة من الحمض النووي الريبي باستخدام مجموعة من الجينات المحددة مسبقاً، تُعيَّن رمز ثنائي (باركود) فريد لكل نسخة (الشكل 6). هذه الباركودات مقاومة للأخطاء، مما يسمح بتحديد النسخ بشكل موثوق حتى مع وجود عدة مئات من الجينات. تُلتقط الإشارات التي تنتجها جميع الحوامل المتفلورة fluorophore ويتم فك تشفير الأنماط باستخدام برنامج للكشف عن أنماط التعبير لكل جين. باستخدام هذه الأساليب، يمكن تحديد 10000 جين في وقت واحد داخل خلية واحدة، أو ما يصل إلى 40000 خلية خلال فترة زمنية مدتها 18 ساعة فقط.

الشكل (6).

التطبيقات الحديثة لتقنية الـ FISH

تستخدم تقنيةFISH   على نطاق واسع في مجال دراسة علم الجينومات فوق الوراثية المستقرة او الثابتة في المكان  Spatially Resolved Epigenomics الذي يساهم في التوصيف المكاني للجينوم فوق الوراثي في النسج بدقة خلية واحدة، إذ يتم رسم خرائط للسمات الجينية (مثل تعديلات الهستون أو مثيلة الحمض النووي) وارتباطها بنشاط الجينات (فوق الوراثي) مباشرة داخل سياق أنسجتها الأصلية، وكشف كيف يؤثر مكان وجود الخلية على كيفية تنظيم جيناتها، مما يوفر فهماً أعمق للتطور والمرض ووظيفة الأنسجة بما يتجاوز مجرد تسلسل الجينات. مما يوفر رؤى كيفية تنظيم الجينوم، في الفضاء ثلاثي الأبعاد داخل النواة.

كما يتم الاعتماد على تلك التقنية في دراسة علم المنتسخات  Transcriptomicsالمكاني القائم على التصوير بمساعدة المجال الكهربائي Electric Field-Assisted Imaging-Based Spatial . اذ يستخدم الباحثون المجالات الكهربائية لنقل الحمض النووي الريبي من عينات النسج إلى السطح من أجل التنميط اللاحق القائم على التهجين في الموضع للمنتسخات على مستوى الخلية الواحدة

وقد برز أيضاً الجيل الثالث من تفاعل التهجين في الموضع المتسلسل Third-Generation In Situ Hybridization Chain Reaction  الذي يعد من أحدث التقنيات في هذا المجال ويوفر مكاسب أعلى، وتكلفة أقل مقارنة بالأجيال السابقة.

ومن تطبيقات التهجين في الموضع استخدامه للكشف عن الكائنات الحية الدقيقة وتحديدها في العينات البيئية، مثل التربة والمياه، وكذلك لدراسة المجتمع المكروبي والوظائف البيئية. على سبيل المثال: كشفت المسابر المصممة حديثاً عن قدرات داخلية غير معروفة سابقاً لدرنة الماغناتومTuber  magnatum  في النباتات العشبية.

وفي أبحاث النبات، يُستعمل التهجين في الموضع لدراسة أنماط التعبير الجيني، والاختلافات الصبغية، مما يوفر أدوات مهمة للتربية الوراثية النباتية والأبحاث الجينومية.

ومن المتوقع أن ينمو سوق خدمات التهجين في الموضع العالمي بمعدل نمو سنوي قدره 7.2% من عام 2025 إلى عام 2032. يعتمد السوق على الطلب المتزايد على دراسة علم الجينوم وأبحاث السرطان والطب الشخصي. تعمل التطورات في تقنيات البيولوجيا الجزيئية على تعزيز القدرات التشخيصية، مع اتجاهات رئيسية بما في ذلك التبني المتزايد للأتمتة ودمج التقنيات الرقمية. تشمل الجهات الفاعلة الرئيسية في السوق شركات ضخمة مثل: Creative BioMart وAgilent Technologies وEnzo Life Sciences وInc وOGT.

تحديات وقيود التهجين في الموضع

على الرغم من أن تقنية التهجين في الموضع تقنية قوية يمكنها التحديد المكاني للحموض النووية وآليات التعبير الجيني في الأنظمة البيولوجية على مقاييس تتراوح من خلية واحدة إلى أجزاء من النسج إلى الكائنات الحية بأكملها. فإنها تواجه أيضاً بعض التحديات والقيود. على سبيل المثال، تتطلب التقنية عينات عالية الجودة وظروفاً تجريبية صارمة، ويمكن أن يتأثر تفسير النتائج بعوامل مختلفة. بالإضافة إلى ذلك فإن تكلفة الكواشف والمعدات مرتفعة نسبياً، وعملية التشغيل معقدة وتتطلب فنيين مهرة.

مراجع للاستزادة:

-      N. F. Azevedo, C. Almeida, Fluorescence In-Situ Hybridization (FISH) for Microbial Cells: Methods and Concepts. United States, Springer US, 2022.

-      M.  M. Bui, L. Pantanowitz, Modern Techniques in Cytopathology. Switzerland, S. Karger AG, 2020.

-      G. Hauptmann, In Situ Hybridization Methods. United States, Springer New York, 2015.

-      B. S. Nielsen,  J. Jones, In Situ Hybridization Protocols (Methods in Molecular Biology Book 2148),  Learn more, 2020.

 


- التصنيف : الوراثة والتقانات الحيوية - النوع : الوراثة والتقانات الحيوية - المجلد : المجلد العاشر، طبعة 2025، دمشق مشاركة :

بحث ضمن الموسوعة

من نحن ؟

الموسوعة إحدى المنارات التي يستهدي بها الطامحون إلى تثقيف العقل، والراغبون في الخروج من ظلمات الجهل الموسوعة وسيلة لا غنى عنها لاستقصاء المعارف وتحصيلها، ولاستجلاء غوامض المصطلحات ودقائق العلوم وحقائق المسميات وموسوعتنا العربية تضع بين يديك المادة العلمية الوافية معزَّزة بالخرائط والجداول والبيانات والمعادلات والأشكال والرسوم والصور الملونة التي تم تنضيدها وإخراجها وطبعها بأحدث الوسائل والأجهزة. تصدرها: هيئة عامة ذات طابع علمي وثقافي، ترتبط بوزير الثقافة تأسست عام 1981 ومركزها دمشق 1